стр. 141
← Фикховые вопросы следующие страницы →
Фикховые вопросы · id 96500
صلاة التطوع
سعيد بن وهف القحطاني
Полный текст (195 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 142
فقال: ((عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة)) (١)؛ ولحديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: ((سل)) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: ((أوَغيرَ ذلك؟)) قلت: هو ذاك. قال: ((فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثر الدعاء)) (٣)؛ولحديث ابن عباس ﵄ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمِنٌ أن يُستجاب لكم)) (٤).
واختلف العلماء ﵏؛ لهذه الأحاديث في أيهما أفضل: طول القيام مع قلة السجود، أو كثر السجود
стр. 143
مع قصر القيام؟
فمنهم من قال: كثرة السجود والركوع أفضل من طول القيام، واختارها طائفة من أصحاب الإمام أحمد؛ لأحاديث فضل السجود آنفة الذكر.
ومنهم من قال: إنهما سواء.
ومنهم من قال: طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود؛ لحديث جابر المذكور آنفاً (١): ((أفضل الصلاة طول القنوت)) (٢)، قال الإمام النووي-﵀: ((المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت)) (٣).
وقال الإمام الطبري-﵀ في قول الله تعالى:
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (٤) هو في هذا الموضع قراءة القارئ قائماً في الصلاة ... وقال آخرون:
стр. 144
هو الطاعة، والقانت المطيع)) (١).
وقال ابن كثير ﵀: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ أي في حال سجوده وفي حال قيامه، ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة ليس هو القيام وحده كما ذهب إليه آخرون، وقال ابن مسعود ﵁ القانت المطيع لله ولرسوله ﷺ )) (٢).
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن تطويل الصلاة قياماً وركوعاً وسجوداً أولى من تكثيرها قياماً وركوعاً وسجوداً (٣).
وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز
﵀ يقول: ((قد تنازع أهل العلم في أيهما أفضل:
стр. 145
طول القيام مع قلة السجود، أو كثرة السجود مع قصر القيام، منهم من فضل هذا ومنهم من فضل هذا، وكانت صلاة الرسول ﷺ معتدلة إن أطال القيام أطال السجود والركوع، وإن قصر القيام قصر الركوع والسجود، وهذا أفضل ما يكون)). وذكر ﵀ أن الأفضل أن يصلي المسلم ما يستطيع، حتى لا يمل، فإذا ارتاحت نفسه للتطويل أطال، وإن ارتاحت نفسه للتقصير قصر إذا رأى أن التقصير أخشع له وأقرب إلى قلبه وراحة ضميره وتلذذه بهذه العبادة، وكلما كثرت السجدات كان أفضل، فإن استطاع المسلم ذلك فالأفضل طول القيام مع كثرة الركوع والسجود يجمع بين الأمرين، وهي صلاة معتدلة إن أطال القيام أطال الركوع والسجود وإن قصر قصر (١).
وقد كان النبي ﷺ يتحمل كثيراً في العبادة، ويتلذذ بها، وربما يقوم في صلاة الليل حتى تتفطَّرَ قدماه، فتقول له
стр. 146
عائشة ﵂: يا رسول الله، لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) (١). وقد ثبت عنه ﷺ أنه قرأ في ركعة واحدة من قيام الليل: سورة البقرة، والنساء، وآل عمران (٢)، ورآه حذيفة ﵁ يصلي أربع ركعات من الليل قرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام (٣).
وقالت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : ((كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته - تعني بالليل - فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأُ أَحَدُكُم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه)) (٤).
وقد كان ﷺ يرتاح لذلك ولا يملُّ من عبادة ربه ؛ بل كانت الصلاة قُرَّةَ عينه، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((حُبِّبَ إليّ النساء والطيب، وجُعِلت قُرَّةُ عيني في
стр. 147
الصلاة)) (١). وكانت الصلاة راحته، فعن سالم بن أبي الجعد قال: قال رجل: ليتني صليت واسترحت، فكأنهم عابوا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها)) (٢).
أما الأمة فقال لهم ﷺ : ((خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الدين يُسْرٌ ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غَلَبَهُ، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدُّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا)) (٤).
وسمعت سماحة الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يدل على أن الأفضل في حقنا القصد وعدم
стр. 148
التطويل الذي يشق علينا حتى لا نمل، وحتى لا نفتر من العبادة، فالمؤمن يصلي ويجتهد ويتعبد لكن من غير مشقة، بل يتوسط في الأمور حتى لا يمل العبادة)) (١).
سابعاً: الأسباب المعينة على قيام الليل:
١ - معرفة فضل قيام الليل ، ومنزلة أهله عند الله تعالى، وما لهم من السعادة في الدنيا والآخرة، وأن لهم الجنة، وقد شهد الله لهم بالإيمان الكامل، وأنهم لا يستوون هم والذين لا يعلمون، وأن قيام الليل من أسباب دخول الجنة، ورفع الدرجات في غرفها العالية، وأنه من صفات عباد الله الصالحين، وأن شرف المؤمن قيام الليل، وأنه مما ينبغي أن يغبط عليه الإنسان المؤمن (٢).
٢ - معرفة كيد الشيطان، وتثبيطه عن قيام الليل
стр. 149
والترهيب من ترك قيام شيء من الليل؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ذُكرَ عند النبي ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح قال: ((ذاك رجل بال الشيطان في أذنه))، أو قال: ((في أذنيه)) (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقدٍ، يضرب على مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقُدْ، فإن استيقظ فذكر الله انحلَّت عقدة، فإن توضأ انحلَّت عقدة، فإن صلى انحلَّت عُقَدُهُ، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)) (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم
стр. 150
من الليل فترك قيام الليل)) (١)، ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه رأى رؤيا فقصها على أخته حفصة أم المؤمنين ﵂ فقصَّتها على رسول الله ﷺ فقال: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)) فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يُبغض كل جعظريٍّ جوَّاظ (٣)، سخَّاب (٤) بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالمٍ جاهل بأمر الآخرة)) (٥).
стр. 151
٣ - قصر الأمل وتذكر الموت ؛ فإنه يدفع على العمل ويذهب الكسل؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)).وكان ابن عمر يقول: ((إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)) (١).
قال الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -:
اغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ ... فعسى أن يكون موتك بغتة
كم صحيح رأيت من غيرسقمٍ ... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة (٢)
ولَمّا نُعي إليه عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الحافظ أنشد:
إن عشت تفجع بالأحبة كلهم ... وبقاء نفسك لا أبا لك أفجع (٣)
стр. 152
وقال آخر:
صلاتك نورٌ والعباد رقودٌ ... ونومك ضد للصلاة عنيد
وعمرك غُنمٌ إن عقلت ومهلةٌ ... يسيرُ ويفنى دائباً ويبيد (١)
وقال بعض الصالحين:
عجبتُ من جسمٍ ومن صحةٍ ... ومن فتىً نام إلى الفجر
فالموتُ لا تؤمن خطفاتُهُ ... في ظلم الليل إذا يسرِي
من بين منقول إلى حفرةٍ ... يفترش الأعمال في القبر
وبين مأخوذٍ على غِرَّةٍ ... بات طويل الكبر والفخر
عاجله الموتُ على غفلةٍ ... فمات محسوراً إلى الحشرِ (٢)
٤ - اغتنام الصحة والفراغ ؛ ليكتب له ما كان يعمل؛ لحديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)) (٣).
فينبغي للعاقل أن لا يفوته هذا الفضل العظيم، فيجتهد في حال الصحة، والفراغ، والإقامة في الأعمال
стр. 153
الصالحة حتى تكتب له إذا عجز أو شُغل؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ)) (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لرجلٍ وهو يعظه: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)) (٢).
٥ - الحرص على النوم مبكراً ؛ ليأخذ قوة ونشاطاً يستعين بذلك على قيام الليل وصلاة الفجر؛ لحديث أبي برزة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها (٣).
стр. 154
٦ - الحرص على آداب النوم ، وذلك بأن ينام على طهارة، وإن لم يكن على طهارة توضأ، وصلى ركعتين سنة الوضوء، ثم يدعو بما ثبت من أذكار النوم، ويجمع كفيه ثم ينفث فيهما ويقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾،
و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات، ويقرأ آية الكرسي، والآيتين من آخر سورة البقرة، ويكمل أذكار النوم (١)، وهذا يكون من أسباب الإعانة على قيام الليل، وعليه أن يأخذ بالأسباب بأن يضع ساعة عند رأسه تنبهه، أو يوصي من حوله من أهله، وأقاربه، أو جيرانه، أو زملائه أن يوقظوه.
٧ - العناية بجملة الأسباب التي تعين على قيام الليل ، فلا يكثر الأكل، ولا يتعب نفسه بالنهار بالأعمال التي لا فائدة فيها؛ بل ينظم أعماله النافعة، ولا يترك القيلولة
стр. 155
بالنهار؛ فإنها تعين على قيام الليل، ويجتنب الذنوب والمعاصي، وقد ذُكِرَ عن الثوري ﵀ أنه قال: ((حُرِمْتُ قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته))، فالذنوب قد يُحْرَمُ بها العبد فيفوته كثير من الغنائم: كقيام الليل، ومن أعظم البواعث على قيام الليل: سلامة القلب للمسلمين، وطهارته من البدع، وإعراضه عن فضول الدنيا، ومن أعظم البواعث على قيام الليل: حب الله تعالى، وقوة الإيمان بأنه إذا قام ناجى ربه وأنه حاضره ومشاهده، فتحمله المناجاة على طول القيام (١)، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة)) (٢).
النوع الثاني: صلاة النهار والليل المطلقة:
يصلي المسلم ما شاء من ليل أو نهار من الصلوات
стр. 156
المطلقة في غير أوقات النهي، وتكون صلاته مثنى مثنى؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((صلاة الليل والنهار، مثنى مثنى ... )) (١)، فيصلي المؤمن ما شاء، وقد ثبت من حديث أنس بن مالك في هذه الآية:
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (٢). قال: ((كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون)). وكان الحسن يقول: ((قيام الليل)) (٣). وعن أنس ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿كَانُوا
стр. 157
قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١) قال: ((كانوا يصلون في ما بين المغرب والعشاء وكذلك ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ (٢). وعن حذيفة ﵁ ((أن النبي ﷺ صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة)) (٣)، وفي رواية عن حذيفة ﵁ قال: سألتني أمي: متى عهدك بالنبي ﷺ ؟ فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا، فنالت مني، فقلت لها: دعيني آتي النبي ﷺ فأصلي معه وأسأله أن يستغفر لي ولك، فأتيت النبي ﷺ فصليت معه المغرب، فصلى حتى صلى العشاء، ثم انفتل فتبعتُه، فسمع صوتي فقال: ((من هذا حذيفة؟)) قلت: نعم، قال: ((ما حاجتك غفر الله لك ولأمك؟)) قال: ((إن هذا ملك لم ينزل الأرض قطُّ قبل هذه الليلة استأذن ربَّه أن يسلم عليَّ ويبشرني بأن فاطمة
стр. 158
سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة)) (١). وفي لفظ له: ((أتيت النبي ﷺ فصليت معه المغرب، فصلى إلى العشاء)) (٢).
القسم الرابع: الصلوات ذوات الأسباب:
أولاً: تحية المسجد سنة مؤكدة لمن دخل المسجد في أي وقت على الصحيح؛ لحديث أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)). وفي لفظ: ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) (٣)؛ ولحديث جابر بن عبد الله ﵄
стр. 159
قال: كان لي على النبي ﷺ دَين فقضاني وزادني، ودخلت عليه في المسجد فقال لي: ((صلِّ ركعتين)) (١)، وعنه ﵁ قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس فقال له: ((يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوَّز فيهما)) ثم قال: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوَّز فيهما)) (٢).
والأمر بتحية المسجد يفيد بحقيقته وجوب فعل التحية، والنهي يفيد بحقيقته أيضاً تحريم تركها، واختلف أهل العلم في القول بالوجوب والسنية، والصواب أنها سنة مؤكدة وهو قول الجمهور، قال الإمام النووي
﵀: ((فيه استحباب تحية المسجد بركعتين وهي
стр. 160
سنة بإجماع المسلمين، وفيه استحباب التحية في أي وقت دخل)) (١).
ثانياً: صلاة القدوم من السفر في المسجد ، يُصلي المسلم عند القدوم من السفر ركعتين في المسجد قبل أن يذهب إلى بيته؛ لحديث جابر ﵁ قال: اشترى مني رسول الله ﷺ بعيراً، فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد فأصلي ركعتين (٢)، وعن كعب بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كان لا يقدم إلا نهاراً في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس فيه))، قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: ((في هذه الأحاديث استحباب ركعتين للقادم من سفره في المسجد أول قدومه، وهذه الصلاة مقصودة للقدوم من السفر؛ لا أنها تحية المسجد، والأحاديث
стр. 161
المذكورة صريحة فيما ذكرته، وفيه استحباب القدوم أوائل النهار، وفيه أنه يستحب للرجل الكبير في المرتبة ومن يقصده الناس إذا قدم من سفر للسلام عليه أن يقعد أول قدومه قريباً من داره في موضع بارز سهل على زائريه، إما المسجد وإما غيره (١).
ثالثاً: الصلاة عقب الوضوء: سنة مؤكدة في أي وقت من ليل أو نهار؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: ((يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإني سمعت دفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة؟)) قال: ما عملت عملاً أرجى أني لم أتطهر طهوراً في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي)) (٢).
قال الإمام النووي ﵀: ((وفيه فضيلة الصلاة
стр. 162
عقب الوضوء، وأنها سنة، وأنها تباح في أوقات النهي عند طلوع الشمس واستوائها، وغروبها، وبعد صلاة الصبح والعصر؛ لأنها ذات سبب)) (١)،وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ يقول: ((الحديث واضح في أن سنة الوضوء تصلى في أي وقت من ليل أو نهار)) (٢)، ومما يؤكد هذه السنة العظيمة حديث عثمان ﵁ أنه توضأ وضوءاً كاملاً ثم قال: رأيت النبي ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا وقال: ((من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه)) (٣)، وعن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة)) (٤).
стр. 163
ومما يؤكد أن سنة الوضوء تُصلَّى في أي وقت، حديث بريدة ﵁ قال: أصبح رسول الله ﷺ يوماً فدعا بلالاً، فقال: ((يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قطُّ إلا سمعت خشخشتك أمامي، دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي ... )) فقال بلال: يا رسول الله، ما أذَّنتُ قط إلا صليت ركعتين، وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها، ورأيت أن لله عليَّ ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : ((بهما)) (١)،قال الحافظ ابن حجر-﵀: ((فدل على أنه كان يعقب الحدث بالوضوء، والوضوء بالصلاة في أي وقت كان)) (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام، وأن سنة الوضوء تصلى ولو كانت في وقت النهي (٣).
رابعاً: صلاة الاستخارة ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵁
стр. 164
قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور [كلها] كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: ((إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاَّم الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ثم يسميه بعينه] خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به)). قال: ((ويسمي حاجته)) وفي لفظ: ((ثم رضِّني به)) (١).
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن
стр. 165
المسلم يصلي صلاة الاستخارة وقت النهي في أمر يفوت بالتأخير إلى وقت الإباحة (١).
خامساً: صلاة التوبة: سنة؛ لحديث علي ﵁ قال: كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من عبدٍ يذنب ذنباً فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له)) ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٢)﴾ (٣).
стр. 166
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنها تصلى حتى في وقت النهي؛ لأن التوبة واجبة على الفور، وهو مندوب إلى أن يصلي ركعتين (١).
سادساً: سجود تلاوة القرآن الكريم:
١ - فضل سجود التلاوة عظيم؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله [وفي رواية يا ويلي] أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النار)) (٢)، وهذا الحديث فيه الحث على سجود التلاوة والترغيب فيه.
٢ - سجود التلاوة سنة مؤكدة على الصحيح (٣) للتالي
стр. 167
والمستمع؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قرأ النبي ﷺ النجم بمكة فسجد بها فما بقي أحد من القوم إلا سجد، غير شيخ أخذ كفَّاً من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته [فسجد عليه] وقال يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قُتِلَ كافراً [وهو أمية بن خلف]))، وفي رواية: ((أول سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فسجد رسول الله ﷺ وسجد من خلفه ... )) الحديث (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: ((سجد النبي ﷺ
стр. 168
[بالنجم]، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجن، والإنس)) (١).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه، فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعاً يسجد عليه)) ولفظ مسلم: ((أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة ونسجد معه ... )) الحديث (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سجدنا مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٣).
وهذه الأحاديث تدل على أهمية سجود التلاوة ومشروعيته المؤكدة وعناية النبي ﷺ به، ولكن دلت
стр. 169
الأدلة الأخرى على عدم الوجوب، فقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: ((يا أيها الناس إنما نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه)) ولم يسجد عمر ﵁ وفي لفظ: ((إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء)) (١).
ومن أوضح الأدلة على أن سجود التلاوة سنة مؤكدة وليس بواجب حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: ((قرأت على النبي ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلم يسجد فيها)) (٢).
ورجّح الإمام النووي والحافظ ابن حجر، وابن قدامة ﵏ أن حديث زيد بن ثابت هذا محمول على بيان جواز عدم السجود، وأنه سنة مؤكدة وليس بواجب؛ لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود ولو
стр. 170
بعد ذلك (١)، وقال الحافظ ابن حجر: ((وأقوى الأدلة على نفي الوجوب حديث عمر المذكور في هذا الباب)) (٢)، وتعقبه الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ -فبين ((أن أقوى منه وأوضح في الدلالة على عدم وجوب سجود التلاوة: قراءة زيد بن ثابت على النبي ﷺ سورة النجم فلم يسجد فيها، ولم يأمره النبي ﷺ بالسجود، ولو كان واجباً لأمره به)) (٣).
٣ - سجود المستمع إذا سجد القارئ ، وإذا لم يسجد لم يسجد؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه فنزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعاً يسجد عليه)) (٤)، وقال ابن مسعود ﵁ لتميم بن حَذْلم - وهو غلام - فقرأ عليه
стр. 171
سجدة فقال: ((اسجد فأنت إمامنا فيها)) (١)، فالمستمع الذي ينصت للقارئ ويتابعه في الاستماع يسجد مع القارئ إذا سجد وإذا لم يسجد فلا (٢).
أما السامع الذي لا يقصد سماع القرآن وإنما مر فسمع القراءة وسجد القارئ، فإنه لا يلزمه السجود، قيل لعمران بن حصين ﵁: الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها، قال: ((أرأيت لو قعد لها)) كأنه لا يوجبه عليه (٣). وقال سلمان الفارسي ﵁: ((ما لهذا غدونا)) (٤)،
стр. 172
стр. 173
الموضع الأول: آخر سورة الأعراف، عند قوله تعالى: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (١).
الموضع الثاني: في الرعد عند قوله تعالى: ﴿وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ (٢).
الموضع الثالث: في النحل عند قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٣).
الموضع الرابع: في الإسراء عند قوله تعالى:
﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٤).
الموضع الخامس: في سورة مريم عند قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (٥).
الموضع السادس: في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ
стр. 174
الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (١).
الموضع السابع: في سورة الحج عند قوله تعالى:
﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢).
الموضع الثامن: في سورة الفرقان عند قوله تعالى:
﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (٣).
الموضع التاسع: في سورة النمل، عند قوله تعالى:
﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٤).
الموضع العاشر: في سورة ﴿الم﴾ السجدة، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٥).
الموضع الحادي عشر: في سورة ص، عند قوله:
﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٦).
стр. 175
الموضع الثاني عشر: في سورة فصلت، عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (١).
وهذا قول الجمهور من العلماء، وقال الإمام مالك ﵀ وطائفة من السلف، بل عند قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٢).
الموضع الثالث عشر: في آخر سورة النجم، عند قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لله وَاعْبُدُوا﴾ (٣).
الموضع الرابع عشر: في سورة الانشقاق عند قوله
стр. 176
стр. 177
٥ - سجود التلاوة في الصلاة الجهرية ثابت؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنه صلى بأصحابه صلاة العشاء فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ فسجد، فقيل له: ما هذه؟ قال: ((سجدت فيها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه)) (١).
٦ - صفة سجود التلاوة ، من قرأ آية سجدة أو كان يستمع لها، فإنه يستحب له أن يستقبل القبلة ويكبر، ويسجد ثم يقول دعاء السجود، ثم يرفع من السجود بدون تكبير، ولا تشهد، ولا سلام (٢)؛ لحديث عبد الله بن
стр. 178
عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مرَّ بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا معه)) (١). وإذا كان
стр. 179
سجود التلاوة في الصلاة، فإنه يكبر حين يسجد وحين ينهض من السجود؛ لأن النبي ﷺ كان يكبر في الصلاة في كل خفض ورفع (١)، وقد قال ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٢)، وإذا قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة، فإن شاء ركع، وإن شاء سجد ثم قام فقرأ شيئاً من القرآن ثم ركع، وإن شاء سجد ثم قام فركع من غير قراءة)) (٣).
٧ - الدعاء في سجود التلاوة ، يدعو بمثل دعائه في سجود الصلاة، وقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل [يقول في السجدة مراراً] (٤): ((سجد وجهي للذي خلقه [وصوَّره] (٥) وشقَّ سمعَه وبصرَه، بحوله وقوته [فتبارك
стр. 180
الله أحسن الخالقين] (١)) (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة فسجدْتُ، فسَجَدَتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعتها تقول: ((اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، [وتقبَّلْها مني كما تقبَّلْتها من عبدك داود])). قال ابن عباس ﵄: ((فرأيت النبي ﷺ قرأ سجدة ثم سجد، فسمعته يقول في سجوده مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة)) (٣).