← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96501

صلاة الجماعة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (100 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: فهذه رسالة مختصرة في ((صلاة الجماعة)) بيّنت فيها: مفهوم صلاة الجماعة، وحكمها، وفوائدها، وفضلها، وفضل المشي إليها، وآداب المشي إليها، وانعقادها باثنين، وإدراكها بركعة، وأن صلاة الجماعة الثانية مشروعة لمن فاتته صلاة الجماعة الأولى مع الإمام، وأن من صلى ثم أدرك جماعة أعادها معهم نافلة، وأن المسبوق يدخل مع الإمام على أي حال وجده، ولكن لا يعتد بركعة لا يدرك ركوعها، ويصلي ما بقي من صلاته إذا سلم إمامه.

стр. 2

وقرنتُ كلَّ مسألة بدليلها. وقد استفدت كثيراً من تقريرات وترجيحات شيخنا سماحة الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ ورفع درجاته في جنات النعيم. والله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل مقبولاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. المؤلف حرر في ضحى يوم الأربعاء الموافق ٢٧/ ٢/١٤٢١هـ

стр. 3

المبحث الأول: مفهوم صلاة الجماعة لغة واصطلاحاً: ١ - الصلاة لغة: الدعاء، قاله الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ (١) أي ادعُ لهم، وقال النبي ﷺ : ((إذا دُعي أحدكم فليُجِبْ، فإن كان صائماً فليصلِّ، وإن كان مفطراً فليطعم)) (٢). أي فليدعُ بالبركة والخير والمغفرة (٣)، والصلاة من الله حسن الثناء، ومن الملائكة الدعاء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٤). قال أبو العالية: ((صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء)) (٥)، وقال ابن عباس ﵄: ((يصلون: يبرِّكون)) (٦)، وقيل: إن صلاة

стр. 4

الله الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، والصواب القول الأول (١). فالصلاة من الله: الثناء، ومن المخلوقين: الملائكة، والإنس، والجن: القيام، والركوع، والسجود، والدعاء، والاستغفار، والتسبيح. والصلاة من الطير والهوام: التسبيح (٢). ٢ - الصلاة في الاصطلاح الشرعي: عبادة لله ذات أقوال، وأفعال معلومة مخصوصة، مفتَتَحة بالتكبير، مختَتَمة بالتسليم، وسُمِّيت صلاة؛ لاشتمالها على الدعاء (٣)؛ فإنها كانت اسماً لكل دعاء، فصارت اسماً لدعاء مخصوص، أو كانت اسماً لدعاء فنقلت إلى الصلاة الشرعية؛ لما بينها وبين الدعاء من المناسبة، والأمر في ذلك متقارب، فإذا أطلق اسم الصلاة في الشرع لم يفهم منه إلا الصلاة المشروعة (٤)،وقد اشتملت على الدعاء بنوعيه:

стр. 5

دعاء المسألة: وهو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع، أو دفع ضر، أو كشفه، وسؤال الحاجات من الله بلسان الحال. ودعاء العبادة: وهو طلب الثواب بالأعمال الصالحة: من القيام، والركوع، والسجود، فمن فعل هذه العبادات فقد دعا ربه وطلبه بلسان الحال أن يغفر له، فاتضح بذلك أن الصلاة كلها: دعاء مسألة، ودعاء عبادة؛ لاشتمالها على ذلك كله (١). ٣ - الجماعة لغة: عدد كل شيء وكثرته، والجمعُ: تأليف المتفرِّق؛ والمسجدُ الجامعُ: الذي يجمع أهله، نعتٌ له؛ لأنه علامة للاجتماع، ويجوز: مسجد الجامع بالإضافة، كقولك: الحقُ اليقينُ، وحقُّ اليقين، بمعنى: مسجد اليوم الجامع، وحق الشي اليقين؛ لأن إضافة

стр. 6

الشيء إلى نفسه لا تجوز إلا على هذا التقدير، والجماعة: عدد من الناس يجمعهم غرض واحد (١). ٤ - الجماعة في الاصطلاح الشرعي: تطلق على عدد من الناس، مأخوذة من معنى الاجتماع، وأقل ما يتحقق به الاجتماع اثنان: إمام ومأموم (٢)، وسميت صلاة الجماعة: لاجتماع المصلين في الفعل: مكاناً وزماناً، فإذا أخلوا بهما أو بأحدهما لغير عذر كان ذلك منهيّاً عنه باتفاق الأئمة (٣). المبحث الثاني: حكم صلاة الجماعة: صلاة الجماعة فرض عين على الرجال المكلفين القادرين، حضراً وسفراً، للصلوات الخمس (٤)؛ لأدلة

стр. 7

صريحة كثيرة من الكتاب والسنة الصحيحة، والآثار، ومنها ما يأتي:

стр. 8

١ - أمر الله تعالى حال الخوف بالصلاة جماعة فقال: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ (١)، فالله أمر بالصلاة في الجماعة في شدة الخوف، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرة ثانية في حق الطائفة الثانية، فلو كانت الجماعة سُنَّة لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف، ولو كانت فرض كفاية لأسقطها سبحانه عن الطائفة الثانية بفعل الأولى، فدّل ذلك على أن الجماعة فرض على الأعيان. ٢ - أمر الله بالصلاة مع المصلين فقال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (٢)،فقد أمر الله بالصلاة مع جماعة المصلين، والأمر يقتضي الوجوب. ٣ - عاقب الله من لم يُجب المؤذن فيصلي مع الجماعة بأن

стр. 9

حال بينهم وبين السجود يوم القيامة، قال : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ (١). فقد عاقب سبحانه من لم يجب الداعي إلى الصلاة مع الجماعة بأن حال بينه وبين السجود يوم القيامة، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً)). وفي لفظ: (( .. فيُكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه .. )) (٢).

стр. 10

وهذا فيه عقوبة للمنافقين وأن ظهورهم يوم القيامة تكون طبقاً واحداً: أي فقار الظهر كله يكون كالفقارة الواحدة، فلا يقدرون على السجود (١). ٤ - أمر النبي ﷺ بالصلاة مع الجماعة ، فعن مالك بن الحويرث ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة – وكان رحيماً رفيقاً- فلما رأى شوقنا إلى أهالينا قال: ((ارجعوا فكونوا فيهم، وعلِّموهم، وصلُّوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم)) (٢). فالنبي ﷺ أمر بصلاة الجماعة، والأمر يقتضي الوجوب. ٥ - همّ النبي ﷺ بتحريق البيوت على المتخلفين عن صلاة الجماعة ؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ فقد

стр. 11

ناساً في بعض الصلوات فقال: ((لقد هممتُ أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُخالِفَ (١) إلى رجالٍ يتخلَّفون عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو عَلِمَ أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها)). وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ((والذي نفسي بيده لقد هممتُ أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذّن لها، ثم آمر رجلاً فيؤمُّ الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً سميناً (٢)، أو مرماتين حسنتين (٣) لشهد العشاء)). وفي لفظ لمسلم: ((إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً (٤)، ولقد

стр. 12

هممتُ أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (١). وفي هذا الحديث دلالة على أن صلاة الجماعة فرض عين (٢). ٦ - لم يرخص النبي ﷺ للأعمى بعيد الدار في التخلف عن الجماعة ؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له؛ فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولَّى دعاه فقال: ((هل تسمع النداء بالصلاة؟)) فقال: نعم، قال: ((فأجب)) (٣). وعن ابن أم مكتوم ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول

стр. 13

الله، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: ((هل تسمع النداء؟)) قال: نعم، قال: ((لا أجد لك رخصة)) (١). وفي لفظ أنه قال: يا رسول الله، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال النبي ﷺ : ((أتسمع حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؟ فحي هلا (٢)) (٣). وهذا يصرح فيه النبي ﷺ بأنه لا رخصة للمسلم في التخلف عن صلاة الجماعة إذا سمع النداء، ولو كان مخيراً بين أن يصلي وحده أو جماعة، لكان أولى الناس بهذا التخيير هذا الأعمى الذي قد اجتمع له ستة أعذار: كونه أعمى البصر، وبعيد الدار، والمدينة كثيرة الهوام والسباع، وليس له قائد يلائمه، وكبير السن، وكثرة النخل

стр. 14

والشجر بينه وبين المسجد (١). ٧ - بيَّن النبي ﷺ أن من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له ؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهماعن النبي ﷺ أنه قال: ((من سمع النداء فلم يأته فلا صلاةَ له إلا من عُذرٍ)) (٢). وهذا يدل على أن صلاة الجماعة فرض عين، وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((معنى لا صلاة له: أي لا صلاة كاملة بل ناقصة، والجمهور على الإجزاء ... )) (٣).

стр. 15

٨ - تركُ صلاة الجماعة من علامات المنافقين ومن أسباب الضلال ؛ لقول عبد الله بن مسعود ﵁: ((لقد رأيتُنا وما يتخلَّف عن الصلاة إلا منافق قد عُلِم نفاقه، أو مريض، إن كان المريض ليمشي بين الرجلين حتى يأتي الصلاة، وقال: إن النبي ﷺ علمنا سنن الهُدى، وإن من سنن الهُدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه)). وفي رواية: أن عبد الله قال: ((من سرَّه أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيثُ يُنادَى بهِنَّ؛ فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى (١)، وإنهنَّ من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم (٢)، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة

стр. 16

يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين (١) حتى يقام في الصف)) (٢). وهذا يدل على أن التخلف عن الجماعة من علامات المنافقين المعلوم نفاقهم، وعلامات النفاق لا تكون بترك مستحب، ولا بفعل مكروه، ومعلوم أن من استقرأ علامات النفاق في السنة وجدها إما بترك فريضة، أو فعل محرم (٣)، وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتحمل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريض ونحوه التوصل إليها استحب له حضورها (٤). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن للمنافقين

стр. 17

علامات يُعرَفون بها: تحيتهم لعنةٌ، وطعامهم نُهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هَجْراً (١)، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْراً (٢) مستكبرين، لا يألفون ولا يُؤلفون، خُشُبٌ (٣) بالليل، صُخُبٌ بالنهار)) (٤). وفي لفظ: ((سُخُبٌ بالنهار)) (٥). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا به الظن)) (٦).

стр. 18

وفي رواية عنه ﵁: ((كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة الغداة أسأنا به الظن)) (١). ٩ - تارك صلاة الجماعة متوعد بالختم على قلبه ؛ لحديث ابن عباس وابن عمر ﵃ أنهما سمعا النبي ﷺ يقول على أعواده (٢): ((لينتهينَّ أقوامٌ عن ودعهم (٣) الجماعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين)) (٤). وهذا التهديد لا يكون إلا على ترك واجب عظيم. ١٠ - استحواذ الشيطان على قوم لا تقام فيهم الجماعة ؛

стр. 19

لحديث أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من ثلاثة في قرية، ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة (١) إلا قد استحوذ عليهم الشيطان (٢)، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)) (٣). قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة (٤)، فقد أخبر النبي ﷺ باستحواذ الشيطان عليهم بترك الجماعة التي شعارها الأذان، وإقامة الصلاة، ولو كانت الجماعة ندباً يخير الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها (٥).

стр. 20

١١ - تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي صلاة الجماعة ؛ لحديث أبي الشعثاء قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة ﵁ فَأَذَّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة ﵁: ((أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ )) (١). فقد جعله أبو هريرة ﵁ عاصياً لرسول الله ﷺ بخروجه بعد الأذان؛ لتركه الصلاة جماعة (٢). قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى-: ((فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي المكتوبة إلا لعذر والله أعلم)) (٣). وقد جاء النهي صريحاً، فعن أبي هريرة ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ : ((إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي)) (٤). وعنه

стр. 21

- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق)) (١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يذكر أنه لا يجوز الخروج من المسجد الذي أذن فيه، إلا لعذر: كأن يريد الوضوء أو يصلي في مسجد آخر. قلت: قال الترمذي ﵀: ((وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم، أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، أو يكون على غير وضوء، أو أمرٌ لا بد منه)) (٢). وذكر المباركفوري ﵀: أن الحديث يدل على أنه لا يجوز الخروج من المسجد، بعدما أذن فيه، إلا للضرورة، كمن كان جنباً، أو عليه حدث أصغر، أو

стр. 22

الذي حصل له رعاف، أو الحاقن، ونحوهم، وكذا من يكون إماماً لمسجد آخر، ومن في معناه (١). ١٢ - تفقد النبي ﷺ للجماعة في المسجد يدل على وجوب صلاة الجماعة؛ لحديث أبي بن كعب ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح، فقال: ((أشاهد فلان؟)) قالوا: لا، قال: ((أشاهد فلان؟)) قالوا: لا، قال: ((إن هاتين الصلاتين (٢) أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما، لأتيتموها ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى)) (٣).

стр. 23

١٣ - إجماع الصحابة ﵃ على وجوب صلاة الجماعة ؛ فقد ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى- إجماع الصحابة على وجوب صلاة الجماعة، وذكر نصوصهم في ذلك، ثم قال: ((فهذه نصوص الصحابة كما تراها: صحةً، وشهرةً، وانتشاراً، ولم يجئ عن صحابي واحد خلاف ذلك، وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة، لو كان وحده، فكيف إذا تعاضدت وتظافرت، وبالله التوفيق)) (١). وقال الترمذي ﵀: ((وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له)) (٢). وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر)) (٣).

стр. 24

وقال مجاهد: ((وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يشهد جمعة ولا جماعة؟ قال: هو في النار)) (١). قال الترمذي ﵀: ((ومعنى الحديث: أن لا يشهد الجماعة والجمعة رغبة عنها، واستخفافاً بحقها، وتهاوناً بها)) (٢). المبحث الثالث: فوائد صلاة الجماعة: صلاة الجماعة فيها فوائد كثيرة، ومصالح عظيمة، ومنافع متعددة شرعت من أجلها، وهذا يدل على أن الحكمة تقتضي أن صلاة الجماعة فرض عين، ومن هذه الفوائد والحكم التي شرعت من أجلها ما يأتي:

стр. 25

١ - شرع الله لهذه الأمة الاجتماع في أوقات معلومة ، منها ما هو في اليوم والليلة كالصلوات الخمس، ومنها ما هو في الأسبوع وهو صلاة الجمعة، ومنها ما هو في السنة متكرراً وهو صلاة العيدين لجماعة كل بلد، ومنها ما هو عامٌّ في السنة وهو الوقوف بعرفة؛ لأجل التواصل وهو الإحسان، والعطف، والرعاية؛ ولأجل نظافة القلوب، والدعوة إلى الله بالقول والعمل. ٢ - التعبد لله تعالى بهذا الاجتماع ؛ طلباً للثواب، وخوفاً من عقاب الله، ورغبة فيما عنده. ٣ - التوادد، وهو التحابّ ؛ لأجل معرفة أحوال بعضهم لبعض، فيقومون بعيادة المرضى، وتشييع الموتى، وإغاثة الملهوفين، وإعانة المحتاجين؛ ولأن ملاقاة الناس بعضهم لبعض توجب المحبة، والألفة. ٤ - التعارف ؛ لأن الناس إذا صلى بعضهم مع بعض حصل التعارف، وقد يحصل من التعارف معرفة بعض الأقرباء، فتحصل صلته بقدر قرابته، وقد يعرف الغريب

стр. 26

عن بلده فيقوم الناس بحقه. ٥ - إظهار شعيرة من أعظم شعائر الإسلام ؛ لأن الناس لو صلُّوا كلهم في بيوتهم ما عرف أن هنالك صلاة. ٦ - إظهار عز المسلمين ، وذلك إذا دخلوا المساجد ثم خرجوا جميعاً، وهذا فيه إغاظة لأهل النفاق والكافرين، وفيه البعد عن التشبه بهم والبعد عن سبيلهم. ٧ - تعليم الجاهل ؛ لأن كثيراً من الناس يستفيد مما شرع في الصلاة بواسطة صلاة الجماعة، ويسمع القراءة في الجهرية فيستفيد ويتعلم، ويسمع أذكار أدبار الصلوات فيحفظها، ويقتدي بالإمام ومن بجانبه وأمامه فيتعلم أحكام صلاته، ويتعلم الجاهل من العالم. ٨ - تشجيع المتخلف عن الجماعة ، والقيام بإرشاده وتوجيهه، والتواصي بالحق والصبر عليه. ٩ - تعويد الأمة الإسلامية على الاجتماع وعدم التفرق ؛

стр. 27

فإن الأمة مجتمعة على طاعة ولي الأمر، وهذه الصلاة في الجماعة ولاية صغرى؛ لأنهم يقتدون بإمام واحد يتابعونه تماماً، فهي تشكل النظرة العامة للإسلام. ١٠ - تعويد الإنسان ضبط النفس ؛ لأنه إذا اعتاد على متابعة الإمام متابعة دقيقة، لا يكبِّر قبله، ولا يتقدم ولا يتأخر كثيراً، ولا يوافقه؛ بل يتابعه تعوّد على ضبط النفس. ١١ - استشعار المسلم وقوفه في صف الجهاد كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (١). فهؤلاء الذين صاروا صفّاً في الجهاد لا شك أنهم إذا تعوَّدوا ذلك في الصلوات الخمس سوف يكون ذلك وسيلة إلى ائتمامهم بقائدهم في صف الجهاد، فلا يتقدمون ولا يتأخرون عن أوامره. ١٢ - شعور المسلمين بالمساواة، وتحطيم الفوارق الاجتماعية ؛ لأنهم يجتمعون في المسجد: أغنى الناس

стр. 28

بجنب أفقر الناس، والأمير إلى جنب المأمور، والحاكم إلى جنب المحكوم، والصغير إلى جنب الكبير، وهكذا، فيشعر الناس بأنهم سواء، فتحصل بذلك الألفة؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بمساواة الصفوف حتى قال: ((ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)) (١). ١٣ - تفقد أحوال الفقراء، والمرضى، والمتهاونين بالصلاة ؛ فإن الناس إذا رأوا الإنسان يلبس ثياباً بالية وتبدو عليه علامات الجوع رحموه، وأحسنوا إليه، وإذا تخلف بعضهم عن الجماعة عرفوا أنه كان مريضاً، أو عاصياً فينصحوه، فيحصل التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ١٤ - استشعار آخر هذه الأمة بما كان عليه أولها ؛ لأن الصحابة كانوا يقتدون بالرسول ﷺ ، فيستشعر الإمام أنه في مقام الرسول ﷺ ، ويستشعر المأموم أنه في مقام الصحابة ﵃، وهذا يعطي الأمة الحرص على الاقتداء

стр. 29

بالنبي ﷺ وأصحابه. ١٥ - اجتماع المسلمين في المسجد راغبين فيما عند الله من أسباب نزول البركات . ١٦ - يزيد نشاط المسلم فيزيد عمله عندما يشاهد أهل النشاط في العبادة، وهذا فيه فائدة عظيمة. ١٧ - تضاعف الحسنات ويعظم الثواب . ١٨ - الدعوة إلى الله بالقول والعمل ، إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة (١). ١٩ - اجتماع المسلمين في أوقات معينة يربيهم على المحافظة على الأوقات . المبحث الرابع: فضل صلاة الجماعة: الصلاة مع الجماعة لها فضائل كثيرة، منها ما يأتي:

стр. 30

١ - صلاة الجماعة بسبع وعشرين صلاة فرادى ، فالمصلي مع جماعة يحصل له من صلاة الجماعة مثل أجر صلاة المنفرد سبع وعشرين مرة (١)؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)). ولفظ مسلم: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)). وفي لفظ له: ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده سبعاً وعشرين)) (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((الجماعة تفضل صلاة الفذِّ بخمس وعشرين درجة)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((تفضل صلاة في الجميع على صلاة الرجل وحده خمساً وعشرين درجة)). قال: ((وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر)). قال أبو هريرة: ((واقرؤوا إن

стр. 31

شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودً ا﴾. وفي لفظ: ((بخمس وعشرين جزءًا)) (١). والجزء والدرجة بمعنى واحد (٢). وقد جُمع بين هذه الروايات: بأن حديث الخمس والعشرين ذكر فيه الفضل الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة، والفضل خمس وعشرون، وحديث السبع والعشرين ذكر فيه صلاته منفرداً وصلاته في الجماعة، والفضل بينهما، فصار المجموع سبعاً وعشرين (٣). وقال الإمام النووي ﵀: ((والجمع بينها من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا منافاة بينها فذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند الأصوليين. والثاني: أن يكون أخبر أولاً بالقليل، ثم أعلمه الله

стр. 32

تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها. والثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة: فيكون لبعضهم خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون، بحسب كمال الصلاة، ومحافظته على هيئتها، وخشوعها، وكثرة جماعتها، وفضلهم وشرف البقعة، ونحو ذلك فهذه هي الأجوبة المعتمدة)) (١). وسمعت سماحة الإمام شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وأما التفاوت فهذا والله أعلم كان لعدم نزول فضل الزائد إلا بعد الناقص، فأخبر بخمس وعشرين، ثم أخبر بسبع وعشرين)) (٢). وقد استدل القائلون بأن صلاة الجماعة غير واجبة بهذه

стр. 33

الأحاديث، وأن صيغة أفضل تدل على الاشتراك في أصل الفضل (١).وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((هذه الأحاديث تدل على فضل الجماعة، وهذا التفضيل لا يلزم منه عدم الوجوب، فصلاة الجماعة واجبة، ومفضلة، فلا منافاة بين التفضيل والوجوب، ومن لم يصلِّها مع الجماعة فصلاته صحيحة على الراجح، مع الإثم)) (٢). والمنفرد الذي لا يحصل على ثواب صلاة الجماعة هو غير المعذور والله أعلم، أما إذا كان من عادته أنه يصلي الصلاة مع الجماعة فمنعه عذرٌ: كمرضٍ أو سفر، أو حبس وتعذرت عليه الجماعة، والله يعلم أن من نيته لو قدر على الصلاة مع الجماعة لما تركها، فهذا يكمل له أجره؛ لأن من كان عازماً على الفعل عزماً جازماً، وفعل ما يقدر عليه منه كان بمنزلة الفاعل (٣)؛ لحديث أبي بردة ﵁ عن أبي موسى

стр. 34

- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)) (١). ٢ - يعصم الله بالصلاة مع الجماعة من الشيطان ؛ لحديث معاذ بن جبل ﵁ عن رسول الله ﷺ : ((إن الشيطان ذئب للإنسان كذئب الغنم (٢)، يأخذ الشاة القاصية، والناحية (٣)، وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة (٤)، والعامة)) (٥)؛ ولحديث أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول

стр. 35

الله ﷺ يقول: ((ما من ثلاثة في قرية ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)) (١). ٣ - يزيد فضل الصلاة مع الجماعة بزيادة عدد المصلين ؛ لحديث أبيّ بن كعب ﵁، وفيه: (( ... إن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله )) (٢). وهذا يرغب في الصلاة مع الجماعة الكثيرة مع أمن المفاسد، وعدم فوات المصالح. ٤ - براءة من النار وبراءة من النفاق لمن صلَّى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك تكبيرة الإحرام؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى لله أربعين يوماً في

стр. 36

جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتِبَ له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)) (١). وهذا فيه فضل الإخلاص في الصلاة؛ لقوله ﷺ : ((من صلى لله)) أي خالصاً لله تعالى، ((براءة من النار)) أي نجاة وخلاص منها، وكتب له ((براءة من النفاق)) أي يؤمنه في الدنيا أن يعمل عمل المنافق ويوفقه لعمل أهل الإخلاص، وفي الآخرة يؤمنه مما يعذب به المنافق، ويشهد له بأنه غير منافق، يعني بأن المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى)) وحال هذا بخلافهم (٢). ٥ - من صلى الصبح في جماعة فهو في ضمان الله وأمانه حتى يمسي ؛ لحديث جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله (٣)، فلا

стр. 37

يطلبنكم الله من ذمته بشيء؛ فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه (١) على وجهه في نار جهنم)) (٢). وهذا يؤكد أن من صلى الصبح فهو في أمان الله، وفي جواره، فهو قد استجار بالله تعالى، والله قد أجاره، فلا ينبغي لأحد أن يتعرض له بضر أو أذى، فمن فعل ذلك فالله يطلبه بحقه، ومن يطلبه لم يجد مفرّاً ولا ملجأ، وهذا وعيد شديد لمن يتعرض للمصلين، وترغيب في حضور صلاة الصبح (٣). وقد جاءت بعض الأخبار تقيد ذلك بصلاة الصبح مع الجماعة (٤). ٦ - من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس فله أجر حجة وعمرة؛ لحديث أنس ﵁

стр. 38

قال: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة: تامة، تامة، تامة)) (١). ٧ - عظم ثواب صلاة العشاء والصبح في جماعة ؛ لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله)) (٢). قيل: المراد بذلك من صلى الصبح في جماعة وقد صلى العشاء في جماعة فكأنما صلى الليل كله، ويد على ذلك لفظ أبي داود: ((من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة)) (٣). واختار هذا المنذري، وأن اجتماعهما كقيام ليلة (٤).

стр. 39

وقيل: المراد بذلك أن من صلى العشاء في جماعة كانت له كقيام نصف ليلة، أما من صلى الصبح في جماعة فتكون له كقيام الليل كله، وهذا فضل الله . وأيَّد ذلك الإمام ابن خزيمة ﵀ فقال: ((باب فضل صلاة العشاء والفجر في الجماعة، والبيان أن صلاة الفجر في الجماعة أفضل من صلاة العشاء في الجماعة، وأن فضلها في الجماعة ضعفي فضل العشاء في الجماعة))، ثم ساق الحديث بنحو لفظ مسلم (١)، وفضل الله واسع. وقد قال النبي ﷺ عن صلاة الصبح والعشاء: (( ... ولو يعلمون ما فيهما لأتوها ولو حبواً)) (٢). ٨ - اجتماع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر والعصر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون

стр. 40

في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون)) (١). قال الإمام النووي ﵀: ((ومعنى يتعاقبون: تأتي طائفة بعد طائفة، ومنه تعقب الجيوش، وهو أن يذهب إلى ثغر قوم ويجيء آخرون، وأما اجتماعهم في الفجر والعصر فهو من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين، وتكرمته لهم أن جعل اجتماع الملائكة عندهم، ومفارقتهم لهم في أوقات عباداتهم واجتماعهم على طاعة ربهم، فيكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير)) (٢). والأظهر وهو قول الأكثرين أن هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكتّاب، وقيل: يحتمل أن يكونوا من جملة الملائكة بجملة الناس غير الحفظة. والله أعلم (٣).
следующие страницы →