سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني
٣٦
_
صلاة الجمعة
مفهوم، وشروط، وفضائل، وخصائص، وآداب، وأحكام
في ضوء الكتاب والسنة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في ((صلاة الجمعة)) بيَّنت فيها: مفهوم الجمعة، والأصل في وجوبها، وحكم صلاة الجمعة: من تجب عليه ومن لا تجب، وأنها فرض عين على من توفرت فيه ثمانية شروط، ومن حضرها ممن لا تجب عليه من المسلمين العقلاء أجزأته عن صلاة الظهر، وانعقدت به وصح أن يؤم فيها إلا المرأة فلا يصح أن تكون خطيباً، ولا إماماً، ثم بيّنت عقوبة تارك الجمعة، وأوضحت فضائل يوم الجمعة، وفضائل صلاة الجمعة،
стр. 3
وآداب الجمعة: الواجبة والمستحبة، ثم ذكرت خصائصها بإيجاز، ثم شروط صحة الجمعة، ثم صفة صلاة الجمعة، وقد استفدت كثيراً من تقريرات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى، ورفع درجاته في جنات النعيم.
والله أسألُ أن يجعل هذا العمل: مقبولاً مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه تعالى خير مسؤول وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وخيرته من خلقه نبينا وإمامنا، محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف
حرر في ضحى يوم السبت الموافق ١٧/ ٣/١٤٢٢هـ
стр. 4
أولاً: مفهومها: الجمعة لغة: قال ابن فارس ﵀: ((الجيم، والميم، والعين أصل واحد يدل على تضامِّ الشيء، يقال جمعت الشيء جمعاً)). ((وتقول: استجمع الفرس جرياً. وجَمْع: مكة سُمِّي لاجتماع الناس فيه، وكذلك يوم الجمعة)) (١). سمِّي به لاجتماع الناس فيه (٢)، وجمعة جمعها: جُمَع، وجُمُعات، والذين قالوا: الجُمُعة ذهبوا بها إلى صفة اليوم، ويقال: الجُمْعة، والجُمَعة (٣)(٤).
стр. 5
والجمعة اصطلاحاً: بضم الجيم والميم، ويجوز سكون
стр. 6
الميم وفتحها، يوم من أيام الأسبوع، تُصلَّى فيه صلاة خاصة هي صلاة الجمعة (١).
و صلاة الجمعة: صلاة مستقلة بنفسها ، تخالف الظهر: في الجهر، والعدد، والخطبة، والشروط المعتبرة لها، وتوافقها في الوقت (٢).
وأول جمعةٍ جُمِّعت بعد جمعةٍ في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين)) (٣).
ثانياً: الأصل في وجوب صلاة الجمعة: الكتاب والسنة والإجماع:
١ - أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) فأمر بالسعي،
стр. 7
ومقتضى الأمر الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى واجب، ونهى عن البيع؛ لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن فرضاً لَمَا نهى عن البيع من أجلها، والمراد بالسعي هنا الذهاب إليها لا الإسراع؛ فإن السعي في كتاب الله لم يُرَدْ به العَدْوُ (١).
٢ - وأما السُّنَّة؛ فلحديث ابن عمر وأبي هريرة ﵃ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: ((لينتهينَّ أقوام عن وَدْعهم (٢) الجُمُعاتِ أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين)) (٣)؛ ولحديث أبي الجعد الضمري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((من ترك ثلاث جُمَع تَهَاوُناً بها طبع الله على قلبه)) (٤)، ولفظ الترمذي وابن ماجه: ((من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً
стр. 8
بها طبع الله على قلبه)) (١). وعن حفصة ﵂، أن النبي ﷺ قال: ((رواح الجمعة واجب على كل محتلم)) (٢).
٣ - وأما الإجماع، فأجمع المسلمون على وجوب الجمعة (٣)، وقال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن الجمعة واجبة على الأحرار، البالغين، المقيمين الذين لا عذر لهم)) (٤).
ثالثاً: حكم صلاة الجمعة: من تجب عليه، ومن لا تجب عليه:
стр. 9
صلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم ، بالغ، عاقل، حُرٍّ (١)، مستوطن ببناء يشمله اسم واحد ولا تفرق يسيراً،
стр. 10
فإن كان في البلد الذي تقام فيه الجمعة لزمته، ولو كان بينه وبين موضعها فراسخ، ولو لم يسمع النداء؛ لأن البلد كالشيء الواحد مثل: اسم: مكة، والمدينة، والرياض، فما دام البناء يشمله اسم واحد فهو بلد واحد، ولو فرض أن هذا البلد اتسع وصار بين أطرافه أميال كثيرة، أو فراسخ فتلزم الجمعة من بأقصاه الشرقي، كما تلزم من بأقصاه الغربي، وهكذا الشمال والجنوب؛ لأنه بلد واحد ليس بينه وبين المسجد أكثر من ثلاثة أميال تقريباً إذا لم يكن له عذر؛ لأن الموضع الذي يسمع منه النداء في الغالب، إذا كانت الأصوات هادئة، والموانع منتفية، والريح ساكنة، والمؤذن صيِّتاً على موضع عال، والمستمع غير ساهٍ ثلاثة أميال أو ما يقاربها، فحُدَّ بذلك تقريباً، والله أعلم (١). هذا إذا كان خارج البلد، أما إذا كان البلد واحداً، فإن الجمعة تلزمه ولو كان بينه وبين
стр. 11
موضع الجمعة فراسخ كما تقدم. وخلاصة القول: أن صلاة الجمعة تلزم من توفرت فيه هذه الثمانية شروط ، وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورية، والحرية، والاستيطان، وإمكان سماع النداء إذا كان لا يشمل المستمع اسم البلد، وانتفاء الأعذار (١).١ - أما الإسلام؛ فلأن الكافر لا تصح منه الصلاة، ولا أي عبادة؛ لقول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٣)، والكافر مخاطب بفروع الشريعة الإسلامية كما هو مخاطب بأصولها، ولكن لو عمل بفروع الشريعة ولم يدخل في الإسلام لا تقبل منه حتى يدخل في الإسلام (٤).
стр. 12
٢ - وأما البلوغ؛ فلحديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل)) (١)؛ ولحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق)) (٢).
٣ - وأما العقل؛ فلحديث علي وعائشة ﵄ كما تقدم.
٤ - وأما الذكورية، فذكر ابن المنذر الإجماع على أنه ليس على النساء جمعة (٣).
стр. 13
٥ - وأما الحرية؛ فلحديث طارق بن شهاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض)) (١).وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((هذا يدل على أن الجمعة حق واجب)) (٢).
٦ - الاستيطان ببناء معتاد ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((كل قوم كانوا مستوطنين ببناء متقارب، لا يظعنون عنه شتاءً ولا صيفاً، تقام فيه الجمعة إذا كان مبنياً بما جرت به عادتهم: من مدر (٣) وخشب، أو قصب،
стр. 14
أو جريد، أو سعف، أو غير ذلك؛ فإن أجزأ البناء ومادته لا تأثير لها في ذلك، إنما الأصل أن يكونوا مستوطنين، ليسوا كأهل الخيام، والحلل الذين يتتبعون في الغالب مواقع القطر، ويتنقلون في البقاع، وينقلون بيوتهم معهم، إذا انتقلوا، وهذا مذهب جمهور العلماء ... وقال الإمام أحمد: ليس على البادية جمعة؛ لأنهم ينتقلون، فعلَّل سقوطها بالانتقال، فكل من كان مستوطناً لا ينتقل باختياره فهو من أهل القرى)) (١).والمسافر لا جمعة عليه؛ لأن رسول الله ﷺ كان يسافر أسفاراً كثيرة: قد اعتمر ثلاث عمر سوى عمرة حجته، وحج حجة الوداع، ومعه ألوف مؤلفة، وغزا أكثر من عشرين غزوة ولم ينقل عنه أحد قط أنه صلى في السفر لا جمعة ولا عيداً، بل كان يصلي ركعتين ركعتين في جميع
стр. 15
أسفاره، ويوم الجمعة يصلي ركعتين كسائر الأيام، وكان يوم عرفة في حجة الوداع يوم الجمعة، وصلى ظهراً، ففي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁: ((أن النبي ﷺ لَمّا وصل بطن الوادي يوم عرفة نزل فخطب الناس، ثم بعد الخطبة أذَّن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر)) (١).وهذا نص واضح صريح صحيح أنه ﷺ لم يصلِّ الجمعة، وإنما صلى ظهراً (٢) هذا هو الحق الذي لا شك فيه (٣).
стр. 16
٧ - سماع النداء ؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) فالمعتبر في رواية عن الإمام أحمد: إمكان سماع النداء، ويمكن سماعه في الغالب على بعد فرسخ، وهو: ثلاثة أميال تقريباً إذا كانت الأصوات هادئة، والموانع منتفية، والريح ساكنة، والمؤذن صيِّتاً، على موضع عالٍ، والمستمع غير
стр. 17
ساهٍ، وهذا إذا كان خارج البلد، أما إذا كان داخل البلد، ويشمل موضعه اسم البلد وجبت عليه الجمعة ولو كان بينه وبينها فراسخ (١)، ولو لم يسمع النداء؛ لأن البلد كالشيء الواحد (٢).
٨ - انتفاء الأعذار ، فإذا كان من توفرت فيه شروط الجمعة غير معذور وجبت عليه، أما إذا كان معذوراً فلا تجب عليه الجمعة، وقد ذكرت هذه الأعذار بأدلتها في آخر صلاة الجماعة (٣)، وهذه الشروط تنقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: شرط للصحة والانعقاد ، وهو: الإسلام والعقل.
القسم الثاني: شروط للوجوب والانعقاد ، وهي: الحرية
стр. 18
على قول، والذكورية، والبلوغ، والاستيطان.
القسم الثالث: شرط لوجوب السعي فقط ، وهو انتفاء الأعذار.
القسم الرابع: شرط الانعقاد: وهو الإقامة بمكان الجمعة على قول (١).
رابعاً: من حضر الجمعة ممن لا تجب عليه من المسلمين العقلاء، أجزأته عن الظهر ، وانعقدت به، وصح أن يؤم فيها على الصحيح؛ إلا المرأة، فلا يصح أن تكون خطيباً ولا إماماً، ولا تنعقد بها الجمعة: أي لا تحسب من العدد الذي تصح به صلاة الجمعة، ولكن لو حضرتها أجزأتها عن صلاة الظهر، قال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أنهن إذا حضرن الإمام فصلين معه أن ذلك يجزئ عنهن)) (٢)(٣).
стр. 19
خامساً: عقوبة تارك صلاة الجمعة عظيمة؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: ((لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم أُحرِّق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم)) (١)، ولحديث أبي هريرة وابن عمر ﵃ أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: ((لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجُمعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين)) (٢)؛ ولحديث أبي الجعد الضمري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من ترك ثلاث جُمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)) (٣).
стр. 20
سادساً: حكم السفر في يوم الجمعة لمن تلزمه: لا يجوز إذا أذن المؤذن بعد دخول وقتها؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)(٢) إلا إذا خاف فوات رفقته، فإن خاف فواتهم فله أن يسافر؛ لأن هذا عذر في ترك الجمعة نفسها، فكذلك يكون عذراً في السفر بعد دخول وقت الجمعة بعد الزوال.
وكذلك يجوز له السفر إذا كان يمكنه أن يأتي بصلاة الجمعة في طريقه في مسجد آخر من غير كراهة (٣)، والله
سابعاً: فضائل يوم الجمعة ، له فضائل كثيرة، منها ما يلي:
١ - هداية هذه الأمة ليوم الجمعة فضل عظيم ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد (١) أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غداً، والنصارى بعد غدٍ)) وفي لفظ للبخاري: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد كل أمة أُوتوا الكتاب من قبلنا وأُوتيناه من بعدهم ... )) ولفظ مسلم: ((نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أُوتوا الكتاب من قبلنا وأُوتيناه من بعدهم، فاختلفوا فهدانا الله لِمَا اختلفوا فيه من الحق، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له - قال يوم الجمعة (٢) - فاليوم لنا، وغداً
стр. 23
لليهود، وبعد غد للنصارى)) (١). وقد فسرته الرواية الأخرى عند مسلم من حديث حذيفة ﵁ ((أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة، والسبت، والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضيُّ لهم قبل الخلائق)). وفي رواية واصل: ((المقضي بينهم)) (٢).
٢ - يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خُلِقَ آدم، وفيه أُدْخِلَ الجنة، وفيه أُخْرِجَ منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة)) (٣)، ولفظ أبي داود: ((خير يوم طلعت فيه الشمس
стр. 24
يوم الجمعة: فيه خُلِق آدم، وفيه أُهبط، وفيه تِيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مسيخة (١) يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة، إلا الجن والإنس، وفي ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله حاجة إلا أعطاه إياها)) قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة، قال: فقرأ كتب التوراة فقال: صدق النبي ﷺ ، قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب، فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أي ساعة هي! قال أبو هريرة: فقلت له: أخبرني بها؟ فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، فقلت: كيف هي آخر ساعة من يوم الجمعة وقد قال رسول الله ﷺ : ((لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي)) وتلك الساعة لا يُصلَّى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ : ((من جلس مجلساً ينتظر الصلاة فهو في
стр. 25
صلاة حتى يصلي)) قال: فقلت: بلى، قال: هو ذاك)) (١).
٣ - يوم الجمعة سيد الأيام؛ لحديث أبي لبابة بن عبد المنذر، قال: قال النبي ﷺ : ((إن يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر، فيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأُهبط فيه آدم إلى الأرض، وفيه تَوفَّى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل اللهَ فيها العبدُ شيئاً إلا أعطاه ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض، ولا رياح، ولا جبال، ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة)) (٢).
стр. 26
٤ - يوم الجمعة أفضل الأيام؛ لحديث أوس بن أوس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خُلِق آدم، وفيه قُبِضَ، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة عليَّ)). قال: قالوا: يا رسول الله! وكيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرَمْتَ؟ - يقولون: بليت - فقال: ((إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) (١).
٥ - يوم الجمعة عيد الأسبوع، ويوم المزيد لأهل الجنة؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: عرضت الجمعة على رسول الله ﷺ ، جاء جبريل في كفه كالمرآة البيضاء، في وسطها كالنكتة السوداء، فقال: ((ما هذه يا جبريل))؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك عيداً
стр. 27
ولقومك من بعدك، ولكم فيها خير، تكون أنت الأول، ويكون اليهود والنصارى من بعدك، وفيها ساعة لا يدعو أحد ربه بخير هو قِسْمٌ إلا أعطاه، أو يتعوذ من شر إلا دفع عنه ما هو أعظم منه، ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد، وذلك أن ربك اتخذ في الجنة وادياً أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل من عليين فجلس على كرسيه، وحُفّ الكرسي بمنابر من نور، فجلس عليها النبيون، وحُفَّ المنابر بكراسي من ذهب مكللة بالجواهر، وجاء الصديقون والشهداء، فجلسوا عليها، وجاء أهل الغرف من غرفهم حتى يجلسوا على الكثيب وهو كثيب أبيض من مسك أذفر، ثم يتجلَّى لهم ذو الجلال والإكرام، فيقول: أنا الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محل كرامتي فسلوني، فيسألونه الرضى، [فيقول: رضاي أحلكم داري، وأنالكم كرامتي، فسلوني، فيسألونه الرضا] فيشهد عليهم على الرضا ثم يفتح لهم ما لم ترَ عينٌ، ولم يخطر
стр. 28
[على] قلب بشر، إلى مقدار منصرفهم من الجمعة، وهي زبرجدة خضراء، أو ياقوتة حمراء، مُطَّرِدة فيها أنهارها متدلية فيها ثمارها، فيها أزواجها وخدمها، فليس هم في الجنة بأشوق منهم إلى يوم الجمعة، ليزدادوا نظراً إلى ربهم وكرامته، ولذلك دعي يوم المزيد)) (١).
وعن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً)) (٢). قال الإمام القرطبي رحمه
стр. 29
الله تعالى: ((وسمي سوقاً؛ لقيام الناس فيها على ساق، وقيل: لسوق الناس بضائعهم إليها، فيحتمل أن يكون سوق الجنة عبارة عن مجتمع أهل الجنة، ومحل تزاورهم، وسمِّي سوقاً بالمعنى الأول، ويؤيد هذا أن أهل الجنة لا يفقدون شيئاً حتى يحتاجوا إلى شرائه من السوق، ويحتمل أن يكون سوقاً مشتملاً على محاسن ومشتهيات مستلذات تجتمع هنالك مرتبة، محسَّنة، كما تجتمع في الأسواق، حتى إذا جاء أهل الجنة فرأوها فمن اشتهى شيئاً وصل إليه من غير مبايعة ولا معاوضة، ونعيم الجنة وخيرها أعظم وأوسع من ذلك كله، وخصّ يوم الجمعة بذلك لفضيلته، ولِمَا خصّه الله تعالى به من الأمور التي تقدم ذكرها؛ ولأنه يوم المزيد: أي الذي يُوفَّى لهم ما وُعِدوا من الزيادة، وأيام الجنة تقديرية إذ لا ليل هناك ولا نهار، وإنما هناك أنوار متوالية لا ظلمة معها)) (١).
٦ - يوم الجمعة فيه ساعة إجابة الدعوات؛ لحديث أبي
стр. 30
هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : ((إن في الجمعة لساعة لا يوافقها [عبد] مسلم قائم يصلي يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه)) وقال بيده يُقَلِّلُها يُزهِّدها. وفي لفظ للبخاري: وأشار بيده يقللها. وفي رواية لمسلم: ((وهي ساعة خفيفة)) (١).
وقد اختلف الناس في تعيين ساعة الإجابة يوم الجمعة أي ساعة هي (٢)؟ قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ((وأرجح هذه الأقوال قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة وأحدهما أرجح من الآخر)) (٣)، ثم ذكر أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، والقول الآخر: أنها آخر ساعة
стр. 31
بعد العصر (١)، والقولان تفصيلاً على النحو الآتي:
القول الأول: إنها من جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة، وحجة هذا القول؛ حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، قال: قال لي عبد الله بن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة)) (٢).
стр. 32
القول الثاني: إن ساعة الإجابة في يوم الجمعة آخر ساعة بعد العصر، قال الإمام ابن القيم: ((وهذا أرجح القولين وهو قول: عبد الله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، وخلق)) (١)، وحجة هذا القول أحاديث كثير، منها، حديث جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة [فيها ساعة] لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)) (٢)، وحديث عبد الله بن سلام قال: قلت -
стр. 33
ورسول الله ﷺ جالس -: إننا لنجد في كتاب الله تعالى في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئاً إلا قضى له حاجته. قال عبد الله: فأشار إليَّ رسول الله ﷺ : ((أو بعض ساعة)) فقلت: صدقت، أو بعض ساعة. قلت: أي ساعة هي؟ قال: ((هي آخر ساعات النهار)) قلت: إنها ليست ساعة صلاة؟ قال: ((بلى، إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يحبسه إلا الصلاة فهو في صلاة)) (١)؛ ولحديث: ((التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس)) (٢)؛ ولحديث أبي سعيد، وأبي هريرة ﵄ (٣)،
стр. 34
وحديث أبي هريرة عن عبد الله بن سلام من قوله، وفيه مناظرة أبي هريرة له في ذلك، واحتجاج عبد الله بن سلام بأن منتظر الصلاة في صلاة (١)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة)) (٢)، والله الموفق (٣).
стр. 35
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ((وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵃، قال: الساعة التي تذكر يوم الجمعة ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. وكان سعيد بن جبير إذا صلى العصر لم يكلم أحداً حتى تغرب الشمس، وهذا قول أكثر السلف وعليه أكثر الأحاديث. ويليه القول بأنها ساعة الصلاة وبقية الأقوال لا دليل عليها)) (١).
قال ابن القيم: ((وعندي أن ساعة الصلاة ساعة تُرجى فيها الإجابة أيضاً، فكلاهما ساعة إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة بعد العصر فهي ساعة معينة من اليوم لا تتقدم ولا تتأخر، وأما ساعة
стр. 36
الصلاة فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت؛ لأن لاجتماع المسلمين، وصلاتهم، وتضرعهم، وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيراً في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة، وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها ... )) (١).
وقال ﵀: ((وهذه الساعة هي آخر ساعة بعد العصر، يُعَظِّمُها جميع أهل الملل، وعند أهل الكتاب هي ساعة الإجابة، وهذا مما عرض لهم في تبديله وتحريفه، وقد اعترف به مؤمنهم)) (٢).
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول عند بيانه لفضل الجمعة: ((هذا يبين أنه ينبغي للمسلم أن يعتني بيوم الجمعة، ففيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يدعو الله بشيء إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر، وربما تكون بعد جلوس الإمام على المنبر، فإذا جاء الإنسان وجلس بعد العصر ينتظر المغرب ويدعو فهو حري بالإجابة،
стр. 37
وكذلك بعد صعود الإمام على المنبر، فيدعو الإنسان في سجوده، وجلوسه، فإنه حريٌّ بالإجابة)) (١).
ثامناً: فضائل صلاة الجمعة كثيرة متعددة، منها ما يأتي:
١ - التبكير إليها من أعظم الصدقات والقربات العظيمة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)) (٢). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاؤوا يستمعون الذكر، ومثل
стр. 38
المهجِّر كمثل الذي يهدي البدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كالذي يهدي الكبش، ثم كالذي يهدي الدجاجة، ثم كالذي يهدي البيضة)). ولفظ البخاري: ((إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجِّر كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشاً، ثم دجاجة، ثم بيضة، ثم إذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر)) (١).
٢ - القائم بآداب صلاة الجمعة يغفر له عشرة أيام؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدِّر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام)). وفي رواية أخرى: ((من
стр. 39
توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت (١) غفر له ما بين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسّ الحصى فقد لغا)) (٢)(٣). وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من الطهر (٤) ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) (٥). وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من
стр. 40
اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله، وتطهر فأحسن طهوره، ولبس من أحسن ثيابه، ومس ما كتب الله له من طيب أهله، ثم أتى الجمعة ولم يلغُ، ولم يفرق بين اثنين، غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) (١).
وعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومسّ من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخطَّ أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها)) قال: ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام، ويقول: إن الحسنة بعشر أمثالها (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: ((من اغتسل يوم الجمعة، ومسّ من طيب امرأته - إن كان لها - ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط