الصلاة فتابعة للصلاة تقدمت أو تأخرت؛ لأن لاجتماع المسلمين، وصلاتهم، وتضرعهم، وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيراً في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعة ترجى فيها الإجابة، وعلى هذا تتفق الأحاديث كلها ... )) (١).
وقال ﵀: ((وهذه الساعة هي آخر ساعة بعد العصر، يُعَظِّمُها جميع أهل الملل، وعند أهل الكتاب هي ساعة الإجابة، وهذا مما عرض لهم في تبديله وتحريفه، وقد اعترف به مؤمنهم)) (٢).
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول عند بيانه لفضل الجمعة: ((هذا يبين أنه ينبغي للمسلم أن يعتني بيوم الجمعة، ففيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يدعو الله بشيء إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر، وربما تكون بعد جلوس الإمام على المنبر، فإذا جاء الإنسان وجلس بعد العصر ينتظر المغرب ويدعو فهو حري بالإجابة،
стр. 37
وكذلك بعد صعود الإمام على المنبر، فيدعو الإنسان في سجوده، وجلوسه، فإنه حريٌّ بالإجابة)) (١).
ثامناً: فضائل صلاة الجمعة كثيرة متعددة، منها ما يأتي:
١ - التبكير إليها من أعظم الصدقات والقربات العظيمة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)) (٢). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاؤوا يستمعون الذكر، ومثل
стр. 38
المهجِّر كمثل الذي يهدي البدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كالذي يهدي الكبش، ثم كالذي يهدي الدجاجة، ثم كالذي يهدي البيضة)). ولفظ البخاري: ((إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجِّر كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشاً، ثم دجاجة، ثم بيضة، ثم إذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر)) (١).
٢ - القائم بآداب صلاة الجمعة يغفر له عشرة أيام؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدِّر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام)). وفي رواية أخرى: ((من
стр. 39
توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت (١) غفر له ما بين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسّ الحصى فقد لغا)) (٢)(٣). وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من الطهر (٤) ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) (٥). وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من
стр. 40
اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله، وتطهر فأحسن طهوره، ولبس من أحسن ثيابه، ومس ما كتب الله له من طيب أهله، ثم أتى الجمعة ولم يلغُ، ولم يفرق بين اثنين، غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) (١).
وعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومسّ من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخطَّ أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها)) قال: ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام، ويقول: إن الحسنة بعشر أمثالها (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: ((من اغتسل يوم الجمعة، ومسّ من طيب امرأته - إن كان لها - ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط
стр. 41
رقاب الناس، ولم يلغُ عند الموعظة، كانت كفارة لِمَا بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً)) (١)، وعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحداً، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾)) (٢).
٣ - المتأدب بآداب صلاة الجمعة يكتب له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها؛ لحديث أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من غسَّل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب،
стр. 42
ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة: أجر صيامها، وقيامها)) وفي رواية لأبي داود: ((من غسّل رأسه يوم الجمعة واغتسل))، وفي سنن الترمذي قال محمود: [هو ابن غيلان شيخ الترمذي]: قال وكيع: اغتسل هو وغسَّل امرأته، قال: ويروى عن عبد الله بن المبارك أنه قال في هذا الحديث: ((من غسَّل واغتسل)) (١)
стр. 43
يعني غسل رأسه واغتسل. وفي لفظ النسائي: ((من غسَّل واغتسل، وغدا وابتكر ... )) (١).
٤ - الجمعة إلى الجمعة كفارة لِمَا بينهما؛ لحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر)) (٢).
تاسعاً: آداب صلاة الجمعة: الواجبة والمستحبة، كثيرة، منها ما يلي:
١ - الغسل يوم الجمعة سنَّة مؤكدة جداً؛ لحديث عبد
стр. 44
الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل)) (١)،وعن ابن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ جاء رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد على أن توضأت، فقال: والوضوء أيضاً، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل)). وفي لفظ البخاري: ((ألم تسمعوا النبي ﷺ يقول: ((إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)) وفي لفظ لمسلم: ((بينما عمر بن الخطاب ﵁ يخطب يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان ﵁، فعرَّض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون بعد النداء؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين ما زدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت، فقال
стр. 45
عمر: والوضوء أيضاً؟ ألم تسمعوا أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)) (١).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((أشهد على رسول الله ﷺ أنه قال: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستنَّ (٢)، وأن يمس طيباً إن وُجد)) قال عمرو: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فالله أعلم أواجب هو أم لا؟ ولكن هكذا في الحديث)). وفي لفظ مسلم: ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وسواكٌ، ويمسُّ من الطيب ما قَدَرَ عليه)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁: ((حقٌّ على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً، يغتسل فيه رأسه وجسده)). وفي رواية للبخاري: ((لله تعالى
стр. 46
على كل مسلم حقٌّ أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً)) (١). وفي لفظ النسائي عن جابر ﵁ يرفعه: ((على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم، وهو يوم الجمعة)) (٢).
وقال ابن عمر ﵄: ((إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة)) (٣).
وهذه الأحاديث استدل بها جمع من أهل العلم على وجوب الغسل يوم الجمعة على من يحضر صلاة الجمعة؛ لهذه الأخبار الصحيحة، وقال جمع آخر من أهل العلم: غسل يوم الجمعة لمن يشهد صلاة الجمعة سنة مؤكدة جداً، ولا يجب؛ لحديث سمرة بن جُندب قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن
стр. 47
اغتسل فالغسل أفضل)) (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى يوم الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا)) (٢). ورجح شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: أن غسل الجمعة سنة مؤكدة، ينبغي للمسلم أن يحافظ عليه خروجاً من خلاف من قال بالوجوب، وأقوال العلماء في غسل الجمعة ثلاثة: منهم من قال بالوجوب مطلقاً، وهذا قول قوي، ومنهم من قال: بأنه سنة مؤكدة مطلقاً، ومنهم من فصَّل فقال: غسل يوم الجمعة يجب على أصحاب الأعمال الشاقة؛ لما يحصل لهم من بعض التعب والعرق، ومستحب في حق غيرهم، وهذا قول ضعيف،
стр. 48
والصواب أن غسل الجمعة سنة مؤكدة، أما قوله ﷺ : ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم)) [ف] معناه عند أكثر أهل العلم: متأكد كما تقول العرب: ((العدة دين وحق عليَّ واجب))،ويقول بعضهم: ((حقك عليَّ واجب)) أي متأكد، ويدل على هذا المعنى اكتفاؤه ﷺ بالأمر بالوضوء في بعض الأحاديث ... وهكذا الطيب، والاستياك، ولبس الحسن من الثياب، والتبكير إلى الجمعة كله من السنن المرغَّب فيها، وليس شيء منها واجب (١)، والقول بأن غسل الجمعة سنة مؤكدة هو قول أكثر أهل العلم (٢).
стр. 49
٢ - الطيب لصلاة الجمعة؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه)) (١).
٣ - السواك لصلاة الجمعة؛ لحديث أبي سعيد السابق؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لولا أن أشق على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة)) وفي لفظ: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)) (٢)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ يرفعه: ((إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان طيب فليمس منه، وعليكم بالسواك)) (٣).
стр. 50
٤ - الدهن لصلاة الجمعة؛ لحديث سلمان الفارسي ﵁، قال: قال النبي ﷺ : ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من الطهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتِبَ له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) (١). وقوله ﷺ : ((ويتطهر ما استطاع من الطهر)) المراد به المبالغة في التنظيف، ويؤخذ من عطفه على الغسل أن إفاضة الماء تكفي في حصول الغسل، أو المراد بالتنظيف: بأخذ الشارب، والظفر، والعانة، أو المراد بالغسل غسل الجسد، وبالتطهر غسل الرأس، وأما قوله: ((ويدهن)) فالمراد به إزالة شعث الرأس به، وفيه إشارة إلى التزين يوم الجمعة (٢).
٥ - يلبس لصلاة الجمعة أحسن ما يجد من الثياب؛ لحديث أبي ذر ﵁ يرفعه: ((من اغتسل يوم الجمعة فأحسن
стр. 51
غسله، وتطهر فأحسن طهوره، ولبس من أحسن ثيابه، ومس ما كتب الله له من طيب أهله، ثم أتى الجمعة، ولم يلغُ، ولم يفرق بين اثنين، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) (١)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄: ((من اغتسل يوم الجمعة، ولبس من أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخطَّ أعناق الناس، ثم صلى ما كتب له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها)). ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام، ويقول: ((إن الحسنة بعشر أمثالها)) (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى حلة سيراء (٣) عند باب المسجد فقال: يا رسول الله! لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك؟ فقال رسول الله ﷺ :
стр. 52
((إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة)) (١).
ووجه الاستدلال به من جهة تقريره ﷺ لعمر على أصل التجمل للجمعة، وللوفد، وقصر الإنكار على لبس مثل تلك الحلة؛ لكونها كانت حريراً (٢)، وعن محمد بن يحيى بن حبَّان أن رسول الله ﷺ قال: ((ما على أحدكم إن وجد - أو: ما على أحدكم إن وجدتم - أن يتخذ ثوبين يوم الجمعة سوى ثوبي مهنته)). وعن ابن سلام أنه سمع رسول الله ﷺ يقول ذلك على المنبر (٣).
٦ - يستقبل الإمام بوجهه أثناء الخطبة؛ لحديث عبدالله بن مسعود ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا)) (٤).
стр. 53
وعن ثابت ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم)) (١).
قال الإمام الترمذي ﵀: ((والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: يستحبون استقبال الإمام إذا خطب، وهو قول: سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق)) (٢).
٧ - يُبَكِّر إلى الجمعة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج
стр. 54
الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)) (١).
وقوله ﷺ : ((من اغتسل يوم الجمعة ثم راح)) يدل على أن الغسل المستحب للجمعة أوله طلوع الفجر، وآخره الرواح إلى الجمعة، فإن اغتسل قبل دخول يوم الجمعة لم يأت بسنة الغسل، كما لو اغتسل بعد صلاة الجمعة، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر العلماء (٢). وقوله ﷺ : ((غسل الجنابة)) قيل: المراد تعميم الجسد بالغسل كما يعمه بغسل الجنابة، فيكون المعنى: اغتساله للجمعة كاغتساله للجنابة في المبالغة وتعميم البدن بالماء، وهذا قول أكثر الفقهاء من الشافعية وغيرهم.
وقيل: المراد به غسل الجنابة حقيقة، وأنه يستحب لمن له زوجة أو مملوكة أن يطأها يوم الجمعة ثم يغتسل؛ لأنه أغض لبصره (٣).
стр. 55
وقوله ﷺ : ((ثم راح فكأنما قرب بدنة)) المراد راح في الساعة الأولى، بدليل قوله ﷺ : ((ومن راح في الساعة الثانية)) وقد صرح الإمام مالك في روايته للحديث بذكر الساعة الأولى، وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الساعة، فقيل: المراد بها الساعة التي بعد زوال الشمس؛ لأن حقيقة الرواح إنما تكون بعد الزوال، والغدوّ يكون قبله، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ (١)، وهذا قول مالك وأكثر أصحابه، ووافقهم طائفة من الشافعية على ذلك. وعلى هذا تكون الساعات أجزاء من الساعة السادسة بعد الزوال. وقيل: المراد بالساعات من أول النهار، وأولها من طلوع الفجر، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وأحمد.
وقيل: أول الساعات من طلوع الشمس، ذُكِرَ عن الثوري، وأبي حنيفة، ورجحه الخطابي وغيره؛ لأن ما قبله وقت للسعي إلى صلاة الفجر، ورجح هذا القول
стр. 56
عبد الملك بن حبيب المالكي، وهؤلاء حملوا الساعات على ساعات النهار المعهودة، وهو الظاهر المتبادر إلى الفهم؛ فإن ظاهر الحديث يدل على تقسيم نهار الجمعة إلى اثنتي عشرة ساعة مع طول النهار وقصره، ولا يكون المراد به الساعات المعروفة من تقسيم الليل والنهار إلى أربع وعشرين ساعة؛ فإن ذلك يختلف باختلاف طول النهار وقصره، ويدل على هذا حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة [فيها ساعة] لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا آتاه الله إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)) (١).
وأما ذكر الرواح فيجاب عنه بجوابين:
الأول: أنه لما كان آخر الساعات بعد الزوال هو رواح حقيقي سُميت كلها رواحاً، كما يسمى الخارج للحج والجهاد: حاجّاً وغازياً قبل تلبسه بالحج والغزو؛ لأن
стр. 57
أمره ينتهي إلى ذلك.
الثاني: أن الرواح أريد به هنا القصد والذهاب مع قطع النظر عن كونه قبل الزوال أو بعده؛ فإن الرواح والغدو عند العرب يستعملان في السير أي وقت كان من ليل أو نهار، يقال: راح في أول النهار وآخره، وغدا بمعناه (١)، قال الحافظ ابن رجب ﵀: ((الغدوّ يكون من أول النهار، والرواح: يكون من آخره بعد الزوال، وقد يعبَّر بأحدهما عن الخروج والمشي، سواء كان قبل الزوال أو بعده)) (٢).
وذكر ابن قاسم: أن ذكر الساعات في قوله ﷺ : ((يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة)) ذكر للحث على التبكير إلى الجمعة، والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل فضيلة الصف الأول، وانتظارها بالتنفل، والقراءة والذكر (٣). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يرجح أن التبكير
стр. 58
إلى الجمعة أول ساعة بعد ارتفاع الشمس؛ لأن للمسلم أن يجلس بعد الفجر إلى ارتفاع الشمس (١)(٢).
٨ - المشي على الأقدام؛ لحديث أوس بن أوس ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من غسَّل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة:
стр. 59
أجر صيامها، وقيامها)) (١). فقال: ((ومشى ولم يركب))؛ ولحديث عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عبس وأنا أذهب إلى الجمعة فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((من اغبرَتْ قدماه في سبيل الله حَرَّمه الله على النار)) (٢). وقد أورد البخاري هذا الحديث هنا؛ لعموم قوله ﷺ : ((في سبيل الله)) فدخلت فيه الجمعة؛ ولكون راوي الحديث استدل به على ذلك، وقد جعل أبو عبس حكم السعي إلى الجمعة حكم الجهاد وليس العدو من مطالب الجهاد، فكذلك الجمعة (٣)؛ ولأن كل خطوة يخطوها يكتب له بها درجة (٤)، لكن لو كان منزله بعيداً يشق عليه المشي، أو كان ضعيفاً أو مريضاً، فالأولى ألا يشق على نفسه.
٩ - القراءة فجر يوم الجمعة بـ ﴿الم﴾ السجدة في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية بسورة الإنسان؛ لحديث أبي
стр. 60
هريرة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يقرأ في فجر يوم الجمعة:
﴿الم، تَنزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ (١).
١٠ - القراءة في صلاة الجمعة بسورتي الجمعة والمنافقون؛ لحديث أبي هريرة ﵁ ((أنه صلى بها في صلاة الجمعة، فسئل عن ذلك؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما في يوم الجمعة)) (٢).
أو يقرأ بسبح، والغاشية؛ لحديث النعمان بن بشير ﵁، قال: ((كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم يقرأ بهما أيضاً في الصلاتين)) (٣).
أو يقرأ بسورتي الجمعة والغاشية؛ لرواية مسلم عن النعمان ﵁ أنه سئل: أي شيء قرأ رسول الله ﷺ يوم الجمعة سوى سورة الجمعة؟ فقال: ((كان يقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ
стр. 61
حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾)) ولفظ أبي داود: ماذا كان يقرأ به رسول الله ﷺ يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة؟ فقال: ((كان يقرأ بـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾)) (١).
١١ - يكثر الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة، وليلة الجمعة؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه عشراً)) (٢)؛ ولحديث أوس بن أوس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خُلِقَ آدم، وفيه قُبِضَ، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة عليَّ)) قال: قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض
стр. 62
صلاتنا عليك وقد أرمت؟ - يقولون بليت - فقال: ((إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) (١).
١٢ - يكثر الدعاء يوم الجمعة؛ لعله يوافق ساعة الإجابة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ : ((إن في الجمعة لساعةً لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه)) (٢). وقد تقدمت الأقوال في تعيين هذه الساعة، ولكن ينبغي للعبد المسلم أن يكثر من الدعاء في جميع ساعات الجمعة لعله أن يُوفَّق لها (٣).
١٣ - لا يُفرِّق بين اثنين أثناء دخوله الجامع؛ لحديث سلمان الفارسي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اغتسل يوم الجمعة، وتطهر ما استطاع من طهر، ثم ادهن، أو
стр. 63
مس من طيب، ثم راح فلم يفرِّقْ بين اثنين، فصلى ما كتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) (١).
١٤ - لا يتخطى رقاب الناس؛ لحديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄، قالا: قال رسول الله ﷺ : ((من اغتسل يوم الجمعة، ولبس أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخطَّ أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها)) قال: ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام، ويقول: إن الحسنة بعشر أمثالها)) (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيب امرأته - إن كان لها - ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغُ عند الموعظة، كانت
стр. 64
كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً)) (١)؛ ولحديث أبي الزاهرية قال: كنا مع عبد الله بن بسر - صاحب النبي ﷺ يوم الجمعة، فجاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال عبد الله بن بُسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال له النبي ﷺ : ((اجلس فقد آذيت)) (٢).
١٥ - لا يقيم أخاه ويقعد مكانه؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: ((نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجلُ الرجلَ من مقعده، ويجلس فيه)) فقيل لنافع وهو الراوي عن ابن عمر: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها)) (٣). وفي رواية
стр. 65
لمسلم: ((لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مقعده ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا)) (١)؛ ولحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يُقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه، ولكن يقول: تفسّحوا)) (٢).
١٦ - إذا دخل المسجد والإمام يخطب فلا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لحديث جابر ﵁ قال: دخل رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: ((أصليت يا فلان؟)) فقال: لا. قال: ((قم فاركع)). وفي رواية للبخاري: ((فصلِّ ركعتين))، وفي لفظ للبخاري أيضاً: ((إذا جاء أحدكم والإمام يخطب أو قد خرج فليصلِّ ركعتين)). وفي لفظ لمسلم: ((جاء سُليكٌ الغطفاني يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس فقال له: ((يا سليكٌ قم فاركع ركعتين وتجوَّز فيهما))، ثم قال: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة
стр. 66
والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما)) (١).
١٧ - ينصت للخطبة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)) (٢)،وفي حديث أبي هريرة الآخر عند مسلم: ((ومن مس الحصى فقد لغا)) (٣)،وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو وهو حظه منها ... )) الحديث (٤)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تكلم والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً،
стр. 67
والذي يقول: له أنصت ليس له جمعة)) (١)، ومعنى لا جمعة له: أي لا جمعة له كاملة، ولكنها تجزئه عن صلاة الظهر كما في حديث ابن عمر عند أبي داود كما تقدم، وهذا للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه (٢).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن حديث ابن عباس السابق وحديث أبي هريرة في الصحيحين: ((هذان الحديثان يدلان على وجوب الإنصات، ومعنى ليس له جمعة: أي يفوته فضلها، وإلا فهي تجزئه، وفي مسلم: ((ومن مس الحصى فقد لغا))، ولكن لا مانع [من] الإشارة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛
стр. 68
لأن الإشارة لا مانع منها في الصلاة للحاجة)) (١).
١٨ - لا تتخذ الحلقات في المسجد قبل صلاة الجمعة؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄: ((أن النبي ﷺ نهى عن التحلُّق يوم الجمعة قبل الصلاة، وعن الشراء والبيع في المسجد)). ولفظ الترمذي: ((نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلق الناس فيه يوم الجمعة قبل الصلاة)) (٢).
١٩ - يتحول إذا نعس من مجلسه إلى مقعد آخر؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحوَّلْ من مجلسه ذلك إلى غيره))، ولفظ الترمذي: ((إذا نعس أحدكم يوم الجمعة فليتحوَّل عن مجلسه)).ولفظ أحمد: ((إذا نعس أحدكم في مجلسه يوم الجمعة فليتحوَّل إلى غيره)).وفي لفظ آخر لأحمد: ((إذا نعس أحدكم
стр. 69
في المسجد يوم الجمعة فليتحوَّل من مجلسه ذلك إلى غيره)) (١).
٢٠ - لا يحتبئ في المسجد قبل صلاة الجمعة والإمام يخطب؛ لحديث معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ : ((نهى عن الحُبوة يوم الجمعة والإمام يخطب)) (٢).وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن الاحتباء يوم الجمعة)) يعني والإمام يخطب (٣).
٢١ - الدنوُّ من الإمام عند الموعظة والخطبة؛ لحديث سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: ((احضروا الذكر، وادنوا من الإمام؛ فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها)) (٤)؛ ولحديث أوس بن أوس ﵁ قال: سمعت
стр. 70
رسول الله ﷺ يقول: ((من غسَّل واغتسل، ثم بكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة: أجر صيامها وقيامها)) (١).
٢٢ - إذا وافق يوم عيد يوم الجمعة حضر الإمام ومن شاء من الناس، وصلى بهم؛ لحديث إياس بن أبي رملة الشامي، قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم، قال: أشهدت مع محمد رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص في الجمعة، فقال: ((من شاء أن يصلي فليصلِّ)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله
стр. 71
- ﷺ أنه قال: ((قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمّعون)) (١)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((اجتمع عيدان في يومكم هذا فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون (٢) إن شاء الله)) (٣)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله ﷺ ،فصلى بالناس ثم قال: ((من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن شاء أن يتخلف فليتخلف)) (٤).
وهذه الأحاديث تدل على أن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد تصير رخصة: يجوز فعلها وتركها، وهو خاص بمن صلى العيد دون من لم يصلّها، ومن لم يحضر صلاة الجمعة، فإنه يصلي ظهراً؛ لأن الظهر هي الفرض الأصلي
стр. 72
المفروض ليلة الإسراء، والجمعة متأخر فرضها، وهي بدل عن الظهر، ثم إن الجمعة إذا فاتت في غير يوم العيد وجب صلاة الظهر إجماعاً فهي البدل عنها (١). أما الإمام فلا تسقط عنه على الصحيح، لقوله ﷺ : ((وإنا مجمعون))؛ ولأنه لو تركها لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه، ومن يريدها، بخلاف غيره من الناس (٢).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن حديث زيد بن أرقم: [هذا] ((يدل على أنه لا بأس أن يترك الجمعة من حضر صلاة العيد، لكن يصلي ظهراً، ومن قال: لا يصلي ظهراً فقد غلط، وهو كالإجماع من أهل العلم)) (٣).
стр. 73
٢٣ - قراءة سورة الكهف يوم الجمعة؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له نور ما بينه وبين الجمعتين)) (١).
٢٤ - النداء الأول لصلاة الجمعة؛ لحديث السائب بن يزيد، قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر ﵄، فلما كان عثمان ﵁، وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء (٢)، وفي رواية: التأذين الثاني)). وفي لفظ: ((إن الأذان يوم الجمعة كان أوله حين يجلس الإمام يوم الجمعة على المنبر، في عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر وعمر ﵄، فلما كان في خلافة عثمان ﵁ وكثر الناس أمر
стр. 74
عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك)) (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((قوله: زاد النداء الثالث: في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب: فأمر عثمان بالأذان الأول، ونحوه للشافعي من هذا الوجه، ولا منافاة بينهما؛ لأنه باعتبار كونه مزيداً يسمى ثالثاً، وباعتبار كونه مقدماً على الأذان والإقامة يسمى أولاً. [أما رواية] أن التأذين الثاني أمر به عثمان وتسميته ثانياً أيضاً متوجه بالنظر إلى الأذان الحقيقي، لا الإقامة)) (٢). والنداء الأول للجمعة الذي جعله عثمان ﵁ ليس ببدعة؛ لأمر النبي ﷺ باتباع الخلفاء الراشدين، بقوله: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي،
стр. 75
تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)) (١). وقال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد كلامه على رويات الأذان الذي جعله عثمان: ((وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياساً على بقية الصلوات، فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب)) (٢). وعلق القسطلاني في شرحه للبخاري على حديث السائب بن يزيد، فذكر بأن النداء الذي زاده عثمان هو عند دخول الوقت، وسماه ثالثاً باعتبار كونه مزيداً على الأذان بين يدي الإمام والإقامة للصلاة، وأطلق على الإقامة أذاناً تغليباً بجامع الإعلام فيهما، وكان هذا الأذان لما كثر المسلمون، فزاده اجتهاداً منه وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت، وعدم الإنكار