٣٧
سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني
_
صلاة العيدين
مفهوم، وفضائل، وآداب، وشروط، وأحكام
في ضوء الكتاب والسنة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في: ((صلاة العيدين)) وما يتعلق بهما من أحكام، بينت فيها بتوفيق الله : مفهوم صلاة العيدين، وحكمهما، وآدابهما، وشروط وجوبهما، ووقتهما، وأن خطبة صلاة العيدين بعد الصلاة، وذكرت التكبير أيام العيدين، وأنواعه، وحكم اجتماع العيد والجمعة، وبينت أحكام زكاة الفطر، وأحكام الأضحية، وذكرت بعض المنكرات التي تحصل أيام العيدين، كل
стр. 3
ذلك مقروناً بالأدلة من الكتاب والسنة.
وقد استفدت كثيراً من تقريرات وترجيحات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى، ورفع درجاته في جنات النعيم.
والله أسألُ أن يجعل هذا العمل القليل: مباركاً، نافعاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم، وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، نبيناً، وإمامنا، وقدوتنا، محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف
ليلة السبت الموافق ٥/ ٧/١٤٢٢هـ
стр. 4
أولاً: مفهوم العيدين: العيدُ: كل يوم فيه جمع، والعيد: ما عاد عليك، ويقال: عيَّدوا: شهدوا العيد. واشتقاقه من عاد يعود، كأنهم عادوا إليه، وقيل اشتقاقه من العادة؛ لأنهم اعتادوه، والجمع: أعياد، ويقال: عيَّد المسلمون: شهدوا عيدهم، قال الأزهري: ((العيد عند العرب: الوقت الذي يعود فيه الفرح والحزن)). وقال ابن الأعرابي: ((سمي العيد عيداً؛ لأنه يعود كل سنة بفرح مجدَّد)) (١). قال الإمام النووي ﵀: ((قالوا: وسمي عيداً، لعوده، وتكرره، وقيل: لعود السرور فيه، وقيل: تفاؤلاً بعوده على من أدركه، كما سميت القافلة حين خروجها تفاؤلاً لقفولها سالمة، وهو رجوعها وحقيقتها الراجعة)) (٢). وقيل: سمي عيداً؛ لكثرة عوائد الله تعالى على عباده في ذلك اليوم؛ لأن له عوائد الإحسان على عباده في ذلك اليوم كل عام (٣).
стр. 5
واصطلاحاً: العيد: جمع أعياد: يوم الاحتفال بذكرى سارَّة، أو إعادة الاحتفال بذكرى سارة وأحد العيدين: يوم الفطر، والآخر يوم الأضحى (١)، والمسلمون لهم ثلاثة أعياد لا رابع لها: عيد الفطر، وعيد الأضحى، ويوم الجمعة (٢).
ثانياً: الأصل في صلاة العيدين: الكتاب، والسنة، والإجماع:
١ - أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣). والمشهور في التفسير أن المراد بذلك صلاة العيد (٤).
٢ - وأما السنة ، فثبت بالتواتر أن رسول الله ﷺ كان يُصلِّي صلاة العيدين (٥)، فعن ابن عباس ﵄ قال: ((شهدت العيد مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر،
стр. 6
وعثمان ﵃، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة)) (١). وعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر ﵄ يصلون العيدين قبل الخطبة)) (٢).
٣ - وأما الإجماع ، فأجمع المسلمون على صلاة العيدين (٣).
ثالثاً: حكم صلاة العيدين: قيل: صلاة العيد فرض كفاية، والصواب أن صلاة العيد فرض عين (٤)؛ لقول
стр. 7
الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر ْ﴾ (١)؛ ولحديث أم عطية قالت: أمرنا - تعني النبي ﷺ أن نُخرج في العيدين: العواتق (٢)، وذوات الخدور (٣)، وأمر الحيَّض أن يعتزلن مصلى المسلمين (٤)، ومما يؤكد فرضيتها، وأنها واجبة على الأعيان: أن النبي ﷺ واظب عليها، وقد اشتهر في السِّير أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ يوم عيد الفطر في السنة الثانية للهجرة، ولم يزل يواظب عليها حتى فارق الدنيا، صلوات الله وسلامه عليه، وواظب عليها الخلفاء بعد النبي ﷺ ، وهي من أعلام الدين وشعائره الظاهرة،
стр. 8
وهذا كله يؤيد الوجوب (١).
قال العلامة السعدي ﵀: ((والصحيح أن صلاة العيد فرض عين، والدليل الذي استدلوا به على فرض الكفاية هو دليل على أنها فرض عين؛ ولأن النبي ﷺ كان يُحرِّض عليها حتى يأمر بإخراج العواتق وذوات الخدور، وأمر الحيَّض أن يعتزلن المصلى، ولولا رجحان مصلحتها على كثير من الواجبات لم يحضَّ أمته هذا الحضّ عليها، فدل على أنها من آكد فروض الأعيان)) (٢).
وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((صلاة العيد فرض كفاية عند كثير من أهل العلم ويجوز التخلف من بعض الأفراد عنها، لكن حضوره لها ومشاركته لإخوانه المسلمين سنة مؤكدة لا ينبغي تركها إلا لعذر شرعي. وذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة العيد فرض عين: كصلاة الجمعة، فلا يجوز
стр. 9
لأي مكلف من الرجال الأحرار المستوطنين أن يتخلف عنها، وهذا القول أظهر في الأدلة وأقرب إلى الصواب، ويسن للنساء حضورها مع العناية بالحجاب والستر، وعدم التطيُّب)) (١)، وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ في القول: إن صلاة العيد فرض عين: ((وهذا عندي أقرب الأقوال)) (٢)، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى القول بأن صلاة العيد فرض عين (٣)، وقال ﵀: (( ... ولهذا رجحنا أن صلاة العيد واجبة على الأعيان كقول أبي حنيفة وغيره، وهو أحد أقوال الشافعي وأحد القولين في مذهب أحمد)) (٤)، واختاره تلميذه الإمام ابن القيم ﵀ (٥).
رابعاً: آداب صلاة العيد على النحو الآتي:
стр. 10
١ - الغسل يوم العيد ، ثبت من فعل الصحابة ﵃، فعن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى (١).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((لم يرد في ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ ))، وقال العلامة محمد ناصر الدين الألباني ﵀: ((وأحسن ما يستدل به على استحباب الاغتسال للعيدين، ما روى البيهقي من طريق الشافعي عن زاذان، قال: سأل رجل عليَّاً عن الغسل؟ قال: ((اغتسل كل يوم إن شئت)) فقال: لا، الغسل الذي هو الغسل؟ قال: ((يوم الجمعة، ويوم عرفة (٢)، ويوم النحر، ويوم الفطر)) (٣). وعن سعيد بن المسيب أنه قال: ((سنة الفطر ثلاث: المشي
стр. 11
إلى المصلى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال)) (١).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((يستحب أن يتطهر بالغسل للعيد، وكان ابن عمر يغتسل يوم الفطر، وروي ذلك عن علي ﵁، وبه قال: علقمة، وعروة، وعطاء، والنخعي، والشعبي، وقتادة، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وابن المنذر ... )) (٢)، وقال ابن قدامة أيضاً: ((وروي أيضاً أن النبي ﷺ قال في جمعة من الجمع: ((إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين، فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان طيبٌ فليمسَّ منه، وعليكم بالسواك)) (٣)، فلعل هذه الأشياء بكون الجمعة عيداً؛ ولأنه يوم يجتمع الناس فيه للصلاة فاستحب الغسل فيه كيوم الجمعة، وإن اقتصر على الوضوء أجزأه؛ لأنه إذا لم
стр. 12
يجب الغسل للجمعة مع الأمر به فيها فغيرها أولى)) (١).
٢ - يستحب أن يتنظف، ويتطيب، ويتسوك ، كما ذكر في الجمعة؛ لحديث ابن عباس المذكور آنفاً، وفيه: ((وإن كان طيب فليمسَّ منه وعليكم بالسواك)) (٢).
٣ - يلبس أحسن ما يجد ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: أخذ عمر جبة (٣) من إستبرق (٤) تباع في السوق، فأخذها فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ابتع هذه فتجمَّل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله ﷺ : ((إنما هذه لباس من لا خَلاقَ (٥) له)) (٦)، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((وهذا يدل على أن التجمُّل عندهم في
стр. 13
هذه المواضع كان مشهوراً ... وقال مالك: سمعت أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد، والإمام بذلك أحق؛ لأنه المنظور إليه من بينهم)) (١). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((روى ابن أبي الدنيا والبيهقي بإسناد صحيح إلى ابن عمر أنه كان يلبس أحسن ثيابه في العيدين)) (٢)، وقال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان يلبس للخروج إليهما أجمل ثيابه، فكان له حلة يلبسها للعيدين والجمعة، ومرة كان يلبس بُردين أخضرين (٣)، ومرة بُرداً أحمر، وليس هو أحمر مُصمتاً (٤) كما يظنه بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم يكن برداً، وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية فسمي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك ... )) (٥).
٤ - يستحب أن يأكل قبل خروجه إلى المصلى في عيد
стр. 14
الفطر تمرات، والأفضل أن تكون وتراً، أما عيد الأضحى فالأفضل أن لا يأكل حتى يرجع من المصلى ، فيأكل من أضحيته (١)، فعن أنس ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وتراً)) (٢).
وعن بريدة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي)) (٣)، وقد قيل: الحكمة في الأكل قبل صلاة الفطر: أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد، فكأنه أراد سد هذه الذريعة، وقيل: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع، وقيل: لأن الشيطان
стр. 15
الذي يُحبس في رمضان لا يطلق إلا بعد صلاة العيد، فاستحب تعجيل الفطر بِداراً إلى السلامة من وسوسته، وقيل: وقع أكله ﷺ في كل من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدوِّ إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها، فاجتمعا من جهة وافترقا من جهة أخرى (١)، وذكر ابن قدامة ﵀ أن الحكمة من الإفطار يوم الفطر؛ لأن يوم الفطر حرم فيه الصيام عقب وجوبه فاستحب تعجيل الفطر؛ لإظهار المبادرة إلى طاعة الله تعالى، وامتثال أمره في الفطر على خلاف العادة، والأضحى بخلافه؛ ولأن في الأضحى شرع الأضحية، والأكل منها، فاستحب أن يكون فطره على شيء منها (٢).
٥ - يخرج إلى العيد ماشياً وعليه السكينة والوقار ، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وممن استحب المشي: عمر بن
стр. 16
عبد العزيز، والنخعي، والثوري، والشافعي وغيرهم)) (١)، وقد جاء في ذلك أخبار: فعن سعد أن النبي ﷺ ((كان يخرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً)) (٢)، وعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يخرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً)) (٣).
وعن علي ﵁ قال: ((من السنة أن تخرج إلى العيد ماشياً ... )) (٤)، قال الإمام الترمذي ﵀: ((والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم: يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشياً، وأن يأكل شيئاً قبل أن يخرج لصلاة الفطر،
стр. 17
ويستحب أن لا يركب إلا من عذر)) (١)، وعن أبي رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يأتي العيد ماشياً)) (٢)، وعن سعيد بن المسيب أنه قال: ((سنة الفطر ثلاث: المشي إلى الصلاة، والأكل قبل الخروج، والاغتسال)) (٣).
٦ - السنة أن تُصلَّى صلاة العيدين في المصلى ، ولا يُصلى في المسجد إلا لحاجة؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة)) (٤)، والمصلى بالمدينة قال عنه الحافظ ابن حجر ﵀: ((هو موضع بالمدينة معروف بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، قاله عمر بن شبة في
стр. 18
أخبار المدينة، عن أبي غسان الكناني صاحب مالك)) (١).
وقال الإمام النووي ﵀ عن حديث أبي سعيد ﵁: ((هذا دليل لمن قال باستحباب الخروج لصلاة العيد إلى المصلى وأنه أفضل من فعلها في المسجد، وعلى هذا عمل الناس في معظم الأمصار، وأما أهل مكة فلا يصلونها إلا في المسجد من الزمن الأول)) (٢). قال العلامة ابن الحاج المالكي: ((والسنة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في المصلى؛ لأن النبي ﷺ قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)) (٣)، ثم هو مع هذه الفضيلة العظيمة خرج ﷺ وتركه (٤)، وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((السنة أن يُصلَّى العيد في المصلى،
стр. 19
أمر بذلك علي ﵁، واستحسنه الأوزاعي، وأصحاب الرأي، وهو قول ابن المنذر)) (١)، وقال ﵀ بعد أن ذكر بعض الأقوال المخالفة: ((ولنا أن النبي ﷺ كان يخرج إلى المصلى ويدع مسجده، وكذلك الخلفاء بعده ولا يترك النبي ﷺ الأفضل مع قربه، ويتكلف الناقص مع بعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل؛ ولأننا قد أُمرنا باتباع النبي ﷺ ، والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص والمنهي عنه هو الكامل، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه صلّى العيد بمسجده إلا من عذر؛ ولأن هذا إجماع المسلمين)) (٢).
وإن حصل عذر يمنع الخروج إلى المصلى: من مطر، أو خوف، أو ضعف، أو مرض، أو غير ذلك صلى في المسجد ولا حرج عليه إن شاء الله تعالى (٣).وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((فإذا أصاب الأرض دحض صلوا في المسجد، أما مكة فيصلى العيد في المسجد
стр. 20
مطلقاً، ومن صلى في المسجد صلى تحية المسجد)) (١).
٧ - السنة أن يذهب إلى المصلى من طريق ويرجع من طريق آخر ؛ لحديث جابر ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق)) (٢).
وأعظم الحكم التي يعتمدها المسلم: متابعة النبي ﷺ ، وهذه الحكمة أعلى حكمة يقنع بها المؤمن: أن يقال: هذا أمر الله ورسوله، ودليل ذلك قول الله تعالى (٣): ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (٤)، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا﴾ (٥)، وقول عائشة ﵂ وقد سُئلت: لماذا
стр. 21
تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: ((كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)) (١)، ولم تذكر سوى ذلك من الحكم؛ لأن المؤمن لسانه وحاله: سمعنا وأطعنا (٢).
ولا مانع من وجود الحكم الأخرى؛ فإن الله تعالى لا يشرع شيئاً إلا لحكمة: علمناها أو لم نعلمها. ومما قيل في حكمة مخالفة الطريق يوم العيد، ما يأتي:
١ - قيل: يفعل ذلك؛ ليشهد له الطريقان.
٢ - وقيل: ليشهد له سكانهما من الجن والإنس.
٣ - وقيل: لإظهار شعار الإسلام في الطريقين.
٤ - وقيل: لإظهار ذكر الله تعالى.
٥ - وقيل: ليغيظ أعداء الإسلام.
٦ - وقيل: ليدخل السرور على أهل الطريقين، أو لينتفع به أهل الطريقين في الاستفتاء أو التعلم
стр. 22
والاقتداء والاسترشاد، أو الصدقة والسلام عليهم.
٧ - وقيل: لزيارة الأقرباء وصلة الأرحام.
٨ - وقيل: ليتفاءل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضا.
٩ - وقيل: لتخفيف الزحام.
١٠ - وقيل: لأن الملائكة تقف في الطرقات، فأراد أن يشهد له فريقان منهم (١)، قال الإمام ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر كثيراً من هذه الحكم: ((وقيل وهو الأصح: إنه لذلك كله ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله [ ﷺ ] عنها (٢).
٨ - يستحب للمأموم التبكير إلى مصلى العيد بعد صلاة الصبح ، أما الإمام فيستحب له أن يتأخر إلى وقت الصلاة؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة ... )) (٣)،
стр. 23
ولأن الإمام يُنتظر ولا يَنتظر، ولو جاء إلى المصلى وقعد في مكان مستتر عن الناس فلا بأس. قال الإمام مالك: مضت السنّة أن يخرج الإمام من منزله قدر ما يبلغ مصلاّه، وقد حلّت الصلاة، فأما غيره فيستحب له التبكير، والدنوُّ من الإمام، ليحصل له: أجر التبكير، وانتظار الصلاة، والدنوِّ من الإمام من غير تخطي رقاب الناس، ولا أذى لأحد، قال عطاء بن السائب: كان عبدالرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن معقل، يصليان الفجر يوم العيد وعليهما ثيابهما ثم يندفعان إلى الجبَّانة أحدهما يُكبّر والآخر يُهلّل)) (١).
قال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: ((و الدليل على سنية الخروج بعد صلاة الصبح ما يلي:
أ - عمل الصحابة ﵃ -؛ لأن النبي ﷺ كان يخرج إلى المصلى إذا طلعت الشمس ويجد الناس قد حضروا، وهذا يستلزم أن يكونوا قد تقدموا.
стр. 24
ب - ولأن ذلك أسبق إلى الخير .
ج - ولأنه إذا وصل المسجد وانتظر الصلاة؛ فإنه لا يزال في صلاة .
د - ولأنه إذا تقدم يحصل له الدنوّ من الإمام ، كل هذه العلل مقصودة في الشرع)) (١).
٩ - يُكبّر في طريقه إلى مُصلّى العيد ويرفع صوته بالتكبير ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢)،وقد جاء أن النبي ﷺ كان يخرج يوم الفطر فيكبّر حتى يأتي المصلى، وحتى يقضي صلاته فإذا قضى الصلاة قطع التكبير)) (٣).وقد صحّ عن ابن عمر موقوفاً أنه ((كان يجهر بالتكبير يوم الفطر [ويوم
стр. 25
الأضحى] إذا غدا إلى المصلى حتى يخرج الإمام فيكبر بتكبيره)) (١)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويكبر في طريق العيد ويرفع صوته بالتكبير، وهو معنى قول الخرقي: ((مظهرين للتكبير)) قال أحمد: يكبر جهراً إذا خرج من بيته حتى يأتي المصلى، روي ذلك عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة، وأبي رهم [كلثوم بن الحصين الصحابي] وناس من أصحاب رسول الله ﷺ ،وهو قول عمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان، وأبي بكر بن محمد، وفعله النخعي، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وبه قال الحكم، وحماد، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر وإذا ثبت هذا فإنه يكبر حتى يأتي المصلى ... وقال القاضي [في رواية عن الإمام أحمد] حتى يخرج الإمام)).وقال ابن أبي موسى:
стр. 26
((يكبر الناس في خروجهم من منازلهم لصلاتي العيدين جهراً، حتى يأتي الإمام المصلى، ويكبر الناس بتكبير الإمام في خطبته، وينصتون فيما سوى ذلك)) (١).
وقال العلامة الألباني عن حديث الزهري وابن عمر: ((وفي الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهراً في الطريق إلى المصلى، وإن كان كثير منهم بدأوا يتساهلون بهذه السنة حتى كادت أن تصبح في خبر كان، وذلك لضعف الوازع الديني منهم، وخجلهم من الصدع بالسنة والجهر بها، ومن المؤسف أن فيهم من يتولى إرشاد الناس وتعليمهم، فكان الإرشاد عندهم محصور بتعليم الناس ما يعلمون، وأما ما هم بأمسّ الحاجة إلى معرفته فذلك مما لا يلتفتون إليه ... ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة أن الجهر بالتكبير هنا لا يشرع فيه الاجتماع بصوت واحد، كما يفعله البعض، وكذلك كل ذكر يشرع فيه رفع الصوت أو لا يشرع، فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور ...
стр. 27
فلتكن على حذر من ذلك، ولتذكر دائماً قوله ﷺ : ((وخير الهدي هدي محمد ﷺ )) (١).
١٠ - السنة أن لا يُصلَّى قبل صلاة العيد ولا بعدها ؛ لحديث ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصلِّ قبلها ولا بعدها، ومعه بلال)) (٢)، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((ولم يكن هو [ ﷺ ] ولا أصحابه يصلون إذا انتهوا إلى المصلى شيئاً قبل الصلاة ولا بعدها)) (٣)، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ((والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها خلافاً لمن قاسها على الجمعة)) (٤).
وأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁: ((كان النبي ﷺ لا
стр. 28
يصلي قبل العيد شيئاً فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين)) (١)،فقال عنه العلامة الألباني ﵀: ((والتوفيق بين هذا الحديث والأحاديث المتقدمة النافية للصلاة بعد العيد بأن النفي إنما وقع على الصلاة في المصلى، كما أفاد الحافظ في التلخيص)) (٢).
ولكن إذا احتاج الناس إلى الصلاة في المسجد؛ لخوف، أو مطر، أو برد شديد، أو ريح شديدة، أو غير ذلك من الأعذار فلا يجلس المسلم حتى يصلي ركعتين، لقول النبي ﷺ : ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)) (٣).
١١ - السنة: أنه لا أذان ولا إقامة لصلاة العيدين ؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁، قال: ((صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة)) (٤)،
стр. 29
ولحديث ابن عباس وجابر بن عبد الله ﵃، قالا: ((لم يكن يؤذن يوم الفطر، ولا يوم الأضحى)) (١)، ولمسلم عن عطاء قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري، أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعدما يخرج، ولا إقامة، ولا نداء، ولا شيء، لا نداء يومئذٍ ولا إقامة)) (٢).
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان ﷺ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة، من غير أذان، ولا إقامة، ولا قول: الصلاة جامعة، والسنة أن لا يُفعل شيء من ذلك)) (٣).
وقال الإمام الصنعاني ﵀ في تعليقه على أحاديث نفي الأذان والإقامة لصلاة العيد: ((وهو دليل على عدم شرعيتهما في صلاة العيد فإنهما بدعة)) (٤).
стр. 30
١٢ - لا يحمل السلاح يوم العيد إلا لحاجة لابد منها ؛ لحديث سعيد بن جبير ﵁ قال: كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه فلزقت قدمه بالركاب فنزلتُ فنزعتها - وذلك بمنى - فبلغ الحجاج فجعل يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك؟ فقال ابن عمر: أنت أصبتني، قال: وكيف؟ قال: حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم، ولم يكن السلاح يدخل الحرم)) (١). وفي رواية إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه قال: ((دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده فقال: كيف هو؟ فقال: صالح، فقال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله)) يعني الحجاج (٢).
وقال الحسن: ((نهوا أن يحملوا السلاح يوم عيد إلا أن يخافوا عدواً)) (٣).
стр. 31
وقد جمع الحافظ ابن حجر بين هذا النهي وبين لعب الحبشة في المسجد بالحراب: بأن قصة الحبشة دائرة بين الإباحة والندب على ما دل عليه حديثها وهذا دائر بين الكراهة والتحريم؛ لقول ابن عمر: ((في يوم لا يحل فيه حمل السلاح))، ويجمع بينهما بحمل الأولى على وقوعها ممن حملها بالدربة وعهدت منه السلامة من إيذاء أحد من الناس بها، وحمل الحالة الثانية على وقوعها ممن حملها: بطراً، وأشراً، أو لم يتحفظ حال حملها وتجريدها من إصابتها أحداً من الناس، ولا سيما عند المزاحمة وفي المسالك الضيقة (١)، وقد سبق أن ذكرت في مبحث المساجد الأمر بإمساك نصال السلاح في المساجد والأسواق، وتحريم حمل السلاح على المسلمين، والمزح به.
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن حمل السلاح في يوم العيد: ((لا ينبغي
стр. 32
أن يحمل السلاح فيه إلا أن يكون هناك خوف، وهكذا في الحرمين لا يحمل السلاح إلا إذا دعت الحاجة كما دخل النبي ﷺ )) (١) يعني يوم الفتح.
١٣ - لا بأس باللعب بالدف للجواري، واللعب المباح في يوم العيد؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي جاريتان (٢) تغنيان بغناء (٣) بُعاث (٤) فاضطجع على الفراش، وحوَّل وجهه، وجاء
стр. 33
أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان (١) عند رسول الله ﷺ ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: ((دعهما)) فلما غفل غمزتهما فخرجتا)). وفي رواية قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان مما تقاولت الأنصار (٢) يوم بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين (٣)، فقال
стр. 34
أبو بكر: أبمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ : ((يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا)). وفي لفظ: أن ذلك في منى وأنهما تدقان وتضربان فانتهرهما أبو بكر فكشف النبي ﷺ عن وجهه وقال: ((دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد)) وتلك الأيام أيام منى، وفي رواية لمسلم: ((جاريتان تلعبان بدف)) (١)، ولفظ النسائي: ((أن رسول الله ﷺ دخل عليها
стр. 35
وعندها جاريتان تضربان بدفين، فانتهرهما أبو بكر، فقال النبي ﷺ : ((دعهن فإن لكل قوم عيداً)) (١).
قال الإمام البغوي ﵀: ((وكان الشعر الذي تغنيان في وصف الحرب، والشجاعة، وفي ذكره معونة في أمر الدين، فأما الغناء بذكر الفواحش، والابتهار بالحرام (٢) والمجاهرة بالمنكر من القول فهو المحظور من الغناء، وحاشاه [ ﷺ ] أن يجري شيء من ذلك بحضرته
стр. 36
عليه الصلاة والسلام، فيغفل النكير له، وكل من رفع صوته بشيء جاهراً به، ومصرحاً باسمه لا يستره ولا يكني عنه فقد غنَّى، بدليل قولها: ((وليستا بمغنيتين)) (١)، وقال الإمام القرطبي ﵀: ((وقولها: وليستا بمغنيتين)) أي ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّز من الغناء المعتاد عند المشهورين به الذي يحرك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل، والمجون، الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر يُشَبَّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور، والمحرمات لا يُختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتفاق، أما ما يسلم من تلك المحرمات فيجوز القليل منه، وفي أوقات الفرح: كالعرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، ويدل على جواز هذا النوع هذا الحديث وما في معناه على ما يأتي في أبوابه، مثل: ما جاء في الوليمة، وفي
стр. 37
حفر الخندق، وفي حَدْو الحبشة، وسلمة بن الأكوع، فأما ما أبدعه الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية، والأغراض الشيطانية قد غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، وشهر بذكره حتى عموا عن تحريم ذلك، وعن فحشه، حتى قد ظهرت من كثير منهم عورات المُجَّان والمخانيث، والصبيان، فيرقصون، ويَزْفِنون بحركات مطابقة وتقطيعات متلاحقة، كما يفعل أهل السَّفَه والمجون، وقد انتهى التوقح بأقوام منهم إلى أن يقولوا: إن تلك الأمور من أبواب القرب وصالحات الأعمال، وأن ذلك يثمر صفاء الأوقات، وسيئات الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل البطالة، والمخرقة، نعوذ بالله من البدع، والفتن، ونسأله التوبة والمشي على السنن)) (١).
стр. 38
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يُحصِّل لهم بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى، وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين)) (١).
ومما يؤيد ذلك حديث أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : ((إن الله أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر)) ولفظ النسائي: ((كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما، فلما قدم النبي ﷺ المدينة قال: ((كان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم الفطر، ويوم الضحى)) (٢).
стр. 39
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((هذا يدل على أن الله جعل يوم العيد يوم سرور، ويجوز فيه اللعب فيما لا محذور فيه للنساء والجواري، وفيه التعلم على الآلات كما فعل الحبشة)) (١).
وعن عائشة ﵂، قالت: دخل رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغنا بُعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: ((دعهما)) فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدَّرق (٢) والحراب، فإما سألت رسول الله ﷺ وإما قال: ((تشتهين تنظرين))؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه خدي على خده، وهو يقول: ((دونكم يا بني أرفدة)) (٣)، حتى إذا مللت قال: ((حسبك))؟ قلت: نعم،
стр. 40
قال: ((اذهبي)). وفي لفظ لمسلم: ((جاء الحبشة يزفنون (١) في يوم عيد في المسجد)) (٢).
قال الإمام القرطبي ﵀: ((وأما لعب الحبشة في المسجد فكان لعباً بالحراب والدرق تواثباً، ورقصاً بهما، وهو من باب التدريب على الحرب والتمرين والتنشيط عليه، وهو من قبيل المندوب، ولذلك أباحه النبي ﷺ في المسجد)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((بينما الحبشة يلعبون بحرابهم عند رسول الله ﷺ إذ دخل عمر بن الخطاب فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال رسول الله ﷺ : ((دعهم يا عمر)) (٤).