عليه الصلاة والسلام، فيغفل النكير له، وكل من رفع صوته بشيء جاهراً به، ومصرحاً باسمه لا يستره ولا يكني عنه فقد غنَّى، بدليل قولها: ((وليستا بمغنيتين)) (١)، وقال الإمام القرطبي ﵀: ((وقولها: وليستا بمغنيتين)) أي ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّز من الغناء المعتاد عند المشهورين به الذي يحرك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل، والمجون، الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر يُشَبَّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور، والمحرمات لا يُختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتفاق، أما ما يسلم من تلك المحرمات فيجوز القليل منه، وفي أوقات الفرح: كالعرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، ويدل على جواز هذا النوع هذا الحديث وما في معناه على ما يأتي في أبوابه، مثل: ما جاء في الوليمة، وفي
стр. 37
حفر الخندق، وفي حَدْو الحبشة، وسلمة بن الأكوع، فأما ما أبدعه الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية، والأغراض الشيطانية قد غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، وشهر بذكره حتى عموا عن تحريم ذلك، وعن فحشه، حتى قد ظهرت من كثير منهم عورات المُجَّان والمخانيث، والصبيان، فيرقصون، ويَزْفِنون بحركات مطابقة وتقطيعات متلاحقة، كما يفعل أهل السَّفَه والمجون، وقد انتهى التوقح بأقوام منهم إلى أن يقولوا: إن تلك الأمور من أبواب القرب وصالحات الأعمال، وأن ذلك يثمر صفاء الأوقات، وسيئات الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل البطالة، والمخرقة، نعوذ بالله من البدع، والفتن، ونسأله التوبة والمشي على السنن)) (١).
стр. 38
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يُحصِّل لهم بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى، وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين)) (١).
ومما يؤيد ذلك حديث أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ : ((إن الله أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر)) ولفظ النسائي: ((كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما، فلما قدم النبي ﷺ المدينة قال: ((كان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم الفطر، ويوم الضحى)) (٢).
стр. 39
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((هذا يدل على أن الله جعل يوم العيد يوم سرور، ويجوز فيه اللعب فيما لا محذور فيه للنساء والجواري، وفيه التعلم على الآلات كما فعل الحبشة)) (١).
وعن عائشة ﵂، قالت: دخل رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغنا بُعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، فدخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: ((دعهما)) فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدَّرق (٢) والحراب، فإما سألت رسول الله ﷺ وإما قال: ((تشتهين تنظرين))؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه خدي على خده، وهو يقول: ((دونكم يا بني أرفدة)) (٣)، حتى إذا مللت قال: ((حسبك))؟ قلت: نعم،
стр. 40
قال: ((اذهبي)). وفي لفظ لمسلم: ((جاء الحبشة يزفنون (١) في يوم عيد في المسجد)) (٢).
قال الإمام القرطبي ﵀: ((وأما لعب الحبشة في المسجد فكان لعباً بالحراب والدرق تواثباً، ورقصاً بهما، وهو من باب التدريب على الحرب والتمرين والتنشيط عليه، وهو من قبيل المندوب، ولذلك أباحه النبي ﷺ في المسجد)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((بينما الحبشة يلعبون بحرابهم عند رسول الله ﷺ إذ دخل عمر بن الخطاب فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال رسول الله ﷺ : ((دعهم يا عمر)) (٤).
стр. 41
قال القرطبي ﵀: ((وإنكار عمر عليهم تمسكٌ منه بالصورة الظاهرة، كما قلنا في حق أبي بكر ﵄) (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((واللعب بالحراب ليس لعباً مجرداً، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو)) (٢). وقال ﵀ في موضع آخر: ((واستدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب والتنشيط عليه)) (٣).
ويشرع لعب النساء بالدف في العرس دون الرجال؛ لحديث الربيع بنت معوذ، وفيه: أن النبي ﷺ وجد عندها غداة بُنِيَ عليها جويريات يضربن بالدف، قالت أم الربيع: ((يندُبن (٤) من قتل من آبائي يوم بدر حتى قالت جارية: وفينا نبي الله يعلم ما في غد، فقال النبي ﷺ : ((لا
стр. 42
تقولي هذا وقولي ما كنت تقولين)) (٥). وعن محمد بن حاطب الجمحي، قال: قال رسول الله ﷺ : ((فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح)) (٦). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يدل على مشروعية الدف والصوت للنساء: الغناء العادي، أما المزامير والغناء المحرم فلا، والدف هو ذو الوجه الواحد، ويقال له الطار)) (٧).
وعن عائشة ﵂ أنها زفَّت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله ﷺ : ((يا عائشة ما كان معكم لهو،
стр. 43
فإن الأنصار يعجبهم اللهو))؟ (١)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وفي رواية شريك، فقال: ((بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني))؟ قلت تقول: ماذا؟ قال تقول:
أتيناكم أتيناكم ... فحيَّانا وحيَّاكم
ولولا الذهب الأحمر ... ما حلت بواديكم
ولولا الحنطة السمراء ... ما سمنت عذاريكم (٢)
فظهر مما تقدم من الأحاديث في اللعب ما يأتي:
١ - جواز اللعب للنساء والجواري والضرب بالدف أيام العيد بشرط أن لا يكون شعراً محرماً أو شعراً بآلات الطرب المحرمة.
٢ - مشروعية الضرب بالدف في النكاح ويكون ذلك للنساء خاصة بشرط أن لا يقلن الألفاظ المحرمة كما تقدم.
٣ - جواز اللعب للرجال الذي فيه تدريب على الحرب
стр. 44
والقتال، وتعلم الكرّ والفرّ في الجهاد في سبيل الله تعالى.
٤ - لا يجوز لعب الرجال بالدف ولا بغيره ، أما اللعب الذي فيه تدريب على الجهاد بدون دف فلا بأس به كما تقدم.
قال المباركفوري ﵀: ((الإذن في ذلك للنساء فلا يلحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن، وكذلك الغناء المباح في العرس مختص بالنساء، فلا يجوز للرجال)) (١).
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((أما ضرب الدف فهو من باب إعلان النكاح للنساء خاصة)) (٢) والله الموفق (٣).
١٤ - خروج النساء إلى مصلى العيد متحجبات غير متطيّبات ؛ لحديث أم عطية ﵂ قالت عن النبي ﷺ
стр. 45
سمعته يقول: ((تخرج العواتق وذوات الخدور، أو العواتق ذوات الخدور، والحيّض، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين ويعتزل الحيّض المصلى)). وفي لفظ: ((أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والحيض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله: إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: ((لتلبسْها أختُها من جلبابها)) (١). وصلاة العيد ليست واجبة على المرأة ولكنها سنة في حقها وتصليها في المصلى مع المسلمين؛ لأمر النبي ﷺ بذلك (٢)، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((وخروج النساء في صلاة العيد سنة وليس بواجب)) (٣).
١٥ - خروج الصبيان إلى المصلى ؛ ليشهدوا دعوة
стр. 46
المسلمين، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((باب خروج الصبيان إلى المصلى)) ثم ساق حديث ابن عباس ﵄ قال: ((خرجت مع النبي ﷺ يوم فطر أو أضحى فصلى العيد ثم خطب، ثم أتى النساء فوعظهن، وذكرهن، وأمرهن بالصدقة)) (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((قوله باب خروج الصبيان إلى المصلى)) أي في الأعياد، وإن لم يصلوا. قال الزين بن المنير: آثر المصنف في الترجمة قوله: إلى المصلى على قوله: صلاة العيد؛ ليعم من يتأتى منه الصلاة ومن لا يتأتى)) (٢). وفي لفظ لحديث ابن عباس ﵄ حينما سئل: أشهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته ... )) (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: قال ابن بطال: خروج الصبيان إلى المصلى إنما هو إذا كان الصبي ممن يضبط نفسه عن اللعب ويعقل
стр. 47
الصلاة ويتحفظ مما يفسدها، ألا ترى إلى ضبط ابن عباس القصة. اهـ[قال الحافظ]: وفيه نظر؛ لأن مشروعية إخراج الصبيان إلى المصلى إنما هو للتبرك وإظهار شعار الإسلام بكثرة من يحضر منهم، ولذلك شرع للحيَّض كما سيأتي، فهو شامل لمن تقع منهم الصلاة أو لا، وعلى هذا إنما يحتاج أن يكون مع الصبيان من يضبطهم عما ذكر من اللعب ونحوه سواء صلوا أم لا، وأما ضبط ابن عباس القصة فلعله كان لفرط ذكائه، والله أعلم)) (١).
١٦ - التهنئة بالعيد من فعل أصحاب النبي ﷺ -، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ورُوِّينا في ((المحامليات)) بإسناد حسن عن جبير بن نُفير قال: ((كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منَّا ومنك)) (٢).
стр. 48
ونقل ابن قدامة ﵀ عن ابن عقيل في تهنئة العيد أن محمد بن زياد قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي ﷺ فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض: ((تقبل الله منا ومنك)). وقال أحمد: إسناد حديث أبي أمامة إسناد جيد، وقال علي بن ثابت: ((سألت مالك بن أنس منذ خمس وثلاثين سنة وقال: لم نزل نعرف هذا بالمدينة)) (١). ((وقال أحمد ﵀: ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد: تقبل الله منا ومنك، وقال حرب: سئل أحمد عن قول الناس في العيدين: تقبَّل الله منا ومنكم، قال: لا بأس به يرويه أهل الشام عن أبي أمامة، قيل: وواثلة بن الأسقع؟ قال: نعم، قيل فلا تكره أن يقال هذا يوم العيد؟ قال: لا)) (٢)، ((وروي عن أحمد أنه قال: لا أبتدي به أحداً، وإن قاله أحد رددت عليه)) (٣)، وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن
стр. 49
التهنئة في العيد، فأجاب: ((أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: تقبل الله منا ومنكم، وأحاله الله عليك، ونحو ذلك فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا أبتدئ أحداً، فإن ابتدأني أحد أجبته، وذلك لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأموراً بها، ولا هو أيضاً مما نهي عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة، والله أعلم)) (١).
١٧ - يقضي صلاة العيد من فاتته مع الإمام ، قال الإمام البخاري ﵀: ((بابٌ إذا فاتته العيد يصلي ركعتين. وكذلك النساء ومن كان في البيوت، والقرى، لقول النبي ﷺ : ((هذا عيدنا أهل الإسلام))، وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية (٢) فجمع أهله وبنيه
стр. 50
وصلى صلاة أهل المصر وتكبيرهم، وقال عكرمة: أهل السواد (١) يجتمعون في العيد يصلون ركعتين كما يصنع الإمام، وقال عطاء: إذا فاته العيد صلى ركعتين)) (٢)، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((في هذه الترجمة حكمان: مشروعية استدراك صلاة العيد إذا فاتت مع الجماعة سواء كانت بالاضطرار أو بالاختيار، وكونها تقضى ركعتين كأصلها)) (٣)(٤).
стр. 51
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجملة القول أن من فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه)) (١)، ثم يبين ﵀ أنه إن أحب قضاءها استحب له أن يقضيها، ثم ذكر الأقوال التي أشير إليها آنفاً (٢).
ثم قال ﵀: ((وإن أدرك الإمام في التشهد جلس معه فإذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين يأتي فيهما بالتكبير؛ لأنه أدرك بعض الصلاة التي ليست مبدلة من أربع فقضاها على صفتها كسائر الصلوات. وإن أدركه في الخطبة: فإن كان في المسجد صلى تحية المسجد؛ لأنها إذا صليت في خطبة الجمعة التي يجب الإنصات لها ففي خطبة العيد أولى ... فأما إن لم يكن في المسجد؛ فإنه يجلس
стр. 52
فيستمع ثم إن أحب قضى صلاة العيد على ما ذكرناه)) (١).
خامساً: يشترط الاستيطان لوجوب صلاة العيد ، والعدد المشترط لصلاة الجمعة؛ لأن النبي ﷺ لم يصلها في سفره ولا خلفاؤه، وكذلك العدد المشترط للجمعة وهو على الصحيح ثلاثة: إمام ورجلان معه؛ لأنها صلاة عيد فأشبهت الجمعة، ولا يشترط إذن الإمام لإقامة صلاة العيد على الصحيح، وليس من شرط صحتها الاستيطان ولا عدد الجمعة، وإنما هما شرط للوجوب؛ لأن صلاة العيد تصح من الواحد (٢).
стр. 53
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن ((من شرطها الاستيطان، وعدد الجمعة، فيفعلها المسافر، والعبد، والمرأة تبعاً ولا يستحب قضاؤها لمن فاتته منهم، وهو قول أبي حنيفة)) (١)، والله سبحانه أعلم (٢).
وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رحمه الله تعالى: ((صلاة العيد إنما تقام في المدن والقرى، ولا تشرع إقامتها في البوادي والسفر، هكذا جاءت السنة عن رسول الله ﷺ ، ولم يحفظ عنه ﷺ ، ولا عن أصحابه ﵃ أنهم صلوا صلاة العيد في السفر ولا في
стр. 54
البادية، وقد حج حجة الوداع ﵊ فلم يصلِّ الجمعة في عرفة، وكان ذلك اليوم هو يوم الجمعة، ولم يصلِّ صلاة العيد في منى، وفي اتباعه ﷺ وأصحابه ﵃ كل الخير والسعادة، والله ولي التوفيق)) (١)(٢).
وقال شيخنا أيضاً عن العدد المشترط لصلاة الجمعة والعيد: ((واختلف العلماء في العدد المشترط لهما، وأصح الأقوال أن أقل عدد تقام به الجمعة والعيد ثلاثة فأكثر، أما شرط الأربعين فليس له دليل صحيح يعتمد عليه، ومن شرطهما الاستيطان، أما أهل البادية والمسافرون
стр. 55
فليس عليهم جمعة ولا صلاة عيد)) (١).
سادساً: وقت صلاة العيد أوله بعد ارتفاع الشمس قيد رمح ؛ لحديث يزيد بن حُمير الرحبي قال: خرج عبد الله بن بسر صاحب رسول الله ﷺ مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام فقال: ((إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح)) (٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((قوله: وذلك حين التسبيح أي وقت السبحة وهي النافلة، وذلك إذا مضى وقت الكراهة))، وفي رواية صحيحة للطبراني: ((وذلك حين تسبيح الضحى))، قال ابن بطال: ((أجمع الفقهاء على أن العيد لا تصلى قبل طلوع الشمس ولا عند طلوعها،
стр. 56
وإنما جوزوا عند جواز النافلة)) (١)، وآخر وقت صلاة العيد زوال الشمس، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ووقتها من حين ترتفع الشمس ويزول وقت النهي إلى الزوال، فإن لم يعلم بها إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم)) (٢)؛ لحديث أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: أغمي علينا هلال شوال فأصبحنا صياماً، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند النبي ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد)) (٣).وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس)) (٤).وعن أبي
стр. 57
هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون)) (١).
والأفضل تعجيل صلاة عيد الأضحى إذا ارتفعت الشمس قيد رمح، وتأخير صلاة الفطر، فتصلى إذا ارتفعت الشمس قيد رمحين (٢).
стр. 58
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((ويسن تقديم صلاة الأضحى؛ ليتسع وقت التضحية، وتأخير الفطر؛ ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر، وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافاً ... )) (١)؛ولأن لكل عيد وظيفة: فوظيفة الفطر إخراج الفطرة ووقتها قبل الصلاة، ووظيفة الأضحى التضحية، ووقتها بعد الصلاة، وفي تأخير الفطر وتقديم الأضحى توسيع لوظيفة كل منهما)) (٢).
وقال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان [ ﷺ ] يؤخر صلاة عيد الفطر ويعجل الأضحى، وكان ابن عمر مع شدة اتّباعه لا يخرج حتى تطلع الشمس، ويُكبِّر من بيته إلى المصلى)) (٣)، قال العلامة ابن عثيمين ﵀ في الحكمة من تعجيل الأضحى وتأخير الفطر: ((أما النظر؛ فلأن الناس في صلاة عيد الفطر محتاجون إلى امتداد الوقت، ليتسع وقت إخراج زكاة الفطر؛ لأن أفضل وقت تخرج فيه زكاة الفطر صباح
стр. 59
يوم العيد قبل الصلاة؛ لحديث ابن عمر: ((أمر أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة)) (١)، ومعلوم أنه إذا امتدت الصلاة وتأخرت صار هذا أوسع للناس. وأما عيد الأضحى فإن المشروع المبادرة بالتضحية؛ لأن التضحية من شعائر الإسلام وقد قرنها الله في كتابه بالصلاة فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣)، ففعلها مبادراً بها في هذا اليوم أفضل، وهذا إنما يحصل إذا قدمت الصلاة،؛ لأنه لا يمكن أن يذبح الأضحية قبل الصلاة)) (٤).
سابعاً: صفة صلاة العيد: السنة أن يصلي الإمام إلى سترة؛ لحديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثم
стр. 60
اتخذها الأمراء)). وفي رواية: ((أن النبي ﷺ كان تُركز له الحربة قُدَّامه يوم الفطر، والنحر، ثم يصلي)). وفي رواية: ((كان النبي ﷺ يغدو إلى المصلى، والعنزة بين يديه تُحمل، وتُنصب بالمُصَلَّى بين يديه، فيصلي إليها)) (١). ولا خلاف بين أهل العلم في أن صلاة العيد مع الإمام ركعتان، وفيما تواتر عن النبي ﷺ أنه صلى العيد ركعتين وفعله الأئمة بعده إلى عصرنا، ولم يُعلم أن أحداً فعل غير ذلك، ولا خلاف فيه (٢)،وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: ((صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد ﷺ )) (٣)، ويصلي الصلاة قبل
стр. 61
الخطبة (١)، يكبر في الركعة الأولى تكبيرة الإحرام ثم يقرأ دعاء الاستفتاح، ثم يكبر ست تكبيرات: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر؛، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي ﷺ : ((التكبيرة في الفطر: سبع في الأولى، وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما)) (٢)؛ ولحديث عائشة ﵂ ((أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمساً سوى تكبيرتي الركوع)) (٣). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((هذه السبع التكبيرات مع تكبيرة الإحرام، وفي الركعة
стр. 62
الثانية يأتي بخمس غير تكبيرة النقل)) (١).
ثم يستعيذ ويقرأ الفاتحة وسورة ((ق)) أو سورة ((سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى))، ثم يكمل الركعة ثم يقوم من الركعة الأولى مكبراً، ثم يكبر خمساً بعد أن يستتم قائماً، وقد ثبت عن ابن عباس ﵄: ((أنه كان يكبر في العيد في الأولى سبع تكبيرات بتكبيرة الافتتاح وفي الآخرة ستاً بتكبيرة الركعة كلهن قبل القراءة)) (٢). ثم يقرأ الفاتحة وسورة اقتربت أو سورة الغاشية (٣)؛ لحديث أبي واقد الليثي ﵁
стр. 63
أن عمر بن الخطاب ﵁ سأله: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر، فقال: ((يقرأ فيهما بـ ﴿ق~ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١)؛ ولحديث النعمان بن بشير ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين)) (٢). ويرفع يديه مع كل تكبيرة لعموم الأحاديث (٣)؛ ولفعل عمر ﵁ (٤)،
стр. 64
ويقول بين التكبيرات ما ثبت عن ابن مسعود ﵁ بحضرة حذيفة وأبي موسى، أن الوليد بن عقبة قال: إن العيد قد حضر فكيف أصنع؟ فقال ابن مسعود: تقول: الله أكبر، وتحمد الله، وتثني عليه، وتصلي على النبي ﷺ ، وتدعو الله، ثم تكبر، وتحمد الله وتثني عليه، وتصلي على النبي ﷺ ، ثم تكبر، وتحمد الله، وتثني عليه وتصلي على النبي ﷺ ،
стр. 65
وتدعو الله، ثم تكبر، وتحمد الله، وتثني عليه، وتصلي على النبي ﷺ وتدعو الله ثم تكبر، فقال حذيفة وأبو موسى: أصاب)) (١).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ((وكان [ ﷺ ] يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، فيصلي ركعتين، يكبر في الأولى سبع تكبيرات متوالية بتكبيرة الافتتاح (٢) يسكت بين كل
стр. 66
تكبيرتين سكتة يسيرة، ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات، ولكن ذُكر عن ابن مسعود أنه قال: يحمد الله، ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ ،ذكره الخلال، وكان ابن عمر مع تحريه للاتباع يرفع يديه مع كل تكبيرة ... )) (١).
ثامناً: خطبة صلاة العيد بعد الصلاة: فإذا سلم الإمام قام فاستقبل الناس وخطبهم (٢) بما يناسب الحال، فإن
стр. 67
كان في عيد الفطر: أمرهم بصدقة الفطر، وبيَّن لهم وجوبها، وثوابها، وقدر المخرج، وجنسه، وعلى من تجب، وإلى من تدفع، وأن من أخرجها قبل الصلاة فهي زكاة مُتقبّلة، ومن أخرجها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. ويأمر بالتقوى، ويعظ، ويوصي بطاعة الله. وإن كان في عيد الأضحى ذكر الأضحية، وفضلها، وأنها سنة مؤكدة جداً، وبين ما يجزئ فيها، ووقتها، وذبحها، والعيوب التي تمنع منها، وكيفية تفرقتها، وما يقول
стр. 68
المسلم عند ذبحها، ويأمر بالتقوى، ويوصي بطاعة الله تعالى ويذكر الناس، ويأمر بالصدقة لفعل النبي ﷺ (١).
فقد ثبت في الحديث الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم، ويوصيهم، ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف)). وفي لفظ مسلم: وكان يقول: ((تصدقوا، تصدقوا، تصدقوا)). وكان أكثر من يتصدق النساء، ثم ينصرف (٢).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ((شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله،
стр. 69
وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن، وذكرهن، فقال: ((تصدقن فإن أكثركنّ حطب جهنم)) فقامت امرأة من سِطة (١) النساء سفعاء الخدين (٢) فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: ((لأنكن تُكثِرن الشّكاة (٣) وتكفرْن العشير)) (٤) قال: فجعلهن يتصدقن من حليهن، ويلقين في ثوب بلال من أقرطهن (٥) وخواتيمهن)) (٦). ولفظ البخاري: ((قام النبي ﷺ
стр. 70
يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة، ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء، فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء الصدقة)) (١).
وعن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة: مروان، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة؟ فقال: قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) (٢).
والخطبة بعد الصلاة؛ لفعل النبي ﷺ ؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: ((شهدت (٣) العيد مع رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة)) (٤).
стр. 71
وعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ يصلون العيدين قبل الخطبة)) (١). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجملته أن خطبتي العيدين بعد الصلاة، لا نعلم فيه خلافاً بين المسلمين، إلا عن بني أمية ... ولا يعتد بخلاف بني أمية؛ لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم، ومخالف لسنة رسول الله ﷺ الصحيحة، وقد أُنكِرَ عليهم فعلهم، وعُدَّ بدعة، ومخالفاً للسنة)) (٢).
و خطبة العيد تبدأ بالحمد (٣) قال الإمام ابن القيم رحمه
стр. 72
الله: ((وكان ﷺ يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير ... )) (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((لم ينقل أحد عن النبي ﷺ أنه افتتح خطبة بغير الحمد (٢): لا خطبة عيد، ولا خطبة استسقاء، ولا غير ذلك)) (٣).
و دلت السنة أن النبي ﷺ كان يخطب يوم العيد على مكان مرتفع ؛ لحديث جابر ﵁ وفيه: ((قام النبي ﷺ يوم الفطر، فصلى، فبدأ بالصلاة، ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن ... )) (٤). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((ولا ريب أن المنبر لم يكن يخرج من المسجد، وأول من أخرجه مروان بن الحكم، فأُنكر عليه، وأما منبر اللبن
стр. 73
والطين فأول من بناه كثير بن الصلت في إمارة مروان على المدينة، فلعله ﷺ كان يقوم في المصلى إلى مكان مرتفع، أو دكان، وهي التي تسمى مصطبة، ثم ينحدر منه إلى النساء فيقف عليهن، فيخطبهن، فيعظهن، ويذكرهن، والله أعلم (١). وعن أبي كامل الأحمسي ﵁ قال: ((رأيت النبي ﷺ يخطب على ناقة، وحبشيٌّ آخذ بخطام الناقة)) (٢).
و رخّص النبي ﷺ لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة ، وأن يذهب (٣)؛ لحديث عبد الله بن السائب ﵁ قال: ((شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: ((إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب فليذهب)) (٤). قال الإمام ابن قدامة رحمه
стр. 74
الله: ((والخطبة سنة لا يجب حضورها، ولا استماعها، وإنما أُخِّرت عن الصلاة والله أعلم؛ لأنها لما كانت غير واجبة جعلت في وقت يتمكن من أراد تركها مِنْ تَرْكِهَا، بخلاف خطبة الجمعة، والاستماع لها أفضل)) (١)، وثبت أن النبي ﷺ خطب يوم الأضحى بمنى في حجة الوداع على ناقته العضباء (٢)، وخطب ﷺ بين أوسط أيام التشريق بمنى (٣)، وعن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت خطبة رسول الله ﷺ بمنى يوم النحر (٤).
وعن عبد الرحمن بن معاذ التيمي ﵁ قال: خطبنا رسول
стр. 75
الله ﷺ ونحن بمنى ففُتحت أسماعنا، حتى كُنَّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم ... )) (١).
فظهر في هذه الأحاديث أن النبي ﷺ خطب في منى في حجة الوداع: يوم النحر، ثم خطب أوسط أيام التشريق، ومن أعظم خطبه ما ثبت من حديث أبي بكر ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر [قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه، أو بزمامه، ثم قال] ((أتدرون أي يوم هذا))؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: ((أليس يومَ النحر))؟ قلنا: بلى، قال: ((أيّ شهر هذا))؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: ((أليس بذي الحجة))؟ قلنا: بلى، قال: ((أيّ بلد هذا))؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليست بالبلدة الحرام))؟ قلنا: بلى، قال: ((فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، وأبشاركم،