صلة الأرحام
مفهوم, وفضائل، وآداب, وأحكام
في ضوء الكتاب والسنة
تأليف الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في <صلة الأرحام> بيَّنت فيها مفهوم صلة الأرحام، لغة واصطلاحاً، ومفهوم قطيعة الأرحام لغة واصطلاحاً، ثم ذكرت الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على وجوب صلة الأرحام، وتحريم قطيعة الأرحام.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل مباركاً، نافعاً،
стр. 3
خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كلَّ من انتهى إليه؛ فإنه تعالى خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليم العظيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف: أبو عبد الرحمن
حرر بعد عصر يوم الخميس الموافق ٢/ ٥/١٤٢٦هـ بمدينة الرياض
стр. 4
أولاً: مفهوم صلة الأرحام: لغة وشرعاً:
لغة: صلة: يقال: وصلتُ الشيء بغيره وصلاً، فاتصل به، وَوَصَلْتُهُ وصلاً، وصلةً، ضد: هجرته، وواصلته مواصلةً ووصالاً (١) , وهو مصدر وصل الشيء بالشيء: ضمّه إليه وجمعه معه (٢).
قال ابن الأثير ﵀: ((تكرر في الحديث ذكر صلة الرحم: وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب، والأصهار، والتعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن بَعُدُوا أو أساءوا, وقطعُ الرحم ضِدُّ ذلك كله، يقال: وَصَل رَحِمَهُ يَصِلُهَا وَصْلاً وَصِلَةً, والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة, فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل
стр. 5
ما بينه وبينهم: من عَلاقة القرابة والصِّهرِ)) (١).
وصلة الرحم اصطلاحاً: الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول: فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة، وتارة بالسلام (٢) [وتارة بطلاقة الوجه، وتارة بالنصح، وتارة برد الظلم، وتارة بالعفو والصفح وغير ذلك من أنواع الصلة على حسب القدرة والحاجة والمصلحة].
ثانياً: مفهوم قطيعة الأرحام لغة واصطلاحاً:
لغة: يقال: قطعتُ الثمرة: جَدَدْتُها، وقطعت الصديق قطيعة: هجرته، وقطعته عن حقه: منعته (٣). وهو مصدر قطع جمع قطائع: الهجر وعدم
стр. 6
الاتصال مع منع الخير (١).
قال ابن الأثير ﵀: ((القطيعة: الهجران والضَّدُّ, وهي فعلية, من القطع, ويُريدُ به ترك البرِّ والإحسان إلى الأهل والأقارب، وهي ضدُّ صلة الرحم)) (٢).
وقطيعة الرحم اصطلاحاً: هجر القريب، وترك وصله، والإحسان إليه (٣).
ثالثاً: صلة الأرحام من أعظم الواجبات , وأفضل الطاعات، وقطيعتها من أعظم الذنوب وأخطر الآفات؛ للأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة على النحو الآتي:
١ - أمر الله بصلة الأرحام , فقال:
وقال ﵎: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١). وبين الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: أن المعنى لقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي في حكم الله، وأنها ليست خاصة بالأرحام الذين يذكرهم علماء الفرائض الذين ليس لهم فرض، وليسوا من العصبة، بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات، كما نص عليه ابن عباس ﵄ وغيره (٢).
وقال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ (٣). أي القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، وهذه ناسخة لما كان قبلها من
стр. 9
التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم كما قال ابن عباس ﵄ وغيره (١).
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). والمعنى: اتقوا الله بطاعتكم إياه، واتقوا الأرحام أن تقطعوها ولكن برّوها وصلوها، قاله ابن عباس ﵄ وغيره (٣).
٢ - صلة الأرحام يزيد الله بها في العمر، ويبسط في الرزق، ويصل من وصلها، وهي من أسباب المحبة بين الأهل والأقارب.
فعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في
стр. 10
أثره (١) فليصل رحمه)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من سره أن يُبسط له في رزقه،
стр. 11
وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه)) (١).
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: ((إنه من أُعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق وحسن الجوار، يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراةٌ في المال، مَنْسَاةٌ (٣) في الأثر)) (٤).
стр. 12
وعن جبير بن مطعم ﵁ أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول على المنبر: ((تعلموا أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم (١)؛ لأوزعه ذلك عن انتهاكه)) (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم؛ فإنه لا قرب لرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة، ولا
стр. 13
بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة)) (١).
وزاد البخاري في الأدب المفرد موقوفاً على ابن عباس ﵄: (( ... وكل رحم آتية يوم القيامة أمام صاحبها تشهد له بصلة إن كان وصلها، وعليه بقطيعة إن كان قطعها)) (٢).
٣ - صلة الأرحام من أول الأمور المهمة التي دعا إليها النبي ﷺ في أول بعثته، ففي حديث سفيان ابن حرب: أن هرقل عظيم الروم قال له حينما سأله عن رسالة النبي ﷺ ((ماذا يأمركم؟ قال: أبو سفيان: قلت: يقول: ((اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً،
стр. 14
واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة)) (١).
٤ - واصل رحمه لا يخزيه الله تعالى ، وتكون قوة إيمانه وخشيته لله على حسب صلته برحمه؛ ولهذا كان النبي ﷺ أوصل الناس لرحمه كما قالت أم المؤمنين خديجة ﵂ له: (( ... كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقريء الضيف، وتعين على نوائب الحق ... )) (٢).
٥ - صلة الأرحام من أسباب دخول الجنة ، فعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رجلاً
стр. 15
قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال ﷺ : ((تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم)) (١).
وعن عبد الله بن سلام ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام, تدخلوا الجنة بسلام)) (٢).
٦ - صلة الرحم من أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الإيمان بالله؛ لحديث رجل من خثعم قال: أتيت
стр. 16
النبي ﷺ وهو في نفر من أصحابه, فقلت: أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ قال: ((نعم)) قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الأعمال أحب إلى الله؟ قال: ((الإيمان بالله)) قال: قلت: يا رسول الله! ثم مه؟ قال: ((ثم صلة الرحم)) قال: قلت: يا رسول الله ثم مه؟ قال: ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))، قال: قلت: يا رسول الله! أي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: ((الإشراك بالله)) قال: قلت: يا رسول الله! ثم مه؟ قال: ((ثم قطيعة الرحم)) قال: قلت: يا رسول الله! ثم مه؟ قال: ((ثم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف)) (١).
٧ - صلة الرحم وصية رسول الله ﷺ -.
стр. 17
لحديث أبي ذر ﵁ قال: ((أوصاني خليلي ﷺ بخصال من الخير: أوصاني أن لا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أنظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين, والدنوِّ منهم، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت، وأوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرًّا، وأوصاني أن أكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة)) (١).
٨ - صلة الرحم من أسباب النجاة من العقوبة ؛ لأن قطيعة الرحم تسبب العقوبة، في الدنيا والآخرة.
стр. 18
فعن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من ذنبٍ أجدرُ أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مَعَ ما يَدَّخرُ له في الآخرة: من البغي, وقطيعة الرحم)) (١).
وعن جبير بن مطعم ﵁ عن
النبي ﷺ أنه قال: ((لا يدخل الجنة قاطع)) (٢)، يعني قاطع رحم (٣)، ولفظ أبي داود: ((لا يدخل الجنة قاطع
стр. 19
رحم)) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذِ بك من القطيعة)). قال: ((نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟)) قالت: بلى يا رب، قال: ((فهو لك))، ثم قال رسول الله ﷺ : ((اقرؤوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢).
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني
стр. 20
وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)) (١).
وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله : أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بَتَتُّهُ)) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((الرحم شجنة, من الرحمن، فقال الله: من وصلك وصلتُه، ومن قطعك قطعتُهُ)) (٣).
وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال:
стр. 21
((الرحم شجنة, فمن وصلها وصلتُهُ، ومن قطعها قطعتهُ)) (١).
وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ جهاراً غير سرٍّ يقول: ((إن آل أبي - يعني - فلاناً، ليسوا لي بأولياء، إنما ولييَ اللهُ وصالحُ المؤمنين، ولكن لهم رَحِمٌ أبُلُّها ببلالها)) يعني أصلها بصلتها (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ في حديثه في دعوة النبي ﷺ لقريش حينما جمعهم وقام على الصفا، وفيه: (( ... يا بني هاشم انقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب انقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة
стр. 22
أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رَحِماً، سأبلُّها ببلالها)) (١).
٩ - صلة الرحم الكاملة , التي تحصل بها الإعانة, هي أن المسلم يصل من قطعه.
فعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: ((لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملَّ (٢)، ولايزال معك من الله ظهير عليهم (٣) ما دمت على ذلك)) (٤).
стр. 23
وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: ((ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وصلها)) (١) , والمراد بالواصل في هذا الحديث: الكامل؛ فإن المكافأة نوع صلة، ولا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع، فهم ثلاث درجات: واصل، ومكافئ، وقاطع، فالواصل من يعطي ويتفضل ولا يُتفضل عليه، والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذي يأخذ ولا يعطي، ويتُفضل عليه ولا يَتَفَضَّل, وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع بالمقاطعة من الجانبين, فمن بدأ بالوصل فحينئذٍ هو الواصل (٢).
стр. 24
١٠ - صلة الرحم من صفات المؤمنين بالله واليوم الآخر؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)). وفي لفظ: ((فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت)) (١).
١١ - صلة الرحم من أسباب قبول العمل ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول
стр. 25
الله ﷺ يقول: ((إن أعمال بني آدم تُعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبلُ عمل قاطعِ رَحِمٍ)) (١).
١٢ - صلة الرحم من صفات أصحاب العقول السليمة ، الذين يجمع الله بينهم وبين أحبابهم في جنات عدن، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ (٢).
قال ابن كثير ﵀: ((والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل)) من صلة الأرحام والإحسان إليهم، وإلى الفقراء والمحاويج، وبذل المعروف)) (٣).
стр. 26
١٣ - صلة الرحم من أسباب السلامة من اللعنة ، والنجاة من النار، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (١).
١٤ - الصدقة على ذي الرحم: اثنتان: صدقة وصلة ، فعن سليمان بن عامر الضبي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذي الرحم اثنتان: صدقةٌ, وصلةٌ)) (٢).
стр. 27
١٥ - والرحم التي أُمر بصلتها ، هي كل ما يرتبط بقرابة, سواء كانت من الأصول: كالآباء والأمهات وإن علوا, والفروع وإن نزلوا، والحواشي: من الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، كما دل على أصل ذلك حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رجل: يا رسول الله! من أحق بحسن الصحبة؟ قال: ((أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك، أدناك)) (١).
١٦ - صلة الرحم أنواع على حسب الحاجة ، فتكون بالنفقة لمن يحتاج ذلك، وتكون بالهدية، وبالتودد إليهم، وبالعون والإعانة على الحاجات، وبالنصيحة، وبدفع الضرر، وبالإنصاف معهم،
стр. 28
وطلاقة الوجه، وبالعدل والقيام بالحقوق الواجبة، وبالدعاء، وبتفقد أحوالهم، والتغافل عن زلاتهم، والزيارة, وبالشفاعة الحسنة, والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الضرر (١).
ويجمع أنواع الصلة قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢).
١٧ - صلة الرحم واجبة على حسب الحاجة ولو كانت بعيدة؛ لحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً؛ فإن لهم ذمة ورحماً)) وفي لفظ: ((إنكم ستفتحون مصر ... فإذا
стр. 29
فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذمة ورحماً)) أو قال: ((ذمة وصهراً)) (١).
قال الإمام النووي ﵀: ((قال العلماء: القيراط جزء من أجزاء الدينار، والدرهم وغيرهما، وأما الذمة: فهي الحرمة، والحق، وأما الرحم؛ لكون هاجر أم إسماعيل منهم، وأما الصهر؛ فلكون مارية أم إبراهيم منهم ... )) (٢).
١٨ - فضل الإحسان إلى البنات والأخوات ، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو)) وضم أصابعه (٣)، وفي الترمذي: ((وأشار بأصبعيه)) (٤).
стр. 30
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته (١) كن له حجاباً من النار يوم القيامة)) (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مسلم تدركه ابنتان فيُحسن صحبتهما إلا أدخلتاه الجنة)) (٣).
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال
стр. 31
رسول الله ﷺ : ((من كان له ثلاث بنات يؤويهنَّ، ويكفيهنَّ، ويرحمهنَّ، فقد وجبت له الجنة البتة)) فقال رجل من بعض القوم: واثنتين يا رسول الله؟ قال: ((واثنتين)) (١).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يكون لأحد ثلاثُ بنات، أو ثلاث أخوات، أو ابنتان، أو أُختانِ، فيتقي الله فيهنَّ، ويحسن إليهنَّ إلا دخل الجنة)) (٢).
стр. 32
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من عال ابنتين، أو ثلاثاً، أو أختين، أو ثلاثاً حتى يَبِنَّ (١) أو يموت عنهنَّ كنتُ أنا وهوَ في الجنةِ كهاتَيْنِ)) وأشار بأصبعهِ الوُسطى والتي تليها (٢).
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: جاءتني
стр. 33
مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرةً؛ لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله ﷺ فقال: ((إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار)) (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: دخلت عليَّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل، فلم تجد عندي شيئاً غير تمرةٍ، فأعطيتها إيَّاها، فقسمتها بين ابنتيها، ولم تأكل منها، ثم قامت وخرجت، فدخل النبي ﷺ فأخبرته فقال: ((من ابتُلي من هذه البنات بشيء [فأحسن إليهنّ] كنَّ له ستراً من النار)) (٢).
стр. 34
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الجمع بين الحديثين السابقين: ((ويمكن الجمع بأن مرادها بقولها في حديث عروة: فلم تجد عندي غير تمرة واحدة: أي أخصها بها، ويحتمل أنها لم تكن عندها في أول الحال سوى واحدة فأعطتها ثم وجدت ثنتين، ويحتمل تعدد القصة)) (١).
١٩ - أفضل الصدقة ما يعطى الأقارب ؛ لحديث سلمان بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة)) (٢).
ولحديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخلٍ،
стр. 35
وكان أحب أمواله إليه بَيْرُحاء, وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١) قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحبَّ أموالي إليَّ بَيرُحا (٢)، وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ : ((بَخ (٣)، ذلك مال رابح (٤)، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلت وإني
стр. 36
أرى أن تجعلها في الأقربين)) فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه)). وفي لفظ: ((فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب)) (١).
قال الإمام النووي ﵀: ((وفي هذا الحديث من الفوائد ... أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين، وفيه أن القرابة يرعى حقها في صلة الأرحام, وإن لم يجتمعوا إلا في أبٍ بعيد؛ لأن النبي ﷺ أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين, فجعلها في أبي بن كعب وحسان ابن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع)) (٢).
стр. 37
وعن ميمونة بنت الحارث ﵂ أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ((لو أعطيتيها أخوالك كان أعظم لأجرك)) (١).
قال الإمام النووي ﵀: ((فيه فضيلة صلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب، وأنه أفضل من العتق ... وفيه الاعتناء بأقارب الأم إكراماً بحقها، وهو زيادة في برها، وفيه جواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها)) (٢).
وعن أبي سعيد ﵁ في قصة زينب امرأة ابن مسعود: أنها قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة, وكان عندي حلي لي, فأردت أن
стр. 38
أتصدق بها، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقُّ من تصدقت به عليهم، فقال النبي ﷺ : ((صدق ابن مسعود: زوجك وولدك أحقّ من تصدقت به عليهم)) (١).
ولحديث زينب الآخر, وفيه: أنها أرسلت بلالاً يسأل النبي ﷺ : أيجزئ عني أن أنفق على زوجي، وأيتام في حجري؟ فسأله فقال: ((نعم، ولها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة)). وفي لفظ مسلم: ((لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة))؛ لأنها كان معها امرأة من الأنصار حاجتها حاجتها (٢).
стр. 39
قال الإمام النووي ﵀: ((فيه الحث على الصدقة على الأقارب وصلة الأرحام، وأن فيها أجرين)) (١).
٢٠ - الصدقة على ذي الرحم الذي يضمر العداوة في باطنه من أفضل الصدقات.
عن حكيم بن حزام ﵁، أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن الصدقات أيُّها أفضل؟ قال: ((على ذي الرحم الكاشِح)) (٢)(٣).
стр. 40
وعن أم كلثوم بنت عقبة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح)) (١).
٢١ - أفضل النفقات النفقة على العيال والأهل والأقربين: قال الله سبحانه: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢). فأولى الناس بالإنفاق من الخير وأحقهم بالتقديم أعظمهم حقًّا عليك، وهم الوالدان الواجب برهما، والمحرم عقوقهما، ومن أعظم برهما النفقة عليهما، ومن أعظم العقوق ترك الإنفاق عليهما؛ ولهذا كانت النفقة عليهما واجبة على الولد الموسر، ومن بعد الوالدين: