١٩
سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني
_
طهور المسلم في ضوء الكتاب والسنة - مفهوم، وفضائل، وآداب، وأحكام
стр. 2
بسم الله الرحمن ... الرحيم
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ... ﴾ البقرة: ٢٢٢.
وقال ﷺ :
((الطهور شطر الإيمان)).
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في ((طهور المسلم)) بينت فيها: مفهوم، وفضائل، وآداب، وأحكام الطهارة التي هي شطر الإيمان، ومفتاح الصلاة، وذكرت فيها كل ما يحتاجه المسلم في طهارته ونظافته ونزاهته، كل ذلك مقروناً بالأدلة من الكتاب والسنة، فما كان من صواب فمن الله الواحد المنّان، وما كان من خطأ أو تقصير فمني ومن الشيطان، والله
стр. 4
بريء منه ورسوله ﷺ (١).
وقد عرضت ما أشكل عليّ من مسائله الخلافية على سماحة الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، رحمه الله تعالى، وأعظم مثوبته، فأخذت بما يُرجحه (٢)، غفر الله له ورحمه.
وقد قسمت البحث إلى تسعة مباحث وتحت كل مبحث مطالب ومسالك في الغالب مرقَّمة على النحو الآتي:
- المبحث الأول: مفهوم الطهارة وأنواعها.
- المبحث الثاني: أنواع النجاسات ووجوب تطهيرها أو زوالها.
стр. 5
- المبحث الثالث: سنن الفطرة وأنواعها.
- المبحث الرابع: آداب قضاء الحاجة.
- المبحث الخامس: الوضوء.
- المبحث السادس: المسح على الخفين والعمائم والجبيرة.
- المبحث السابع: الغسل.
- المبحث الثامن: التيمم.
- المبحث التاسع: الحيض والنفاس والاستحاضة والسلس.
وأسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يجعل هذا العمل القليل مباركاً خالصاً لوجهه الكريم، مقرباً لمؤلفه، وقارئه، وطابعه، وناشره من جنات النعيم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه، إنه خير مسئول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد الناس أجمعين، نبينا محمد
стр. 6
وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف
حرر يوم الإثنين يوم التروية ٨/ ١٢/١٤١٥هـ
стр. 7
المبحث الأول: تعريف الطهارة وأنواعها
١ ـ مفهوم الطهارة:
- الطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار الحسية والمعنوية.
- وشرعاً: ارتفاع الحدث بالماء أو التراب الطهورين المباحين، وزوال النجاسة والخبث، فالطهارة هي زوال الوصف القائم بالبدن المانع من الصلاة ونحوها (١).
٢ - الطهارة نوعان: معنوية وحسية:
النوع الأول: الطهارة الباطنة المعنوية ، وهي: الطهارة من الشرك والمعاصي، وتكون بالتوحيد والأعمال الصالحة، وهي أهم من طهارة البدن، بل لا يمكن أن تقوم طهارة البدن مع وجود نجس الشرك
стр. 8
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١)، وقال النبي ﷺ : ((إن المؤمن لا ينجس)) (٢)، فيجب على كل مُكلَّفٍ أن يُطَهِّرَ قلبه من نجاسة الشِّرك، والشَّكِّ، وذلك بالإخلاص والتوحيد، واليقين. ويُطَهِّر نفسه وقلبه من أقذار المعاصي، وآثار الحسد، والحقد، والغلّ، والغِشّ، والكبر، والعجب، والرِّياء والسُّمعة ... وذلك بالتوبة الصادقة من جميع الذنوب والمعاصي. وهذه الطهارة هي شطر الإيمان والشطر الثاني هي الطهارة الحسية.
النوع الثاني: الطهارة الحسية: وهي الطهارة من الأحداث والأنجاس، وهذا هو شطر الإيمان الثاني، قال النبي ﷺ : ((الطهور شطر الإيمان)) (٣). وتكون بما شرع
الله من الوضوء، والغسل، أو التيمم عند فقد الماء.
стр. 9
وزوال النجاسة أو إزالتها من اللِّباس، والبدن، ومكان الصلاة (١).
٣ - تكون الطهارة بطهورين:
الأول: الطهارة بالماء ، وهي الأصل، فكلُّ ماءٍ نزل من السماء، أو خرج من الأرض وهو باقٍ على أصل خلقته فهو طهور، يُطهِّر من الأحداث والأخباث، ولو تغير طعمه، أو لونه، أو ريحه بشيء طاهر، لقوله ﷺ : ((إن الماء طَهورٌ لا ينجِّسُهُ شيء)) (٢)، ومن ذلك: ماء المطر، ومياه العيون، والآبار، والأنهار، والأودية، والثلوج
الذائبة، والبحار، قال ﷺ في ماء البحر: ((هو الطّهور ماؤه
стр. 10
الحِلُّ ميتته)) (١).
أما ماء زمزم فقد ثبت من حديث علي ﵁: ((أن رسول الله ﷺ دعا بسجلٍ من زمزم فشرب منه وتوضأ)) (٢)، فإن تغير: لون الماء، أو طعمه، أو ريحه بنجاسة فهو نجس بالإجماع يجب اجتنابه (٣).
الثاني: الطهارة بالصعيد الطاهر ، وهو بدل عن الطهارة بالماء، إذا تعذر استعمال الماء لأعضاء الطهارة، أو بعضها لعدمه، أو خوف ضرر باستعماله فيقوم التراب
الطاهر مقام الماء (٤).
стр. 11
المبحث الثاني: أنواع النجاسات ووجوب تطهيرها أو زوالها
النجاسة: هي القذارة التي يجب على المسلم أن يتنزَّه عنها ويغسل ما أصابه منها، قال الله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ
فَطَهِّرْ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢) ومن هذه النجاسات ما يأتي:
١ - بول الآدمي وغائطه ، ويكون تطهيره بالغسل والإزالة على النحو الآتي:
أ - تطهير بول الغلام والجارية .. قال النبي ﷺ : ((بول الغلام يُنضَح (٣) وبول الجارية يُغْسَل)) (٤) وهذا
стр. 12
((ما لم يطعما، فإن طعما غُسِلا جميعاً)) (١).
ب- تطهير النعل يكون بالدَّلك في الأرض؛ لقوله ﷺ : ((إذا وَطِئَ أحدكم بنعليه الأذى؛ فإن التراب له طهور)) (٢).
ج - تطهير ذيل ثوب المرأة: يُطَهِّرُهُ التراب، فقد ثبت عن النبي ﷺ أن المرأة إذا مشت في الطريق القذر، وبعده مكان طاهر أطيب منه، فإن ذيل ثوبها
يطهر بذلك؛ ولهذا قال ﷺ : ((يطهره ما بعده)) (٣).
стр. 13
د - تطهير الأرض والفراش ، إذا أصاب البول أو الغائط الأرض أو الفراش، فإن الغائط يزال ويصب مكانه ماء، أما البول فيكاثر بالماء؛ ولهذا قال ﷺ في الأعرابي الذي بال في المسجد: ((دعوه وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) (١)، وتزال آثار الغائط والبول بالاستنجاء أو الاستجمار كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
٢ - دم الحيض ، يُطهر بالدَّلْك والغسل، قال ﷺ في دم الحيض يصيب الثوب: ((تَحتُّهُ، ثم تَقْرُصُه بالماء، ثم
تَنْضَحُهُ، ثم تُصلي فيه)) (٢).
أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أُولاهنَّ بالتُّراب))، وفي رواية: ((فليرقه ... )) الحديث (١).
٤ - الدم المسفوح ولحم الخنزير والميتة ، ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢).
وجلد الميتة - التي يؤكل لحمها في حياتها (٣) بعد ذكاتها
- يطهر بالدباغ، كما قال ﷺ : ((إذا دُبغ الإهاب فقد طَهُر)) (٤).
стр. 16
أما ميتة الجراد والسمك، فقد جاء عنه ﷺ : ((أُحلّ لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان الكبد والطحال)) (١).
٥ - الوَدْيُ: ماء أبيض ثخين، يخرج كَدِراً بعد البول، ويُطهّرُ بغسل الذكر، ثم الوضوء (٢)، وإذا أصاب
стр. 17
البدن منه شيء غُسل.
٦ - المذي: وهو ماء أبيض لزج يخرج عند التفكير بالجماع أو عند الملاعبة، وهو من النجاسات التي يشق الاحتراز عنها فخُفِّف تطهيره، فمن حصل له ذلك: ((فليغسل ذكره وأنثييه (١) وليتوضأ وضوءه للصلاة)) (٢)، ويغسل ما أصاب البدن، ويرش كفَّاً من ماء على ما أصاب
الثوب أو السراويل؛ لحديث سهل بن حنيف ﵁ (٣).
٧ - المني: هو ما يخرج دفقاً بِلَذَّةٍ، ويوجب
стр. 18
الغسل، وهو طاهر على الصحيح (١)، ولكن يستحب غسله إذا كان رطباً، وفركه إذا كان يابساً، فقد ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت لرجل يغسل ثوبه من المني: ((إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تَرَ نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فيصلِّي فيه)) (٢)، وفي رواية: ((وإني لأحكُّهُ من ثوب رسول الله ﷺ يابساً بظفري)) (٣)، وقالت: ((إن رسول الله ﷺ كان يغسل
المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه)) (٤).
٨ - الجلاّلة: وهي الدابة التي تأكل العذرة، فإذا حُبِست حتى يزول عنها اسم الجلاّلة فلحومها وألبانها طاهرة حلال بعد الحبس، فقد ثبت عن ابن عمر، رضي الله
стр. 19
عنهما، أنه قال: ((نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الجلاّلة وألبانها)) (١)، وكان ابن عمر إذا أراد أكل الجلاّلة حبسها ثلاثاً (٢)، وعنه يرفعه: ((نهى عن الجلاّلة في الإبل أن يركب عليها، أو يشرب من ألبانها)) (٣).
٩ - الفأرة: إذا وقعت الفأرة في السمن - سواء كان مائعاً أو جامداً - تُلْقَى وما حولها، فعن ميمونة ﵂، أن رسول الله ﷺ سُئل عن فأرة سقطت في سمن فقال: ((ألقوها وما حولها فاطرحوه، وكلوا سمنكم)) (٤)،
стр. 20
هذا إذا لم يكن في السمن المتبقي أثر النجاسة في طعمه، أو لونه، أو رائحته، وإلا أُلقي ما تبقى، فيكون كالماء: إذا لم يتغير أحد أوصافه بنجاسة فهو طهور والله أعلم (١).
١٠ - بول وروث ما يؤكل لحمه: نجس؛ لحديث جابر ﵁: ((نهى رسول الله ﷺ أن يُتمسح بعظم أو ببعر)) (٢)، وثبت أنه ﷺ امتنع من الاستجمار بالروث،
وقال: ((هذا ركس)) (٣).
أما بول وروث مأكول اللحم فطاهر؛ لأمر النبي ﷺ الصحابة بالشرب من بول الإبل (٤)، ولهذا كان النبي ﷺ :
стр. 21
((يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبني المسجد)) (١).
١١ - إذا كان في الثوب أو البدن أو البقعة نجاسة ، وذكرها المصلي في الصلاة أو بعد الصلاة؛ فإن ذلك فيه تفصيل:
أ - إذا ذكر ذلك وهو في الصلاة، أزال النجاسة، أو ألقى ما عليه نجاسة بشرط عدم كشف العورة، واستمر في صلاته، وصلاته صحيحة.
ب- إذا لم يستطع إزالتها أثناء الصلاة بحيث لو ألقى ما عليه النجاسة انكشفت عورته، أو كانت النجاسة على بدنه، فحينئذ ينصرف من صلاته ثم يزيل النجاسة ثم يعيد الصلاة.
ج- إذا ذكر بعد الانصراف من الصلاة أنه صلى في ثوب فيه نجاسة، أو صلى على بقعة فيها نجاسة، أو صلى
стр. 22
وفي جسده نجاسة، فصلاته صحيحة، ويدل على ذلك كله حديث أبي سعيد الخدري ﵁، حيث قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما كان في بعض صلاته خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى الناس ذلك خلعوا نعالهم، فلما قضى صلاته ﷺ قال: ((ما بالكم ألقيتم نعالكم؟)) قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال ﷺ : ((إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً
- أو قال أذى - فألقيتهما، فإذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر في نعليه فإن رأى فيهما قذراً -أو قال: أذىً -
فليمسحهما وليصلّ فيهما)) (١).
وهذا خاص بإزالة النجاسة، أما من صلَّى وذكر وهو في صلاته أو بعد الانصراف منها أنه على غير وضوء، أو ذكر أنَّ عليه جنابة؛ فإنَّ صلاته باطلة من أولها؛ سواء ذكر أثناء الصلاة أو بعد الانصراف منها، وعليه أن يرفع
стр. 23
الحدث ثم يُعيد الصلاة؛ لقوله ﷺ : ((لا تُقبل صلاة بغير طهور ... )) (١).
١٢ - الخمر: جماهير العلماء على أن الخمر نَجِسَة العين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: (( ... والمائعات المسكِّرة كلها نَجِسة؛ لأنَّ الله سمَّاها رِجساً، والرِّجس هو القَذِر والنّجس الذي يجب اجتنابه، وأمر باجتنابه مطلقاً وهو يَعُمُّ الشُّرب، والمسّ وغير
ذلك، وأمر بإراقتها ولعن النبي ﷺ عينها ... )) (٢) وقال الشنقيطي ﵀: ((وجماهير العلماء على أن الخمر نّجِسَة العين لما ذكرنا، وخالف في ذلك ربيعة، والليث، والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين كما نقله عنهم القرطبي في تفسيره، واستدلُّوا لطهارة عينها بأنَّ المذكورات معها في الآية (٣):
стр. 24
من مال مَيْسرَ، ومال قِمَار، وأَنْصاب، وأزْلام ليست نجسة العين وإن كانت محرمة الاستعمال، وأُجيب من جهة الجمهور بأنَّ قوله: ﴿رجس﴾ يقتضي نجاسة العين في الكل، فما أخرجه إجماع أو نص خرج بذلك، وما لم يخرجه نص ولا إجماع لزم الحكم بنجاسته؛ لأن خروج بعض ما تناوله العام بمخصص من المخصصات لايسقط الاحتجاج به في الباقي كما هو مقرر في
الأصول .. وعلى هذا فالمسكِّر الذي عمَّت به البلوَى اليوم بالتَّطيُّب به المعروف في اللِّسان الدارج: (بالكلونيا) نجس لا تجوز الصَّلاة به، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء من المسكِّر، وما معه في الآية بوجهٍ من الوجوه .. فلا يخفى على منصف أن التضمخ بالطيب المذكور والتّلذُّذ بريحه واستطابته واستحسانه - مع أنه
стр. 25
مسكر، والله يُصَرِّحُ في كتابه بأنَّ الخمر رجس - فيه ما فيه، فليس لمسلم أن يتطيب بما سمع ربه يقول فيه: ﴿إنَّهُ رِجْسٌ﴾ كما هو واضح، ويُؤَيِّدُهُ أنّه ﷺ ، أمر بإراقة الخمر، فلو كانت فيها منفعة أخرى لبيّنها كما بيَّن جواز الانتفاع بجلود الميتة، ولَما أراقها (١).
١٣ - والخلاصة: أنَّ الأصل في الأشياء: الطَّهارة والإباحة، فإذا شكَّ المسلم في نجاسة ماء، أو ثوب، أو بُقعة أو غيرها فهو طاهر، وكذلك إذا تيقَّن الطهارة ثم شك هل تنجس أم لا؟ بنى على ما تَيَقَّنَهُ من طهارةٍ، وكذلك إذا تَيقَّن النجاسة وشكَّ في الطهارة بنى على ما تيقَّنه، وكذلك إذا تيقَّن الحدث وشكَّ في زواله بنى على ما تيقّنه، وإذا شكَّ في عدد الركعات، أو الأطواف، أو
стр. 26
الطلقات بنى على اليقين وهو الأقل، وهذه قاعة عظيمة وهي استصحاب الحال المعلوم واطِّراح الشكّ (١)؛ ولهذا قال ﷺ ، للرجل الذي يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة: ((لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)) (٢).
١٤ - وجميع الأواني مباحة ؛ لأن الأصل فيها الإباحة (٣) إلا ما خصَّه الدليل بالتَّحريم، كآنية الذَّهب والفضّة وما فيه شيء منهما - إلا الضبَّة اليسيرة من
стр. 27
الفضة في الإناء للحاجة (١) -؛ لقوله ﷺ : ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)) (٢).
стр. 28
المبحث الثالث: سنن الفطرة
الفطرة المقصودة في هذا المبحث: هي السُّنَّة عند أكثر أهل العلم.
قالوا: والمعنى: إنها من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا شكَّ أنّ بعض الخصال واجبة وبعضها مُستحبة، ولا يمتنع قرن الواجب بغيره (١)، ومن هذه الخصال ما يلي:
١ - الختان: وهو قطع جميع الجلدة التي تُغطِّي حشفة الرجل حتى تنكشف جميع الحشفة، وأما المرأة فَيُقطع الجزء الأعلى من اللَّحمة التي كالنَّواة، وهي تُشبه عُرف الدِّيك، وهي في أعلى الفرج فوق محل الإيلاج، ويُستحبُّ أن لا تُؤخذ كُلُّها؛ لأنَّ المقصود تقليل
شهوتها (٢)؛ لقوله ﷺ لبعض الختَّانات في المدينة: ((إذا
стр. 29
خفضت (١) فأشمِّي (٢) ولا تنهكي (٣) فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج)) (٤).
والختان يجب على الرجال، ويُستحب في حق النساء على الصحيح من أقوال أهل العلم (٥)؛ ولهذا ((اختتن
إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقَدُّوم)) (٦)؛ ولحديث:
стр. 30
((ألقِ عنك شعر الكُفر واختتن)) (١).
٢ - حلق العانة .
٣ - نتف الإبط .
٤ - تقليم الأظفار .
٥ - قصُّ الشَّارب . وهو واجب (٢)؛ لحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقصّ الشَّارب)) (٣). وقد وقَّت النبي ﷺ أكثر
المُدَّة التي تُتْرَك فيها هذه الخصال، قال أنس ﵁: ((وُقِّت
стр. 31
لنا في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة)) (١).
٦ - إعفاء اللحية . وهو واجب؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى وأَحفوا الشَّوارب)) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((جُزُّوا الشوارب وأرخوا اللِّحَى، خالفوا المجوس)) (٣). ومن حديث ابن عمر يرفعه: ((أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى)) (٤). وقد جاء الوعيد فيمن لم يأخذ من شاربه،
ففي حديث زيد بن أرقم ﵁: ((من لم يأخذ من شاربه فليس منَّا)) (٥).
стр. 32
٧ـ السِّواك: يُستحب السِّواك في جميع الأوقات؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((السّواك مطهرةٌ للفمِّ مرضاةٌ للرّبِّ)) (١).
ويتأكد استحباب السِّواك في عدة أحوال:
الأول: عند الانتباه من النَّوم ؛ لحديث حذيفة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا قام من اللَّيل يَشُوصُ فاهُ بالسِّواك)) (٢).
الثاني: عند كل وضوء ؛ لحديث أبي هريرة ﵁،عن النبي ﷺ أنه قال: ((لولا أن أشقَّ على أُمتي لأمرتهم بالسِّواك عند كلِّ وضوء)) (٣).
стр. 33
الثالث: عند كل صلاة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ((لولا أن أشقَّ على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسِّواك مع كلّ صلاة)) (١).
الرابع: عند دخول المنزل ؛ لحديث عائشة ﵂: ((أن النبي ﷺ كان إذا دخل بيته بَدَأَ بالسِّواك)) (٢).
الخامس: عند تَغَيُّر رائحة الفم أو طعمه، أو اصفرار
لون الأسنان من طعام أو شراب؛ لما رُويَ في ذلك (٣)؛ ولأنَّ السواك إنَّما شُرع لتطييب الفم وتطهيره وتنظيفه، فإذا تغيَّر فقد تحقق السبب المقتضي له، فكان أولى منه
стр. 34
عند الاستيقاظ من النوم (١).
السادس: عند قِراءة القرآن الكريم، لحديث علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد إذا تسوَّك ثم قام يصلي قام الملكُ خلفه فيستمع لقراءته فيدنو منه))، أو كلمة نحوها ((حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهِّروا أفواهكم للقرآن)) (٢).
السابع: قبل الخروج من البيت إلى الصلاة ؛ لحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: ((ما كان رسول الله ﷺ يخرج من بيته لشيءٍ من الصلاة حتى يستاك)) (٣).
ويستحب الاستياك على اللسان؛ لأن أبا موسى
стр. 35
قال: أتينا رسول الله ﷺ فرأيته ((يستاك على لسانه)) (١). ويُستحب التيامن في السِّواك؛ لأن النبي ﷺ ((كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله)) (٢). ويُستحب أن يستاك بيده اليسرى؛ لأنه إماطة أذى يُفعل
بإحدى اليدين، فكان باليسرى كالاستنجاء (٣)، والله الموفق (٤).
٨ - غسل البراجم ، قيل هي عُقد الأصابع التي في
стр. 36
ظهر الكف (١)، وقيل: عقد الأصابع ومفاصلها كلها، ويلحق بالبراجم ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، وكذلك جميع الوسخ المجتمع على أي موضع كان من البدن (٢). وقيل: هي العُقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ، الواحدة: بُرْجُمة (٣).
٩ - الاستنشاق: ويأتي إن شاء الله تعالى.
١٠ - الاستنجاء أو الانتضاح: ويأتي إن شاء الله تعالى (٤).
وقد ثبت دليل هذه الخصال من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((عشرٌ من الفطرة: قصّ الشَّارب، وإعفاء اللِّحية، والسِّواك، واستنشاق الماء،
стр. 37
وقصّ الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص (١) الماء)). ونسي مصعب العاشرة، قال: إلا أن تكون المضمضة (٢)، قال الإمام النووي. قال القاضي عياض: ولعلها الختان المذكور مع الخمس، وهو أولى (٣).
والفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب، وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه، وفطرة عملية وهي هذه الخصال وما في معناها، فالأولى تُزكي النفس والروح وتُطهِّر القلب، والثانية تُطهر البدن وكل منهما تمد الأخرى وتقوِّيها (٤).
стр. 38
المبحث الرابع: آداب قضاء الحاجة
للقاضي حاجته آداب بعضها مستحب وبعضها واجب ومنها ما يلي:
١ - أن لا يَسْتَصْحِبَ ما فيه اسم الله تعالى إلا إن خاف عليه الضَّياع؛ لِمَا ذُكر عن أنس ﵁، أنه قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)) (١) وكان خاتمه
نقشه: ((محمدٌ رسولُ الله)).
стр. 39
٢ - أن يبتعد عن الناس ويستتر عنهم؛ لئلا يُسمع له صوت أو يُشم له رائحة، فعن جابر ﵁، أن النبي ﷺ ((كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد)) (١).
٣ - أن يقول عند الدخول في البنيان ، وعند تشمير الثياب في الفضاء: ((بسم الله (٢) اللهم إني أعوذ بك من
الخُبثِ والخبائث)) (٣) ثم يقدم رجله اليسرى فيدخل.
٤ - أن لا يرفع ثوبه إذا كان خارج البنيان حتى يدنو من الأرض حتى لا تنكشف عورته؛ لحديث ابن عمر رضي
стр. 40
الله عنهما: أن النبي ﷺ ((كان إذا أراد حاجةً لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض)) (١).
٥ - أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن
شرقوا أو غربوا)) (٢) قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بُنيت قِبَل القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله (٣). وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((رقيت على بيت أختي حفصة فرأيت رسول الله ﷺ قاعداً لحاجته مُستقبل الشام مُستدبر القبلة)) (٤) فأبو أيوب ﵁ حمل