Полный текст (117 стр.). Показаны 106–117 · переход к 111.
стр. 106
٢ – بالنسبة لخالد بن الوليد فقد تحرّك بمجموعته المكونة من المشاة، لكي يدخل مكة من الجنوب (المسفلة) اليوم.
٣ – أما أبو عبيدة، فقد تحرّك بمجموعته المكونة من المشاة؛ لكي يدخل مكة من زاويتها الشمالية الغربية.
٤ – أما قيس بن سعد، فقد اندفع ليدخل مكة من غربها (١) الجنوبي (٢) . الحواشي
(١) قال ابن كثير في الفصول في سيرة الرسول ﷺ ، ١٧٨: وقد جعل ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ﵁ على المقدمة، وخالد بن الوليد ﵁ على الميمنة، والزبير بن العوّام ﵁ على الميسرة، ورسول الله ﷺ في القلب، وكان أعطى الراية سعد بن عبادة ﵁، فبلغه أنه قال لأبي سفيان حين مرّ عليه: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحلّ الحرمة، والحُرمة: هي الكعبة، فلما شكا أبو سفيان ذلك إلى رسول الله ﷺ قال: ((بل هذا يوم تعظَّم فيه الكعبة))، فأمر بأخذ الراية من سعد، فتعطى علياً، وقيل: الزبير، وهو الصحيح. اهـ. وانظر: زاهية الدجاني، فتح مكة نصر مبين، ص٧١ - ٧٣.(٢) روى الإمام مسلم، وأبو داود عن عبد الله بن رباح، قال: وفدت وفود إلى معاوية، وذلك في رمضان - فكان يصنع بعضنا لبعض طعاماً، فكان أبو هريرة ﵁ مما يكثر أن يدعونا إلى رحله، فقلت: ألا أصنع طعاماً فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يُصنع، ثم لقيت أبا هريرة من العشي، فقلت: الدعوة عندي الليلة، فقال: سبقتني؟ فقلت: نعم، فدعوتهم، فقال أبو هريرة: ألا أُعلِمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟ ثم ذكر فتح مكة، فقال: أقبل رسول الله ﷺ حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالداً على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحُسَّر، فأخذ [وا] بطن الوادي، ورسول الله ﷺ في كتيبةٍ، قال: فنظر فرآني، فقال: أبو هريرة؟ قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: اهتف، لا يأتيني إلا أنصاري – ومن الرواة من قال: اهتف لي بالأنصار، قال: فأطافوا به، ووبشت قريش من أوباش لها وأتباع، وفي رواية: ووبشت قريش أوباشها وأتباعها، فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سلبنا، فقال رسول الله ﷺ : ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ ثم قال بيديه – إحداهما على الأخرى – ثم قال: حتى توافوني بالصفا، قال: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يقتل أحداً إلا قتله، وما أحد منهم يوجه إلينا شيئاً، قال: فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي – وكان إذا جاء [الوحي] لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي – فلما قضي الوحي قال رسول الله ﷺ : يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله، قال: قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته؟ قالوا: قد كان ذلك، قال: كلا، إني عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم، فأقبلوا إليه يبكون، ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضنّ بالله وبرسوله، فقال رسول الله ﷺ : إن الله ورسوله يصدقانكم، ويعذرانكم، قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان، وأغلق الناس عليهم أبوابهم، قال: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت قال: فأتى على صنم إلى جانب البيت كانوا يعبدونه، قال: وفي يد رسول الله ﷺ قوس، وهو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطعن في عينه، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ فلما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله، ويدعو ما شاء أن يدعو)).
وفي رواية بهذا الحديث، وزاد في الحديث: ((ثم قال بيديه، إحداهما على الأخرى: احصدوا حصداً)) قال: وفي الحديث: ((قالوا: ذاك يا رسول الله، قال: فما اسمي إذاً؟ كلا، إني عبد الله ورسوله)).
وفي رواية أخرى قال: ((وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان، وفينا أبو هريرة، وكان كل رجل منا يصنع طعاماً يوماً لأصحابه، فكانت نوبتي، فقلت: يا أبا هريرة، اليوم يومي، فجاءوا إلى المنزل، ولم يدرك طعامنا، فقلت: يا أبا هريرة، لو حدثتنا عن رسول الله ﷺ حتى يدرك طعامنا؟ فقال: كنا مع رسول الله ﷺ يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي، فقال: يا أبا هريرة، ادع لي الأنصار، فدعوتهم، فجاءوا يهرولون، فقال: يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتموهم غداً: أن تحصدوهم حصداً، وأحفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال: موعدكم الصفا، قال: فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا أناموه، قال: وصعد رسول الله ﷺ الصفا [وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا]، فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله، أُبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال أبو سفيان: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن؟ فقال رسول الله ﷺ : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، فقالت الأنصار: أما الرجل: فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته، ونزل الوحي على رسول الله ﷺ ، قال: قلتم: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، ورغبة في قريته؟ ألا فما اسمي إذا؟ – ثلاث مرات – أنا محمد عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم، قالوا: والله، ما قلنا إلا ضناً بالله ورسوله، قال: فإن الله ورسوله يصدقانكم، ويعذرانكم)). أخرجه مسلم.
وفي رواية أبي داود عن عبد الله بن رباح الأنصاري عن أبي هريرة قال: ((إن رسول الله ﷺ لما دخل مكة سرَّح الزبير بن العوام، وأبا عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد على الخيل، وقال: يا أبا هريرة، اهتف لي بالأنصار، فلما اجتمعوا قال: اسلكوا هذا الطريق، فلا يشرفنّ لكم أحد، إلا أنمتموه، فنادى منادٍ: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : من دخل داراً فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، فعمد صناديد قريش فدخلوا الكعبة، فغص بهم، وطاف النبي ﷺ وصلى خلف المقام، ثم أخذ بجنبتي الباب، فخرجوا، فبايعوا النبي ﷺ على الإسلام)). [رواه مسلم، برقم ١٧٨٠ في الجهاد، باب فتح مكة، وأبو داود رقم ٣٠٢٤ في الخراج والإمارة باب ما جاء في خبر مكة].
شرح الغريب:
* (المجنبتين) المجنبة: جانب العسكر، وله مجنبتان: ميمنة، وميسرة.
* (على الحُسَّر) جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه، ولا مغفر، وقد روي في كتب الغريب (الحُبَّس) وهم الرَّجَّالة، سموا بذلك لتأخرهم عن الركبان، قال: وأحسب الواحد حبيساً، فعيل بمعنى مفعول، ويجوز أن [يكون] حابساً، كأنه يحبس من يسير الركبان بمسيره. قال الحميدي: والذي رأيناه من رواية أصحاب الحديث (الحسَّر)، والله أعلم.
* (وبَّشت أوباشها) الأوباش: الجموع من قبائل شتى، والتوبيش: الجمع، أي: جمعت لها جموعاً من أقوام متفرقين في الأنساب والأماكن.
* (أُبيدت خضراء قريش) أي: استؤصلت وأُهلكت، وخضراؤها: سوادها ومعظمها، والعرب تعبر بالخضرة عن السواد، وبالسواد عن الكثرة.
* (الضِّنُّ): البخل والشحّ، ضَنِنْتُ، وضَنَنْتُ أَضِنُّ.
* (فاستلمه): استلام الحجر الأسود: لمسه باليد.
* (سِيَة القوس) مخفقاً: طرفها إلى موضع الوتر.
* (زهق الباطل) أي: اضمحلّ، وذهب ضائعاً.
* (البياذقة): الرَّجًّالة، سموا بذلك لخفة حركتهم، وأنهم ليس معهم ما يثقلهم، وهذا القول ما يعضد رواية أصحاب الغريب في (الحُبَّس) موضع (الحُسَّر)، فإن الحبَّس: هم الرجَّالة على ما فسروه، فقد اتفقت الروايتان في المعنى، فقال مرة: (الحبَّس)، وقال مرة: (البياذقة) أراد بهما: الرَّجَّالة، بخلاف (الحسَّر)، وقد يمكن أن يجمع بين (الحسر)، و (البياذقة)، فإن (الحسر) هم الذين لا سلاح معهم، أو لا درع عليهم، ولا مِغفر، والغالب من حال الدَّارعين: أنهم الفرسان، وأن الرَّجَّالة: لا يكون عليهم دروع، لأمرين: أحدهما: أن الراجل يثقله الدرع، والآخر: أن الراجل لا يكون له درع لضعفه ورقة حاله، والله أعلم.
* (احصدوهم) الحصد: كناية عن الاستئصال، والمبالغة في القتل.
* (أحفَى) قال الحميدي: أحفى بيده: أشار بحافَّتِها، وصفاً للحصد والقتل.
* (أناموه) أي: قتلوه، ومنه سُمّي السيف مُنيماً، أي: مُهلكاً. [جامع الأصول، ٨/ ٣٧٣].стр. 107
المبحث الثاني: اشتباك مع فرسان خالد بن الوليد:
تمكّن كل قائد من القادة تنفيذ السيطرة على منطقته بسلام، إلا خالد بن الوليد، إذ تجمع جنوبي مكة يومئذ فئة من القرشيين المتطرفين برئاسة صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، واختاروا من أجل ذلك مضيقاً سيطروا عليه من مرتفعات تشرف على الموقع، وهو الطريق الرئيس لمجموعة خالد. واسم هذا المضيق الخندمة.
ولما وصلوه تلقّوا وابلاً من السهام، وإزاء ذلك أصدر خالد أوامره بالتوقف، لعلّه أن يتمكّن من إقناع المهاجمين بإلقاء السلاح، بيد أن هؤلاء المهاجمين رفضوا من خالد، فقاومهم، وقتل منهم ثمانية وعشرين، وتمكن خالد من سحقهم (١) . الحواشي
(١) انظر في ذلك فتح الباري، ٨/ ١٠ - ١١، وسيرة ابن هشام، ٤/ ٧٠ - ٧٢، وزاد المعاد، ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥، وقيل في يوم الخندمة شعر، قال حماس بن قيس بن خالد البكري، قال ابن هشام: ويقال هي للرعاش الهذلي يخاطب امرأته حين لامته على الفرار من المسلمين:
إنِكِ لو شهدتِ يوم الخندمة ... إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة
وأبو يزيد قائم كالموتمة ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة ... ضرباً فلا يسمع إلا غمغمة
لهم نهيت خلفنا وهمهمة ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة
وانظر: زاهية الدجاني، فتح مكة نصر مبين، ص٧٣، ٧٤.стр. 108
الفصل الثاني: دخول المسجد الحرام، وتحطيم الأصنام
المبحث الأول: دخول المسجد الحرام، وتحطيم الأصنام
بعد إكمال السيطرة على مكة، والتقاء القادة بعامة جنودهم؛ حيث كان الرسول ﷺ معسكِراً هناك، وقد تحرّكوا نحو المسجد الحرام، ووصلوا الحجون، ومن هناك توجّهوا صوب الكعبة لإنهاء الوجود الوثني، وبرؤية الرسول ﷺ الكعبة كبّروا عدة تكبيرات ارتجَّت لها مكة، ثم سكتوا بإشارة من الرسول الكريم (١) ﷺ . الحواشي
(١) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح، وحول الكعبة ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]. أخرجه البخاري، في المغازي، باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح، وفي المظالم، باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر، أو تخرق الزقاق، وفي تفسير سورة بني إسرائيل، باب ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، ومسلم، برقم ١٧٨١ في الجهاد، باب إزالة الأصنام من حول الكعبة، والترمذي، برقم ٣١٣٧ في التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل.
شرح الغريب:
* (نُصُب) النصب بضم الصاد وسكونها: الصنم، وجمعها أنصاب. [جامع الأصول، ٨/ ٣٧٧].
وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح وهو بالبطحاء، أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي ﷺ حتى محيت كل صورة فيها، [أخرجه أبو داود، برقم ٤١٥٦ في اللباس، باب في الصور، وإسناده حسن].
قال في بذل المجهود: والظاهر أن ما أمره ﷺ عمر بن الخطاب كان مختصّاً بما نقش من الصور في الجدران، فأمره بمحوها، وأما الأصنام وذي الأجرام منها فبقيت فيها حتى دخل رسول الله ﷺ الكعبة، فأزالها بنفسه، كما ثبت أن رسول الله ﷺ دخلها وفيها ثلاثمائة وستون نصباً، فيطعن فيها ويقول: جاء الحق، وزهق الباطل.стр. 109
بيد أنه مع دخول الرسول الكريم ﷺ فكان أول ما بدأ به الطواف حول الكعبة، [وحطم الأصنام ﷺ ] (١) .
المبحث الثاني: أخبار المهدرة دماؤهم
كان قد عهد الرسول ﷺ إلى أمرائه حين أمَّرهم أن يدخلوا مكة، أن لا يقاتلوا إلا من قاتَلهم، إلا أنه عهد في نَفَرٍ سمّاهم، أمر بقتلهم وإن وجدوا الحواشي
(١) قال ابن القيم في زاد المعاد، ٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧: ثم نهض رسول الله ﷺ والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس، وحوله البيت، وعليه ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بالقوس، ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]. والأصنام تتساقط على وجوهها.
وكان طوافه على راحلته، ولم يكن محرماً يومئذ، فاقتصر على الطواف، فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، فأمر بها ففتحت فدخلها، فرأى فيها الصور، ورأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام فقال: ((قاتلهم الله، والله إن استقسما بهما قط)). ورأى في الكعبة حمامة من عيدان فكسرها بيده، وأمر بالصور فمحيت، ثم أغلق عليه الباب، وعلى أسامة وبلال، فاستقبل الجدار الذي يقابل الباب حتى إذا كان بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع وقف وصلى هناك، ثم دار في البيت، وكبّر في نواحيه، ووحَّد الله، ثم فتح الباب، وقريش قد ملأت المسجد صفوفاً ينتظرون ماذا يصنع، فأخذ بعضادتي الباب وهم تحته، فقال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ... )) إلى أن قال: ((يا معشر قريش: ما ترون أني فاعل بكم؟))، قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: ((فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء)).
وانظر السيرة النبوية، ٤/ ٧٧ - ٧٨، وفتح الباري، ٨/ ١٨،، والفصول في سيرة الرسول ﷺ ، ص١٨٠، وانظر أيضاً: زاهية الدجاني، فتح مكة نصر مبين، ص٧٤، ٧٥.
والحديث أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟ برقم ٤٢٨٧، و ٤٢٨٨.стр. 110
متعلقين بأستار الكعبة (١) . الحواشي
(١) عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: ((اقتلوه)) أخرجه البخاري في كتاب جزاء الصيد، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، برقم ١٨٤٦، ومسلم، برقم ١٣٥٧ بغير هذا اللفظ. وانظر: خليل هنداوي، يوم فتح مكة، ص ٩٤.
وقال في الموطأ: ولم يكن فيما نرى يومئذ – والله أعلم – محرماً، وقال أبو داود: اسم ابن خطل: عبد الله، وكان أبو برزة الأسلمي قتله. وروى أبو داود، والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: ((لما كان يوم فتح مكة أمَّن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر، وامرأتين، فسمّاهم، وابن أبي سرح، فذكر الحديث، قال: وأما ابن أبي سرح، فإنه اختبأ عند عثمان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله، بايع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثاً، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين)).
قال أبو داود: وكان عبد الله أخا عثمان من الرضاعة، هذه رواية أبي داود.
و [في] رواية النسائي قال: ((لمّا كان يوم فتح مكة أمَّن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة، وامرأتين، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح، فأما عبد الله بن خطل، فُأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيدٌ عماراً – وكان أشب الرجلين – فقتله، [وأما مقيس بن صبابة، فأدركه الناس في السوق فقلتوه]، وأما عكرمة [بن أبي جهل] فركب البحر، فأصابتهم عاصف، فقال أهل السفينة: أخلصوا: فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً هاهنا، فقال عكرمة: والله، لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص، لا ينجيني من البر غيره، اللهم لك عهد إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً، حتى أضع يدي في يده، فلأجدنَّه عفوّاً غفوراً كريماً، فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن أبي سرح، فإنه اختبأ عند عثمان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله ... وذكر الحديث إلى آخره مثل أبي داود، رواه أبو داود، برقم ٢٦٨٣ في الجهاد، باب قتل الأسير، ولا يعرض عليه الإسلام، والنسائي، ٧/ ١٠٥، و١٠٦ في تحريم الدم، باب الحكم في المرتد، وهو حديث حسن. [انظر: جامع الأصول بتحقيق الأرنؤوط، ٨/ ٣٧٦].
شرح الغريب:
* (رشيد) رجل رشيد، أي: لبيب عاقل، له فطنة.
* (خائنة الأعين) كناية عن الرمز والإشارة، كأنها مما تخونه العين، أي: تسرقه، لأنها كالسرقة من الحاضرين.
* (عاصف) ريح عاصف، أي: شديد الهبوب. [جامع الأصول، ٨/ ٣٧٦].
عن عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي قال: حدثني جدي عن أبيه، أن رسول الله ﷺ ، قال يوم فتح مكة: ((أربعة لا أؤمنهم في حِلٍّ ولا حرم – وسمّاهم – وقال: وقينتين كانتا لمقيس بن صبابة، فقتلت إحداهما، وأفلتت الأخرى، فأسلمت)). [أخرجه أبو داود، برقم ٢٦٨٤ في الجهاد، باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، من حديث محمد بن العلاء، عن زيد بن الحباب، عن عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي، وعمرو بن عثمان لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، قال أبو داود: لم أفهم إسناده من ابن العلاء كما أحب، قال في بذل المجهود: ولعله أقام له إسناد هذا الحديث بعض تلامذة الشيخ محمد بن العلاء] قال في بذل المجهود في حلّ سنن أبي داود: ((هذا الذي رواه أبو داود من أنهما كانتا لمقيس مخالف كما قال أهل السير، فإنهم قالوا: إن القينتين اللتين أهدر دمهما كانتا لابن خطل، فيمكن أن يكون كلاهما شركاء فيهما، أو كانتا أولاً في ملك أحدهما، ثم في ملك الآخر، والله أعلم.стр. 111
وكان ممن أمر بقتله: عبد الله بن سعد؛ لأنه أسلم وكتب الوحي ثم ارتدّ، فأتى به عثمان إلى النبي ﷺ ومعه ابن سعد وقال للرسول ﵊ أمِّنه، فأمَّنه.
ومن المهدرة دماؤهم: صفوان بن أمية، وقد هرب، ولما رجع أمنه الرسول ﵊ على نفسه.
وغير ذلك، ارجع لكتب التاريخ لمعرفة من هم المهدرة دماؤُهم (١) . الحواشي
(١) قال ابن القيم في زاد المعاد، ٣/ ٤١١: ولما استقرّ الفتح أمَّن رسول الله ﷺ الناس كلهم إلا تسعة نفر، فإنه أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد العزى بن خطل، والحارث بن نفيل بن وهب، ومقيس بن صُبابة، وهبَّار بن الأسود، وقينتان لابن خطل كانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ ، وسارة مولاةٌ لبعض بني عبد المطلب. وانظر: الفصول في سيرة الرسول ﷺ ، ص١٧٩، ط مكتبة المعارف، وص١٢٨، دار الصفا، وجاء في الطبعتين: الحويرث بن نقيذ بدل الحارث بن نفيل. وانظر خليل هنداوي. يوم فتح مكة، ص١٠٥.стр. 112
الباب الرابع
الآثار الاستراتيجية للفتح ومقومات الانتصار
الفصل الأول: الآثار الاستراتيجية للفتح ودروس منه.
المبحث الأول: الآثار الاستراتيجية للفتح.
المبحث الثاني: دروس من الفتح.
الفصل الثاني: مقومات الانتصار في الفتح.
المبحث الأول: الهدف.
المبحث الثاني: الوسيلة.
стр. 113
الفصل الأول: الآثار الاستراتيجية للفتح، ودروس منه
المبحث الأول: الآثار الاستراتيجية للفتح
١ - تحقيق الدرع الدفاعي (١) : وهو النظرية الاستراتيجية للحرب في الحواشي
(١) أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ ((أن رسول الله ﷺ أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته، مردفاً أسامة بن زيد، ومعه بلال، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة، حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح البيت - زاد في رواية رزين: فذهب عثمان إلى أمه، فأبت أن تعطيه المفتاح، فقال: والله لتعطينه أو ليخرجن هذا السيف من صلبي، قال: فأعطته إياه، ثم اتفقا - فجاء به إلى رسول الله ﷺ ، [زيادة رزين هذه رواها مسلم كما سيأتي في تخريج الحديث، وعبد الرزاق، وأحمد في المسند، ٦/ ١٥]. [ففتح] ودخل رسول الله ﷺ البيت، ومعه أسامة، وبلال، وعثمان، فمكث فيه نهاراً طويلاً، ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد الله أول من دخل، فوجد بلالاً وراء الباب قائماً، فسأله أين صلى النبي ﷺ ؟ فأشار إلى المكان الذي صلى فيه، قال عبد الله: فنسيت أن أسأله كم صلى من سجدة؟)) أخرجه البخاري، ٦/ ٩٢ في الجهاد، باب الردف على الحمار، وفي القبلة، باب ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وفي المساجد، باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد، وفي سترة المصلي، باب الصلاة بين السواري في غير جماعة، وفي التطوع، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، وفي الحج، باب إغلاق البيت، وباب الصلاة في الكعبة، وفي المغازي، باب حجة الوداع، ورواه أيضاً تعليقاً ٨/ ١٥ في المغازي، باب أين ركز النبي ﷺ رايته يوم الفتح، ورواه أيضاً مسلم بروايات مختلفة، برقم ١٣٢٩ في الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها.
وأخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود عن أبي هريرة ﵄ ((أن خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة، بقتيل منهم قتلوه، فأُخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فركب راحلته، فخطب، فحمد الله وأثنى عليه.
وفي رواية قال: لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحلّ لأحد كان قبلي، وإنها إنما أحلّت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحلَّ لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يُختلى شجرها، ولا تحلّ ساقطتها إلاّ لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُعقل، وإما أن يقاد أهل القتيل، فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا؟ فقال رسول الله ﷺ : إلا الإذخر، فقال رجل من أهل اليمن يقال له: أبو شاه: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : اكتبوا لأبي شاه)) قال الأوزاعي: يعني هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله ﷺ . أخرجه البخاري، ومسلم. [ويأتي تخريجه].
وأخرجه أبو داود، وأسقط من أوله حديث (القتيل)، وأول حديثه قال: ((لما فتح الله على رسوله مكة قام فيهم، فحمد الله، وذكر الحديث))، وأسقط منه أيضاً: ((ومن قُتل له قتيل - إلى قوله: أهل القتيل)). رواه البخاري، ١/ ١٨٣، و١٨٤ في العلم، باب كتابة العلم، وفي اللقطة، باب كيف تعرف لقطة أهل مكة، وفي الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، ومسلم، برقم ١٣٥٥ في الحج، باب تحريم مكة وصيدها، وأبو داود، برقم ٢٠١٧ في المناسك، باب تحريم مكة.
شرح الغريب:
* (الحجبة): جمع حاجب، وهو سادن البيت.
* (ولا يُختلى) الخلا: العشب، واختلاؤه: قطعه.
* (ساقطتها إلا لمنشد) الساقطة: هي اللقطة، وهو الشيء الذي يُلقى على الأرض لا صاحب له يعرف، وقوله: ((لا تحل إلا لمنشد)) يعني لمعرّف، وهو من نشدت الضالة: إذا طلبتها، فأنت ناشد، وأنشدتها: إذا عرّفتها، فأنت منشد، واللقطة في جميع البلاد لا تحل إلا لمن أنشدها سنة، ثم يتملكها بعد السنة، بشرط الضمان لصاحبه إذا وجده، فأما مكة فإن في لقطتها وجهين، أحدهما: أنها كسائر البلاد، والثاني: لا تحل، لقوله ﷺ : ((لا تحلّ لقطتها إلا لمنشد))، والمراد به: منشد على الدوام، وإلا فأي فائدة لتخصيص مكة بالإنشاد؟
* (بخير النظرين) خير النظرين: أوفق الأمرين له، فإما أن يدوا، أي: يعطوا الدية، وهي العقل، وإما أن يقاد، أي: يُقتل قصاصاً، فأي الأمرين اختار ولي الدم كان له، وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: من وجب له القصاص لم يجز له تركه وأخذ الدية. [جامع الأصول، ٨/ ٣٧٨ - ٣٨٠].
وأخرج أبو داود عن وهب بن منبه قال: ((سألت جابراً: هل غنموا يوم فتح مكة شيئاً؟ قال: لا))، أخرجه أبو داود، برقم ٣٠٢٣ في الخراج والإمارة، باب ما جاء في خبر مكة، وإسناده حسن. [جامع الأصول، تحقيق الأرنؤوط، ٨/ ٣٨١].
وأخرج الترمذي وأبو داود عن جابر بن عبد الله ﵄ ((أن النبي ﷺ دخل مكة ولواؤه أبيض))، رواه أبو داود، برقم ٢٥٩٢ في الجهاد، باب الرايات والألوية، والترمذي، برقم ١٦٧٩ في الجهاد، باب ما جاء في الألوية، من حديث يحيى بن آدم عن شريك بن عبد الله النخعي القاضي، عن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر، وشريك يخطئ كثيراً، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء، وقد قال الترمذي: ((هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن آدم عن شريك، وقال: حدثنا غير واحد عن شريك، عن عمار، عن أبي الزبير، عن جابر أن النبي ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء، قال: (يعني البخاري) والحديث هو هذا، أي الحديث المحفوظ هو هذا الحديث (دخل مكة وعليه عمامة سوداء)؛ لأنه رواه غير واحد عن شريك، وأما حديث يحيى بن آدم عن شريك بلفظ: دخل مكة ولواؤه أبيض، فليس بمحفوظ لتفرّد يحيى بن آدم به، ومخالفته لغير واحد من أصحاب شريك. [جامع الأصول، تحقيق الأرنؤوط، ٨/ ٣٨١].
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال حين أراد حُنيناً: ((منزلنا غداً إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا الكفر)).
وفي رواية: ((منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله الخيف، حيث تقاسموا على الكفر)). أخرجه البخاري، ٨/ ١٢، و١٣ في المغازي، باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب النزول بالمحصب يوم النفر، والصلاة به، برقم ١٣١٤.стр. 114
الإسلام.
٢ – تحقيق الهدف الاستراتيجي بلا خسائر.
٣ – مقومات نجاح الردع الإسلامي.
أ – تملك عنصر المبادأة.
ب – تملك القدرة الهجومية.
ج – استغلال عنصري الحركة والمفاجأة.
د – تجريد إرادة العدو المقاومة والقتال.
٤ – الردع الإسلامي يؤدي إلى السلام الدائم.
стр. 115
٥ – الإسلام دين قوة وسلام (١) .
المبحث الثاني: دروس من الفتح
١ – حركة المسلمين وفعاليتهم مع الدعوة المتحركة التي لا تعرف الجمود والخمول والكسل.
٢ – التفاف الجنود حول القيادة دافع قوي من دوافع الخير التي يطمئن إليها القائد.
٣ – حرص الرسول ﵊ على سرِّيَّة حركة الجيش الإسلامي.
٤ – التخطيط الدقيق القائم على الوعي، واليقظة دليل على كبر الهمة، وبعد النظر.
٥ – أول ما فعله الرسول ﷺ حين دخول مكة هو: تحطيم الأصنام.
٦ – الإسلام دين السلام، وهو يسعى إليه، ويعمل من أجله (٢) . الحواشي
(١) اللواء ركن محمد محفوظ، ((الآثار الاستراتيجية لفتح مكة))، مجلة كلية الملك خالد العسكرية، ع١٧، (شعبان ١٤٠٧هـ) ص٩١ - ٩٥.(٢) قال ابن القيم في زاد المعاد، ٣/ ٤١٩ - ٤٦٤:
فصل في الإشارة إلى ما في الغزوة من الفقه واللطائف:
١ – كان صلح الحديبية مقدمة وتوطئة بين يدي هذا الفتح العظيم، أمن الناس به.
٢ – أن أهل العهد إذا حاربوا من هم في ذمة الإمام وجواره وعهده صاروا حرباً له بذلك.
٣ – انتقاض عهد جميعهم بذلك ردئهم ومباشريهم إذا رضوا بذلك وأقروا عليه ولم ينكروه.
٤ – جواز صلح أهل الحرب على وضع القتال عشر سنين. ويجوز فوق ذلك للحاجة والمصلحة.
٥ – الإمام وغيره إذا سئل ما لا يجوز بذله أو لا يجب فسكت، لم يكن سكوته بذلاً له.
٦ – أن رسول الكفار لا يقتل.
٧ – جواز تبييت الكفار ومباغتتهم في ديارهم إذا بلغتهم الدعوة.
٨ – جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلماً.
٩ – جواز تجريد المرأة وتكشيفها للحاجة والمصلحة العامة ..
١٠– أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولاً وغضباً لله ورسوله ودينه، لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يثاب على نيته وقصده.
١١ - أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفَّر بالحسنة الكبيرة الماحية.
١٢ - جواز مباغتة المعاهدين إذا نقضوا العهد.
١٣ - جواز، بل استحباب كثرة المسلمين وقوتهم وشوكتهم وهيئتهم لرسل العدو إذا جاءوا إلى الإمام كما يفعل ملوك الإسلام.
١٤ - جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام، كما دخل رسول الله ﷺ والمسلمون.
١٥ - مكة فتحت عنوة كما ذهب إليه جمهور أهل العلم، ولا يعرف في ذلك خلاف إلا عن الشافعي وأحمد في أحد قوليه.
١٦ - مكة لا تملك، فإنها دار النسك، ومتعبد الخلق، وحرم الرب تعالى الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، فهي وقف من الله على العالمين، وهم فيها سواء. [هكذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وسمعت الإمام ابن باز يقول أثناء تقريره على ذلك على زاد المعاد، ٣/ ٣٤٥: ((والصواب أنها تملك، وتورث، وتباع أصلها ونفعها وأرضها وبناؤها وهذا هو الصواب، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي ﷺ ].
١٧ - أن مكة حرّمها الله ولم يحرّمها الناس، ولا يحلّ لأحد أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجر، ولا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا يلتقط ساقطتها إلا من عرَّفها، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يقتل وإما أن يأخذ الدية.
١٨ - جواز قطع الإذخر للانتفاع به.
١٩ - الإذن في كتابة العلم، لقوله ﷺ : ((اكتبوا لأبي شاه)).
٢٠ - كراهة الصلاة في المكان المصور فيه؛ لأن النبي ﷺ لم يدخل البيت ولم يصلِّ فيه حتى مُحيت الصور منه.
٢١ - جواز لبس الأسود أحياناً؛ لأن النبي ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء.
٢٢ - جواز متعة النساء في غزوة الفتح، ثم حرّمها رسول الله ﷺ قبل خروجه من مكة، فهي حرام إلى يوم القيامة بإجماع المسلمين.
٢٣ - جواز إجارة المرأة وأمانها للرجل والرجلين [وأكثر من ذلك على الصحيح].
٢٤ - جواز قتل المرتد الذي تغلظت ردته من غير استتابة.
٣٥ - استحباب صلاة ثمان ركعات بعد الفتح؛ لأن النبي ﷺ صلاها بعد الفتح، ضحى في بيت أم هانئ، وكان أمراء الإسلام إذا فتحوا بلداً صلوا عقب الفتح هذه الصلاة، وهي شكراً لله تعالى [والحديث متفق عليه] [زاد المعاد، ٣/ ٤١٠].
٢٦ - القضاء على آثار الشرك، لأن النبي ﷺ بعث السرايا إلى الأصنام التي حول الحرم، فكسرها كلها [زاد المعاد، ٣/ ٤١٣ - ٤١٦].
٢٧ - استحباب الصلاة داخل الكعبة والتكبير في نواحيها، ومن صلى داخل الحجر فقد صلى داخل البيت؛ لأنه من البيت.
انتهى مخلصاً من زاد المعاد. وانظر: أحمد السايح، معارك حاسمة في حياة المسلمين، ص١٠٠ - ١٠٩.стр. 116
الفصل الثاني: مقومات الانتصار في الفتح
المبحث الأول: الهدف
١ - الكعبة مهبط [الوحي].
٢ - الكعبة [رمز الوحدة الإسلامية].
٣ - الكعبة [حرماً آمناً].
٤ - فتح مكة: فتح للقلوب.
المبحث الثاني: الوسيلة
١ - إعداد القوة قدر الاستطاعة.
٢ - نقض العهد إيذان بالفتح.
٣ - ولاء الطاعة، وحفظ السر.
٤ - السلام والعفو (١) . الحواشي
(١) محمد فهمي عبد الوهاب، مقومات الانتصار في بدر الكبرى، وفتح مكة، ص٦٥ - ٨٠.стр. 117
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، هذا البحث يحتوي على أبرز موضوعات السيرة وهو (فتح مكة)، وهو شامل للإعداد لها، والتجهز للفتح، ودخول مكة، بالإضافة إلى الدروس المستفادة من الفتح.
ومن أبرز نتائج البحث: اكتساب معلومات لم تكن معلومة من قبل، وكذلك معرفة الصحيح من الأخبار، ونبذ الضعيف منها.
وأهم التوصيات التي أوصي بها:
١ - [تقوى الله في السر والعلن].
٢ - أوصي الأخوة الباحثين بالبحث في الغزوات الأخرى على هيئة هذا البحث من حيث الالتزام بالقول الصحيح.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين (١) . الحواشي
(١) اللهم اغفر لابني عبد الرحمن، وارفع منزلته في الفردوس الأعلى، ووالديه، وجميع المسلمين، يا رب العالمين، فإنك سميع مجيب، رحيم ودود.