٩ - ما زلتُ أشهد نطقه ودُعابَه الـ ... الأشياخَ في أدبٍ وفي إحسانِ
١٠ - قد قلَّ في أقرانه مَنْ شِبْهَهُ ... فالحمد قبلُ وبعد للمنانِ
١١ - أرثيه ثم أقول معتذراً له ... وُفِّقْتَ حين تركت دار هوانِ (١)
١٢ - إني أعزِّي والداً فيه وقد ... عزَّيتُ فيه يراعتي وبناني
١٣ - عزيتُ فيه الصحب ثم إليكمو ... أُهدي نصيحةَ مشفقٍ ولهانِ
١٤ - يا إخوتي هذي المنايا دأبُها ... فقد الحبيب ومُوْجِعُ الهُجرانِ
١٥ - هلاّ اعتبرنا في فناءٍ قد سَرَى ... في الناس منذُ الخلقِ للأكوانِ
١٦ - هذي الحياةُ متاعبٌ ومصاعبٌ ... شَمِّر هُديت إلى ادِّكارِ معانِ
١٧ - ثم السؤال من الإله بفضلهِ ... أن يرحم الأخَ (عابد الرحمنِ)
١٨ - فهو الكريمُ كذا الرحيمُ بِخَلْقه ... وهو القديرُ وواسع الغفرانِ
١٩ - يا ربِّ فارحَمْهُ ووسِّع قَبْرَهُ ... وانشر لَهُ نُوراً بِكُلِّ مكانِ
٢٠ - وافسح له في لَحْدِهِ أُفُقَ المدى ... وافْرُجْ له فُرُجاً من الرضوانِ
٢١ - رَوْحٌ وريحانٌ عذوقُ ثِمَارِها ... والحورَ أوْلِ زميلنا القحطاني
ثُمَّ الصلاةُ على النّبيِّ محمّدٍ ... ما صَوَّتَ القُمْري على الأغصانِ
وكتبه: عبد الرحمن بن حمود بن سعد البدراني.
стр. 72
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٤ - (٦) الخشوع والإخبات لله تعالى
بقلم الشيخ المعبِّر حسن بن شريف المشيخي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلا شك بأنني آخر من كتب من الإخوة المشايخ، والدعاة، وطلبة العلم، وأظن ذلك لحكمة أرادها الله تعالى، فمنذ ساعة وفاة أبناء الشيخ سعيد، وأنا أريد أن أكتب ما أجده من خواطر تجاه عبد الرحمن وعبد الرحيم - رحمهما الله - لكنني لم أتمكن من ذلك للانشغال ببعض البحوث العلمية، فإذا تذكَّرتهما لُمْتُ نفسي على التقصير، ثم أعوضهما بالدعاء والإلحاح على الله أن يغفر لهما، ويرفع درجاتهما، ولا شك أن ذلك أنفع لي ولهما، وسأكتفي بأحدهما إذ أن الآخر مازال دون التكليف أثناء وفاته، وإن كان قد حفظ ما يقارب سبعة عشر جزءاً، فأسال الله له رفعة الدرجات، وسأقتصر هنا على صاحب هذا المؤلف القيم/ عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني، ففي ليلة الأحد السابع عشر من رمضان لعام ألف وأربعمائة واثنين وعشرين للهجرة ذهل الصغار لما رأوا الكبار جادوا بمدمع وبكاء، رحل ابنا الشيخ سعيد بن وهف في لحظة لا أحد يتوقع ذلك، لكن المولى - جل وعلا - أراد ذلك، فله الحمد على ما قضى وأحكم وأبرم.
مضى ابن سعيد حيث لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا وله فيه مادح
стр. 73
وكنت أعلم عن جميل صفاته ... كما ولكن غيبتها الصفائح
وأصبح في لحدٍ من الأرض ميتاً ... وكان به حيّاً تضيق الصحاصح
وما نحن من رزءٍ وإن جلَّ نجزع ... ولا بسرورٍ بعد فقده نفرح
لقد كان شابّاً صالحاً محبوباً، يعلوه وقار العلماء، وفي مُحيّاه ملامح العظماء، وكما أحبه الصغار والكبار في حياته، فلقد بكى عليه القوم بعد وفاته، ولكن يا ترى هل كان سبب تلك المحبة كتاب الله الذي قد حواه في صدره حفظاً وإتقاناً وعملاً وتعليماً، فهو وإن كان صغيراً فهو يتمتع بهمَّة الكبار، وبراءة الصغار؛ مما جعله أنموذجاً غريباً يتحيَّر فيه المتأمِّل لتلك الأعمال، فقد بكت السارية التي كان يسند الصغير ظهره عليها، نعم، فقد بكت بحرقة وحسرة وألم ... نعم وما يدريك ...
أم يا ترى كان سبب ذلك التحاقه بكلية الشريعة التي قد أجاد معظم مناهجها على يد والده من سنٍّ مبكرٍ، أم أن سبب ذلك تعيينه مُؤذِّناً في ذلك الجامع الذي يؤمُّه والده، والذي يتنافس على ذلك الجامع طلبة العلم، ولقد شاهدت ذلك الصغير يتنافس مع بعض طلبة العلم، وكم كانت دهشتي عندما علمت أنه هو الفائز، لكن كل ذلك وغيره لم يكن هو السبب الرئيس في انشراح صدر ذلك الشاب، وحبه للعلم، وانطلاق لسانه بالشعر، إضافة إلى ما عنده من القرآن والحكمة، ولم يكن سبب ذلك الأذان الذي يصدح في الوقت تماماً، والذي يدفع كل من يصل إليه صوته إلى فتح النوافذ، والاستماع إلى ذلك الأذان العجيب، وأنا من هؤلاء، وليس سبب حب الجميع له بسبب حضوره المبكر للجامع قبل
стр. 74
مواعيد الأذان عندما كان يسلك ذلك الرصيف الطويل من منزل والده إلى الجامع دون أن يلتفت يمنة أو يسرة أبداً، حتى إنني أضطر أحياناً لاستخدام منبه السيارة حتى يلتفت فألقي ﵇.
ولكن السبب سأورده لكم، ليس إلا خوفاً من الإطالة عليكم، إن السبب هو خشوعه وإخباته لله والرغبة فيما عند الله - جل وعلا - من سن مبكر، وإليكم شاهد على ما أقول:
عندما كان عمره اثني عشر عاماً تقريباً، وبالتحديد في شهر رمضان، وكان مؤذن الجامع في ذلك الوقت أحد القضاة، وكان الشيخ يُقدم ذلك القاضي أحياناً في بعض ركعات صلاة التراويح أو القيام، بناءً على طلب القاضي من أجل ترسيخ الحفظ لبعض الأجزاء، وكنت أَصُفُّ أنا وذلك الصغير عبد الرحمن ﵀ ومن معنا من المصلين في صلاة التراويح أو القيام، وفي إحدى الليالي عندما كان يؤمّنا ذلك القاضي، وكنت شارد الذهن في تلك اللحظة، لم يردني إلى استحضار القلب في الصلاة إلا أزيز غريب من جانبي الأيسر، فشردت بالذهن مرة أخرى، ولكن داخل المسجد، وبالتحديد من جانبي الأيسر، وإذا بذلك الغلام الصغير قد أغرق وجهه وصدره ومكان سجوده بالدموع من بداية صلاته، ولكنه في النهاية لم يستطع أن يتمالك نفسه، فغلبه البكاء وارتفاع الصوت، فهل بكيت أخي في مثل هذا الموقف وقد شاب عارضاك؟ وماذا كنت تعمل في ذلك السن؟ رحم الله عبد الرحمن رحمة واسعة:
стр. 75
فلئن حسنت فيه المراثي بذكرها ... فلقد حسنت من قبل فيه المدائح
ولهذا ليس بغريب أن يصلي عليه ذلك الجمع العظيم من الناس، ويشيعه إلى القبر أعداد هائلة من الناس، ومنهم العلماء، وأساتذة الجامعات، وطلبة العلم، وقد رأيتهم بعيني يتنافسون للإمساك بالنعش:
وليس صرير النعش ما يسمعونه ... ولكنه أصلُب قوم تقصفُ
وليس نسيم المسك ريا حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلفُ
أما لسان حالهم فيقول: ... ...
فلن أرتجي في الموت بعدك طائلاً ... ولا أتقي للدهر بعدك من خطب
اللهم ما تلا من قرآن فارفع درجته، وزكِّه به، وما صلَّى من صلاة فتقبلها منه، وما تصدَّق أو تُصدِّق عنه بصدقة فنمِّها له، اللهم أقِلْ عثرته، واعفُُ عن زلته، وعده بحلمك، فإنه لا يرجو غيرك، ولا يثق إلا بك، وأنت واسع المغفرة، اللهم أجر والديه في مصيبتهما، وأعقب لهما خيراً منها في الدنيا والآخرة، إنك يا رب ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
قاله وكتبه/ حسن بن شريف المشيخي
١١/ ٧/١٤٢٣هـ
стр. 76
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٥ - (٧) حكم وفوائد عظيمة
بقلم زميله عبد الحليم بن محمد فاروق الأفغاني
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
أما بعد: فإن الأخ الزميل عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني ﵀ رحمة واسعة - كان من زملائي الأخيار في كلية الشريعة، وكان خلوقاً قلَّ أمثاله، وكان متواضعاً متمسكاً بالقيم الدينية والمبادئ الإسلامية، وكان ملتزماً في أمور الشرع لا يخاف في الله لومة لائم، وكان هَمُّهُ الأكبر طلب العلم الصحيح النافع، وكان مخلصاً صادقاً وأميناً، وكثير الصمت إلا في موضع الحق، هكذا أحسبه والله حسيبه، وآخر ما قابلته في المسجد الجامع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وذلك عند صلاته لسنة الراتبة بعد الظهر يوم السبت الموافق ١٦/ ٩/١٤٢٢هـ، وكان من آخر الكلمات التي قالها لي قوله ﵀: ((إني قد اشتقت إلى الجهاد في سبيل الله تعالى))، ثم استأذن مني وقال: سأحضر غداً إن شاء الله للدرس في الكلية؛ لأن هذا اليوم هو آخر أيام الدراسة للفصل الأول من العام الدراسي، ولكن الله قبضه في اليوم نفسه الذي قابلته فيه بعد إمامته للناس في صلاة العشاء والتراويح، فأسأل الله أن يحقق له أمنيته ويجعله شهيداً في سبيل الله تعالى.
стр. 77
وقد استفدت وسمعت منه الوصايا والفوائد الآتية:
١ - رافقته في سيارته ﵀ مرة، وكان يقرأ عن ظهر قلب حفظاً أثناء قيادته للسيارة، وأظن أنه يقرأ من سورة الفرقان، وبعد القراءة سألني عن حزبي اليومي من القرآن الكريم؟ فأخبرته بأني أقرأ كذا وكذا (١)، فقال لي: أنت عندك فراغ كثير كان ينبغي أن تقرأ أكثر من هذا.
ومن أقواله الحكيمة التي استفدتها منه ﵀:
٢ - آفة العلم نسيانه.
٣ - المرء يقيس على نفسه.
٤ - اطلب الرفيق قبل الطريق، والجار قبل الدار.
٥ - إن الذنوب تميت القلوب، وتكون سبباً للشقاء.
٦ - راحة القلوب في قراءة القرآن، وقرة العيون في الصلاة.
٧ - التوكل على الله يسهِّل ويزيل العقبات في طريق الوصول إلى الأمنية.
٨ - عن المَرْءِ لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
٩ - ابتغِ فيما أعطاك الله الدار الآخرة.
١٠ - لا يسع المسلم الناس بماله، ولكن يسعهم ببسط الوجه، وحسن الخلق.
١١ - احفظ مني ثلاثاً: ثم قال:
стр. 78
أ - من سمات الكرام: العفو، والوفاء.
ب - ومن سمات الأغنياء الأتقياء: الجود، والسخاء.
ج - ومن سمات الأعزاء: احترام الآخرين.
وكل هذه الحكم والفوائد استفدتها وكتبتها بالمعنى مما قاله الزميل عبد الرحمن رحمه الله تعالى.
اللهم ارحمه، اللهم ارحمه، ونوِّر له في قبره، وافسح له فيه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه: عبد الحليم بن محمد فاروق الأفغاني
٢٥/ ٣/١٤٢٣هـ
زميله في كليّة الشريعة
стр. 79
غزوة فتح مكة
في ضوء الكتاب والسنة
إعداد
عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني رحمه الله تعالى
١٤٠٣هـ - ١٤٢٢هـ
تحقيق
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 80
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإن موضوع السيرة النبوية من أهم الموضوعات في التاريخ الإسلامي، ومن أهم تلك الموضوعات: غزوة فتح مكة (١).
وقد اخترت هذا الموضوع لكثرة ما كتب فيه، فأردت أن ألخصه وأختصره اختصاراً مفيداً. وقد كتبت هذا البحث على شكل أبواب أربعة. كل باب له فصلان ولكل فصل مبحثان على النحو الآتي:
الباب الأول: الأسباب التي دعت إلى فتح مكة والإعداد له.
الفصل الأول: الأسباب التي دعت إلى فتح مكة.
المبحث الأول: سبب الفتح.
المبحث الثاني: أبو سفيان يقصد المدينة للمفاوضات.
الفصل الثاني: الإعداد للفتح.
стр. 81
المبحث الأول: عزم الرسول ﷺ على التجهز والحشد.
المبحث الثاني: محاولة نقل نبأ الغزو.
الباب الثاني: مسيرة الجيش النبوي.
الفصل الأول: توزيع الجيش، وزحفه، وتحركه، والوضع المكي.
المبحث الأول: توزيع الجيش عسكرياً.
المبحث الثاني: زحف الجيش، وتحركه، والوضع المكي.
الفصل الثاني: تجسّس قريش للأخبار.
المبحث الأول: إسلام العباس، وتجسّس قريش للأخبار النبوية.
المبحث الثاني: إسلام أبي سفيان، والعرض العسكري أمامه.
الباب الثالث: دخول مكة المكرمة.
الفصل الأول: ترتيبات العسكر الإسلامي في الدخول.
المبحث الأول: ترتيبات الدخول.
المبحث الثاني: مشابكات مع فرسان خالد بن الوليد.
الفصل الثاني: دخول المسجد الحرام.
المبحث الأول: دخول المسجد الحرام، وتحطيم الأصنام.
المبحث الثاني: أخبار المهدرة دماؤهم.
الباب الرابع: الآثار الاستراتيجية للفتح، ومقومات النصر.
стр. 82
الفصل الأول: الآثار الاستراتيجية للفتح، ودروس منه.
المبحث الأول: الآثار الاستراتيجية للفتح.
المبحث الثاني: دروس من الفتح.
الفصل الثاني: مقومات الانتصار في الفتح.
المبحث الأول: الهدف.
المبحث الثاني: الوسيلة.
والحمد لله أولاً وآخراً لم [تقابلني أي] صعوبة في إعداد هذا البحث، وأشكر الله، ثم أشكر أستاذ البحث الأستاذ الفاضل صاحب الفضائل والشمائل: محمد السليم الذي كانت له يد الفضل بعد الله في إعداد هذا البحث جزاه الله خيراً، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الباحث
عبد الرحمن بن سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 83
الباب الأول
الأسباب التي دعت إلى فتح مكة والإعداد له
الفصل الأول: الأسباب التي دعت إلى فتح مكة.
المبحث الأول: سبب الفتح.
المبحث الثاني: أبو سفيان يقصد المدينة للمفاوضات.
الفصل الثاني: الإعداد للفتح.
المبحث الأول: عزم الرسول ﷺ على التجهز والحشد.
المبحث الثاني: محاولة نقل نبأ الغزو.
стр. 84
الفصل الأول: الأسباب التي دعت إلى فتح مكة
المبحث الأول: سبب الفتح
في السنة الثامنة من الهجرة نقضت قريش عهدها (عهد صلح الحديبية)، فأصبح لاغياً؛ لأنها ظلت جامدة على كفرها وعنادها، غير واعية للأحداث الخطيرة في جزيرة العرب التي غيَّرت الأحداث والأحوال، وتوشك أن تغير العالم كله، [و] في ذلك العام اعتدت قبيلة بني بكر (حلفاء قريش) على خزاعة (حلفاء المسلمين) (١)، فقتلوا منهم
стр. 85
عدداً كبيراً، وقريش تمدهم بالسلاح وتعينهم على البغي في الحرم سراً.
وعلى الرغم من أن العقلاء من بني بكر حذّروا زعيمهم من القتال في الحرم، وقالوا: إلهك، إلهك، إلا أنه تمادى، وقال: لا إله لي اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فَلَعَمْري إنكم لتسرقون فيه، أفلا تُصيبون ثأركم فيه (١)؟
واستمرت المقاتلة في الحرم باشتراك رجال من قريش، وفزعت خزاعة مما حلّ بها، وبعثت وفداً إلى رسول الله ﷺ ، وأنشد عمرو بن سالم قصيدة أمام الرسول ﷺ ، [فَذُكِرَ عنه أنه ﷺ ] قال: ((نُصرتَ يا عمرَو بنَ سالمٍ)) (٢).
стр. 86
المبحث الثاني: قصود أبي سفيان المدينة للمفاوضات
أحست قريش بخطأٍ فادح وقعت فيه، غير واعية للأحداث التي غيّرت مجرى الأحوال، وذلك بعدد أن أرسل الرسول ﷺ إليها بقبول
стр. 87
أحد الشروط الآتية:
أ - إما أن تدفع ديات من قتل من خزاعة.
ب - إما أن تحلّ نفسها من عهد بني بكر.
ج - إما أن تعلن أن صلح الحديبية أمسى لاغياً.
فردّت قريش بقبول الشرط الأخير.
وقد أسرع أبو سفيان للمدينة، يحاول أن يصلح ما وقع فيه
القرشيون من النقض الصارخ للصلح (١)، بيد أن رسول الله ﷺ لم يغفل
الفصل الثاني: الإعداد للفتح
المبحث الأول: عزم الرسول ﷺ على التجهز والحشد
لما خاب أمل أبي سفيان، انقلب إلى مكة خائب الرجاء، وأمر الرسول ﷺ المسلمين بالاستعداد والتهيؤ للمسير، ودخل ﷺ على عائشة، وقال: جهِّزينا، وأخفي أمرك (١)، ودخل أبو بكر على ابنته وهي تجهز الرسول ﵊، تعمل دقيقاً وسويقاً.
وسألها الأب الصَدِّيق عن عزم الرسول ﵊؟ فقالت: ما أدري، واستعجمت عليه حتى دخل رسول الله ﵊ فقال له: يا رسول الله: أردت سفراً؟ قال: نعم، قال: أفأتجهز؟ قال: نعم.
стр. 90
قال أبو بكر: فأين تريد يا رسول الله؟
قال: قريشاً، وأخفِ ذلك يا أبا بكر.
وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، وأخفى عنهم الوجه الذي يريده.
واستمع المسلمون لأمر القيادة العليا، فمضوا يعبئون قواهم ويستعدون للسير مع الرسول ﷺ (١)، ولما كان الرسول ﵊ قد كتم النبأ، فقد ظن بعض أصحابه أنه كان يُخطّط لغزو الروم، ومنهم من اعتقد أنه يُخطط لهوازن وثقيف وهكذا.
وفي تكتمه ذلك أرسل ﵊ لسكان البادية ومن دخل في الإسلام من حوله بالقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة، وقد لاقت دعوته قبولاً واستجابة.
وقد عقد الرسول ﵊ مجلساً مع خاصة أصحابه، فأشار عليه أبو بكر بما كان يرغب فيه من التأني، في حين كان عمر بن الخطاب يرى ضرورة المضي بقرار فتح مكة؛ لأنه لا وسيلة لضم القبائل
стр. 91
الوثنية إلا بضم قريش للمعسكر الإسلامي.
وقد التزم بالكتمان عن الجند، رغم التشاور مع خاصة أصحابه، علماً بأنه جمع عشرة آلاف مقاتل وأكثر، وهم لا يعلمون مكان اتجاههم إلا عندما وصلوا إلى (مرّ الظهران) (١) حيث علموا فقط بأن وجهتهم مكة؛ لإنهاء الوجود الوثني إلى الأبد.
كما أنهم أمِروا بالتكتم، وزيادة على ذلك فقد تمّ التخطيط للتعمية على العدو، وقد أرسل ﷺ سرايا إلى نجد وغيرها للتعمية على قريش.
ويُروى أنه بالحراسة المكثفة على الطرق المؤدية إلى مكة فقد تم النجاح في خطة الكتمان إلى أقصى حد (٢).
المبحث الثاني: محاولة نقل نبأ الغزو
عندما قرر ﵊ المسير أخبر صحابته بأن وجهته مكة، فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى ثلاثة من قريش، وهم: سهيل بن عمرو، صفوان بن أمية، عكرمة بن أبي جهل.
كتب إليهم؛ ليخبرهم بالذي أجمع عليه الرسول ﵊ من الأمر في المسير إليهم، ثم أعطاه لامرأة مشركة اسمها: سارة، وجعل حاطب لسارة جُعلاً على أن تبلغه قريشاً، فجعلته في رأسها، ثم فتلت
стр. 92
عليه قرونها، وقال لها: أخفيه ما استطعتِ، ولا تمرّي على الطريق، فإنّ عليه حراساً (١).
стр. 93
وجاء الرسول ﷺ الخبر من السماء، فبعث الرسول ﷺ علي بن أبي طالب، والزبير وقال لهم: أدركوا المرأة، قد كتب معها حاطب كتاباً إلى قريش، يحذّرهم ما قد أجمعنا من أمرنا.
فخرجوا حتى أدركوها، وحاولت إخفاء الكتاب، لكنهم أرغموها بإخراجه، فأخرجته من ضفائرها.
وعاتب الرسول ﷺ حاطب [بن أبي بلتعة ﵁] على ما فعله، وقال: ((وما يدريك يا عمر! لعلّ الله قد اطّلع على أصحاب بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم)) (١).
стр. 94
الباب الثاني
مسيرة الجيش النبوي
الفصل الأول: توزيع الجيش، وزحفه، وتحرّكه، والوضع المكي.
المبحث الأول: توزيع الجيش عسكرياً.
المبحث الثاني: زحف الجيش، وتحرّكه، والوضع المكي.
الفصل الثاني: تجسّس قريش للأخبار.
المبحث الأول: إسلام العباس، وتجسّس قريش للأخبار النبوية.
المبحث الثاني: إسلام أبي سفيان، والعرض العسكري أمامه.
стр. 95
الفصل الأول: توزيع الجيش، وتحركه، والوضع المكي
المبحث الأول: توزيع الجيش عسكرياً
[نأخذ] بالرواية التي تقول بأن جيش الرسول ﷺ الزاحف إلى مكة بلغ عشرة آلاف مقاتل (١)، فقد يكون التوزيع كالآتي:
- أربعة آلاف مقاتل من الأنصار.
- سبعمائة مقاتل من المهاجرين.
- ألف مقاتل من قبيلة مزينة.
- أربعمائة مقاتل من أسلم.
- ثمانمائة مقاتل من قبيلة جهينة.
- خمسمائة مقاتل من بني كعب.
- أما الفرسان [فـ] يقال: إنهم شكلوا ألفين وثمانين فارساً (٢).
وهذا توزيع مجدول مختصر لجيش الرسول ﵊
стр. 96
القبيلة أو الكتيبة ... أفرادها ... عدد الألوية ... حاملو الألوية
بنو سليم بقيادة خالد بن الوليد ... ٧٠٠ - ١٠٠٠ ... ٢ ... العباس بن مرداس
خفاف بن ندبة
المهاجرون بقيادة الزبير بن العوام ... ٧٠٠ + ٣٠٠ فرس ... ١ ... الزبير بن العوام
بنو غفار ... ٤٠٠ ... ١ ... أبو ذر الغفاري
أسلم ... ٤٠٠ + ٣٠ فرساً ... ٢ ... بريدة بن الحصيب
ناجية بن الأعجم
خزاعة (بنو كعب بن عمرو) ... ٥٠٠ ... ١ ... بشير بن سفيان
مزينة ... ١٠٠٣ + ١٠٠ فرس ... ٣ ... النعمان بن بشير،
عمرو بن عوف،
بلال بن الحارث
جهينة ... ٨٠٠ + ٥٠ فرساً ... ٤ ... معبد بن خالد،
سويد بن صخر،
رافع بن مكيث،
عبد الله بن بدر
كنانة، بنو ليث، ضمرة، سعد بن بكر ... ٢٠٠ ... ١ ... أبو واقد الليثي
أشجع ... ٣٠٠ ... ٢ ... معقل بن سنان،
نعيم بن مسعود
قضاعة، بنو تميم، بنو فزارة، سعد بن هزيم ... ١٠٠٠ ... عدة ألوية ... عدة أبطال
الكتيبة الخضراء: كبار المهاجرين + الأنصار ... ٤٠٠٠ + ٥٠٠ فرس ... عدة ألوية ... عدة أبطال (١)
стр. 97
المبحث الثاني: زحف الجيش، وتحركه، والوضع المكي
هذا وتحرك الجيش، وقد وصل إلى منطقة تابعة لثقيف، ناحية الطائف، وهذا يعني أنه انحرف ذات اليمين تاركاً مكة عن يساره بعض الوقت، ثم عاد واستوى على الطريق الرئيس متجهاً إلى مكة عبر وادي الظهران، ولما كانوا بمنطقة العرج، يقال بأن وحدة عسكرية تابعة لطلائع الجيش الإسلامي ألقت القبض على جاسوس كان يعمل لحساب قبيلة هوازن، ولدى استجوابه عُلِمَ أن هوازن كانت تُعدُّ لحربه. وقد أسلم ذلك الجاسوس، مع العلم بأن الرسول ﷺ قد خاض لاحقاً معركة مع هوازن، وهي حنين (١).
ثم مضى رسول الله ﷺ وهو صائم، والناس صيام، حتى كانوا بالكديد، فأفطر، وأفطر الناس، ووصل الجيش الإسلامي إلى مرّ
стр. 98
الظهران (١).
وقد أمر الرسول ﵊ جميع العسكر بأن يوقدوا النار في كل خيمة ومعسكر، وهذا فيه أثر نفسي على المكيين (٢).
стр. 99
الفصل الثاني: تجسس قريش للأخبار
المبحث الأول: إسلام العباس، وتجسسات قريش للأخبار النبوية
وقد أسلم جمع من قريش بعدما عمَّى الله الأخبار عنها، ومنهم العباس بن عبد المطلب، وعياله (١).
وما إن توصل زعماء قريش إلى الأخبار حتى رأوا ضرورة استقصاء ما يجري، أو ما قد جرى من جانب المسلمين.
ويروى أن أبا سفيان اجتمع مع حكيم بن حزام (٢)، بإضافة إلى بديل بن
стр. 100
ورقاء، في دار الندوة، وامتثلوا لاقتراح أبي سفيان، وهو الخروج إلى الصحراء لترصد الطرق واستقصاء الأخبار (١).
стр. 101
وخرجوا، وبخروجهم ذلك، فقد ساروا حتى أشرفوا على معسكر المسلمين في سهل مرّ الظهران، فرأوا نيراناً عظمية، وقباباً كثيرة تشير إلى كثافة النازلين هناك، وهنا قال أبو سفيان:
ما رأيت كالليلة نيراناً قط.
فقال بديل: هذا والله خزاعة حمشتها الحرب (١).
فقال أبو سفيان: خزاعة أقلّ وأذلّ (٢) أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، وفي تلك الأثناء، وصل العباس نحو مكان يقرب منهم: فسمع ما كان يدور من كلام، وتعرف على صوت أبي سفيان، فناداه، فردّ أبو سفيان: لبّيك، فداك أبي وأمي، فما وراءك؟! قال العباس: هذا رسول الله ﷺ ورائي قد دلف إليكم بما لا قبل لكم به، بعشرة آلاف مقاتل من المسلمين (٣).
стр. 102
المبحث الثاني: إسلام أبي سفيان، والعرض العسكري أمامه
عرض العباس على أبي سفيان أن يركبه معه إلى رسول الله ﷺ ، فسارا على بغلته البيضاء، لا يعترضها المسلمون، وفي الصباح قابل رسولُ الله ﷺ أبا سفيان فقال له:
((ويحك يا أبا سفيان، أما آن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟)).
- فقال أبو سفيان: بأبي أنت ما أكرمك، وما أوصلك، لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئاً.
- فقال ﵊: ((ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟!)).
- فقال: أما هذه، فإن في النفس شيئاً منها حتى الآن.
- فقال له العباس: ويحك أسلم!!
فأسلم، وشهد شهادة الحق.
فقال أبو الفضل (العباس): يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئاً.
قال: نعم: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن)) (١).
وقد تم العرض العسكري أمام أبي سفيان.
стр. 103
يقول العباس: فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي، فكلما تمر قبيلة يقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول قبيلة كذا وكذا، فيقول: ما لي ولبني فلان (١).
стр. 104
الباب الثالث
دخول مكة المكرمة
الفصل الأول: ترتيبات العسكر الإسلامي في الدخول.
المبحث الأول: ترتيبات الدخول.
المبحث الثاني: مشابكات مع فرسان خالد بن الوليد.
الفصل الثاني: دخول المسجد الحرام.
المبحث الأول: دخول المسجد الحرام وتحطيم الأصنام.
المبحث الثاني: أخبار المهدرة دماؤهم.
стр. 105
الفصل الأول: ترتيبات العسكر الإسلامي في الدخول
المبحث الأول: ترتيبات الدخول
في ذي طوى، المنطقة التي تدعى اليوم في مكة بـ (الزاهر) قسم الرسول ﷺ الجيش إلى خمس فرق، وقد ترأس الفرقة الأولى ﵊، أما الفرق الأخرى فهي على النحو الآتي:
١ - الزبير بن العوام، ومهمة فرقته السيطرة على البقعة الشمالية من مكة.
٢ - خالد بن الوليد، كلفت مجموعته دخول مكة من الناحية الجنوبية (١).
٣ - أبو عبيدة بن الجراح، وقد أعطيت فرقته السيطرة على الجهة الشمالية الغربية.
٤ - قيس بن سعد بن عبادة، وقد كلفت مجموعته بالدخول إلى مكة من الناحية الجنوبية الغربية.
وقد تحركت الفرق بالوقت المطلوب على النحو الآتي:
١ - الزبير بن العوّام: تحرّك رتله من الشمال، وقد أمره الرسول ﷺ أن يتوقّف بفرقته، ويركز رايته عند الحجون (٢).
стр. 106
٢ – بالنسبة لخالد بن الوليد فقد تحرّك بمجموعته المكونة من المشاة، لكي يدخل مكة من الجنوب (المسفلة) اليوم.
٣ – أما أبو عبيدة، فقد تحرّك بمجموعته المكونة من المشاة؛ لكي يدخل مكة من زاويتها الشمالية الغربية.
٤ – أما قيس بن سعد، فقد اندفع ليدخل مكة من غربها (١) الجنوبي (٢).
стр. 107
المبحث الثاني: اشتباك مع فرسان خالد بن الوليد:
تمكّن كل قائد من القادة تنفيذ السيطرة على منطقته بسلام، إلا خالد بن الوليد، إذ تجمع جنوبي مكة يومئذ فئة من القرشيين المتطرفين برئاسة صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، واختاروا من أجل ذلك مضيقاً سيطروا عليه من مرتفعات تشرف على الموقع، وهو الطريق الرئيس لمجموعة خالد. واسم هذا المضيق الخندمة.
ولما وصلوه تلقّوا وابلاً من السهام، وإزاء ذلك أصدر خالد أوامره بالتوقف، لعلّه أن يتمكّن من إقناع المهاجمين بإلقاء السلاح، بيد أن هؤلاء المهاجمين رفضوا من خالد، فقاومهم، وقتل منهم ثمانية وعشرين، وتمكن خالد من سحقهم (١).
стр. 108
الفصل الثاني: دخول المسجد الحرام، وتحطيم الأصنام
المبحث الأول: دخول المسجد الحرام، وتحطيم الأصنام
بعد إكمال السيطرة على مكة، والتقاء القادة بعامة جنودهم؛ حيث كان الرسول ﷺ معسكِراً هناك، وقد تحرّكوا نحو المسجد الحرام، ووصلوا الحجون، ومن هناك توجّهوا صوب الكعبة لإنهاء الوجود الوثني، وبرؤية الرسول ﷺ الكعبة كبّروا عدة تكبيرات ارتجَّت لها مكة، ثم سكتوا بإشارة من الرسول الكريم (١) ﷺ .
стр. 109
بيد أنه مع دخول الرسول الكريم ﷺ فكان أول ما بدأ به الطواف حول الكعبة، [وحطم الأصنام ﷺ ] (١).
المبحث الثاني: أخبار المهدرة دماؤهم
كان قد عهد الرسول ﷺ إلى أمرائه حين أمَّرهم أن يدخلوا مكة، أن لا يقاتلوا إلا من قاتَلهم، إلا أنه عهد في نَفَرٍ سمّاهم، أمر بقتلهم وإن وجدوا