((ملء السموات، وملء الأرض، [وما بينهما] وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحقّ ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) ((اللهم طهِّرْني بالثلج، والبَرَدِ، والماء البارد، اللهم طهِّرْني من الذنوب والخطايا كما يُنَقَّى الثوبُ الأبيضُ من الوسخ (١)(٢) ((لربي الحمد)) يكررها؛ لحديث حذيفة ﵁ يرفعه: ((ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحوًا من ركوعه يقول: (لربي الحمد)) (٣). والأفضل للإمام والمنفرد والمأموم أن يضع كل منهم يده اليمنى على اليسرى على صدره بعد الرفع من الركوع كما فعل في قيامه قبل الركوع؛ لحديث وائل
стр. 37
- ﵁ قال: ((رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله)) (١).
ويطمئنُّ في قيامه بعد الرفع من الركوع، فعن ثابت عن أنس ﵁ قال: إني لا آلو أن أصلِّيَ بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا، قال: فكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا، حتى يقول القائل قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي (٢). ويقول في هذا الركن الأذكارَ المشروعةَ سوى ما تقدم إذا شاء (٣).
١٦ - يسجد مُكبِّرًا ، واضعًا ركبتيه قبل يديه إذا تيسر ذلك فإن شقَّ عليه قدّم يديه قبل ركبتيه، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ
стр. 38
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ في قصة المسيء صلاته: ((ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ وفيه: ((ثم يُكبّر حين يهوي ساجدًا)) (٣)؛ ولحديث وائل بن حُجْرٍ ﵁ قال: ((رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه)) (٤). ويستقبل بأصابع يديه
стр. 39
ورجليه القبلة؛ لحديث أبي حُمَيد الساعدي ﵁ وفيه: ((فإذا سجد وضع يديه غير مفترشٍ ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة)) (١)، ويضمُّ أصابعَ يديه ويمدّها؛ لحديث علقمة بن واثلة عن أبيه: أن النبي ﷺ كان إذا سجد ضمّ أصابعه (٢)؛ ولحديث وائل ﵁ أن النبي ﷺ ((كان إذا ركع فرَّج بين أصابعه وإذا سجد ضمّ أصابعه)) (٣)؛ ولحديث أبي حُميد، وفيه: ((واستقبل بأطراف أصابعه القبلة)) (٤)، ويفتح أصابع رجليه؛ لحديث أبي حميد
стр. 40
وفيه: ((ثم جافى عضدَيْه عن جنبيه وفتح أصابع رجليه)) (١)، ويكون سجوده على أعضائه السبعة: الجبهة مع الأنف، واليدين، والركبتين، وبطون أصابع الرجلين؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفُت الثياب والشعر)) وفي لفظ لمسلم: ((ولا أكفّ ثوبًا ولا شعرًا)) (٢)، ويجافي عضديه عن جنبيه؛ لحديث عبد الله بن مالك بن بُحينة أن النبي ﷺ ((كان إذا صلَّى فرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه)) (٣) ويجافي بطنه عن فخذيه،
стр. 41
وفخذيه عن ساقيه، ويفرّج بين فخذيه، لحديث أبي حميد ﵁ وفيه: ((وإذا سجد فرَّج بين فخذيه، غير حامل بطنه على شيء من فخذيه)) (١)، ويجعل كفيه حذو منكبيه؛ لحديث أبي حُميد ﵁ وفيه: ((ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته، ونحَّى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه)) (٢) أو يجعلهما حذو أذنيه؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ وفيه: ((ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه)) (٣)، وهو مثل حديث البراء عندما سئل: أين كان النبي ﷺ يضع وجهه إذا سجد؟ فقال: ((بين كفيه)) (٤)، ويرفع ذراعيه عن الأرض؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اعتدلوا في
стр. 42
السجود، ولا يبسُطْ أحدُكم ذراعيه انبساطَ الكلب)) (١)؛ ولحديث البراء ﵁ يرفعه: ((إذا سَجَدْتَ فضَعْ كفيك وارفعْ مرفقيك)) (٢). ويضم قدميه؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: ((فوجدته ساجدًا راصًّا عقبيه مستقبلاً بأطراف أصابعه القبلة)) (٣)، وينصبهما؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: ((فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدمه [وفي نسخة قدميه] وهو في المسجد، وهما منصوبتان)) (٤).
١٧ - يقول في السجود: ((سبحان ربي الأعلى)) والأفضل ثلاثًا؛ لحديث حذيفة ﵁ (٥) وإن شاء زاد على ذلك ما ثبت في الأحاديث الأخرى عن النبي ﷺ ومن ذلك ما يأتي:
أولاً: ((سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي))
стр. 43
لحديث عائشة ﵂ (١).
ثانيًا: ((سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والروح))؛ لحديث عائشة ﵂ (٢).
ثالثًا: ((سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة)) (٣).
رابعًا: ((اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين))؛ لحديث علي ﵁ (٤).
خامسًا: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك))؛لحديث عائشة ﵂ (٥).
سادسًا: ((اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقّه وجلّه، وأوّله وآخره، وعلانيته وسرّه))؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي
стр. 44
- ﷺ كان يقول ذلك في سجوده (١).
ويكثر من الدعاء في السجود، ويسأل ربه من خير الدنيا والآخرة، سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلاً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء)) (٢)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ وفيه: ((أما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمِنٌ أن يُستجاب لكم)) (٣).
١٨ - يرفع رأسه من السجود مكبّرًا ، ويعتدل جالسًا؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في قصة المسيء صلاته، وفيه: ((ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا)) (٤)؛ ولحديثه ﵁ وفيه: ((ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود)) (٥)، ويفرش قدمه اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى ويستقبل بأصابعه القبلة؛
стр. 45
لحديث عائشة ﵂ وفيه: ((وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى)) (١)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ قال: ((من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله بأصابعه القبلة، والجلوس على اليسرى)) (٢)، ويضع يديه على فخذيه؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵄ يرفعه، وفيه: ((كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو، وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى)) (٣)،أو يضع كفيه على ركبتيه؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه: ((أن النبي ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه)) (٤)، أو يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى ويلقم كفه
стр. 46
اليسرى ركبته))؛ لحديث عبد الله بن الزبير عن أبيه ﵄ (١)، فعلى هذا حصل ثلاث صفات لوضع الكفين هي:
أولاً: الكف اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على اليسرى.
ثانيًا: الكف اليمنى على الركبة اليمنى واليسرى على اليسرى.
ثالثًا: الكف اليمنى على الفخذ اليمنى واليسرى على الفخذ اليسرى ويلقم كفه اليسرى ركبته (٢).
أما كيفية: وضع الكفين؛ فإنه يبسط يده اليسرى؛ لحديث ابن عمر ﵄ يرفعه، وفيه: ((ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها)) (٣)، ويضع ذراعيه على فخذيه؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ يرفعه، وفيه: ((وضع ذراعيه على فخذيه)) (٤)، أما اليد اليمنى فيقبض منها الخنصر
стр. 47
والبنصر ويحلّق الإبهام مع الوسطى، ويجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ يرفعه، وفيه: ((فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك ووضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وحدّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض اثنتين وحلَّق حلقة – ورأيته يقول: هكذا – وأشار بشر بالسبابة من اليمنى وحلق الإبهام والوسطى)) (١)،وهذا اختيار الإمام ابن القيم-﵀ (٢)
стр. 48
أن المصلي يفعل هذه الصفة بين السجدتين (١).
١٩ - يقول بين السجدتين: ((ربِّ اغفرْ لي، ربِّ اغفر لي)) ؛ لحديث حذيفة ﵁ يرفعه: ((وكان يقعد بين السجدتين نحوًا من سجوده وكان يقول: ((ربّ اغفر لي
стр. 49
رب اغفر لي)) (١). وإن شاء زاد على ذلك فقال: ((اللهم اغفر لي، وارحمني [وعافني، واهدني] واجبرني، وارزقني، وارفعني))؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني)) (٢)، ولفظ ابن ماجه: ((ربِّ
اغفر لي وارحمني، واجبرني، وارزقني، وارفعني)) (٣).
وكان النبي ﷺ يطيل هذا الركن بقدر السجود (٤)؛ لحديث البراء ﵁ قال: ((كان ركوع النبي ﷺ وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء)) (٥).
٢٠ - يسجد السجدة الثانية مكبّرًا، ويفعل فيها كما
стр. 50
فعل في السجدة الأولى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في حديث المسيء صلاته: ((ثم اسجد حتى تَطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفع حتى تَطمئنَّ جالسًا، ثم اسجدْ حتى تَطمئنَّ ساجدًا، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها)) (١)؛ ولحديثه ﵁ وفيه: ((ثم يُكبِّر حين يَهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يُكبِّر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس)) (٢).
٢١ - يرفع رأسه مُكبّرًا ، ويجلس جلسة خفيفة تسمى جلسة الاستراحة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في قصة المسيء صلاته وفيه: ((ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها))، قال أبو أسامة في الأخير: ((حتى تستوي قائمًا)) (٣)؛
стр. 51
ولحديثه الآخر، وفيه: ((ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس)) (١)، أما جلسة الاستراحة؛ فلحديث مالك بن الحويرث ﵁: ((أنه رأى النبي ﷺ يصلّي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستويَ قاعدًا)) (٢)، وجاءت جلسة الاستراحة في لفظ آخر من حديث مالك: ((أنه صلى بأصحابه، فكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى)) (٣). وقد ذكرت هذه القعدة في بعض ألفاظ رواية حديث المسيء صلاته، ولفظها: ((ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم
стр. 52
ارفعْ حتى تطمئنَّ جالسًا، ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفعْ حتى تطمئنَّ جالسًا، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها)) (١)، وجاءت هذه الجلسة من حديث أبي حُميد وفيه: ((ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه (٢)، ثم يصنع في الأخرى مثل
стр. 53
ذلك)) (١).
٢٢ - ينهض على صدور قدميه وركبتيه مكبّرًا قائمًا إلى الركعة الثانية ، معتمدًا على فخذيه إن تيسر له ذلك؛ لحديث وائل وفيه: ((وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه)) (٢)، وإن شقَّ عليه اعتمد على الأرض؛ لحديث مالك بن الحويرث، وفيه: ((وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام)) (٣).
٢٣ - يصلي الركعة الثانية كالأولى ؛ لقوله ﷺ للمسيء صلاته: ((ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلها)) (٤) إلا في خمسة أمور:
стр. 54
الأمر الأول: تكبيرة الإحرام، فلا يكبر تكبيرة الإحرام؛ لأنها للدخول في الصلاة.
الأمر الثاني: السكوت فلا يسكت في الركعة الثانية؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا نهض للركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يسكت)) (١).
الأمر الثالث: الاستفتاح، فلا يستفتح في الركعة الثانية؛ لأن الاستفتاح تفتتح به الصلاة بعد تكبيرة الإحرام؛ لحديث أبي هريرة ﵁: ((كان رسول الله ﷺ إذا نهض للركعة الثانية استفتح القراءة بـ ((الحمد لله رب العالمين)) (٢).
الأمر الرابع: لا يُطوِّلها كالأولى؛ بل تكون أقصر من الأولى في كل صلاة؛ لحديث أبي قتادة ﵁ وفيه: ((يُطوِّل في الأولى ويُقصِّر في الثانية)) (٣). وكان ﷺ يُطوِّل الأوليين
стр. 55
ويُقصِّر الأخريين من كل صلاة (١).
الأمر الخامس: لا يجدد النية؛ للاكتفاء باستصحابها؛ لأنه لو نوى الدخول بنية جديدة في الركعة الثانية لبطلت الركعة الأولى لقطعه استصحاب النية (٢). أما التعوذ فقيل: يشرع في كل ركعة؛ لأنه حال بين القراءتين أذكار وأفعال فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في كل ركعة؛ ولقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣)، وهذا هو الأفضل (٤)، وقيل: تختص الاستعاذة
стр. 56
بالركعة الأولى؛ لأن الصلاة جملة واحدة لم يتخلل القراءتين فيها سكوت، بل ذكر، فالقراءة فيها كلها كالقراءة الواحدة فيكفي فيها استعاذة واحدة (١) إلا إذا لم يستعذ في الركعة الأولى فيتعوذ في الثانية (٢).
وأما البسملة فتستحب في كل ركعة؛ لأنها تستفتح بها السورة (٣).
٢٤ - إذا كانت الصلاة ثنائية: أي ركعتين: كصلاة الفجر، والجمعة، والعيدين، جلس للتشهد بعد فراغه من السجدة الثانية من الركعة الثانية، ناصبًا رجله اليمنى، مفترشًا رجله اليسرى؛ لحديث أبي حُميد ﵁ يرفعه وفيه: ((وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى)) (٤)، وصفة جلوسه في هذا كجلوسه بين السجدتين
стр. 57
سواء (١)، فيضع يده اليسرى على فخذه اليسرى أو ركبته اليسرى، ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض أصابع اليمنى كلها إلا السبابة فيشير بها إلى التوحيد؛ لحديث ابن عمر ﵄: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى)) (٢)، أو يُحَلِّق الإبهام والوسطى، ويقبض الخنصر والبنصر، ويشير بالسبابة؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ قال: ((رأيت النبي ﷺ قد حلَّق الإبهام والوسطى ورفع التي تليها يدعو بها في التشهد)) (٣)، أو يعقد ثلاثًا وخمسين ويشير بالسبابة، وصفتها أن يجعل الإبهام مفتوحة تحت المسبحة، وهي أن يجعل الإبهام في أصل الوسطى أو يعطف الإبهام إلى أصلها (٤) لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا
стр. 58
قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى (١) وعقد ثلاثًا وخمسين (٢)، وأشار
стр. 59
بالسبابة)) (١) فظهر ثلاثة أنواع لليد اليمنى:
النوع الأول: قبض الأصابع كلها والإشارة بالسبابة.
النوع الثاني: تحليق الإبهام والوسطى وقبض الخنصر والبنصر والإشارة بالسبابة.
النوع الثالث: عقد ثلاثًا وخمسين والإشارة بالسبابة، وكلها صحيحة، وينظر أثناء جلوسه إلى إشارة سبابته؛ لحديث عبد الله بن الزبير ﵁: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في التشهد وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى
стр. 60
وأشار بالسبابة، لا يجاوز بصره إشارته)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ وفيه: ((فوضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام في القبلة، ورمى ببصره إليها أو نحوها، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع)) (٢).
ويشير بالسبابة عند ذكر الله حال الدعاء موجهة إلى القبلة، هذا هو السنة (٣) يحركها إلى القبلة عند ذكر الله تعالى يدعو بها (٤)، ولا يحركها في غير ذكر الله والدعاء، بل
стр. 61
تبقى منصوبة (١)، ويدل على تحريكها عند الدعاء حديث وائل بن حجر ﵁ وفيه: ((ثم قعد وافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى، وجعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض اثنتين من أصابعه وحلَّق حلقة، ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها)) (٢)، ودلَّ على عدم تحريكها دائمًا حديث عبد الله بن
стр. 62
الزبير ﵄: ((أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحرِّكها)) (١)، فالجمع بين الحديثين سهل: فنفي التحريك يراد به التحريك الدائم، وإثبات التحريك يراد به التحريك عند الدعاء (٢)، وتكون الإشارة بالسباحة من اليد اليمنى، وقد أمر النبي ﷺ بالإشارة بإصبع واحدة، فعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاً كان يدعو بإصبعيه فقال رسول الله ﷺ : ((أحِّدْ، أحِّدْ)) (٣) وعن سعد قال: مرَّ عليَّ رسول الله ﷺ وأنا أدعو بأصابعيَّ، فقال: ((أحِّدْ، أحِّدْ)) وأشار بالسبابة (٤)، والحكمة في الإشارة بالسباحة إلى أن
стр. 63
المعبود واحد، وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص فيه، فيكون جامعًا في التوحيد بين القول، والفعل، والاعتقاد (١)، فعلى ما تقدم يشير بالسباحة عند ذكر الله يدعو بها (٢).
٢٥ - يقرأ التشهد في هذا الجلوس ، فيقول: ((التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
стр. 64
الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا شريك له] وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)) (١)، وهذا أصح ما ثبت في التشهد (٢) ثم يقول: ((اللهم صلِّ على محمد وعلى آل
стр. 65
محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)) (١)، وهذا أكمل ما ثبت في الصلاة عن النبي ﷺ (٢)، ويستعيذ بالله من
стр. 66
أربع: فيقول: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة
стр. 67
المسيح الدجال))؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا تشهد أحدُكم فليستعِذْ بالله من أربعٍ، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم .. الحديث)). ولفظ مسلم: ((إذا فرغ أحدُكم من التشهد الآخر، فليتعوَّذْ بالله من أربعٍ: من عذاب جهنم ... الحديث)) (١)، ويدعو بما شاء، ومن ذلك ما يلي:
أولاً: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يدعو في الصلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثَم والمغرَم)) قالت: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله! فقال: ((إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذَب ووعدَ فأخلَف)) (٢).
стр. 68
ثانيًا: ((اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم))؛ لحديث أبي بكر ﵁ أنه قال لرسول الله ﷺ علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: ((قل اللهم ... )) الحديث (١). وفي رواية لمسلم: ((علمني دعاءً أدعو به في صلاتي وفي بيتي)) (٢).
ثالثًا: ((اللهم اغفر لي ما قدَّمْتُ، وما أخَّرتُ، وما أسررْتُ، وما أعلنتُ، وما أنت أعلمُ به مني، أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت))؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁ وفيه: ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: ((اللهم اغفر لي ... )) الحديث (٣).
رابعًا: ((اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك [من] أن أُردّ إلى أرذل العمر، وأعوذ
стр. 69
بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر))؛ لحديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه كان يعلِّم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم الغلمان الكتابة ويقول: ((إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن دبر الصلاة)) (١). وفي رواية: ((كان النبي ﷺ يعلمنا هؤلاء الكلمات كما تُعلَّم الكتابةُ)) (٢).
خامسًا: ((اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك)) لحديث معاذ ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ بيده، وقال: ((يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك)) فقال: ((أوصيك يا معاذ، لا تَدَعَنَّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ تقول: اللهم أعني ... )) الحديث (٣).
سادسًا: ((اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار))؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لرجلٍ: ((ما تقول في الصلاة؟)) قال: أتشهد، ثم أسأل الله الجنة وأعوذ
стр. 70
به من النار، أما والله ما أُحسنُ دندنَتَك، ولا دندنةَ مُعاذ، قال: ((حولها نُدندِنُ)) (١).
سابعًا: ((اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم))؛لحديث مِحْجَن بن الأدرع أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فإذا هو برجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد، ويقول: ((اللهم إني أسألك يا الله .. )) وفي آخره فقال رسول الله ﷺ : ((قد غفر له)) ثلاثًا (٢).
ثامنًا: ((اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم إني أسألك ... ]؛ لحديث أنس ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسًا، ورجل
стр. 71
يصلي، ثم دعا: ((اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ... )) الحديث وفي آخره، فقال النبي ﷺ : ((لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئلَ به أَعطَى)) (١).
تاسعًا: ((اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد))؛ لحديث بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: ((اللهم إني أسألك ... )) الحديث، وفي آخره، فقال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعيَ به أجاب، وإذا سُئلَ به أعطى)) (٢).
стр. 72
عاشرًا: ((اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضى والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيمًا لا ينفدُ، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضرَّة ولا فتنة مُضلَّة، اللهم زيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين))؛ لحديث عمار ﵁ أنه صلى بأصحابه فأوجز في صلاته، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة، فقال: أمَّا على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله ﷺ ، ثم ذكر هذه الدعوات (١).
ويدعو بما يشاء من خير الدنيا والآخرة، وإذا دعا لوالديه أو غيرهما من المسلمين فلا بأس، سواء كانت
стр. 73
الصلاة فريضة أو نافلة، لعموم قول النبي ﷺ لابن مسعود ﵁ لَمَّا علمه التشهد: ((ثم ليتخيّرْ من الدعاء أعجبه إليه فيدعو)) وفي لفظ: ((ثم ليتخيّرْ من المسألة ما شاء)) (١)، وهذا يعمّ جميع ما ينفع في الدنيا والآخرة (٢).
٢٦ - ثم يسلِّم عن يمينه وشماله قائلاً: ((السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله))؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁ قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، فقال رسول الله ﷺ : ((علام تُومئون بأيديكم كأنها أذناب خيلٍ شُمُسٍ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه، من على يمينه وشماله)) (٣)، وعن أبي معمر أن أميرًا كان بمكة يُسلِّمُ تسليمتين، فقال عبد الله: أنَّى عَلِقَها؟ (٤) قال الحكم في حديثه: ((إن رسول الله ﷺ كان
стр. 74
يفعله)) (١)، وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: ((كنت أرى رسول الله ﷺ يُسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خده)) (٢)، وينصرف عن يمينه وعن شماله لا حرج في شيء من ذلك (٣).
٢٧ - إن كانت الصلاة ثلاثية: كصلاة المغرب، أو رباعية: كالظهر، والعصر، والعشاء، اكتفى بالتشهد الأول والأفضل أن يصلي على النبي ﷺ (٤) كما تقدّم آنفًا، ثم
стр. 75
ينهض على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمدًا على فخذيه مكبرًا رافعًا يديه حذو أذنيه أو منكبيه؛ لحديث وائل ﵁، وفيه: ((وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ وفيه: ((وإذا قام من الركعتين رفع يديه)) (٢)؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي ﵁ وفيه: ((ثم إذا قام من الركعتين كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة ثم يصنع ذلك في بقية صلاته)) (٣)، ويضع يديه على صدره؛ لحديث وائل بن حجر ﵁ وفيه: ((رأيت رسول الله ﷺ إذا كان قائمًا في الصلاة قبض يمينه على شماله)) (٤)، ويقرأ الفاتحة سرًّا