٢٩
سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني
قيام الليل
فضله، وآدابه، والأسباب المعينة عليه
في ضوء الكتاب والسنة
стр. 2
بسم الله الرحمن ... الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة ((في قيام الليل)) أوضحت فيها:
مفهوم التهجد، وفضل قيام الليل، وأفضل أوقاته، وعدد ركعاته، وآداب قيام الليل، والأسباب المعينة عليه، وبيّنت مفهوم صلاة التراويح، وحكمها، وفضلها، ووقتها، وعدد ركعاتها، ومشروعية الجماعة فيها، ثم أوضحت الوتر، وحكمه، وفضله، ووقته، وأنواعه، وعدده، والقراءة فيه، والقنوت في الوتر،
стр. 3
والدعاء بعد السلام من الوتر، وأن الوتر من صلاة الليل وهو آخره، وحكم قضاء سنة الوتر لمن نام عنها أونسيها، وكل مسألة قرنتها بدليلها.
وقد استفدت كثيراً من تقريرات وترجيحات سماحة شيخنا الإمام العلاّمة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، نوّر ضريحه، ورفع درجاته في الفردوس الأعلى.
والله أسأل أن يجعل هذا العمل مقبولاً، مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه سبحانه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف
حرر في ضحى يوم الجمعة
٩/ ١/١٤٢١هـ
стр. 4
المبحث الأول: التهجد وقيام الليل
أولاً: مفهوم التهجد ، يقال: هجد الرجل إذا نام بالليل، وهجد إذا صلى بالليل. وأما المتهجِّد فهو القائم إلى الصلاة من النوم (١).
ثانياً: صلاة التهجد سنة مؤكدة (٢)، ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، قال الله في صفة عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٣)، وقال في صفة المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِّنَ الليل مَا يَهْجَعُونَ*وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٤) وقال تعالى في أصحاب الإيمان الكامل: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ
стр. 5
لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَاء الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٢). وقال : ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ (٣) ووصف الله أهل الإيمان الكامل الذين يقومون بالليل بالعلم، ورفع مكانتهم على غيرهم، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٤)؛ ولعظم شأن صلاة الليل قال الله لنبيه ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَمِّل * قُمِ الليل إِلا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ (٥). وقال سبحانه للنبي ﷺ : ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ
стр. 6
رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (١)، وقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا * وَمِنَ الليل فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ (٢). وقال : ﴿وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُود﴾ (٣). وقال : ﴿وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم﴾ (٤)، وحث عليها النبي ﷺ بقوله: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) (٥).
ثالثاً: فضل قيام الليل عظيم؛ للأمور الآتية:
١ - عناية النبي ﷺ بقيام الليل حتى تفطرت قدماه ، فقد كان يجتهد في القيام اجتهاداً عظيماً، فعن عائشة ﵂ أن
стр. 7
النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنعُ هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدَّمَ من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أحبُّ أن أكون عبداً شكُوراً)) (١)، وعن المغيرة ﵁ قال: ((قام النبي ﷺ حتى تورَّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) (٢).
وقد أحسن القائل من أصحاب النبي ﷺ حين قال:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع (٣)
٢ - من أعظم أسباب دخول الجنة ، فعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: لما قَدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قِبَلَهُ، وقيل:
стр. 8
قدِم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ثلاثاً، فجئت في الناس، لأنظر، فلما تبيَّنتُ وجْهَهُ عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذَّاب، فكان أول شيء سمعتُه تكلَّم به أن قال: ((يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناسُ نيام، تدخلوا الجنة بسلام)) (١).
وقد أحسن القائل حين قال:
ألهتك لذةُ نومةٍ عن خير عيشٍ ... مع الخيرات في غرف الجنان
تعيش مُخلَّداً لا موت فيها ... وتنعم في الجنان مع الحسان
تيقظ من منامك إنَّ خيراً ... من النوم التهجدُ بالقران (٢)
٣ - قيام الليل من أسباب رفع الدرجات في غرف الجنة ؛
стр. 9
لحديث أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن في الجنة غُرفاً يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألانَ الكلام، وتابع الصيام (١)، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام)) (٢).
٤ - المحافظون على قيام الليل محسنون مستحقون لرحمة الله وجنته؛ لأنهم ﴿كَانُوا قَلِيلا مِّنَ الليل مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٣).
٥ - مدح الله أهل قيام الليل في جملة عباده الأبرار عباد الرحمن، فقال : ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٤).
стр. 10
٦ - شهد لهم بالإيمان الكامل فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ*تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ُنفِقُونَ﴾ (١).
٧ - نفى الله التسوية بينهم وبين غيرهم ممن لم يتصف بوصفهم، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (٢).
٨ - قيام الليل مكفِّر للسيئات ومنهاة للآثام، لحديث أبي أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قُربة إلى ربكم، ومكفِّر للسيئات، ومنهاة للآثام)) (٣).
стр. 11
٩ - قيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه، وفيه: ((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل)) (١).
١٠ - شرف المؤمن قيام الليل ؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ((يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحببْ من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به)) ثم قال: ((يا محمد شرف المؤمن قيام الليل، وعزُّه استغناؤه عن الناس)) (٢).
١١ - قيام الليل يُغْبَطُ عليه صاحبه ؛ لعظيم ثوابه، فهو خير من الدنيا وما فيها؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه
стр. 12
الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلَّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلِّمها)) (٢).
١٢ - قراءة القرآن في قيام الليل غنيمة عظيمة ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين (٣)) (٤).
стр. 13
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفاتٍ عظام سمانٍ؟)) قلنا: نعم، قال: ((ثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان)) (١).
وقد حدد النبي ﷺ أقصى مدة وأدنى زمن يُختم فيه القرآن لعبد الله بن عمرو ﵄ عندما سأله، فقال له: ((في أربعين يوماً))،ثم قال: ((في شهر))،ثم قال: ((في خمس عشرة)) ثم قال: ((في عشر))،ثم قال: ((في سبع)) (٢). قال: إني أقوى من ذلك، قال: ((لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث)) (٣).
رابعاً: أفضل أوقات قيام الليل الثلث الآخر ، وصلاة الليل تجوز في أوله، وأوسطه، وآخره؛ لحديث أنس ﵁ قال:
стр. 14
((كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته)) (١). وهذا يدل على التيسير، فعلى حسب ما تيسر للمسلم يقوم، ولكن الأفضل أن يكون القيام في الثلث الآخر من الليل؛ لحديث عمرو بن عبسة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((أقرب ما يكون الربُّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن)) (٢). ومما يزيد ذلك وضوحاً حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر
стр. 15
فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ [فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر])) (١).
وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن في الليل لساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة)) (٢).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال له: ((أحبُّ الصلاة إلى الله صلاةُ داود ﵇، وأحبُّ الصيام إلى الله صيامُ داود، وكان ينام نصفَ الليل، ويقوم ثلثَه، وينام سُدسَه، ويصوم يوماً ويُفطر يوماً، ولا يفرُّ إذا لاقى)) (٣).
وعن عائشة ﵂ قالت حينما سُئلت: أي العمل كان
стр. 16
أحبَّ إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: الدائم، قلت: متى كان يقوم؟ قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ (١). وفي حديثها الآخر ﵂: ((إن كان رسول الله ﷺ ليوقظه الله من الليل فما يجيء السَّحر حتى يفرغ من حزبه)) (٢).
خامساً: عدد ركعات قيام الليل، ليس له عددٌ مخصوص ؛ لقول النبي ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)) (٣).
ولكن الأفضل أن يقتصر على إحدى عشرة ركعة؛ أو ثلاث عشرة ركعة، لفعل النبي ﷺ ، فعن عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلِّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة)) (٤)؛ ولحديثها الآخر: ((ما كان
стр. 17
رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)) (١).
سادساً: آداب قيام الليل:
١ - ينوي عند نومه قيام الليل وينوي بنومه التَّقوِّي على الطاعة ليحصل على الثواب على نومه؛ لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من امرئ تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومُه صدقةً عليه)) (٢)؛ولحديث أبي الدرداء ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال: ((من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبتْهُ عيناه حتى أصبح، كُتبَ له ما نوى، وكان نومُهُ صدقةً عليه من ربه )) (٣).
стр. 18
٢ - يمسح النوم عن وجهه عند الاستيقاظ، ويذكر الله ، ويشوص فاه بالسواك ويقول: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ربِّ اغفر لي))؛لحديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب [له] (١)) (٢).
وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: (( ... استيقظ رسول الله ﷺ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر
стр. 19
الآيات الخواتيم من سورة آل عمران ... )) (١)، وعن حذيفة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)) (٢)، ويقول أذكار الاستيقاظ من النوم الأخرى (٣)، ويتوضأ كما أمره الله تعالى.
٣ - يفتتح تهجّدَه بركعتين خفيفتين ؛ لفعل النبي ﷺ وقوله، لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين)) (٤)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين)) (٥).
٤ - يُستحبُّ أن يكون تهجدُه في بيته ؛ لأن النبي ﷺ كان
стр. 20
يتهجَّد في بيته؛ ولحديث زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (( ... فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) (١).
٥ - المداومة على قيام الليل وعدم قطعه ، يُستحب أن يكون للمسلم ركعات معلومة يداوم عليها، فإذا نشط طوَّلها وإذا لم ينشط خفَّفها، وإذا فاتته قضاها؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملُّ حتى تملّوا)) وكان يقول: ((أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قلّ)) (٢)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي النبي ﷺ : ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل)) (٣)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: (( ... وكان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أحبّ أن يداوم عليها،
стр. 21
وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة)) (١)، ولحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتِبَ له كأنما قرأه من الليل)) (٢).
٦ - إذا غلبه النعاس ينبغي له أن يترك الصلاة وينام حتى يذهب عنه النوم ؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((إذا نعس أحدُكم في الصلاة فليرقدْ حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدَكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسبّ نفسه)) (٣)؛ولحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول فليضطجع)) (٤).
стр. 22
٧ - يُستحب له أن يوقظ أهله ؛ لأن النبي ﷺ كان يصلي من الليل فإذا أوتر قال لعائشة ﵂: ((قومي فأوتري يا عائشة)) (١)؛ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى، ثم أيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، ثم أيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)) (٢).وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كُتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)) (٣).
стр. 23
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ طرقه وفاطمة بنت النبي ﷺ ليلةً فقال: ((ألا تصليان؟)) فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك، ولم يرجع إليَّ شيئاً، ثم سمعته وهو مدبرٌ يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (١).
قال ابن بطال ﵀: ((فيه فضيلة صلاة الليل، وإيقاظ النائمين من الأهل والقرابة لذلك)) (٢)، وقال الطبري ﵀: ((لولا ما علم النبي ﷺ من عِظَمِ فضل الصلاة في الليل ما كان يُزعج ابنَتَه وابنَ عمه، في وقت جعله الله لخلقه سكناً، لكنه اختار لهما إحراز تلك
стр. 24
الفضيلة على الدَّعة والسكون، امتثالاً لقول الله تعالى (١): ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٢). وقول علي ﵁: ((إنما أنفسنا بيد الله)) اقتبس علي ﵁ ذلك من قوله تعالى: ﴿الله يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)، وقوله ((بعثنا)) المقصود: أيقظنا (٤)، وقوله: ((طرقه))، ذكر النووي ﵀ أن الطرق هو الإتيان في الليل، وأن ضرب النبي ﷺ لفخذه المختار في معناه: أنه من سرعة جوابه وعدم موافقته به على الاعتذار، ولهذا ضرب فخذه، والحديث فيه: الحث على صلاة الليل، وأمر الإنسان صاحبه بها، وتعهد الإمام
стр. 25
والكبير رعيته، بالنظر في مصالح دينهم ودنياهم، وأنه ينبغي للناصح إذا لم تقبل نصيحته أو اعتذر إليه بما لا يرتضيه أن ينكف ولا يُعنِّف إلا لمصلحة (١).
وعن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فزعاً، فقال: ((سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أُنزِل من الفتن؟ أيقظوا صواحب يوسف - يريد أزواجه - لكي يصلين، رُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)). وفي لفظ: ((ماذا أنزل الليلة؟)) (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: (( ... فيه التحريض على صلاة الليل وعدم الإيجاب، يُؤخذ من ترك إلزامهن بذلك)) (٣). وفي الحديث استحباب ذكر الله عند الاستيقاظ،
стр. 26
وإيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة، لا سيما عند آية تَحدُثُ (١)، قال ابن الأثير ﵀: ((رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)) هذا كناية عما يقدمه الإنسان لنفسه من الأعمال الصالحة، يقول: ((رُبَّ غني في الدنيا لا يفعل خيراً، وهو فقير في الآخرة، ورُبَّ مكتسٍ في الدنيا ذي ثروة ونعمة عارٍ في الآخرة شقيٌّ)) (٢).
وعن عبد الله بن عمر ﵁، أن أباه عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة، ثم يتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (٣).
стр. 27
٨ - يقرأ المتهجد جزءاً من القرآن أو أكثر ، أو أقل على حسب ما تيسر مع التدبر لما يقرأ، وهو مُخيَّر بين الجهر بالقراءة والإسرار بها، إلا أنه إن كان الجهر أنشط له في القراءة، أو كان بحضرته من يستمع قراءته، أو ينتفع بها فالجهر أفضل، وإن كان قريباً منه من يتهجد، أو من يتضرر برفع صوته، فالإسرار أولى، وإن لم يكن لا هذا ولا هذا، فليفعل ما شاء (١).
وقد دلت الأحاديث على هذا كله، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((صليت مع رسول الله ﷺ ليلة فأطال حتى هممت بأمر سوءٍ، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه)) (٢). وعن حذيفة ﵁ قال: ((صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة،
стр. 28
ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوُّذٍ تعوَّذ ... )) (١)، وعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوَّذ، ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: ((سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة)) ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة)) (٢). وعن حذيفة ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل فصلى أربع ركعات، فقرأ فيهن: البقرة، وآل
стр. 29
عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام)) (١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رجلاً قرأ المفصَّل في ركعة فقال له: ((هذَّاً كهذِّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين من آل حم في كل ركعة)) (٢).وفي لفظ: ((كان النبي ﷺ يقرأهن اثنتين اثنتين في كل ركعة)) وقال: ((عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن من الحواميم: ﴿حم﴾،الدخان، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣). وفي لفظ لمسلم: ((عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تآليف عبد الله)) (٤). وفي لفظ لمسلم: (( ... هذّاً كهذِّ الشعر، إن
стр. 30
أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، وإن أفضل الصلاة الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن ... )) (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: ((قام رسول الله ﷺ بآية من القرآن ليلة)) (٢). وعن أبي ذر ﵁ قال: ((قام النبي ﷺ بآية حتى أصبح يرددها، والآية: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣).
وهذا يدل على التنويع في القراءة في صلاة الليل على حسب ما يفتح الله به على عبده، وعلى حسب الأحوال وقوة الإيمان.
стр. 31
وأما الجهر بالقراءة والإسرار بها في قيام الليل ، فعن عائشة ﵂ أنها سُئلت عن قراءة النبي ﷺ بالليل يجهر أم يسرّ؟ فقالت: ((كل ذلك قد كان يفعل، ربما جهر وربما أسرَّ)) (١). وعن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: ((يا أبا بكر، مررت بك وإنك تصلي تخفضُ صوتك)) قال: قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله، قال: ((ارفع قليلاً)) وقال لعمر: ((مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك)) فقال: يا رسول الله! أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، قال: ((اخفض قليلاً)) (٢).
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سمع رجلاً يقرأ من
стр. 32
الليل، فقال: ((يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا، آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا)) وفي لفظ: ((كان النبي ﷺ يستمع قراءة رجل في المسجد فقال: (﵀ لقد أذكرني آية كنت أُنسيتها)) (١).
والقرآن إذا صلَّى به الحافظ له بالليل والنهار ذكره، لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت)) (٢). وفي رواية لمسلم: ((وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه)) (٣).
٩ - جواز التطوع جماعة أحياناً في قيام الليل ؛ لأن النبي ﷺ
стр. 33
صلى جماعة، وصلى منفرداً، لكن كان أكثر تطوعه منفرداً، فصلى بحذيفة مرة (١)،وابن عباس مرة (٢)،وبأنس وأمه واليتيم مرة (٣)،وبابن مسعود مرة (٤)،وبعوف بن مالك مرة (٥)، وصلى بأنس وأمه، وأم حرام خالة أنس مرة (٦)، وصلى بعتبان بن مالك وأبي بكر مرة (٧)، وأَمَّ أصحابه في بيت عثمان مرة (٨)، ولكن لا يتخذ ذلك سنة راتبة، وإنما إذا فعل ذلك أحياناً فلا بأس، إلا صلاة التراويح فإن الجماعة فيها سنة دائمة (٩).
١٠ - يختم تهجده بوتر ؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄
стр. 34
عن النبي ﷺ قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)). وفي لفظ لمسلم: ((من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وتراً [قبل الصبح]،فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بذلك)) (١).
١١ - يحتسب النومة والقومة ؛ ليحصل على الأجر في جميع أحواله: في النوم واليقظة، وقد تذاكر معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري ﵄ الأعمال الصالحة، فقال معاذ: يا عبد الله (٢) كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوّقُهُ تفوُّقاً (٣)، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي))، وفي رواية: ((فقال معاذ لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائماً
стр. 35
وقاعداً، وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقاً، قال: أما أنا فأقوم وأنام، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي)) (١).
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -: ((ومعناه أنه يطلب الثواب في الراحة كما يطلبه في التعب؛ لأن الراحة إذا قُصد بها الإعانة على العبادة حصَّلت الثواب)) (٢).
وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا فيه حسن سيرة الصحابة وغيرتهم، والمذاكرة فيما بينهم، وفيه الاحتساب حتى النومة والقومة، فالمسلم ينظّم وقته، وينظّم أموره: ساعة للقرآن، وساعة لأموره الأخرى، وساعة لأهله ... )) (٣).
стр. 36
١٢ - طول القيام مع كثرة الركوع والسجود هو الأفضل في صلاة الليل ما لم يشق ذلك أو يسبب الملل؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((أفضل الصلاة طول القنوت (١) ... )) (٢)؛ ولحديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، أن رجلاً سأله عن عملٍ يدخل به الجنة، أو بأحب الأعمال
стр. 37
إلى الله، فقال: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: ((عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة)) (١)؛ ولحديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: ((سل)) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: ((أوَغيرَ ذلك؟)) قلت: هو ذاك. قال: ((فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثر الدعاء)) (٣)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمِنٌ أن يُستجاب لكم)) (٤).
стр. 38
واختلف العلماء ﵏؛ لهذه الأحاديث في أيهما أفضل: طول القيام مع قلة السجود، أو كثر السجود مع قصر القيام؟
فمنهم من قال: كثرة السجود والركوع أفضل من طول القيام، واختارها طائفة من أصحاب الإمام أحمد؛ لأحاديث فضل السجود آنفة الذكر.
ومنهم من قال: إنهما سواء.
ومنهم من قال: طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود؛ لحديث جابر المذكور آنفاً (١): ((أفضل الصلاة طول القنوت)) (٢)،قال الإمام النووي-﵀: ((المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت)) (٣).
وقال الإمام الطبري-﵀ في قول الله تعالى:
стр. 39
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (١) هو في هذا الموضع قراءة القارئ قائماً في الصلاة ... وقال آخرون: هو الطاعة، والقانت المطيع)) (٢).
وقال ابن كثير ﵀: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ أي في حال سجوده وفي حال قيامه، ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة ليس هو القيام وحده كما ذهب إليه آخرون، وقال ابن مسعود ﵁ القانت المطيع لله ولرسوله ﷺ )) (٣).
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن تطويل الصلاة قياماً وركوعاً وسجوداً أولى من تكثيرها قياماً وركوعاً وسجوداً (٤).
стр. 40
وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ يقول: ((قد تنازع أهل العلم في أيهما أفضل: طول القيام مع قلة السجود، أو كثرة السجود مع قصر القيام، منهم من فضل هذا ومنهم من فضل هذا، وكانت صلاة الرسول ﷺ معتدلة إن أطال القيام أطال السجود والركوع، وإن قصر القيام قصر الركوع والسجود، وهذا أفضل ما يكون)). وذكر ﵀ أن الأفضل أن يصلي المسلم ما يستطيع، حتى لا يمل، فإذا ارتاحت نفسه للتطويل أطال، وإن ارتاحت نفسه للتقصير قصر إذا رأى أن التقصير أخشع له وأقرب إلى قلبه وراحة ضميره وتلذذه بهذه العبادة، وكلما كثرت السجدات كان أفضل، فإن استطاع المسلم ذلك فالأفضل طول القيام مع كثرة الركوع والسجود يجمع بين الأمرين، وهي