стр. 36
← Фикховые вопросы следующие страницы →
Фикховые вопросы · id 96515
قيام الليل لسعيد بن وهف القحطاني
سعيد بن وهف القحطاني
Полный текст (101 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 37
إلى الله، فقال: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: ((عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة)) (١)؛ ولحديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: ((سل)) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: ((أوَغيرَ ذلك؟)) قلت: هو ذاك. قال: ((فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثر الدعاء)) (٣)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمِنٌ أن يُستجاب لكم)) (٤).
стр. 38
واختلف العلماء ﵏؛ لهذه الأحاديث في أيهما أفضل: طول القيام مع قلة السجود، أو كثر السجود مع قصر القيام؟
فمنهم من قال: كثرة السجود والركوع أفضل من طول القيام، واختارها طائفة من أصحاب الإمام أحمد؛ لأحاديث فضل السجود آنفة الذكر.
ومنهم من قال: إنهما سواء.
ومنهم من قال: طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود؛ لحديث جابر المذكور آنفاً (١): ((أفضل الصلاة طول القنوت)) (٢)،قال الإمام النووي-﵀: ((المراد بالقنوت هنا القيام باتفاق العلماء فيما علمت)) (٣).
وقال الإمام الطبري-﵀ في قول الله تعالى:
стр. 39
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (١) هو في هذا الموضع قراءة القارئ قائماً في الصلاة ... وقال آخرون: هو الطاعة، والقانت المطيع)) (٢).
وقال ابن كثير ﵀: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ أي في حال سجوده وفي حال قيامه، ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة ليس هو القيام وحده كما ذهب إليه آخرون، وقال ابن مسعود ﵁ القانت المطيع لله ولرسوله ﷺ )) (٣).
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن تطويل الصلاة قياماً وركوعاً وسجوداً أولى من تكثيرها قياماً وركوعاً وسجوداً (٤).
стр. 40
وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ يقول: ((قد تنازع أهل العلم في أيهما أفضل: طول القيام مع قلة السجود، أو كثرة السجود مع قصر القيام، منهم من فضل هذا ومنهم من فضل هذا، وكانت صلاة الرسول ﷺ معتدلة إن أطال القيام أطال السجود والركوع، وإن قصر القيام قصر الركوع والسجود، وهذا أفضل ما يكون)). وذكر ﵀ أن الأفضل أن يصلي المسلم ما يستطيع، حتى لا يمل، فإذا ارتاحت نفسه للتطويل أطال، وإن ارتاحت نفسه للتقصير قصر إذا رأى أن التقصير أخشع له وأقرب إلى قلبه وراحة ضميره وتلذذه بهذه العبادة، وكلما كثرت السجدات كان أفضل، فإن استطاع المسلم ذلك فالأفضل طول القيام مع كثرة الركوع والسجود يجمع بين الأمرين، وهي
стр. 41
صلاة معتدلة إن أطال القيام أطال الركوع والسجود وإن قصر قصر (١).
وقد كان النبي ﷺ يتحمل كثيراً في العبادة، ويتلذذ بها، وربما يقوم في صلاة الليل حتى تتفطَّرَ قدماه، فتقول له عائشة ﵂: يا رسول الله، لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) (٢).وقد ثبت عنه ﷺ أنه قرأ في ركعة واحدة من قيام الليل: سورة البقرة، والنساء، وآل عمران (٣)،ورآه حذيفة ﵁ يصلي أربع ركعات من الليل قرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام (٤).
وقالت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ : ((كان يصلي إحدى
стр. 42
عشرة ركعة، كانت تلك صلاته - تعني بالليل - فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأُ أَحَدُكُم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه)) (١).
وقد كان ﷺ يرتاح لذلك ولا يملُّ من عبادة ربه ؛ بل كانت الصلاة قُرَّةَ عينه، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((حُبِّبَ إليّ النساء والطيب، وجُعِلت قُرَّةُ عيني في الصلاة)) (٢). وكانت الصلاة راحته، فعن سالم بن أبي الجعد قال: قال رجل: ليتني صليت واسترحت، فكأنهم عابوا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها)) (٣).
أما الأمة فقال لهم ﷺ : ((خذوا من الأعمال ما تطيقون،
стр. 43
فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الدين يُسْرٌ ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غَلَبَهُ، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدُّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا)) (٢).
وسمعت سماحة الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يدل على أن الأفضل في حقنا القصد وعدم التطويل الذي يشق علينا حتى لا نمل، وحتى لا نفتر من العبادة، فالمؤمن يصلي ويجتهد ويتعبد لكن من غير مشقة، بل يتوسط في الأمور حتى لا يمل العبادة)) (٣).
سابعاً: الأسباب المعينة على قيام الليل:
١ - معرفة فضل قيام الليل، ومنزلة أهله عند الله تعالى ، وما لهم من السعادة في الدنيا والآخرة، وأن لهم الجنة، وقد شهد الله لهم بالإيمان الكامل، وأنهم لا يستوون هم
стр. 44
والذين لا يعلمون، وأن قيام الليل من أسباب دخول الجنة، ورفع الدرجات في غرفها العالية، وأنه من صفات عباد الله الصالحين، وأن شرف المؤمن قيام الليل، وأنه مما ينبغي أن يغبط عليه الإنسان المؤمن (١).
٢ - معرفة كيد الشيطان، وتثبيطه عن قيام الليل والترهيب من ترك قيام شيء من الليل؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ذُكرَ عند النبي ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح قال: ((ذاك رجل بال الشيطان في أذنه))، أو قال: ((في أذنيه)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عُقدٍ، يضرب على مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقُدْ، فإن استيقظ فذكر الله انحلَّت عقدة، فإن توضأ انحلَّت
стр. 45
عقدة، فإن صلى انحلَّت عُقَدُهُ، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل)) (٢)، ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه رأى رؤيا فقصها على أخته حفصة أم المؤمنين ﵂ فقصَّتها على رسول الله ﷺ فقال: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)) فكان بعدُ لا ينام من الليل إلا قليلاً)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يُبغض كل جعظريٍّ جوَّاظ (٤)، سخَّاب (٥) بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالمٍ جاهل بأمر الآخرة)) (٦).
٣ - قصر الأمل وتذكر الموت ؛ فإنه يدفع على العمل ويذهب الكسل؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)).وكان ابن عمر يقول: ((إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)) (٧).
стр. 46
قال الإمام البخاري - رحمه الله تعالى -:
اغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ ... فعسى أن يكون موتك بغتة
كم صحيح رأيت من غيرسقمٍ ... ذهبت نفسه الصحيحة فلتة (١)
ولَمّا نُعي إليه عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الحافظ أنشد:
إن عشت تفجع بالأحبة كلهم ... وبقاء نفسك لا أبا لك أفجع (٢)
وقال آخر:
صلاتك نورٌ والعباد رقودٌ ... ونومك ضد للصلاة عنيد
وعمرك غُنمٌ إن عقلت ومهلةٌ ... يسيرُ ويفنى دائباً ويبيد (٣)
وقال بعض الصالحين:
عجبتُ من جسمٍ ومن صحةٍ ... ومن فتىً نام إلى الفجر
فالموتُ لا تؤمن خطفاتُهُ ... في ظلم الليل إذا يسرِي
من بين منقول إلى حفرةٍ ... يفترش الأعمال في القبر
وبين مأخوذٍ على غِرَّةٍ ... بات طويل الكبر والفخر
стр. 47
عاجله الموتُ على غفلةٍ ... فمات محسوراً إلى خسر (١)
٤ - اغتنام الصحة والفراغ؛ ليكتب له ما كان يعمل ؛ لحديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثلُ ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)) (٢).
فينبغي للعاقل أن لا يفوته هذا الفضل العظيم، فيجتهد في حال الصحة، والفراغ، والإقامة في الأعمال الصالحة حتى تكتب له إذا عجز أو شُغل؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ)) (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لرجلٍ وهو يعظه: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل
стр. 48
شغلك، وحياتك قبل موتك)) (١).
٥ - الحرص على النوم مبكراً؛ ليأخذ قوة ونشاطاً يستعين بذلك على قيام الليل وصلاة الفجر؛ لحديث أبي برزة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها (٢).
٦ - الحرص على آداب النوم، وذلك بأن ينام على طهارة ، وإن لم يكن على طهارة توضأ، وصلى ركعتين سنة الوضوء، ثم يدعو بما ثبت من أذكار النوم، ويجمع كفيه ثم ينفث فيهما ويقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه
стр. 49
ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات، ويقرأ آية الكرسي، والآيتين من آخر سورة البقرة، ويكمل أذكار النوم (١)، وهذا يكون من أسباب الإعانة على قيام الليل، وعليه أن يأخذ بالأسباب بأن يضع ساعة عند رأسه تنبهه، أو يوصي من حوله من أهله، وأقاربه، أو جيرانه، أو زملائه أن يوقظوه.
٧ - العناية بجملة الأسباب التي تعين على قيام الليل ، فلا يكثر الأكل، ولا يتعب نفسه بالنهار بالأعمال التي لا فائدة فيها؛ بل ينظم أعماله النافعة، ولا يترك القيلولة بالنهار؛ فإنها تعين على قيام الليل، ويجتنب الذنوب والمعاصي، وقد ذُكِرَ عن الثوري ﵀ أنه قال: ((حُرِمْتُ قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته))، فالذنوب قد يُحْرَمُ بها العبد فيفوته كثير من الغنائم: كقيام الليل، ومن أعظم البواعث على قيام الليل: سلامة القلب
стр. 50
للمسلمين، وطهارته من البدع، وإعراضه عن فضول الدنيا، ومن أعظم البواعث على قيام الليل: حب الله تعالى، وقوة الإيمان بأنه إذا قام ناجى ربه وأنه حاضره ومشاهده، فتحمله المناجاة على طول القيام (١)، ففي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة)) (٢).
ثامناً: صلاة النهار والليل المطلقة:
يصلي المسلم ما شاء من ليل أو نهار من الصلوات المطلقة في غير أوقات النهي، وتكون صلاته مثنى مثنى؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((صلاة الليل والنهار، مثنى مثنى ... )) (٣)، فيصلي المؤمن ما شاء،
стр. 51
وقد ثبت من حديث أنس بن مالك في هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا َزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (١). قال: ((كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون)). وكان الحسن يقول: ((قيام الليل)) (٢). وعن أنس ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلا مِّنَ الليل مَا يَهْجَعُونَ﴾ (٣) قال: ((كانوا يصلون في ما بين المغرب والعشاء وكذلك ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ (٤). وعن
стр. 52
حذيفة ﵁ ((أن النبي ﷺ صلى المغرب فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء الآخرة)) (١)، وفي رواية عن حذيفة ﵁ قال: سألتني أمي: متى عهدك بالنبي ﷺ ؟ فقلت: ما لي به عهد منذ كذا وكذا، فنالت مني، فقلت لها: دعيني آتي النبي ﷺ فأصلي معه وأسأله أن يستغفر لي ولك، فأتيت النبي ﷺ فصليت معه المغرب، فصلى حتى صلى العشاء، ثم انفتل فتبعتُه، فسمع صوتي فقال: ((من هذا حذيفة؟)) قلت: نعم، قال: ((ما حاجتك غفر الله لك ولأمك؟)) قال: ((إن هذا ملك لم ينزل الأرض قطُّ قبل هذه الليلة استأذن ربَّه أن يسلم عليَّ ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة)) (٢). وفي لفظ له: ((أتيت النبي ﷺ فصليت معه
стр. 53
стр. 54
وقد ثبتت الأحاديث بذلك، ففي حديث عائشة ﵂ في صلاة النبي ﷺ بالليل، قالت: (( ... كان يصلي من الليل تسع ركعات، فيهن الوتر، وكان يصلي ليلاً طويلاً قائماً، وليلاً طويلاً قاعداً، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعداً ركع وسجد وهو قاعد ... )) (١).
وعنها ﵂ قالت: ((ما رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالساً حتى إذا كَبِر قرأ جالساً حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن ثم ركع)) (٢).
وعن حفصة ﵂ قالت: ((ما رأيت رسول الله ﷺ صلى في سبحته قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام، فكان
стр. 55
يصلي في سبحته قاعداً، وكان يقرأ بالسورة فيرتِّلها حتى تكون أطول من أطول منها)) (١).
وصلاة المسلم قائماً أفضل عند القدرة؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ يرفعه: ((صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة)) (٢)؛ولحديث عمران بن حصين ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعداً فقال: ((إن صلَّى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم ... )) (٣).
стр. 56
ويستحب لمن صلَّى قاعداً أن يكون مُتربِّعاً في حال مكان القيام؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((رأيت النبي ﷺ يصلي متربِّعاً)) (١). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((كانت صلاته [ ﷺ ] بالليل ثلاثة أنواع:
أحدها: وهو أكثرها: صلاته قائماً.
الثاني: أنه كان يصلي قاعداً ويركع قاعداً.
الثالث: أنه كان يقرأ قاعداً، فإذا بقي يسير من قراءته قام فركع قائماً. والأنواع الثلاثة صحَّت عنه [ ﷺ ] (٢).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ يقول: ((كانت صلاة النبي ﵊ بالليل على أنواع أربعة كما هو مجموع روايات عائشة ﵂:
стр. 57
١ - يصلي قائماً ويركع قائماً.
٢ - يصلي وهو قاعد ثم إذا لم يبقَ من القراءة إلا نحو من ثلاثين آية أو أربعين قام فقرأ بها ثم ركع.
٣ - يصلي وهو قاعد ثم إذا ختم قراءته قام فركع.
٤ - يصلي وهو جالس، ويركع وهو جالس)) (١).
стр. 58
المبحث الثاني: صلاة التراويح
١ - مفهوم صلاة التروايح: سميت بذلك ؛ لأنهم كانوا يستريحون بعد كل أربع ركعات)) (١).
والتراويح: هي قيام رمضان أول الليل (٢)، ويقال: الترويحة في شهر رمضان؛ لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، بناءً على حديث عائشة ﵂ أنها سُئلت: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ قالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعاً فلا تسأل عن حُسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهنّ، ثم يصلي ثلاثاً ... )) (٣). ودل قولها ﵂: ((يصلي أربعاً ...
стр. 59
ثم يصلي أربعاً ... )) على أن هناك فصلاً بين الأربع الأولى والأربع الثانية، والثلاث الأخيرة، ويسلم في الأربع من كل ركعتين (١)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة)). وفي لفظ: ((يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة)) (٢). وهذا يفسر الحديث الأول، وأنه ﷺ يسلم من كل ركعتين، وقد قال ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى)) (٣).
٢ - صلاة التراويح سنة مؤكدة، سنَّها رسول الله ﷺ بقوله، وفعله ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يرغِّبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه)) (٤)، قال الإمام النووي ﵀: ((اتفق العلماء
стр. 60
على استحبابها)) (١)، ولا شك أن صلاة التراويح سنة مؤكدة أول من سنها بقوله وفعله رسول الله ﷺ (٢).
٣ - فضل صلاة التراويح ثبت من قول النبي ﷺ - من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)) (٣). فإذا قام المسلم رمضان تصديقاً بأنه حق شرعه الله وتصديقاً بما قاله رسول الله ﷺ وما جاء به، واحتساباً للثواب يرجو الله مخلصاً له القيام ابتغاء مرضاته وغفرانه حصل له هذا الثواب العظيم (٤).
٤ - مشروعية الجماعة في صلاة التراويح وقيام رمضان وملازمة الإمام حتى ينصرف؛ لحديث أبي ذر ﵁ قال: صمنا
стр. 61
مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة، وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفَّلتنا بقية ليلتنا هذه؟ فقال: ((إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب الله له قيام ليلة))، وفي لفظ: ((كُتبَ له قيام ليلة))،فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله، ونساءه، والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال، قلت: ما الفلاح؟ قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر)) (١)؛ ولحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدَّثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج إليهم رسول
стр. 62
الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فطفق (١) رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهَّد، فقال: ((أما بعد، فإنه لم يخف عليَّ شأنكم، ولكني خشيت أن تُفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها))، وذلك في رمضان)) (٢).
وعن عبد الرحمن بن عبدٍ القاريّ أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي
стр. 63
الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: ((إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل))، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثم خرج معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: ((نعم البدعةُ هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله)) (١).
وهذه الأحاديث تدلّ على مشروعية صلاة التراويح وقيام رمضان جماعة بالمسجد، وأن من لازم الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة كاملة.
وأما قول عمر ﵁: ((نعم البدعة هذه)) فهذا يعني به في اللغة، فمراده ﵁ أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصول من الشريعة يرجع إليها، منها:
أ- أن النبي ﷺ كان يحثّ على قيام رمضان، ورغَّب فيه ،
стр. 64
وقد صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة ثم امتنع من ذلك معللاً بأنه خشي أن يكتب عليهم فيعجزوا عن القيام، وهذا قد أُمِنَ من بعده ﷺ .
ب- أمر النبي ﷺ باتباع خلفائه الراشدين ، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين ﵁ (١).
وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن قول عمر ﵁ ((نعم البدعة هذه)): ((البدعة هنا يعني من حيث اللغة، والمعنى أنهم أحدثوها على غير مثال سابق بالمداومة عليها في رمضان كله، وهذا وجهُ قول عمر ﵁ وإلا فهي سنة فعلها ﷺ ليالي)) (٢).
٥ - الاجتهاد في قيام عشر شهر رمضان الأواخر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر
стр. 65
إيماناً واحتساباً غُفرَ له ما تقدم من ذنبه)) (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ إذا دخل العشر أحيى الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ، وشدَّ المئزر (٢)) (٣).
وعنها ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره)) (٤).
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: ((قمنا مع رسول الله ﷺ ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح. وكانوا
стр. 66
يسمونه السحور)) (١). وفي حديث أبي ذر ﵁: ((أن النبي ﷺ لما كانت ليلة سبع وعشرين جمع أهله ونساءه والناس فقام بهم)) (٢).
٦ - وقت صلاة التراويح بعد صلاة العشاء مع سنتها الراتبة ، ثم تصلى صلاة التراويح بعد ذلك (٣).
٧ - عدد صلاة التراويح ليس له تحديد لا يجوز غيره ، وإنما قال النبي ﷺ : ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خَشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة تُوتِرُ له ما قد صلّى)) (٤). فلو صلى عشرين ركعة وأوتر بثلاث، أو صلى ستاً وثلاثين وأوتر بثلاث، أو صلى إحدى وأربعين فلا حرج (٥)،
стр. 67
ولكن الأفضل ما فعله رسول الله ﷺ وهو ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة، لحديث ابن عباسرضي الله عنهما قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة)) (١)؛ ولحديث عائشة ﵂ قالت: ((ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)) (٢)، فهذا هو الأفضل والأكمل في الثواب (٣)، ولو صلى بأكثر من ذلك فلا حرج لقوله ﷺ : ((صلاة الليل مثنى منثى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)) (٤). والأمر واسع في ذلك، لكن الأفضل إحدى عشرة ركعة، والله الموفق سبحانه (٥).
стр. 68
المبحث الثالث: صلاة الوتر
١ - الوتر سنة مؤكدة (١)؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوتر حقٌ على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)) (٢)؛ولحديث علي ﵁ قال: ((الوتر ليس بحَتْم كصلاتكم المكتوبة، ولكن سنةٌ سنها رسول الله ﷺ )) (٣). ومما يدل على أن الوتر ليس بحتم بل سنة مؤكدة ما ثبت من حديث طلحة بن عبيد الله، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه
стр. 69
ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله عليّ من الصلاة؟ فقال: ((الصلوات الخمس إلا أن تطوَّع شيئاً)) فقال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الصيام؟ فقال: ((شهر رمضان إلا أن تطوع شيئاً)). فقال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الزكاة [وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن تطوع))] فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : ((أفلح إن صدق، أو أُدخل الجنة إن صدق)) (١)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن وفيه: (( ... فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمسَ صلوات في اليوم
стр. 70
والليلة ... )) (١). وهذان الحديثان يدلان على أن الوتر ليس بواجب، وهو مذهب جمهور العلماء (٢)، بل هو سنة مؤكدة جداً، ولهذا لم يترك رسول الله ﷺ سنة الفجر والوتر في الحضر ولا في السفر (٣).
٢ - فضل الوتر، له فضل عظيم ؛ لحديث خارجة بن حذافة العدوي، قال: خرج علينا النبي ﷺ فقال: ((إن الله تعالى قد أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حُمرِ النَّعم، وهي الوِتر،
стр. 71
وجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر)) (١).
ومما يدل على فضلها وتأكد سنيتها حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: أوتر رسول الله ﷺ ثم قال: ((يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر)) (٢).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز يقول في تقريره على هذا الحديث: ((هذا يدل على أنه ينبغي أن يكون أهل العلم لهم عناية أكثر من غيرهم وإن كان مشروعاً للجميع حتى يقتدي بهم من عرف
стр. 72
أحوالهم وأعمالهم، والوتر أقله ركعة بين العشاء والفجر، وهو سبحانه وتر يحب الوتر، ويحب ما يوافق صفاته، فهو صبور يحب الصابرين، بخلاف العزة والعظمة، فالعباد يأخذون من صفاته ما يناسب العبد من كرم وجود وإحسان)) (١).
٣ - وقت صلاة الوتر: جميع أوقات الليل بعد صلاة العشاء على النحو الآتي:
أ- وقت الوتر الشامل: ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بصرة الغفاري عن النبي ﷺ قال: ((إن الله زادكم صلاة وهي الوتر، فصلُّوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر)) (٢). فظهر من هذا الحديث أن وقت الوتر ما بين
стр. 73
صلاة العشاء والفجر، وسواء صلى المسلم العشاء في وقتها أو صلاها مجموعة إلى المغرب جمع تقديم؛ فإن وقت الوتر يدخل من حين أن يصلي العشاء (١).
وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة بتوكيد ذلك من فعل النبي ﷺ وقوله، فعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: ((كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء - وهي التي يدعو الناس العتمة - إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلِّم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة)) (٢).
стр. 74
وقد حدد النبي ﷺ آخر وقت الوتر، فعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((أوتروا قبل أن تُصبحوا)). وفي رواية: ((أوتروا قبل الصبح)) (١).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((بادروا الصبح بالوتر)) (٢). وهذا يدل على مسابقة طلوع الفجر بالوتر بأن يوقع الوتر قبل دخوله؛ ولهذا ثبت عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر ﵄ أنه قال: ((صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلَّى)) (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أدرك الصبح فلم يوتر فلا وتر
стр. 75
له)) (١). ويؤكد ذلك حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((إذا طلع الفجر فقد ذهب كلُّ صلاة الليل والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر)) (٢). قال الإمام الترمذي ﵀: ((وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق لايرون الوتر بعد صلاة الصبح)) (٣).
ويزيد ذلك وضوحاً فعل النبي ﷺ ، فإن آخر وتره السحر؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، من أول الليل، وأوسطه، وآخره،