سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني
كيفية دعوة أهل الكتاب إلى اللَّه تعالى
في ضوء الكتاب والسنة
تأليف الفقير إلى اللَّه تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في ((كيفية دعوة أهل الكتاب إلى اللَّه تعالى)) بيّنت فيها الطرق المُثلَى في كيفية دعوتهم بالأساليب والوسائل المناسبة على حسب ما تقتضيه الحكمة في دعوته إلى اللَّه تعالى.
واللَّه تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل اليسير مباركاً، نافعاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه تعالى خير مسؤول، وأكرم مأمول وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد بن عبد اللَّه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف
حرر ضحى يوم الخميس ٢٥/ ٢/١٤٢٥هـ
стр. 3
تمهيد:
إن من حكمة القول في دعوة أهل الكتاب إلى اللَّه - تعالى - أن يُجَادَلُوا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولُطْفٍ ولين كلام، ودعوة إلى الحق، وتحسينه بالأدلة العقلية والنقلية، ورد الباطل بأقرب طريق وأنسب عبارة، وأن لا يكون القصد من ذلك مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل لابد أن يكون القصد بيان الحق، وهداية الخلق، كما قال (١)، ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٢)، وقال : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
ونظير ذلك من الدعوة بالقول الحكيم قوله لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٤).
стр. 4
ومن ذلك القول اللين كقوله تعالى لموسى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (١).
وقد كان النبي ﷺ يستخدم القول الحكيم في دعوته إلى اللَّه ومن ذلك ما روته عائشة ﵂ قالت: دخل رهط من اليهود على رسول اللَّه ﷺ فقالوا: السَّامُ (٢) عليك. قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السَّامُ واللعنة! قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ : ((مهلاً يا عائشة، إن اللَّه يحب الرّفق في الأمر كله)). فقلت: يا رسول اللَّه! أولم تسمع ما قالوا: قال رسول اللَّه ﷺ : ((قد قلت: وعليكم)) (٣).
وكان ﷺ يستخدم ذلك حتى في رسائله، ففي كتابه إلى هرقل:
((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول اللَّه، إلى هرقل عظيم الروم.
سلام على من اتبع الهدى. أما بعد:
فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك اللَّه
стр. 5
أجرك مرتين، فإن توليتَ فإن عليك إثم الأريسيين (١)، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
وعلى أساس دعوة أهل الكتاب بالجدال بالتي هي أحسن القول الحكيم، فسأتحدث عن ذلك بإذن اللَّه - تعالى - في المباحث الآتية:
المبحث الأول: حكمة القول مع اليهود .
المبحث الثاني: حكمة القول مع النصارى.
المبحث الثالث: البراهين على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها.
المبحث الأول: حكمة القول مع اليهود
من حكمة القول مع اليهود في دعوتهم إلى اللَّه أن يسلك معهم الداعية المسلم المسالك الآتية:
المسلك الأول: الأدلة العقلية والنقلية على نسخ الإسلام لجميع الشرائع.
стр. 6
المسلك الثاني: الأدلة القطعية على وقوع التحريف والتبديل في التوراة.
المسلك الثالث: إثبات اعتراف المنصفين من علماء اليهود.
المسلك الرابع: الأدلة على ثبات رسالة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
المسلك الأول: الأدلة العقلية والنقلية على نسخ (١) الإسلام لجميع الشرائع:
دعوة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - إلى توحيد اللَّه تعالى دعوة واحدة، فقد اتفقوا جميعاً على دعوة الناس إلى إفراد اللَّه بالعبادة، لا إله إلا هو، ولا ربّ سواهُ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ (٢)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَاْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٣).
فأصل دين الأنبياء صلى اللَّه عليهم وسلم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع (٤)، ولهذا قال ﷺ : ((أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات (٥)،
стр. 7
أمهاتهم شتى ودينهم واحد، [وليس بيني وبين عيسى نبي])) (١).
ثم ختم اللَّه - تعالى - الشرائع كلها بشريعة محمد ﷺ ، فأرسله اللَّه إلى جميع الثقلين: من إنس وجن، ونسخت شريعته جميع الشرائع السابقة، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).
وقال ﷺ : ((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي أو نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار)) (٣).
واللَّه - تعالى - حكيم عليم ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٤)، ولا غرابة في أن يرفع شرع بآخر مراعاة لمصلحة العباد عن علم سابق من علام الغيوب ﵎، ولكن اليهود والنصارى (٥) أنكروا نسخ الشريعة الإسلامية لجميع الشرائع
стр. 8
السابقة (١)، فيكون الرد عليهم بالقول الحكيم كالآتي:
أولاً: الأدلة العقلية:
١ - ليس هنالك محظور في النسخ عقلاً، وكل ما لم يترتب عليه محظور كان جائزاً عقلاً، فالنسخ جائز عقلاً.
٢ - اللَّه - تعالى - يأمر بالشيء على قدر ما تقتضيه المصلحة، فقد يأمر بالشيء في وقت، وينهى عنه في وقت آخر؛ لأنه - سبحانه - أعلم بمصالح عباده، والطبيب الحكيم يأمر المريض بشرب الدواء، أو استعمال دواء خاص في بعض الأزمنة، وينهاه عنه في زمن آخر، بسبب اختلاف مصلحته عند اختلاف مزاجه، والملك الذي يُشفق على رعيته ينقلهم في بعض الأزمنة إلى نوع من السياسة غير النوع الأول، لما في ذلك من المصالح، وقد يسوس الوالد الحكيم ولده في وقت باللطف، وفي وقت آخر بالتأديب،
стр. 9
على قدر ما يرى في ذلك من المصلحة (١)، واللَّه ﴿ ... وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)، وهو سبحانه لا يفعل شيئاً إلا لحكمة بالغة، فهو يُحيي ثم يُميت ثم يُحيي، وينقل الدولة من قوم أعزّة إلى قوم أذلّة، ومن قوم أذلة إلى أعزة، ويُعطي من شاء ما شاء، ويمنع من شاء (٣) ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (٤).
٣ - يلزم من يقول بوقوع النسخ سمعاً وجوازه عقلاً أنهم ما داموا يجوزون أن يأمر الشارع عباده بأمر مؤقت ينتهي بانتهاء وقته، وقد وقع ذلك سمعاً فليجوزوا نسخ الشريعة الإسلامية للأديان السابقة (٥).
ثانياً: الأدلة النقلية السمعية ، وهي نوعان:
النوع الأول: ما تقوم به الحجة على منكري النسخ من اليهود والنصارى الذين لم يعترفوا برسالة محمد ﷺ .
стр. 10
النوع الثاني: ما تقوم به الحجة على من آمن برسالة محمد ﷺ ، ولكنهم قالوا: إنها خاصة بالعرب (١).
النوع الأول: تقوم الحجة على من أنكروا نبوة محمد ﷺ مطلقاً بالأدلة الواردة في التوراة والإنجيل، والداعية المسلم إذ يُورد الأدلة من كتبهم لا يعتقد أن هذه النصوص كما أُنزلت، بل يحتمل أن تكون مما وقع عليه التحريف والتغيير؛ فإن اليهود والنصارى قد غيَّروا وبدَّلوا كثيراً من كتبهم، ولكن المسلم يقيم الحجة عليهم بما بين أيديهم من التوراة والإنجيل (٢)، لا لثبوتها ولكن لإلزامهم بالتسليم، أو يعترفوا بالتحريف، ومن ذلك ما يلي:
١ - جاء في التوراة: إن اللَّه - تعالى - أمر آدم أن يزوج بناته من
стр. 11
بنيه، وورد أنه كان يولد له في كل بطن من البطون ذكر وأنثى، فكان يزوج توأمة هذا للآخر، ويزوج توأمة الآخر لهذا، إقامة لاختلاف البطون مقام اختلاف الآباء والأمهات والأنساب، ثم حرَّم اللَّه ذلك بإجماع المتدينين من المسلمين واليهود والنصارى (١).
٢ - جاء في السفر الأول من التوراة: إن اللَّه - تعالى - قال لنوح عند خروجه من السفينة: ((إني جعلت كل دابة مأكلاً لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه))، ثم اعترفوا بعد ذلك بأن اللَّه حرَّم كثيراً على أصحاب الشرائع، من ذلك الخنزير في شريعة موسى، وهذا عين النسخ (٢).
٣ - أمر اللَّه إبراهيم ﷺ بذبح ولده، ثم نسخ هذا الحكم قبل العمل به، وقد أقرّ منكرو النسخ بذلك (٣).
٤ - الجمع بين الأختين كان مباحاً في شريعة يعقوب ﷺ ، ثم حُرِّم في شريعة موسى ﷺ (٤).
٥ - أمر اللَّه - تعالى - من عَبَدَ العجلَ من بني إسرائيل أن
стр. 12
يقتتلوا، ثم أمرهم برفع السيف عنهم (١).
وغير ذلك كثير.
النوع الثاني: تقوم الحجة به على من آمن بنبوة محمد ﷺ واعترف بها ؛ ولكنه جعلها خاصة بالعرب دون غيرهم، فهؤلاء متى سلّموا واعترفوا برسالته ﷺ وأنه صادقٌ فيما بلغه عن اللَّه من الكتاب والسنة وجب عليهم الإيمان والتصديق بكل ما ثبت عنه، وما جاء به من عموم الرسالة، والنسخ الثابت بالكتاب والسنة (٢)، ومن هذا النوع ما يأتي:
١ - قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ (٣).
٢ - وقال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا
الإسلامية، كما أن النسخ وقع بها لجميع الشرائع السابقة (١).
وبهذه الأدلة العقلية والنقلية السمعية - التي دلت على جواز النسخ عقلاً ووقوعه (٢) نقلاً وسمعاً - سقطت أقوال منكري النسخ وأقوال من أنكر عموم رسالة النبي ﷺ (٣)، وللَّه الحمد والمنة.
المسلك الثاني: الأدلة القطعية على وقوع التحريف والتبديل في التوراة:
من حكمة القول في دعوة اليهود إلى اللَّه أن يبيَّن لهم بالجدال بالتي هي أحسن أن الكتب التي بأيديهم قد دخلها التحريف والتبديل والتغيير (٤).
واليهود والنصارى يُقرّون أن التوراة كانت طول مملكة بني إسرائيل عند الكاهن الأكبر الهاروني وحده، وتقرّ اليهود أن سبعين
стр. 15
كاهناً اجتمعوا على اتفاق من جميعهم على تبديل ثلاثة عشرة حرفاً من التوراة، وذلك بعد المسيح ﷺ في عصر القياصرة الذين كانوا تحت قهرهم، ومن رضي بتبديل موضع واحد من كتاب اللَّه فلا يؤمن من تحريف غيره.
واليهود تقر أيضاً أن السامرة حرفوا مواضع التوراة، وبدَّلوها تبديلاً ظاهراً، وزادوا ونقصُوا والسامرة تدَّعي على اليهود بأن التوراة التي بأيديهم محرّفة مبدّلة (١).
والذي يحكم بين الجميع هو كلام اللَّه المنزل على محمد ﷺ ، المهيمن على ما سبقه من الكتب المصدِّق لها، فقد سجل التحريف وأثبته على أهل الكتاب، ونسب إليهم أنواعاً من التحريف للتوراة، كالآتي:
النوع الأول: إلباس الحق بالباطل:
كان بنو إسرائيل يخلطون الحق بالباطل، بحيث لا يتميز الحق من الباطل، وقد سجل القرآن الكريم هذا الجرم عليهم، قال سبحانه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّايَ
стр. 16
فَاتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية (١)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية (٢).
ومن أبلغ الصور وأقبحها في إلباس الحق ادعاء الكهنة والأحبار في التوراة التي بأيديهم أن هارون ﷺ هو الذي جمع الذهب من بني إسرائيل واشترك معهم في صناعة العجل الذهبي، ووافقهم على عبادته من دون اللَّه – تعالى – وفي الوقت نفسه يبرئون السامري.
فهارون ﷺ الذي تحمل المشاق في سبيل إقرار فرعون بالتوحيد جعلوه داعية إلى الشرك والكفر، ولكن القرآن الكريم كان لهذه الدعوى بالمرصاد، فكذبهم، وبين حقيقة الأمر (٣)، قال تعالى: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ... ﴾ الآيات (٤)، فهذا هو الصدق حقّاً، إنما عمل لهم العجل السامري، أما هارون فنهاهم ولكنهم عصوا وكادوا يقتلونه (٥).
стр. 17
النوع الثاني: كتمان الحق:
لاشك أن اللَّه حق، ولا يقول إلا حقّاً، والتوراة التي أنزلت على موسى كلها حق؛ لأنها كلام اللَّه – تعالى – ولكن بني إسرائيل كانوا يكتمون الحق، قاصدين بذلك إخضاع كتاب اللَّه لأهوائهم وشهواتهم، فالآيات التي يرون فيها منفعة لهم عاجلة أو تكون في جانب حجتهم يقرونها، أما الآيات التي يرون أن فيها دليلاً عليهم فيكتمونها، ولهذا سجل اللَّه عليهم هذا الكتم في كتابه، فقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
ومن أعظم ما كتمه أهل الكتاب هو ما وجدوه في كتبهم من صفات محمد ﷺ ، واختيار اللَّه له رسولاً إلى الناس أجمعين، وقد كانوا يعرفونه في كتبهم كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم إذا سُئِلُوا عن ذلك كتموه (٢)، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤).
стр. 18
وقد بيَّن صفاته ﷺ الكاملة في التوراة والإنجيل، فقال : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (١).
ومع هذه الأوصاف العظيمة التي كانوا يعرفونها مكتوبة عندهم، أنكروا نبوته ﷺ ، وكتموا ما علموه (٢).
النوع الثالث: إخفاء الحق:
الإخفاء قريب من الكتمان (٣)، وقد كان أهل الكتاب يخفون من أحكام التوراة الشيء الكثير، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ
стр. 19
قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ (١).
ومن الأحكام التي أخفاها اليهود حكم رجم الزاني المحصن، فقد جاءوا إلى النبي ﷺ برجل وامرأة قد زنيا، فقال لهم: ((كيف تفعلون بمن زنى منكم؟)). قالوا: نُحَمِّمهما ونضربهما. فقال: ((لا تجدون في التوراة الرجم؟)) فقالوا: لا نجد فيها شيئاً. فقال لهم عبد اللَّه بن سلام: كذبتم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مدراسها الذي يدرسها منكم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم، فنزع يده (٢) عن آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما رسول اللَّه ﷺ فرجما ... الحديث (٣).
ولهذا قال سبحانه: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ
стр. 20
لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (١).
فأنكر سبحانه على أهل الكتاب المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم: التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة اللَّه فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد ﷺ تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم (٢).
النوع الرابع: ليُّ اللسان:
من أنواع تحريف اليهود للتوراة: ليُّ اللسان، فهم يلوون ألسنتهم ويعطفونها بالتحريف، ليلبسوا على السامع اللفظ المنزل بغيره، ويفلتون ألسنتهم حين يقرءون كلام اللَّه – تعالى – لإمالته عما أنزله اللَّه عليه إلى اللفظ الذي يريدونه (٣)، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤).
ومن التحريف بليِّ اللسان ما كان يفعله اليهود مع رسول اللَّه ﷺ بقولهم: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ ويقصدون معنى: اسمع لا
стр. 21
سمعت، أي: يدعون على النبي ﷺ وقد كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ راعنا، من المراعاة، والمعنى فَرِّغ سمعك لكل منا، فلما سمع اليهود هذه اللفظة اغتنموا الفرصة في التحريف، لأن معناها عندهم السبّ والطعن بمعنى: يا أحمق (١)، ولكن اللَّه كشف سترهم، فقال: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٢).
ونهى اللَّه المؤمنين عن صفات اليهود فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).
النوع الخامس: تحريف الكلام عن مواضعه:
أثبت اللَّه على أهل الكتاب هذا النوع من التحريف، فقال : ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ... ﴾ (٤)، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن
стр. 22
مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ... ﴾ (١)، وقال : ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ... ﴾ (٢).
وهذا النوع من التحريف له أربع صور كالآتي:
١ - تحريف التبديل: وهو وضع كلمة مكان كلمة، أو جملة مكان جملة.
٢ - تحريف بالزيادة: ويكون بزيادة كلمة أو جملة.
٣ - تحريف بالنقص: وهو إسقاط كلمة، أو جملة من الكلام المنزل على موسى ﷺ .
٤ - تحريف المعنى: تبقى الكلمة أو الجملة كما هي، ولكنهم يجعلونها محتملة لمعنيين، ثم يختارون المعنى الذي يتّفق مع أهوائهم وأغراضهم (٣).
وهذه الصور لها أمثلة كثيرة من التوراة لا يتسع المقام لذكرها (٤).
стр. 23
وقد بيَّن اللَّه أن أهل الكتاب يعلمون أن ما جاء به محمد ﷺ هو الحق، لما يجدونه في كتبهم من نعته ﷺ وأمته، وما شرفه اللَّه به من الشريعة الكاملة (١)، قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
ومن رحمة اللَّه - تعالى - بهم وكرمه أنه عندما ذكر ما فعلوه من العظائم دعاهم إلى التوبة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ (٤)، فلو آمنوا باللَّه وملائكته وجميع كتبه ورسله لكفَّر عنهم
стр. 24
سيئاتهم وأدخلهم الجنة (١)، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)، ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).
المسلك الثالث: إثبات اعتراف المنصفين من علماء اليهود:
لاشك أن من حكمة القول مع أهل الكتاب في دعوتهم إلى اللَّه الاستشهاد عليهم بشهادة علماء أهل الكتاب المنصفين، الذين وفقهم اللَّه - تعالى - وقبلوا الحق، وبيّنوه ولم يكتموه، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ (٤).
وأذكر على سبيل المثال من هؤلاء العلماء الذين يعترف اليهود بأنهم كانوا منهم فأقروا بالإسلام وأنه الدين الحق ما يلي:
١ - عبد اللَّه بن سلام ﵁ وأرضاه:
لو لم يسلم من اليهود في زمن النبي ﷺ إلا سيد اليهود على الإطلاق وابن سيدهم، وعالمهم وابن عالمهم، وخيرهم وابن
стр. 25
خيرهم، باعترافهم وشهادتهم، لكان في مقابلة كل يهودي على وجه الأرض، فكيف وقد تابعه من الأحبار والرُّهبان من لا يُحصي عددهم إلا اللَّه (١).
وقد آمن هذا الرجل باللَّه وبرسوله ﷺ ، فعن أنس ﵁ قال: بلغ عبد اللَّه بن سلام مقدم النبي ﷺ المدينة فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيٌّ، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : ((خبَّرني بهنَّ آنفاً جبريلُ)) قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((أما أول أشرط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيت كبد الحوت، وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها))، [قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول اللَّه] قال: يا رسول اللَّه، إن اليهود قوم بُهْتٌ، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتُوني عندك، فادعهم [فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي]، [فأرسل نبي اللَّه ﷺ فأقبلوا]، فدخلوا عليه فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : ((يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا اللَّه، فواللَّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول اللَّه حقاً، وأني جئتكم بحق، فأسلِمُوا))، قالوا: ما
стр. 26
نعلمه – قالوا للنبي ﷺ ، قالها ثلاث مراراً – فقال رسول اللَّه ﷺ : ((فأي رجل فيكم عبد اللَّه بن سلام؟)) قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، وأخبرنا وابن أخبرنا، [خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا]، قال: ((أفرأيتم إن أسلم؟)) قالوا: أعاذه اللَّه من ذلك، حاشا للَّه ما كان ليسلم، قال: ((أفرأيتم إن أسلم؟)) قالوا: حاشا للَّه ما كان ليسلم، قال: ((أفرأيتم إن أسلم؟)) قالوا: حاشا للَّه ما كان ليسلم، قال: ((يا ابن سلام اخرج عليهم))، [فخرج عليهم عبد اللَّه فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمداً رسول اللَّه]، [معشر اليهود، اتقوا اللَّه، فواللَّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول اللَّه، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت]، [شرُّنا وابن شرِّنا، ووقعوا فيه]، [فأخرجهم رسولُ اللَّه ﷺ ] (١).
وعن عبد اللَّه بن سلام ﵁ قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قبله، وقيل قدم رسول اللَّه ﷺ ، قدم رسول اللَّه ﷺ ، قدم رسول اللَّه ﷺ ثلاثاً، فجئت في الناس لأنظر، فلما تبيّنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذّاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به
стр. 27
أن قال: ((يا أيها الناس، أفشُوا السلام، وأطعِمُوا الطعامَ، وصِلُوا الأرحامَ، وصلُّوا بالليلِ والناسُ نيامٌ، تدخُلُوا الجنّةَ بسلام)) (١).
وقد أثنى اللَّه على هذا العالم الرباني، فعن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي (٢) على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد اللَّه بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية (٣): ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (٤).
٢ - زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود ﵁:
قال ﵁: ما من علامات النبوة شيءٌ إلا وقد عرفتها في وجه رسول اللَّه ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً، وقد اختبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت باللَّه ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد
стр. 28
نبيّاً، وأشهدك أن شطر مالي - فإني أكثرها مالاً - صدقة على أمة محمد ﷺ . قال عمر: أو على بعضهم، فإنك لا تسعهم. قلت: أو على بعضهم. فخرج عمر وزيد إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال زيد: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وآمن به، وصدّقه، وبايعه، وشهد معه مشاهد كثيرة، ثم توفي في غزوة تبوك مُقبلاً غير مدبر (١)، ﵁ ورحمه.
٣ - من أسلم عند الموت:
أتى رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر وعمر على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يُعزِّي بها نفسه على ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي))؟ فقال برأسه هكذا، أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه. فقال: ((أقيموا اليهودي عن أخيكم))، ثم وليَ كفنه، وحنطهُ، وصلى عليه ﷺ (٢).
هذه ثلاثة أمثلة لاعترافات أحبار اليهود بأن محمداً ﷺ حقّاً،
стр. 29
وأن صفته موجودة في التوراة، ويعرفه اليهود كما يعرفون أبناءهم ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١).
المسلك الرابع: الأدلة على إثبات رسالة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام:
من حكمة القول مع اليهود في دعوتهم إلى اللَّه - تعالى - إثبات نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وذلك بما ظهر على يديهما من المعجزات الباهرات، والآيات البينات الظاهرة التي لا يقدر أحد أن يأتي بمثلها، كالآتي:
(أ) البراهين والبينات على صدق نبوة عيسى ابن مريم ﷺ -:
ثبتت نبوة عيسى ﷺ بما ظهر على يده من المعجزات الخارقة للعادات من: إحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم، وإبراء الأكمه، والأبرص، وخلق الطير من الطين بإذن اللَّه، والإخبار بالغيوب، وإنزال الطعام من السماء، وولادته من أم بغير أبٍ، وكلامه في المهد (٢)، وغير ذلك من المعجزات (٣).
ومعجزات عيسى لم تكن دون معجزات موسى عليهما الصلاة والسلام، فكلا الرسولين اشتركا في المعجزات والآيات الظاهرة، فإن قيل: إن أحدهما قد تعلمها بحيلة، فالآخر يمكن أن يُقال ذلك
стр. 30
في حقه، وقد أخبرا جميعاً أن اللَّه – تعالى – هو الذي أجرى ذلك على أيديهما، وأنه ليس من صنعهما، فتكذيب أحدهما وتصديق الآخر تفريق بين المتماثلين، وليس هناك دليل على أن موسى ﷺ تلقى المعجزات عن اللَّه – تعالى – إلا وهو يدلُّ على أن عيسى ﷺ تلقاها عن اللَّه – تعالى – فإن أمكن القدح في معجزات عيسى أمكن القدح في معجزات موسى، وإن كان ذلك باطلاً فهذا باطل أيضاً (١)، ولا شك أنه لا يمكن القدح في شيء من ذلك أبداً.
(ب) الحُججُ والبراهين على صدق نبوة محمد ﷺ -:
ظهر على يده ﷺ من الآيات والمعجزات الخارقة للعادات عند التحدي أكثر من سائر الأنبياء، والعهد بهذه المعجزات قريب، وناقلوها أصدق الخلق وأبرهم، ونقلها ثابت بالتواتر قرناً بعد قرن، وأعظمها مُعجزة: القرآن، لم يتغير ولم يتبدل منه شيء، بل كأنه منزل الآن، وما أخبر به يقع كل وقت على الوجه الذي أخبر به، كأنه يُشاهده عياناً، وقد عجز الأولون والآخرون على الإتيان بمثله ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٢).
ولا يمكن ليهودي أن يؤمن بنبوة موسى ﷺ إن لم يؤمن بنبوة
стр. 31
محمد ﷺ ، ولا يمكن لنصراني أن يقر بنبوة المسيح ﷺ إلا بعد إقراره بنبوة محمد ﷺ ، لأن من كفر بنبوة نبي واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم، ولم ينفعه إيمانه ببعضهم دون بعض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا، وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (١).
ولا ينفع أهل الكتاب شهادة المسلمين بنبوة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام؛ لأن المسلمين آمنوا بهما على يد محمد ﷺ ، وكان إيمانهم بهما من الإيمان بمحمد ﷺ وبما جاء به، فلولاه ما عرفنا نبوتهما، ولا سيما وليس بأيدي أهل الكتاب عن أنبيائهم ما يُوجب الإيمان بهم؛ فلولا القرآن ومحمد ﷺ ما عرفنا شيئاً من آيات الأنبياء المتقدمين، فمحمد ﷺ وكتابه هو الذي قرر نبوة موسى وعيسى، لا اليهود والنصارى، بل نفس ظهوره ومجيئه تصديقاً لنبوتهما؛ فإنهما أخبرا بظهوره، وبشّرا بظهوره: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢)، فلما بعث كان بعثه تصديقاً لهما، قال
стр. 32
تعالى عن محمد ﷺ : ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١).
فمجيئه تصديق لهما من جهتين: من جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه، ومن جهة إخباره بمثل ما أخبروا به وشهادته بنبوتهم، ولو كان كاذباً لم يصدق من قبله، كما يفعل أعداء الأنبياء (٢).
ومن أعظم الأدلة على صدقه ﷺ أنه قال لليهود لما بهتوه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣)، ولم يجسر أحد منهم على ذلك – مع اجتماعهم على تكذيبه وعداوته – لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ذلك، فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم، وصدقه فيما يخبرهم به لسألوا اللَّه الموت لأي الفريقين أكذب، منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة (٤)، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ للَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (٥).
стр. 33
وغير ذلك من دلائل نبوته وصدقه (١) ﷺ ، التي سأذكرها – إن شاء اللَّه – في آخر مطلب من مطالب حكمة القول مع أهل الكتاب.
стр. 34
المبحث الثاني: حكمة القول مع النصارى
من حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى اللَّه - تعالى - أن يسلك معهم الداعية المسلم المسالك الحكيمة الآتية:
المسلك الأول: إبطال عقيدة التثليث وإثبات الوحدانية للَّه تعالى .
المسلك الثاني: البراهين على إثبات بشرية عيسى وعبوديته للَّه تعالى.
المسلك الثالث: البراهين على إبطال قضية الصلب والقتل.
المسلك الرابع: البينات على إثبات وقوع النسخ والتحريف.
المسلك الخامس: إثبات اعتراف المنصفين من علماء النصارى.
المسلك الأول: إبطال عقيدة التثليث وإثبات الوحدانية للَّه تعالى:
المقصود بالتثليث عند النصارى ثلاثة أشياء: الأب، والابن، ورُوحُ القدس.
وقالوا: الأب هو الذات، والابن هو الكلمة، وروح القدس هو الحياة (١)، ويعبرون عن ذلك بأن اللَّه - تعالى عن كفرهم - ثلاثة
стр. 35
أقانيم، والأقنوم في لغتهم هو الأصل (١)، والثلاثة أسماء إله واحد (٢) في زعمهم الباطل عقلاً وشرعاً.
والرّدُّ على عقيدة التثليث وإبطالها (٣)، ودعوة أصحابها إلى اللَّه بالقول الحكيم يتلخص في الأمور الآتية:
١ - التوحيد دين الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وأتباعهم:
إن عقيدة التثليث لم تكن في أمةٍ من الأمم السابقة من عهد آدم
стр. 36
عليه الصلاة والسلام، إلى رفع عيسى ﷺ .
وعقيدة التوحيد هي دين الأنبياء وأتباعهم، كما أن كتب العهد القديم عند أهل الكتاب ناطقة بأن اللَّه واحد، أزليٌّ، أبديٌّ، حيٌّ لا يموت، قادر يفعل ما يشاء، ليس كمثله شيء، لا في الذات ولا في الصفات، وعبادة غير اللَّه حرام، وحرمتها مصرحة في مواضع شتى، وهذا الأمر لشهرته وكثرته في تلك الكتب غير محتاج إلى نقل الشواهد (١).
٢ - النصارى تلقوا عقيدة التثليث عن أصحاب المجامع:
إن المصادر النصرانية الموثوق فيها لا تملك سوى الإقرار بأن دعوة عيسى ﷺ كانت توحيد اللَّه الخالص من الشرك، إلى بداية القرن الرابع الميلادي (٢)، وذلك أن اللَّه بعث عبده ورسوله عيسى ابن مريم إلى بني إسرائيل، فجدد لهم الدين، وصدق لما بين يديه من التوراة، وأحل لهم بعض الذي حُرّم عليهم، ودعاهم إلى عبادة اللَّه وحده، فعادوه وكذبوه، ورموه وأمه بالعظائم، وأرادوا قتله، فطهره اللَّه - تعالى - منهم، ورفعه إليه، ولم يصلوا إليه بسوء، وأقام اللَّه - تعالى - للمسيح أنصاراً دعوا إلى دينه وشريعته حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، واستقام الأمر على السداد
стр. 37
بعده نحو ثلاثمائة سنة، ثم أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير، ولم يبق بأيدي النصارى منه إلا بقايا: كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحلت لهم بنصها، ثم استحلوا الخنزير، وأحلوا السبت، وعوضوا منه يوم الأحد، وتركوا الختان، والاغتسال من الجنابة، وكان المسيح يصلي إلى بيت المقدس فصلوا إلى المشرق، وعظموا الصليب وعبدوه، وعندما أخذ دين المسيح ﷺ في التغير والفساد اجتمعت النصارى عدة مجامع، ثم يفترقون على الاختلاف والتلاعن، ومن أهم هذه المجامع: مجمع نيقية عام ٣٢٥م، فقد جمع الملك قسطنطين – باني القسطنطينية – ألفين وثمانية وأربعين أسقفاً (٢٠٤٨) من جميع بلدان العالم، وكانوا مختلفي الآراء والأديان، واتفق منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً (٣١٨) على أن المسيح ابن اللَّه – تعالى عن كفرهم – وأنه مساوٍ له في الجوهر، وأنه نزل من السماء وتجسد من روح القدس، وصار إنساناً، وحمل به، ثم ولد من مرين، وقُتِلَ وصُلِبَ، ودُفِنَ، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء مرة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، وقالوا: نؤمن بروح القدس، وأجبر الملك الناس على هذه العقيدة التي أسسها هؤلاء الأساقفة.
ثم عُقِدَ مجمع آخر عام ٣٨١م، وحضره مائة وخمسون أسقفاً (١٥٠)، وأجمعوا على أن روح القدس خالق غير مخلوق، وبهذا
стр. 38
المجمع تم لهم التثليث، وقالوا: بأن الأب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم، وفرض ملوك النصارى هذه العقيدة على الناس.
ثم عُقِدَ مجمع سنة ٤٣١م، وحضره نحو مائتي أسقف (٢٠٠) وقرروا أن مريم ولدت إلهاً .. !
واستمرت المجامع تُعقد بعد ذلك، وأشهرها المجامع العشرة التي عُقِدَت على مر العصور، وكلهم يُكفِّر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، فدينهم الذي ابتدعوا قائم على اللعنة (١).
فثبت بهذا الاستعراض أن دين المسيح ﷺ هو التوحيد إلى نهاية القرن الثالث الميلادي، وأن المجامع النصرانية هي التي فرضت عقيدة التثليث، وألزم الملوك الناس بذلك بالسيف والعطاء (٢).
فعُلِمَ قطعاً بأن عقيدة التثليث عقيدة وثنية مصدرها المجامع النصرانية، بدءاً بمجمع نقية سنة ٣٢٥م، وهذا من أعظم ما يُردُّ به على النصارى، ولكن بالقول الحكيم، وبالرفق واللين، والجدال بالتي هي أحسن.
стр. 39
٣ - بطلان كون الثلاثة إله واحد:
قال المثلثة: الأب، والابن، وروح القدس: الثلاثة أسماء إله واحد، ورب واحد، وخالق واحد، ومسمى واحد، لم يزل ولا يزال شيئاً حيّاً ناطقاً: أي الذات والنطق والحياة (١)، ويعبرون عن ذلك بأن اللَّه - تعالى عن كفرهم - ثلاثة أقانيم، وحينئذ يرد عليهم بالقول الحكيم بالآتي:
أولاً: لم خصصتم الأقانيم الثلاثة؟ فإنه قد ثبت أنه: موجود، حي عليم، قادر ، سميع، بصير، كريم، خالق، رازق ... ، فيلزمكم على قولكم هذا أن تُثبتوا أقنوماً رابعاً وهو القدرة، وخامساً وهو: السمع، وسادساً وهو: البصر، وسابعاً وهو: الكرم، وثامناً وهو: الخلق، وتاسعاً وهو: الكلام ... وسائر الصفات الثابتة، فإن أسماء اللَّه - تعالى - وصفاته متعددة كثيرة، ومنها تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة (٢).
فإذا كانت أسماء اللَّه كثيرة فالاقتصار على ثلاثة أسماء أو ثلاث
стр. 40
صفات باطل مردود (١).
ثانياً: قولكم: الأبُ الذي هو ابتداء الاثنين ، والابن النطق الذي هو مولود منه كولادة النطق من العقل: كلام باطل؛ لأن صفات الكمال لازمة لذات اللَّه - تعالى - أولاً وآخراً، فهو لم يزل ولا يزال حيّاً، عالماً، قادراً، فلم يَصِرْ حيّاً بعد أن لم يكن حيّاً، ولا عالماً بعد أن لم يكن عالماً!!
ثالثاً: قولكم في النطق: إنه الابن، وإنه مولود من اللَّه - تعالى -: إن أردتم به أنه صفة لازمة له، فكذلك الحياة صفة لازمة له، فيكون روح القدس أيضاً ابناً ثانياً، وإن أردتم أنه حصل منه بعد أن لم يكن لزم أن يكون عالماً بعد أن لم يكن، وهذا مع كونه باطلاً وكفراً فيلزم مثله في الحياة، وأنه صار حيّاً بعد أن لم يكن حيّاً، تعالى اللَّه وتقدس عن ذلك!!
رابعاً: إن تسمية حياة اللَّه: روح القدس، لم ينطق به شيء من كتب اللَّه المنزلة ، فإطلاق روح القدس على حياة اللَّه من التبديل والتحريف للكلم عن مواضعه.
خامساً: إنكم تدعون أن المتجسد بالمسيح هو الكلمة، الذي هو العلم ، وهذا إن أردتم به نفس الذات العالمة الناطقة كان المسيح هو الأب، وهو الابن، وهو روح القدس، وهذا عندكم وعند جميع