← Общие книги

Общие книги · id 96518

كيفية دعوة أهل الكتاب إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (95 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عليه الصلاة والسلام، إلى رفع عيسى ﷺ . وعقيدة التوحيد هي دين الأنبياء وأتباعهم، كما أن كتب العهد القديم عند أهل الكتاب ناطقة بأن اللَّه واحد، أزليٌّ، أبديٌّ، حيٌّ لا يموت، قادر يفعل ما يشاء، ليس كمثله شيء، لا في الذات ولا في الصفات، وعبادة غير اللَّه حرام، وحرمتها مصرحة في مواضع شتى، وهذا الأمر لشهرته وكثرته في تلك الكتب غير محتاج إلى نقل الشواهد (١). ٢ - النصارى تلقوا عقيدة التثليث عن أصحاب المجامع: إن المصادر النصرانية الموثوق فيها لا تملك سوى الإقرار بأن دعوة عيسى ﷺ كانت توحيد اللَّه الخالص من الشرك، إلى بداية القرن الرابع الميلادي (٢)، وذلك أن اللَّه بعث عبده ورسوله عيسى ابن مريم إلى بني إسرائيل، فجدد لهم الدين، وصدق لما بين يديه من التوراة، وأحل لهم بعض الذي حُرّم عليهم، ودعاهم إلى عبادة اللَّه وحده، فعادوه وكذبوه، ورموه وأمه بالعظائم، وأرادوا قتله، فطهره اللَّه - تعالى - منهم، ورفعه إليه، ولم يصلوا إليه بسوء، وأقام اللَّه - تعالى - للمسيح أنصاراً دعوا إلى دينه وشريعته حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، واستقام الأمر على السداد

стр. 37

بعده نحو ثلاثمائة سنة، ثم أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير، ولم يبق بأيدي النصارى منه إلا بقايا: كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحلت لهم بنصها، ثم استحلوا الخنزير، وأحلوا السبت، وعوضوا منه يوم الأحد، وتركوا الختان، والاغتسال من الجنابة، وكان المسيح يصلي إلى بيت المقدس فصلوا إلى المشرق، وعظموا الصليب وعبدوه، وعندما أخذ دين المسيح ﷺ في التغير والفساد اجتمعت النصارى عدة مجامع، ثم يفترقون على الاختلاف والتلاعن، ومن أهم هذه المجامع: مجمع نيقية عام ٣٢٥م، فقد جمع الملك قسطنطين – باني القسطنطينية – ألفين وثمانية وأربعين أسقفاً (٢٠٤٨) من جميع بلدان العالم، وكانوا مختلفي الآراء والأديان، واتفق منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً (٣١٨) على أن المسيح ابن اللَّه – تعالى عن كفرهم – وأنه مساوٍ له في الجوهر، وأنه نزل من السماء وتجسد من روح القدس، وصار إنساناً، وحمل به، ثم ولد من مرين، وقُتِلَ وصُلِبَ، ودُفِنَ، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء مرة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء، وقالوا: نؤمن بروح القدس، وأجبر الملك الناس على هذه العقيدة التي أسسها هؤلاء الأساقفة. ثم عُقِدَ مجمع آخر عام ٣٨١م، وحضره مائة وخمسون أسقفاً (١٥٠)، وأجمعوا على أن روح القدس خالق غير مخلوق، وبهذا

стр. 38

المجمع تم لهم التثليث، وقالوا: بأن الأب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم، وفرض ملوك النصارى هذه العقيدة على الناس. ثم عُقِدَ مجمع سنة ٤٣١م، وحضره نحو مائتي أسقف (٢٠٠) وقرروا أن مريم ولدت إلهاً .. ! واستمرت المجامع تُعقد بعد ذلك، وأشهرها المجامع العشرة التي عُقِدَت على مر العصور، وكلهم يُكفِّر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، فدينهم الذي ابتدعوا قائم على اللعنة (١). فثبت بهذا الاستعراض أن دين المسيح ﷺ هو التوحيد إلى نهاية القرن الثالث الميلادي، وأن المجامع النصرانية هي التي فرضت عقيدة التثليث، وألزم الملوك الناس بذلك بالسيف والعطاء (٢). فعُلِمَ قطعاً بأن عقيدة التثليث عقيدة وثنية مصدرها المجامع النصرانية، بدءاً بمجمع نقية سنة ٣٢٥م، وهذا من أعظم ما يُردُّ به على النصارى، ولكن بالقول الحكيم، وبالرفق واللين، والجدال بالتي هي أحسن.

стр. 39

٣ - بطلان كون الثلاثة إله واحد: قال المثلثة: الأب، والابن، وروح القدس: الثلاثة أسماء إله واحد، ورب واحد، وخالق واحد، ومسمى واحد، لم يزل ولا يزال شيئاً حيّاً ناطقاً: أي الذات والنطق والحياة (١)، ويعبرون عن ذلك بأن اللَّه - تعالى عن كفرهم - ثلاثة أقانيم، وحينئذ يرد عليهم بالقول الحكيم بالآتي: أولاً: لم خصصتم الأقانيم الثلاثة؟ فإنه قد ثبت أنه: موجود، حي عليم، قادر ، سميع، بصير، كريم، خالق، رازق ... ، فيلزمكم على قولكم هذا أن تُثبتوا أقنوماً رابعاً وهو القدرة، وخامساً وهو: السمع، وسادساً وهو: البصر، وسابعاً وهو: الكرم، وثامناً وهو: الخلق، وتاسعاً وهو: الكلام ... وسائر الصفات الثابتة، فإن أسماء اللَّه - تعالى - وصفاته متعددة كثيرة، ومنها تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة (٢). فإذا كانت أسماء اللَّه كثيرة فالاقتصار على ثلاثة أسماء أو ثلاث

стр. 40

صفات باطل مردود (١). ثانياً: قولكم: الأبُ الذي هو ابتداء الاثنين ، والابن النطق الذي هو مولود منه كولادة النطق من العقل: كلام باطل؛ لأن صفات الكمال لازمة لذات اللَّه - تعالى - أولاً وآخراً، فهو لم يزل ولا يزال حيّاً، عالماً، قادراً، فلم يَصِرْ حيّاً بعد أن لم يكن حيّاً، ولا عالماً بعد أن لم يكن عالماً!! ثالثاً: قولكم في النطق: إنه الابن، وإنه مولود من اللَّه - تعالى -: إن أردتم به أنه صفة لازمة له، فكذلك الحياة صفة لازمة له، فيكون روح القدس أيضاً ابناً ثانياً، وإن أردتم أنه حصل منه بعد أن لم يكن لزم أن يكون عالماً بعد أن لم يكن، وهذا مع كونه باطلاً وكفراً فيلزم مثله في الحياة، وأنه صار حيّاً بعد أن لم يكن حيّاً، تعالى اللَّه وتقدس عن ذلك!! رابعاً: إن تسمية حياة اللَّه: روح القدس، لم ينطق به شيء من كتب اللَّه المنزلة ، فإطلاق روح القدس على حياة اللَّه من التبديل والتحريف للكلم عن مواضعه. خامساً: إنكم تدعون أن المتجسد بالمسيح هو الكلمة، الذي هو العلم ، وهذا إن أردتم به نفس الذات العالمة الناطقة كان المسيح هو الأب، وهو الابن، وهو روح القدس، وهذا عندكم وعند جميع

стр. 41

الناس باطل. سادساً: العلم صفة، والصفة لا تَخلُق ولا تَرزُقُ، والمسيح نفسه ليس هو صفة قائمة بغيرها باتفاق العقلاء، وأيضاً هو عند المثلثة خالق للسماوات والأرض، فامتنع أن يكون المتحد به صفة، فإن الإله المعبود هو الإله الحي العليم القدير، وليس هو نفس الحياة ولا نفس العلم والكلام، فلو قال قائل: يا حياة اللَّه، أو يا علم اللَّه، أو يا كلام اللَّه اغفر لي وارحمني ... كان هذا باطلاً في صريح العقل، ولهذا لم يُجَوِّزْ أحد من أهل الأديان السماوية أن يقال للتوراة أو الإنجيل وغير ذلك من كلام اللَّه: اغفر لي وارحمني، وإنما يقال للإله المتكلم بهذا الكلام - وهو اللَّه وحده -: اغفر لي وارحمني. والمسيح عند المثلِّثة هو الإله الخالق الذي يقال له: اغفر لنا وارحمنا، فلو كان هو نفس علم اللَّه وكلامه لم يجز أن يكون إلهاً معبوداً، فكيف إذا لم يكن هو نفس علم اللَّه وكلامه، بل هو مخلوق بكلامه حيث قال: (كن)، فكان، فتبين بذلك أن كلمات اللَّه كثيرة لا نهاية لها، ومعلوم أن المسيح ليس هو كلمات كثيرة، بل غايته أن يكون كلمة واحدة، إذ هو المخلوق بكلمة من كلمات اللَّه (١). سابعاً: مما لا يَشكُّ في صحته عاقل: أن عقيدة التثليث باطلة مردودة بصريح النقل وصحيح العقل، ومن المعلوم عند سائر أهل

стр. 42

الملل: أن اللَّه موجود، حي، عليم، متكلم، قدير لا تختص صفاته بثلاثة، ولا يعبر عن ثلاثة منها بعبارة لا تدل على ذلك، وهو: لفظ الأب، والابن، وروح القدس، فإن هذه الألفاظ لا تدل على ما فسروها به في لغة أحد من الأمم، ولا يوجد في كلام أحد من الأنبياء أنه عبر بهذه الألفاظ عما ذكروه من المعاني، بل ذلك مما ابتدعه النصارى، ولم يدل عليه شرع ولا عقل (١). فتبين أن جميع كتب الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - تُبْطِل مذهب النصارى، فهم بين أمرين: ١ - الإيمان بكلام الأنبياء وبطلان دينهم (عقيدة التثليث) . ٢ - تصحيح دينهم وتكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٢). ٤ - إبطال عقيدة التثليث بما في كتب النصارى: من الأدلة التي تُلزم أصحاب التثليث أن يبين لهم بالقول الحكيم ما في كتبهم التي يعترفون بها، فإن فيها ما يبطل قولهم وعقيدتهم في التثليث، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي: (أ) جاء في إنجيل يُوحنَّا: إن المسيح ﷺ قال في دعائه: ((إن الحياة الدائمة إنما تجبُ للناس بأن يشهدوا أنك أنت اللَّه الواحد

стр. 43

الحق، وأنك أرسلت اليسوع المسيح)) (١). وهذه حقيقة شهادة أن لا إله إلا اللَّه، ولا معبود بحقٍّ سواه. (ب) وقال: ((إن اللَّه ما أكل ولا يأكل، وما شرب ولا يشرب، ولم ينم ولا ينام، ولا ولد له ولا يلد ولا يولد، ولا رآه أحد ولا يراه أحد (٢) إلا مات)) (٣). وبهذا يظهر سر قوله تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ (٤). وغير ذلك من الأمثلة كثير لا يتسع المقام لذكرها (٥). ٥ - إبطال القرآن الكريم لعقيدة التثليث: القرآن الكريم هو الأصل في تصحيح العقائد، وما سبق من القول الحكيم مع النصارى إنما هو مخاطبتهم على قدر عقولهم بالأدلة العقلية، وبالواقع من تاريخهم، وما جاء في كتبهم، مما يبطل عقيدة التثليث، ويُثبتُ أن عقيدة التوحيد هي دين الأنبياء جميعاً

стр. 44

عليهم الصلاة والسلام. والقرآن الكريم – المحفوظ من اللَّه عن التبديل والتحريف – يتولى الرد على هذه القضية بأوجز عبارة وأوضحها، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (١)، ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). وقال مبيناً حقيقة عيسى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ، لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ

стр. 45

انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١). وأخبر اللَّه عن المسيح أنه لم يأمر الناس إلا بما أمره اللَّه به، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ* مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢)، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا* تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا* أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا* وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا* إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٣)، ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤)، فهل بعد هذا القول بيان؟ وهل بعد هذه الحجج من حجج؟ (٥).

стр. 46

وأما قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ (١)، فقد بينها اللَّه تعالى أعظم بيان وأكمله وأبلغه. (أ) فالكلمة التي ألقاها اللَّه إلى مريم هي: (كن)، فكان عيسى بـ ((كن))، وليس عيسى هو الكن، ولكن بالكن كان عيسى، فالكن من اللَّه قوله: (كن)، وليس الكن مخلوقاً (٢)، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ* وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ* قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (٣). ففي هذا الكلام وجوه تبين أنه مخلوق، وليس كما يقول النصارى، وذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾، وهي نكرة في سياق الإثبات يقتضي أنه كلمة من كلمات اللَّه، وليس هو كلامه كله، كما يقول النصارى. ٢ - ومنها أنه بيّن مراده بقوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾، وأنه مخلوق،

стр. 47

حيث قال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (٢). فهذه ثلاثة آيات في القرآن تبيّن أن اللَّه قال له: ﴿كن﴾، وهذا تفسير كونه كلمة منه. ٣ - وقال: اسمه المسيح عيسى ابن مريم. ٤ - وأخبر أنه وجيه في الدنيا والآخرة. ٥ - وأنه من المقربين. وهذه كلها صفة مخلوق، واللَّه – تعالى – وكلامه الذي هو صفته لا يقال فيه شيءٌ من ذلك. ٦ - وقالت مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾، فبيّن أن المسيح الذي هو الكلمة ولد مريم لا ولد اللَّه (٣). (ب) أما الروح التي قال تعالى فيها: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾، فلا يجب

стр. 48

أن يكون منفصلاً من ذات اللَّه، كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ (١)، ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٢)، ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣). فهذه الأشياء كلها من اللَّه وهي مخلوقة. وأبلغ من ذلك روح اللَّه التي أرسلها إلى مريم، وهي مخلوقة ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ (٤)، ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ (٦). فعُلِمَ بذلك أن الروح الذي أرسله اللَّه إلى مريم هو روح القدس، وهو الملك جبريل، ﵇، وهو مخلوق، وهو الذي خُلِقَ المسيح من نفخه ومن مريم، فإذا كان الأصل مخلوقاً فكيف الفرع الذي حصل به؟

стр. 49

أما قوله عن المسيح: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ فخص بذلك لأنه نفخ في أمه من الروح، فحملت به من ذلك النفخ، وذلك غير روحه التي يشاركه فيها سائر البشر، فامتاز بأن حملت به من نفخ الروح، فلهذا سمي روحاً منه (١). أما إضافة الروح إلى اللَّه في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ فهي إضافة مخلوق إلى خالقه، كقوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (٢)، ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ (٣)، والمضاف إلى اللَّه – تعالى – نوعان: (أ) إن كان صفة مضافة إلى اللَّه لم تقم بمخلوق: كعلم اللَّه، وقدرة اللَّه، والقرآن كلام اللَّه، وحياة اللَّه، كان صفة للَّه تعالى. (ب) وإن كان المضاف عيناً قائمة بنفسها أو صفة فيها، أو صفة لغير اللَّه: كالبيت، والناقة، والعبد، والروح كان مخلوقاً مضافاً إلى خالقه ومالكه. لكن هذه الإضافة (ناقة اللَّه)، (بيت اللَّه)، (عباد اللَّه)، (روح اللَّه)، إضافة مخلوق إلى خالقه تقتضي التشريف، وبهذا يتبين أنه لا يوجد

стр. 50

للنصارى حجة إطلاقاً، فسقط قولهم بحمد اللَّه تعالى (١). المسلك الثاني: الأدلة والبراهين القاطعة على بشرية عيسى وعبوديته للَّه: ومن حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى اللَّه أن يُبين لهم أن عيسى ﷺ عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، خلقه ، وبيّن لعباده أنه مخلوق، وأن ذلك لا يُعجزه قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (٢). فقد خلق اللَّه - تعالى - هذا النوع على الأقسام الممكنة، ليبين عموم قدرته، فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى، كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٣)، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ لأن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء، فلهذا شبهه اللَّه بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح، فإذا كان سبحانه قادراً أن يخلقه من تراب، والتراب ليس

стр. 51

من جنس بدن الإنسان، أفلا يقدر أن يخلقه من امرأة هي من جنس بدن الإنسان؟ وهو خلق آدم من تراب، ثم قال له: كن، فكان لما نفخ فيه من روحه، فكذلك المسيح نفخ فيه من روحه، وقال له: كن، فكان، ولم يكن آدم بما نفخ فيه من روحه لاهوتاً وناسوتاً، بل كله ناسوت، فكذلك المسيح كله ناسوت (١). وقد أمر اللَّه رسوله ﷺ أن يُباهل النصارى على حقيقة عيسى ﷺ ، وأنه عبد اللَّه ورسوله، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (٢). وقد امتثل النبي ﷺ قول اللَّه فدعاهم إلى المباهلة، فعرفوا أنهم إن باهلوه أنزل اللَّه عليهم لعنته، فأقروا بالجزية وهم صاغرون. وهذا كله يُبيّن أن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وأنه مخلوق، ويُبيّن أنّ النصارى بامتناعهم عن المباهلة وعن الدخول في الإسلام كانوا ظالمين (٣). وقد بيّن حقيقة عيسى، ووصفه وأمه وصفاً كاملاً لا يدع

стр. 52

مجالاً للشك، ويقطع كل شبهة ترد على بشرية عيسى وأمه، فقال : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا* قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا* وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ* مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ ... ﴾ الآيات (١). وقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢). وهو ﷺ عبد اللَّه ورسوله، وأحد أنبيائه ورسله الكرام، ويتصف بصفات البشر، ويأكل الطعام كما يأكله البشر (٣): ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ (٤).

стр. 53

وقد شهد رسول اللَّه ﷺ بالجنة لمن شهد أن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، فقال: ((من شهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم روح منه، وأن الجنة حقٌّ، والنار حقٌّ، أدخله اللَّه الجنة على ما كان من العمل)) (١). وحذر ﷺ عن الغلو، وبيّن أنه من أسباب تأليه النصارى لعيسى ابن مريم (٢). وبهذه البراهين القطعية من الأدلة العقلية والنقلية يتضح لكل ذي لُبٍّ أن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وابن أمته، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، ومَنْ وصفه بغير ذلك من الصفات التي لم يصفه بها ربه وخالقه فقد خرج عن مقتضى العقل والنقل إلى الجنون أو الجحود والظلم: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا﴾ (٣)، ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ

стр. 54

ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ* وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (١). المسلك الثالث: البراهين الدالة دلالة قطعية على إبطال قضية الصلب والقتل: زعم النصارى أن اليهود قتلوا عيسى ﷺ وصلبوه وقُبِرَ، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء (٢)، وقد كذبهم اللَّه فيما زعموا، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (٣). ومن الحكمة القولية في دعوتهم إلى اللَّه وإبطال مذهبهم أن يُردّ عليهم بالآتي: ١ - الأدلة العقلية: (أ) بما أنكم أجمعتم أيها النصارى على القول بالاتحاد والصلب والقتل (٤)، فهل كان الاتحاد موجوداً في حالة الصلب والقتل أم لا؟

стр. 55

فإن قلتم كان موجوداً، لزمكم القول بأن ابن اللَّه القديم - في زعمكم - مات وصُلِبَ، لأن جواز القتل كجواز الموت والحركة والسكون والافتراق، وفيه جواز موت الأب والروح، وهذا لا يقولون به. فإن قالوا: إن الاتحاد بَطل، قيل لهم: فيجب ألا يكون المقتول مسيحاً؛ لأن الجسد عند انتقاضِ الاتحاد ليس بمسيح، فبطل قولكم بأن المسيح قُتِلَ وصلب. (ب) أنتم تزعمون أن المسيح قُتِلَ وصُلِب ، والمسيح في عقيدتكم كان لاهوتاً وناسوتاً، فيلزم من ذلك إطلاق القول بقتل إلهكم، لأن المسيح عندكم إله مُطلق، ومن ضرورة ذلك إطلاق القول بقتل الإله وموته، وذلك مروق عن الدين (١). فإن قالوا: إنما قُتل الناسوتُ دن اللاهوت. قيل لهم: هذا باطل من وجهين: ١ - أن ناسوته لم يصلب وليس فيه لاهوتاً . ٢ - ذكركم ذلك دعوى مُجردة، فيكفي في مقابلتها المنع (٢). (ج) إذا كان عيسى ابن اللَّه - تعالى - قديم الروح بزعمكم فكيف قدر اليهود على أن يقتلوا ابن اللَّه ، وهو إله عندكم، والإله لا يُقتل!!

стр. 56

فإن قالوا: إنما قُتِلَ الهيكل دون الروح، قيل لهم: قد بطل الاتحاد الذي ادعيتموه، فكان يجب أن يمنع الروح واللاهوت عن القتل وإتلاف الهيكل والناسوت، فدل ذلك على أنه كان عبداً للَّه ورسولاً له، لا ابناً له (١). ٢ - أخبار القتل والصلب مصدرها اليهود: من المعلوم يقيناً أن أخبار المسيح والصلب والقتل إنما تلقاها النصارى عن اليهود، وقد ثبت أنه لم يحضر أحد منهم، وإنما قال اليهود: قتلناه وصلبناه، وهم أعظم أعدائه الذين رموه وأمه بالعظائم، وأجمعت اليهود على أن عيسى ﷺ لم يدَّع شيئاً من الإلهية التي نسبها إليه النصارى، فحينئذ يقال للنصارى: إن صدقتم اليهود في القتل والصلب فصدقوهم في أنه ليس بإله، بل هو عبد مخلوق! (٢). ومن العجيب أن النصارى يُعظِّمون الصليب، وكان من مقتضى العقول أن يحرِّقوا كل صليب وجدوه، لأنه قد صُلِبَ عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم .. فبأي وجه بعد هذا يستحق الصليب التعظيم (٣).

стр. 57

٣ - تناقض الأناجيل في قضية الصلب: وقع في قضية الصلب في الأناجيل المعتمدة عند النصارى أكثر من ثلاثين تناقضاً، وحينئذ يطبق على هذه التناقضات قاعدة: كل ما تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال (١). وهذا يدلُّ على أن كل ما تعلق بالصلب اشتبه أمره على النصارى، وغابت عنهم الحقيقة، فهم لا يزالون مختلفين، وبهذا يسقط قولهم؛ لأنهم لا علم لهم ولا دليل يعتمدون عليه (٢). ٤ - إبطال القرآن الكريم لقضية الصلب والقتل: أوضح اللَّه في القرآن الكريم أمر الصلب وبيّنه وجلاّهُ وأظهره، وأوضحه عنه رسوله ﷺ المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا، وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٣). فعيسى ﷺ لم يُصلب، بل رفعه اللَّه إليه، ولم يمت، قال تعالى:

стр. 58

﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (١)، وقال تعالى حكاية عن المسيح: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٢). والوفاة هنا بمعنى القبض، كما يقال: توفيت من فلان ما لي عليه، بمعنى: قبضته واستوفيته، فيكون معنى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ أي: إني قابضك من الأرض ورافعك إليَّ (٣). وقوله : ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعم اليهود والنصارى، فدلَّ ذلك على أن جميع أهل الكتاب يؤمنون بالمسيح قبل موته، وذلك إذا نزل في آخر الزمان (٤) آمنت اليهود

стр. 59

والنصارى بأنه رسول اللَّه، ليس كاذباً كما يقول اليهود، ولا هو اللَّه كما يقول النصارى (١)، ثم بعد أن يحكم بشريعة محمد ﷺ يموت كما يموت البشر قبل يوم القيامة. فاتضح بذلك - بحمد اللَّه - أن عيسى لم يُقتل، ولم يُصلب، ولم يَمت حتى الآن، فبطل قول النصارى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ واللَّه المستعان. المسلك الرابع: البينات الواضحات على وقوع النسخ والتحريف في الأناجيل: من حكمة القول في دعوة النصارى إلى اللَّه - تعالى - أن يبيّن لهم بالأدلة العقلية والنقلية أن دين الإسلام قد نسخ جميع الشرائع السابقة، وأن ما وجد من الكتب السابقة فهو بين أمرين: إما حق قد نسخته الشريعة الإسلامية، وإما كلام محرف أو خلط فيه الحق بالباطل (٢). ومن المعلوم أن النصارى يقسمون الكتاب إلى قسمين: ١ - كتب العهد القديم (٣).

стр. 60

٢ - كتب العهد الجديد (١). أما كتب العهد القديم فقد تقدم إثبات وقوع التحريف فيها بالأدلة العقلية والنقلية (٢). وأما كتب العهد الجديد فلا شك أن القول بالتحريف في كتب العهد الجديد عند النصارى أيسر عليهم من القول بالتحريف في العهد القديم؛ لأنهم لا يدعون أن الأناجيل منزلة من عند اللَّه - تعالى - على المسيح، ولا أن المسيح ﷺ أتاهم بها، بل كلهم مُجمعون على أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال في أزمان مختلفة (٣)، ولهذا قال ابن تيمية - رحمه اللَّه تعالى -: ((الإنجيل بمنزلة ما ينقل من أقوال الأنبياء وسيرهم، ويقع في ذلك الصح والخطأ)) (٤). ولسعة هذا الموضوع سأقتصر على ما يثبت وقوع التحريف في الأناجيل بالأمثلة الآتية:

стр. 61

١ - النتيجة التي لا مفرّ من التسليم بها أن الأناجيل القانونية الموجودة الآن ما هي إلا كتب مؤلفة، وهي تبعاً لذلك معرّضة للخطأ والصواب، ولا يمكن الادعاء ولو لحظة أنها كتبت بإلهام؛ فلقد كتبها أناس مجهولون، في أماكن غير معلومة، وفي تواريخ غير مؤكدة، والشيء المؤكد أن هذه الأناجيل مختلفة غير متآلفة، بل إنها متناقضة مع نفسها، ومع حقائق العالم الخارجي، لأنها فشلت في تنبؤات كثيرة، كالقول بنهاية العالم، وهذا القول قد يضايق النصراني العادي، بل قد يصدمه؛ ولكن بالنسبة للعالم النصراني فقد أصبح ذلك عنده حقيقة مسلم بها (١)، لِمَا أجراه من أبحاث، ولِمَا علمه من واقع الأناجيل. ٢ - الشواهد على التحريف من الأناجيل: (أ) جاء في إنجيل مرقس: أن المسيح قال لتلاميذه: ((اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن، وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يحملون حيّات، وإن شربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون)) (٢).

стр. 62

ففي هذا النص حجة على النصارى من وجهين: الوجه الأول: قولهم عن عيسى: إنه أمرهم أن يبشروا بالإنجيل، فدل ذلك على أن إنجيلاً أتاهم به وليس هو عندهم الآن، وإنما عندهم أربعة أناجيل متغايرة، وليس منها إنجيل أُلِّف إلا بعد رفع عيسى ﷺ بأعوام كثيرة، فصحّ أن ذلك الإنجيل الذي أخبر المسيح أنه أتاهم به وأمرهم بالتبشير به ذهب عنهم؛ لأنهم لا يعرفون له أصلاً، وهذا ما لا يمكن سواه. الوجه الثاني: قولهم: إنه وعد كل من آمن بدعوة التلاميذ أنهم يتكلمون بلغات لا يعرفونها، وينفون الجن عن المجانين، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرءون، ويحملون الحيّات، وإن شربُوا شربة قتَّالة لا تضرهم، وهذا وعد ظاهر الكذب؛ فإن ما من النصارى أحد يتكلم بلغة لم يتعلمها، ولا منهم أحد ينفي جنيّاً، ولا من يحمل حية فلا تضره، ولا من يضع يده على مريض فيُشفى، ولا منهم أحد يُسقى السم فلا يضره، وهم معترفون بأن يوحنا – صاحب الإنجيل – قتل بالسم وحاشا للَّه أن يأتي نبي بمواعيد كاذبة، وهذا دليل على تحريف النصارى وتناقضهم وتكذيبهم أنفسهم)) (١). (ب) ومن ذلك ما جاء في إنجيل متّى أن عيسى ﷺ دعا على شجرة تين خضراء، فيبست التينة في الحال، فتعجب التلاميذ من

стр. 63

ذلك، فقال لهم عيسى: ((الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان، ولا تشكُّوا أمر التينة فقط، بل إن قلتم أيضاً لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون)) (١). وهذا فيه حجّة على النصارى، وذلك أن الأمر لا يخلو من أن يكون النصارى مؤمنين بالمسيح ﷺ ، أو غير مؤمنين، فإن كانوا مؤمنين، فقد كذبوا المسيح فيما نسبوه إليه في هذه المقالة – وحاشا له من الكذب – فليس منهم أحد قدر على أن يأمر حبة من خردل بالانتقال فتنتقل، فكيف على قلع جبل وإلقائه في البحر! وإن كانوا غير مؤمنين به فهم بإقرارهم هذا كفار، ولا يجوز أن يصدق كافر (٢). وبهذا يتبين أن الأناجيل وقع فيها تحريفٌ عظيم، ولا يعتمد عليها، ولا مخرج من هذا التيه إلا بالدخول في الإسلام. المسلك الخامس: إثبات اعتراف المنصفين من علماء النصارى: من حكمة القول مع النصارى في دعوتهم إلى اللَّه الاستشهاد عليهم بشهادة المنصفين من علماء النصارى، ومن وفقه اللَّه منهم

стр. 64

للإسلام، فإن هذا من باب ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ (١)، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي: ١ - النجاشي ملك الحبشة ﵀ و ﵁ -: عندما قرأ جعفر بن أبي طالب ﵁ على النجاشي (٢) صدراً من سورة مريم، بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكى أساقفته حين سمعوا ما تُلي عليهم، وقال النجاشي للوفد: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ فقال جعفر ﵁: يقول فيه قول اللَّه: هو روح اللَّه وكلمته، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر ... فتناول النجاشي عوداً فرفعه، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد على ما تقولون في ابن مريم ما تزن هذه، وقال للوفد: مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول اللَّه، وأنه الذي بشَّر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعله ... (٣). ٢ - سلمان الفارسي ﵁ وأرضاه: قصة سلمان مشهورة عجيبة (٤)، فقد عاش مع مجموعة من

стр. 65

علماء النصارى، وعندما كان مع آخر عالم من هؤلاء بعمورية بالروم حضرته الوفاةُ، فأوصى سلمان الفارسي وقال: ((قد أظلَّكَ زمان نبي يُبعثُ من الحرم، مهاجره بين حرتين إلى أرض سبخة ذات نخل، وإن فيه علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل، فإنه قد أظلك زمانه)). وسافر سلمان ووجد العلامات التي وصفت له، فأسلم ﵁ (١). ٣ - هرقل عظيم الروم: قال هرقل لأبي سفيان في آخر حديثه: (( ... وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا اللَّه ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فإن كان ما تقول حقّاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه ... )) (٢).

стр. 66

ثم قال للروم بعد ذلك: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت مُلككم فتبايعوا هذا النبي؟ (١) ولكن رغب في ملكه وضنَّ به، فلم يسلم! وهذا مما يبيّن أن عدول أهل الكتاب ومنصفيهم قد شهدوا لرسول اللَّه ﷺ وأنه رسول اللَّه حقّاً، فلا يقدح قدح المكذبين بعد ذلك (٢). وقد أسلم الجمُّ الغفير من علماء النصارى وشهدوا بأن محمداً ﷺ رسولُ اللَّه إلى الناس أجمعين، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٣). فحريٌّ بجميع النصارى أن يسيروا على طريق علمائهم المنصفين، ويسلموا للَّه رب العالمين. فينبغي للداعية إلى اللَّه أن لا يُغفل هذا المسلك في دعوته للنصارى إلى اللَّه تعالى (٤).

стр. 67

المبحث الثالث: البراهين على إثبات الرسالة المحمدية وعمومها من أعظم الأقوال الحكيمة في دعوة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن تبيّن لهم البراهين والأدلة القطعية الدالة على صدق رسالة محمد ﷺ إلى الناس أجمعين. ولا شك أن الآيات والبينات الدالة على نبوته ﷺ وعموم رسالته كثيرة متنوعة، وهي أكثر وأعظم من آيات غيره من الأنبياء، وجميع الأنواع تنحصر في نوعين: (أ) منها: ما مضى وصار معلوماً بالخبر الصادق كمعجزات موسى وعيسى. (ب) ومنها: ما هو باق إلى اليوم كالقرآن، والعلم والإيمان اللذين في أتباعه، فإن ذلك من أعلام نبوته، وكشريعته التي أتى بها، والآيات التي يظهرها اللَّه وقتاً بعد وقتٍ من كرامات الصالحين من أمته، وظهور دينه بالحجة والبرهان، وصفاته الموجودة في كتب الأنبياء قبله وغير ذلك (١)، وهذا باب واسع لا أستطيع حصره؛ ولكن سأقتصر في إثبات نبوته ﷺ وعموم رسالته على المسالك الآتية: المسلك الأول: معجزات القرآن العظيم. المسلك الثاني: معجزاته ﷺ الحسية.

стр. 68

المسلك الثالث: عموم رسالته ﷺ . المسلك الأول: معجزات القرآن العظيم: المعجزة لغة: ما أُعجزَ به الخصم عند التحدي (١). وهي أمر خارق للعادة يعجز البشر متفرقين ومجتمعين عن الإتيان بمثله، يجعله اللَّه على يد من يختاره لنبوته؛ ليدلّ على صدقه وصحة رسالته (٢). والقرآن الكريم كلام اللَّه المنزل على محمد ﷺ هو المعجزة العظمى، الباقية على مرور الدهور والأزمان، المعجز للأولين والآخرين إلى قيام الساعة (٣)، قال ﷺ : ((ما من الأنبياء نبيّ إلا

стр. 69

أعطي من الآيات على ما مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه اللَّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة (((١). وليس المراد في هذا الحديث حصر معجزاته ﷺ في القرآن، ولا أنه لم يؤت من المعجزات الحسية كمن تقدمه، بل المراد أن القرآن المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره؛ لأن كل نبي أُعطي معجزة خاصة به، تحدّى بها من أُرسل إليهم، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه، ولهذا لما كان السحر فاشياً في قوم فرعون جاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة، لكنها تلقف ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره. ولما كان الأطباء في غاية الظهور جاء عيسى بما حيّر الأطباء، من: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وكل ذلك من جنس عملهم، ولكن لم تصل إليه قدرتهم. ولما كانت العرب أرباب الفصاحة والبلاغة والخطابة جعل اللَّه – سبحانه – معجزة نبينا محمد ﷺ القرآن الكريم الذي (٢) ﴿لا يَأْتِيهِ

стр. 70

الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١). ولكن معجزة القرآن الكريم تتميز عن سائر المعجزات؛ لأنه حجة مستمرة، باقية على مرّ العصور، والبراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها، أما القرآن فلا يزال حجة قائمة كأنما يسمعها السامع من فم رسول اللَّه، ولاستمرار هذه الحجة البالغة قال ﷺ : ((فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يومَ القيامة)) (٢). والقرآن الكريم آية بيّنة، معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، والبلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أمر بها، ومعانيه التي أخبر بها عن اللَّه - تعالى - وأسمائه وصفاته وملائكته، وغير ذلك من الوجوه الكثيرة التي ذكر كل عالمٍ ما فتح اللَّه عليه به منها (٣)، وسأقتصر على أربعة وجوه من باب المثال لا الحصر بإيجاز كالآتي: الوجه الأول: الإعجاز البياني والبلاغي: من الإعجاز القرآني ما اشتمل عليه من البلاغة والبيان،

стр. 71

والتركيب المعجز، الذي تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله، فعجزوا عن ذلك، قال تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاّ يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (٢). وبعد هذا التحدي انقطعوا فلم يتقدم أحد، فمدّ لهم في الحبل وتحداهم بعشر سور مثله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٣). فعجزوا فأرخى لهم في الحبل فقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٤)، ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة، فقال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٥).

стр. 72

فقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ أي: فإن لم تفعلوا في الماضي، ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، فثبت التحدي، وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بسورة من مثله فيما يستقبل من الزمان، كما أخبر قبل ذلك، وأمر النبي وهو بمكة أن يقول: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١). فعم بأمره له أن يخبر جميع الخلق معجزاً لهم، قاطعاً بأنهم إذا اجتمعوا لا يأتون بمثل هذا القرآن، ولو تظاهروا وتعاونوا على ذلك، وهذا التحدي لجميع الخلق، وقد سمعه كل من سمع القرآن، وعرفه الخاص والعام، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوه، ولا أتوا بسورة مثله من حين بُعِثَ ﷺ إلى اليوم والأمر على ذلك (٢). والقرآن يشتمل على آلاف المعجزات؛ لأنه مائة وأربع عشرة سورة، وقد وقع التحدي بسورة واحدة، وأقصر سورة في القرآن سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات قصار، والقرآن يزيد بالاتفاق على ستة آلاف ومائتي آية، ومقدار سورة الكوثر من آيات أو آية طويلة على ترتيب كلماتها له حكم السورة الواحدة، ويقع بذلك التحدي والإعجاز (٣)، ولهذا كان القرآن الكريم يغني عن جميع المعجزات

стр. 73

الحسية والمعنوية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. الوجه الثاني: الإخبار عن الغيوب: من وجوه الإعجاز القرآني أنه اشتمل على أخبار كثيرة من الغيوب التي لا علم لمحمد ﷺ بها، ولا سبيل لبشر مثله أن يعلمها، وهذا مما يدلّ على أن القرآن كلام اللَّه - تعالى - الذي لا تخفى عليه خافية: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (١). والإخبار بالغيوب أنواع: النوع الأول: غيوب الماضي: وتتمثل في القصص الرائعة وجميع ما أخبر اللَّه به عن ماضي الأزمان. النوع الثاني: غيوب الحاضر: أخبر اللَّه رسوله ﷺ بغيوب حاضرة، ككشف أسرار المنافقين، والأخطاء التي وقع فيها بعض المسلمين، أو غير ذلك مما لا يعلمه إلا اللَّه، وأطلع عليه رسوله ﷺ . النوع الثالث: غيوب المستقبل ، أخبر اللَّه رسوله ﷺ بأمور لم تقع، ثم وقعت كما أخبر، فدلّ ذلك على أن القرآن كلام اللَّه، وأن محمداً

стр. 74

- ﷺ رسول اللَّه (١). الوجه الثالث: الإعجاز التشريعي: القرآن العظيم جاء بهدايات كاملة تامّة، تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان ومكان؛ لأن الذي أنزله هو العليم بكل شيء، خالق البشرية والخبير بما يُصلحها ويُفسدها، وما ينفعها ويضرّها، فإذا شرع أمراً جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢). ويزداد الوضوح عند التأمل في أحوال الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عجزها عن معالجة المشكلات البشرية ومسايرة الأوضاع والأزمنة والأحوال، مما يضطر أصحابها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة والنقص، فيُلْغُونَ غداً ما وضعوه اليوم؛ لأن الإنسان محلّ النقص والخطأ، والجهل لأعماق النفس البشرية، والجهل بما يحدث غداً في أوضاع الإنسان وأحواله، وفيما يصلح البشرية في كل عصر ومصر. وهذا دليل حسي مُشاهد على عجز جميع البشر عن الإتيان

стр. 75

بأنظمة تصلح الخلق وتقوّم أخلاقه، وعلى أن القرآن كلام اللَّه سليم من كل عيب، كفيل برعاية مصالح العباد، وهدايتهم إلى كل ما يصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة إذا تمسكوا به واهتدوا بهديه (١)، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٢). وبالجملة فإن الشريعة التي جاء بها كتاب اللَّه - تعالى - مدارها على ثلاث مصالح: المصلحة الأولى: درء المفاسد عن ستة أشياء (٣): حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب، والعرض، والمال. المصلحة الثانية: جلب المصالح (٤): فقد فتح القرآن الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين، وسدّ كل ذريعة تؤدي إلى الضرر. المصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات. فالقرآن الكريم حلّ جميع المشاكل العالمية التي عجز عنها البشر، ولم يترك جانباً من الجوانب التي يحتاجها البشر في الدنيا
следующие страницы →