← Общие книги

Общие книги · id 96519

كيفية دعوة عصاة المسلمين إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (71 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني كيفية دعوة عصاة المسلمين إلى اللَّه تعالى في ضوء الكتاب والسنة تأليف الفقير إلى اللَّه تعالى د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: فهذه رسالة مختصرة في ((كيفية دعوة عصاة المسلمين إلى اللَّه تعالى)) بيّنت فيها بإيجاز الأساليب والوسائل والطرق المناسبة في كيفية دعوتهم إلى اللَّه تعالى على حسب أحوالهم، وعقولهم، ومجتمعاتهم. واللَّه تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل اليسير مباركاً، نافعاً، خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه تعالى خير مسؤول، وأكرم مأمول وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى اللَّه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد بن عبد اللَّه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. المؤلف حرر ضحى يوم الخميس ٢٥/ ٢/١٤٢٥هـ

стр. 3

توطئة: إن من حكمة القول في الدعوة إلى اللَّه - تعالى - أن يُخاطب الناس على قدر عقولهم، وأحوالهم، وعقائدهم، وأوضاعهم، وليس من الحكمة أن يُخاطب المسلم - في توجيهه وإرشاده وحثّه على الالتزام والتمسك بدينه - كما يُخاطب الملحد، أو الوثني، أو اليهودي، أو النصراني، أو غيرهم من الكفار. ولا شك أن المسلمين ينقسمون إلى قسمين: القسم الأول من المسلمين: وهم الذين ينقادون للحق ولا يعاندون ، فهؤلاء يكفي في دعوتهم بالقول الحكيم أن يبيَّن لهم الحق علماً وعملاً واعتقاداً، وحينئذ ينقادون لذلك - بإذن اللَّه تعالى -. أما القسم الثاني من المسلمين: وهم الذين عندهم غفلة وشهوات وأهواء ، وهم عُصاة المسلمين، فهذا القسم تكون دعوتهم بالحكمة القولية حسب المباحث الآتية: المبحث الأول: الموعظة الحسنة وأنواعها. المبحث الثاني: الترغيب والترهيب. المبحث الثالث: حكمة القول التصويرية. المبحث الرابع: الدعوة بالقوة القولية والفعلية.

стр. 4

المبحث الأول: الموعظة الحسنة وأنواعها: الموعظة: هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والقول الحق الذي يُلين القلوب، ويؤثر في النفوس، ويكبح جماح النفوس المتمردة، ويزيد النفوس المهذبة إيماناً وهداية (١)، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٣). والداعية إلى اللَّه - تعالى - ينبغي أن يكون وعظه للناس بالقول الحكيم على نوعين: تعليم، وتأديب. النوع الأول: وعظ التعليم: وهذا النوع يكون ببيان عقائد التوحيد، وبيان الأحكام الشرعية الخمسة: من الواجب، والحرام، والمسنون، والمكروه، والمباح، ويراعى في ذلك كله ما يُناسب كل طبقة، والحث على التمسك بها، والتحذير من التهاون فيها.

стр. 5

ومن تدبر أسلوب القرآن علم أن الأحكام ينبغي أن تُساق إلى الناس مساق الوعظ الذي يليِّن القلوب، ويبعثها على العمل، ولا تسرد سرداً خالية من وسائل التأثير، ومما يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). فالأمر بتقوى اللَّه بعد النهي عن إتيان النساء في المحيض، والأمر بإتيانهن في موضع الحرث، والأمر بالتقديم لأنفسنا تحذيراً من مخالفة هذا الهدي الإلهي، وقوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ﴾ إنذار للذين يُخالفون عن أمره بأنهم يُلاقون جزاء مخالفتهم في الآخرة، ويحاسبون على أعمالهم. وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تبشير للطائعين الذين يقفون عند الحدود، ويتبعون هدى اللَّه – تعالى – والمبشر به عام يشمل منافع الدنيا، ونعيم الآخرة، وحصول كل خير، واندفاع كل شر – رتّب على الإيمان – داخل في هذه الآية. ومما يزيد ذلك وضوحاً وبياناً أن اللَّه بعد أن ذكر أحكام

стр. 6

الفرائض وتقسيم التركات ختم ذلك بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (١). وهذان مثالان يُبينان أن الداعية إلى اللَّه إذا سلك في هذا النوع طريقة القرآن الكريم؛ فإنه سيجتذب الأسماع، ويأخذ بمجامع القلوب ويلينها، وحينئذ تستقبل العقائد والأحكام بإذن اللَّه للعمل والتطبيق برغبة واشتياق (٢). النوع الثاني: وعظ التأديب: وهذا يكون بتحديد الأخلاق الحسنة: كالحلم والأناة، والشجاعة، والوفاء، والصبر، والكرم ... ، وبيان آثارها ومنافعها في المجتمع، والحثّ على التخلق بها والتزامها، وتعريف وتحديد الأخلاق السيئة: كالغضب، والعجلة، والغدر، والجزع، والجبن، والبخل، ... والتحذير عن الاتصاف بها من طريقي: الترغيب والترهيب. وينبغي للداعية إلى اللَّه أن يستشهد في كل من النوعين بما جاء

стр. 7

فيه من الكتاب والسنة الثابتة عن النبي ﷺ ، وآثار الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، وأحوالهم في ذلك؛ فإن لهذا شأناً عظيماً يوصّل إلى الغاية المقصودة متى صدر من قلب سليم نقيّ متخلّق بما يدعو إليه؛ لأن الموعظة في الغالب إذا صدرت من القلب وقعت في القلب، وإن خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان. وإذا أراد الداعية أن تكون موعظته مُؤثرة بليغة، فإن عليه الآتي: ١ - ينظر إلى المنكرات المنتشرة ، ولا سيما ما كان منها قريب العهد، وحديثه على ألسنة الناس. ٢ - ثم يقدم من هذه المنكرات أكبرها ضرراً، وأسوأها أثراً ، فيجعلها محور خطابته، وموضع موعظته. ٣ - ثم يفكر فيما ينشأ عن هذا المنكر من الأضرار: الخلقية، والاجتماعية، والصحية، والمالية. ٤ - ثم يستحضر ما جاء في ذلك من الآيات ، والأحاديث الصحيحة، أو الحسنة، وأقوال الصحابة، والأبيات الشعرية الحكيمة. ٥ - ثم يأخذ في كتابة الموضوع إن شاء كتابته، ويضمنه ما فيه من تلك المضارّ ، وما ورد فيه عن الشارع، محذراً من الوقوع فيه، حاثّاً على التوبة منه. أما إذا أراد الحثّ على العمل الصالح النافع ، فيتبع ما يلي:

стр. 8

١ - يفكر في مزاياه وآثاره الحسنة تفكيراً عميقاً . ٢ - يستحضر ما يُناسبه من الكتاب وصحيح السنة وآثار الصحابة . ٣ - ثم يسلك في الكتابة المسلك السابق . فإذا كتب الموضوع، فإن شاء حفظه وألقاه، وإن شاء ذكر مضمونه، وذِكْرُ المضمون أحسن الأمرين، حتى لا يكون مقيداً بعبارة خاصة، ويتخيّر من العبارات ما يُؤدي إلى المعاني التي حصل عليها ببحثه وتفكيره. وإن شاء عدم الكتابة واكتفى برسم الموضوع في مخيلته وتسطيره في ذاكرته التي قواها بالمران والتجارب والممارسة كان ذلك أحسن وأكمل، وبتوفيق اللَّه ثم بإعداد الموضوع واستحضاره بأدلته تماماً، وتقسيمه بحسب نقطه إلى أقسام، يكون الداعية في مأمن من الزلل بإذن اللَّه تعالى. وبعد ذلك ينبغي أن يراعي في حال التأدية والإلقاء استعداد السامعين، فينزل في العبارة مع العامة على قدر عقولهم متجنباً الألفاظ البعيدة عن أفهامهم، ويتوسط مع أوساط الناس، ويتأنق مع الخاصة، فيكون مع جميع الطبقات حكيماً يضع الأشياء في مواضعها، وبكل حال عليه أن يختار المعاني النفيسة، وتنسيقها، وشرحها بالدقة، وإبلاغها أذهان السامعين، وإنفاذها في قلوبهم، ودفع السآمة والملل عنهم، بإيراد الشواهد عليه من الحكم النثرية

стр. 9

والشعرية، والفكاهات الأدبية، بشرط التزام ظلال الكتاب والسنة، وبذلك يكون الداعية موفقاً مؤثراً بإذن اللَّه – تعالى – إذا قصد إبلاغ الناس بإخلاص وصدق ورغبة فيما عند اللَّه – تعالى - (١).

стр. 10

المبحث الثاني: الترغيب والترهيب من حكمة القول في أسلوب الدعوة إلى اللَّه - تعالى - مع عصاة المسلمين وغيرهم: أن يسلك الداعية في دعوته إلى اللَّه مسلكي: الترغيب والترهيب؛ لأنه أسلوب له تأثيره في نفوس كثير من البشر؛ فإن الإنسان جُبِلَ على حب الخير، والرغبة في الحصول على كل محبوب، كما طُبِعَ على بغض الشر، وما يُصيبه من بلاء في النفس، أو المال، أو الأهل، وحينئذ فغريزة حب الإنسان لنفسه تدفعه إلى أن يحقق لها كل خير، ويحميها من كل شر، سواء كان ذلك عاجلاً أو آجلاً؛ ولذلك فالترغيب والترهيب يفيض بهما بحرا الكتاب والسنة (١)، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢). فالقرآن يهدي لأقوم الطرق، وأوضح السبل، ومن هدايته الترغيب بوعد الطائعين الحافظين لحدود اللَّه - تعالى - بعظيم الخير، وتبشيرهم بحسن المثوبة، والترهيب بوعيد المخالفين الذين تعدوا حدود اللَّه - تعالى - بشديد العذاب، وإنذارهم بسوء العاقبة،

стр. 11

ومن المعلوم يقيناً أن الوعد بالخير يعمّ خير الدنيا والآخرة وسعادتهما، والوعيد يشمل نقم الدنيا والآخرة وشقاءهما (١). وهذا يجعل الداعية إلى اللَّه - تعالى - يهتم اهتماماً بالغاً بهذين الأسلوبين الحكيمين، وسأتناول ذلك - بإذن اللَّه تعالى- بشيء من الإيضاح في المسلكين الآتيين: المسلك الأول: الترغيب والتبشير . المسلك الثاني: الترهيب والإنذار. المسلك الأول: الترغيب والتبشير: من الحكمة القولية في الدعوة إلى اللَّه أن يذكر الداعية إلى اللَّه من هذا المسلك ما يُفيد في حمل الناس على التشمير عن ساعد الجد في طاعة اللَّه - تعالى - لنيل السعادة في الدنيا والآخرة. والترغيب قسمان: القسم الأول: الترغيب في جنس الطاعات . القسم الثاني: الترغيب في أنواع الطاعات. القسم الأول: الترغيب في جنس الطاعات: وهذا القسم له أنواع وصور متعددة، أذكر منها على سبيل المثال ما يلي:

стр. 12

النوع الأول: الترغيب بالوعد بالخير العاجل في الدنيا: عندما يتحقق الإيمان والاستقامة عليه بطاعة اللَّه - تعالى - وتقواه تحصل السعادة والبركات العاجلة في الدنيا قبل الآخرة، وما في الآخرة أعظم، ومن صور هذه الخيرات ما يأتي: ١ - الترغيب بالوعد بالحياة الطيبة والسلامة من كل مكروه ، قال تعالى ترغيباً في صالح العمل مع الإخلاص فيه والمتابعة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١). ٢ - الترغيب بالوعد بالاستخلاف في الأرض والتمكين: قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢). ٣ - الترغيب بالوعد بالإمداد بأنواع الخيرات والزيادة مع الشكر ، قال تعالى عن نوح ﷺ : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ

стр. 13

وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ (١)، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٢). ٤ - الترغيب بالمد في العمر إلى استيفاء الآجال، وعدم المعاجلة بالعقوبة ، قال تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ (٣)، فمن عبد اللَّه واتقاه، وأطاع رسوله ﷺ ، وتاب من جميع المعاصي، غفر اللَّه له ذنوبه، ومدّ في عمره، ودفع عنه الهلاك إلى حين استيفاء أجله (٤). ٥ - الترغيب بالوعد بأنواع التأييد والنصر والتوفيق: (أ) الوعد بولاية اللَّه - تعالى -: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ (٥). (ب) الوعد بالدفاع عنهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (٦).

стр. 14

(ج) الوعد بالكفاية: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١). (د) الوعد بالنصر: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). (هـ) الوعد بالعزة والعلو: ﴿وَللَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٤). (و) الوعد بمحبة اللَّه للمؤمنين: وهذا باب واسع، قد ذكر اللَّه فيه أنه يحب التوابين، والمتطهرين، والمتقين، والمحسنين، والصابرين، والمتوكلين، والمقسطين، والذين يقاتلون في سبيله صفّاً كأنهم بنيان مرصوص (٥). (ز) الوعد بمحبة عباد اللَّه للمؤمنين ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (٦).

стр. 15

(ح) الوعد بالهداية والتوفيق ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (١). (ط) الوعد بعدم تسليط الأعداء عليهم: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (٢). (ي) الوعد بالأمن، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (٣). (ك) الوعد بحفظ سعي المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (٤). (ل) الوعد بازديادهم من العلم والفهم: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٥). النوع الثاني: الترغيب بذكر سنة اللَّه تعالى فيمن مضى من عباده المخلصين: من حكمة القول مع عُصاة المؤمنين في دعوتهم إلى اللَّه أن

стр. 16

يبين لهم أن سنة اللَّه لا تتخلف في نصرة عباده المؤمنين ورحمته بهم حين يتجهون إليه - سبحانه - بإظهار كمال العبودية له، والافتقار إليه، وهم في حالة من الكرب أو الضيق أو الحاجة، فتدركهم رحمته سبحانه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٢). وفي ذكر الداعية إلى اللَّه سنة اللَّه فيمن مضى من عباده المؤمنين إطماع لعباد اللَّه في الحصول على أمثالها للمؤمنين إذا اتجهوا إلى اللَّه - تعالى - بقلوب صادقة، وترغيب للمعرضين في انقيادهم لأمر اللَّه - تعالى - حتى يكونوا من المحسنين، فتصيبهم رحمة اللَّه - تعالى - (٣)، وهذا النوع له أمثلة كثيرة جداً، منها ما يلي: ١ - إجابة اللَّه لدعوة آدم وحواء بعد أن وقَعَا في المعصية ، ثم تابا إلى اللَّه: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤)، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ... ﴾ (٥).

стр. 17

٢ - إجابته تعالى لنبيه أيوب بعد أن بلغ به الضر منتهاه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (١). ٣ - استجابته تعالى ليونس: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاّ إِلَهَ إِلاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ* لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٣). ٤ - إنجاؤه تعالى لأنبيائه وعباده المؤمنين عند حلول العذاب بأقوامهم المكذبين ، وهذا باب واسع، ومن ذلك إنجاء نوح (٤)، وهود (٥)، وصالح (٦)، وإبراهيم ولوط (٧)، وشعيب (٨)، وموسى

стр. 18

وهارون (١)، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من بني إسرائيل (٢)، وغيرهم، فقد أنجى سبحانه هؤلاء ومن تبعهم وأهلك أعداءهم. النوع الثالث: الترغيب بالوعد بالخير الآجل الأعظم في الآخرة: جاء في كتاب اللَّه - تعالى - وفي سنة رسوله ﷺ الوعد بالخير الآجل، والنعيم المقيم والرضوان، والأمن التام، والرحمة والمغفرة وتكفير السيئات، كل ذلك لمن تحقق فيه شرط الإيمان والعمل الصالح، وهذا باب واسع يزخر به بحر الكتاب والسنة، ولا يتسع المقام لذكر الأمثلة على ذلك. فعلى الداعية العناية بكتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ حتى يقدم للناس القول الحكيم الذي يرضي الرب الحكيم (٣). النوع الرابع: الترغيب بذكر أحوال المؤمنين في الجنة وما أعد اللَّه لهم: وهذا النوع من الترغيب يزخر به كتاب اللَّه - تعالى - وسنة رسوله ﷺ ، ولا يحصر ما أعد اللَّه لعباده المؤمنين في جنات النعيم من النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، ولهذا قال ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: ((قال اللَّه: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت،

стр. 19

ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرأوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾)) (١)، وهذا مما يجعل العاقل يشمِّر عن ساعد الجدَّ؛ ليسعد بهذا الفوز العظيم، والسعادة الأبدية، والنعيم الدائم الذي يعجز دونه الوصف، ومن هذا النعيم على سبيل المثال (٢): ما ذكر اللَّه من نعيم أهل الجنة وصفاتهم، ومن ذلك: رضوانه تعالى؛ فإنه أكبر النعيم (٣)، وأنهار الجنة (٤)، ومساكن أهلها (٥)، وزوجاتهم (٦)، وحُليهم (٧)،

стр. 20

وطعامهم (١)، وشرابهم (٢)، وصفاتهم (٣)، وأطوالهم (٤)، وفواكههم (٥)، ولباسهم (٦)، وأعظم نعيم أهل الجنة النظر إلى وجه اللَّه الكريم (٧)، فالداعية إذا استخدم هذا النوع من الترغيب يجذب قلوب الناس إلى الرغبة في هذا النعيم الدائم. القسم الثاني: الترغيب في أنواع الطاعات: وهذا القسم مهمٌّ جدّاً لا يقل أهمية عن القسم الأول، والناس يحتاجون إليه؛ ليشمروا عن ساعد الجد في عمل أنواع الطاعات، فينبغي للداعية إلى اللَّه أن لا يغفل هذا الجانب، ويهتم بترغيب الناس بالأقوال الحكيمة في أنواع البر والإحسان، وجميع أنواع الطاعات: كحثهم على تحقيق كلمة الإخلاص، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد لإعلاء كلمة اللَّه، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وإصلاح ذات البين، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام، وغير ذلك.

стр. 21

وكذلك ينبغي ترغيب الناس في أنواع الفضائل النفسية: كالشجاعة، والعفة، والصدق، والوفاء، والأمانة، والإخلاص، والحلم، والتواضع، والكرم، والصبر، وطهارة الضمير، وحبّ الخير للناس، والعدل والإحسان، وغير ذلك مما ينفع الأمة في العاجل والآجل بذكر ما جاء فيها من الترغيب من الكتاب والسنة الصحيحة والحسنة والآثار الثابتة مع شرح ذلك شرحاً وافياً حسبما تدعو إليه الحاجة (١). ومن أمثلة الترغيب في هذه الأنواع: قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ

стр. 22

يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ* وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١)، وغير ذلك كثير من كتاب اللَّه تعالى (٢). وكذا قد جاء عن النبي ﷺ الترغيب في أنواع الطاعات من الأحاديث ما لا يُحصى، ومن ذلك قوله ﷺ لعبد اللَّه بن عمرو: ((أربع إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانةٍ، وصدقُ حديثٍ، وحُسنُ خليقةٍ، وعفّةٌ في طعمةٍ)) (٣). ومن هذا النوع حديث معاذ بن جبل حينما سأل النبي ﷺ عما يدخله الجنة ويباعده عن النار، فعدّ له النبي ﷺ اثنتي عشرة خصلة من أنواع الطاعات (٤).

стр. 23

فالداعية إذا استخدم هذه الأنواع وُفِّقَ بإذن اللَّه للصواب (١). المسلك الثاني: الترهيب والإنذار: من حكمة القول أن يذكر الداعية إلى اللَّه من هذا المسلك الأمور النافعة المفيدة في حمل الناس على ترك الجرائم والذنوب، والتحذير والإنذار من كل المعاصي، والإصرار عليها. والترهيب قسمان: القسم الأول: الترهيب بذكر الوعيد بالعذاب والعقوبات على جنس المعاصي والذنوب . القسم الثاني: الترهيب بذكر الوعيد والعقوبات على أنواع الذنوب وآحادها. القسم الأول: الترهيب بذكر الوعيد بالعذاب والعقوبات على جنس المعاصي والذنوب: وهذا القسم له أنواع وصور متعددة، أذكر منها على سبيل المثال ما يلي: النوع الأول: الترهيب بذكر الوعيد بالحرمان من الخير العاجل ، أو الأخذ بالعذاب العاجل: الإصرار على المعاصي والسيئات من أسباب الابتلاء بالفقر،

стр. 24

والضيق في العيش، والإصابة بالأمراض والأسقام، والحرمان من الخيرات العاجلة والآجلة، وهي أعظم الأسباب في إهلاك الأمم والجماعات والأفراد بالدمار والهلاك (١)، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٢). وهو سبحانه يعفو عن كثير من السيئات فلا يُجازي عليها ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ (٣). وكل ما يحدث في الأرض من المصائب، وقلة الثمار، وقحط الأمطار، فإنما هو من عقوبة بعض ما عمل الناس من الذنوب (٤): ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥). ويمكن للداعية أن يستخدم هذا النوع في دعوته على ضربين: الضرب الأول: ذكر ما حل بالقرى من الأخذ بالدمار أو الحرمان من الخيرات التي كانت بين أيديهم بسبب ظلمهم أنفسهم

стр. 25

واستكبارهم، وعدم شكرهم للَّه الرزَّاق، ومن ذلك ما حل بفرعون وقومه: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ (١)، وغير ذلك كثير مما حل بالقرى المكذبة للرسل عليهم الصلاة والسلام (٢). الضرب الثاني: الترهيب بذكر ما وقع لجماعات أو أفراد من الأخذ العاجل أو الحرمان من الخيرات، ومن ذلك ما حلَّ بالجماعات والأفراد الآتي ذكرهم: ١ - ما ذكره اللَّه عن قوم سبأ، وما كانوا فيه من النعم والغبطة والسرور، فلم يشكروا اللَّه، فحل بهم الدمار والخراب والحرمان (٣). ٢ - وما ذكر اللَّه في قصة قارون (٤). ٣ - وصاحب الجنتين الذي تكبّر على صاحبه الفقير (٥). ٤ - وأصحاب الجنة الذين تعاهدوا أن يحرموا الفقراء والمساكين فحرمهم اللَّه جنتهم ودمرها (٦)، وغير ذلك من الأمثلة كثير.

стр. 26

النوع الثاني: الترهيب بالإنذار من حلول العذاب العاجل: هذا النوع يُوجهه الداعية إلى المعرضين عن طاعة اللَّه إذا ظلوا على إصرارهم وعنادهم واستكبارهم عن قبول الحق بعد وضوحه، ولزوم الحجة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)، ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ (٣). وغير ذلك كثير في كتاب اللَّه – تعالى – وسنة رسوله ﷺ (٤). النوع الثالث: الترهيب بذكر مصير الأمم التي كذبت رسلها: وهذا النوع له أعظم الأثر والوقع في النفوس؛ لأنه من أعظم

стр. 27

العبر لمن اعتبر؛ ولأنه يُبين سنة اللَّه فيمن كذب الرسل عليهم الصلاة والسلام أو وقفَ من دعوتهم موقف الإعراض والاستكبار، ثم بعد إقامة الحجة عليهم وقع بهم الدمار والهلاك، وهذا باب واسع لا يمكن حصره، ومن ذلك قوله لمحمد ﷺ : ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ* وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ، وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ* فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ الآية (١)، ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ* فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٢). ومن أنواع عذاب بعض هؤلاء المكذبين على سبيل المثال: ١ - قوم نوح: أهلكهم اللَّه بالغرق ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (٣).

стр. 28

٢ - عاد قوم هود: سلط اللَّه عليهم الريح فألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخلٍ منقعر، خاوية، فدمرت الريح كل شيء بأمر ربها (١). ٣ - ثمود قوم صالح: أرسل اللَّه عليهم الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم ، وماتوا عن آخرهم فأصبحوا في دارهم جاثمين (٢). ٤ - قوم لوط: رفع اللَّه قراهم إلى السماء، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها ، ثم أتبعهم بحجارة أمطرها عليهم، ولإخوانهم أمثالها (٣). ٥ - مدين قوم شعيب: أظلتهم سحابة وأمطرت عليهم شرراً من نار، ولهباً ووهجاً ، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض من أسفل منهم (٤). ٦ - فرعون وقومه: أغرقهم اللَّه في البحر (٥). ٧ - قارون: خسف اللَّه به وبداره الأرض (٦).

стр. 29

النوع الرابع: الترهيب بالوعيد بالعذاب الآجل في الآخرة: الوعيد بالعذاب الآجل يوم القيامة هو من الأقوال العظيمة الحكيمة التي تلينُ لها قلوب أهل العقول، حين تُذكّر ببطش اللَّه ونقمته وعذابه الأليم، لمن حادّ اللَّه ورسوله وتعدى حدوده، ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (١)، ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٢)، ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٣). وهذا النوع كثير في كتاب اللَّه - تعالى - وسنة رسوله ﷺ (٤). النوع الخامس: الترهيب بوصف حال الكفار والمجرمين وما أعد اللَّه لهم من عذاب في الآخرة: من المعلوم يقيناً أن وصف الداعية الحكيم أحوال الكفار والمنافقين والعُصاة وهم يتلقون أنواعاً من العذاب الأليم، وذكره لبعض ما أعد اللَّه لهم في الآخرة من أصناف العذاب والعقاب، مما يُثير الخوف والرعب والفزع في النفوس، ويحملها على أن تفر إلى

стр. 30

اللَّه ربها فتُخلص له العبودية وتتوب إليه؛ لتنجو من عذابه، ومن خزي هذا اليوم العظيم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٢)، ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ* يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ (٣). وقد ذكر سبحانه لباسهم في النار وشرابهم (٤)، وطعامهم (٥)، وسلاسلهم وأغلالهم، وأنكالهم، ومقامعهم، وعظم أجسادهم (٦)،

стр. 31

وهذا لهم من أعظم الخسران المبين: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (١). النوع السادس: الترهيب بالعذاب النفسي يوم القيامة: من الحكمة القولية التي توجه إلى الغافلين والمعرضين والمصّرين على الجرائم والذنوب ذكر بعض ما بينه اللَّه من العذاب النفسي لأهل النار أعاذنا اللَّه منها، ومن هذا النوع على سبيل المثال: قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ،* رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ* قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ، قَالُوا رَبَّنَا

стр. 32

أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ* ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ للَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِير﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ، لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ (٢). وغير ذلك من أنواع العذاب النفسي، فإنهم عندما يسألون الخروج من النار، ثم تردُّ عليهم مسألتهم تتقطع قلوبهم همًّا وغمًّا (٣). القسم الثاني: الترهيب بذكر الوعيد بالعذاب والعقوبات على أنواع الذنوب وآحادها: هذا قسم مهمٌّ، والناس بحاجة إليه، ليبتعدوا عن آحاد المعاصي، ويُقلعوا عما تلبسوا به منها، ويُظهروا توبتهم الصادقة. فينبغي للداعية إلى اللَّه - تعالى - أن يهتم بهذا القسم، ويذكر ما ورد في الكتاب والسنة من الوعيد بالعذاب والعقوبات والنقم على آحاد الذنوب وأنواعها كالتهاون ببعض أمور العقيدة الإسلامية،

стр. 33

وكالتهاون بالصلاة والزكاة والصوم والحج عند الاستطاعة، والتحذير من عقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والتهاجر بين المسلمين، والشحناء، والإنذار من قتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، والزنا، واللواط، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل، وشرب الخمر، ولعب الميسر، والقذف، والغيبة، والنميمة، وأعظم من ذلك التحذير من الشركيات والبدع المحدثة في الدين، والسحر، وإتيان الكهنة، والعرافين، والتعلق بالأولياء والصالحين، وغير ذلك من أنواع المعاصي. ويلزم الداعية أن يحذر الناس بالقول الحكيم من أنواع الرذائل الخلقية: كالجبن، وعدم العفّة، والكذب، ونقض العهد، والغدر، والخيانة، والنفاق، والرياء، والغضب، والكبر، والبخل، والشحّ، والجزع عند المصائب، والحقد، والحسد، والتحذير من كل ما يضرّ الأمة في دينها ودنياها (١). فإذا ذكر الداعية ما ورد في ذلك من التحذير بالقول الحكيم أثمر ذلك مجتمعاً مستقيماً – بإذن اللَّه تعالى -. ونظراً لسعة هذا القسم وكثرة أنواعه فسأكتفي بالأمثلة الآتية: قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ

стр. 34

النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٣). أما الأمثلة من السنة، فمنها قوله ﷺ : ((اجتنبوا السبع المُوبقات)) قالوا: يا رسول اللَّه، وما هنّ؟ قال: ((الشرك باللَّه، والسّحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقدف المحصنات المؤمنات الغافلات)) (٤). وقال ﷺ : ((لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتى يعلنوا بها إلا فشَا فيهم الطاعون، والأوجاع، الت لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا الزكاة إلا مُنِعُوا القطرَ من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد اللَّه وعهد رسوله

стр. 35

إلا سلط اللَّه عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب اللَّه ويتخيَّروا مما أنزل اللَّه إلا جعل اللَّه بأسهم بينهم)) (١). وهذا من أعلام نبوته ﷺ ، فقد وقع ذلك كله بمن وقع في هذه المعاصي، ومن الأدلة المحسوسة على ذلك مرض الإيدْز، الذي وقع بمن أباحوا الفواحش. وقد لعن ﷺ من لعن والديه، ومن ذبح لغير اللَّه، ومن آوى محدثا، ولعن على فعل ذنوب كثيرة غير ذلك (٢). وذكر الداعية ذلك مما يدفع العصاة على الفرار من الذنوب والرجوع إلى اللَّه – تعالى – والنَّدم على ما مضى، واللَّه الموفق سبحانه (٣).

стр. 36

المبحث الثالث: حكمة القول التصويرية من حكمة القول في الدعوة إلى اللَّه - تعالى - استخدام الأساليب التصويرية التي تدخل على القلوب مباشرة فتؤثر فيها، وتشد أذهان المدعوين، وتشوقهم إلى الاستماع والاستفادة، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي: المسلك الأول: القصص الحكيم: القصة من خير ما يتوصل به الداعية الحكيم لإبلاغ دعوته إلى أعماق القلوب؛ لأن النفس تميل إليها، وترغب فيها، يقول سيد قطب ﵀: ((مما لا شك فيه أن للقصص طريقته الخاصة في عرض الحقائق وإدخالها إلى القلوب في صورة حية عميقة الإيقاع بتمثيل هذه الحقائق في صورتها الواقعية، وهي تجري في الحياة البشرية، وهذا أوقع في النفس من مجرد عرض الحقائق عرضاً تجريديّاً)) (١). وأفضل القصص ما جاء في القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، فقد بيّن اللَّه في كتابه العزيز أخبار الأمم الماضية أحسن بيان، ومن ذلك قصص الأنبياء وأقوامهم، وأثنى على أنبيائه ومن تبعهم من المؤمنين، وبيّن سنته في نصرتهم وتأييدهم، وذم الأمم التي كذبت رسلها، وبين سنته فيهم، وما أوقع بهم من العذاب والدمار،

стр. 37

وغير ذلك من القصص العظيم الحسن كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (١)، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ (٢). أما القصص من السنة فإن قدوة الداعية في ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فقد كان يقصّ على أصحابه القصص الذي ينفعهم، ويرغبهم في الخير، ويخوفهم من الوقوع في ضده، ومن ذلك: قصة الأبرص والأعمى والأقرع (٣)، ففي هذه القصة التحذير من كفران النعم والبخل، والتشويق إلى شكر النعم، والاعتراف بها للخالق، والإحسان إلى الناس (٤). وقصة الغلام مع الملك والساحر والراهب (٥)، وفيها تشويق الناس في الثبات على دين اللَّه، والتضحية بكل غال ورخيص في سبيل نصرة دين اللَّه وإظهاره.

стр. 38

وقصة الرجل الذي قتل مائة ثم تاب فتاب اللَّه عليه (١)، فإن في هذه القصة الإيضاح للناس أن من تاب تاب اللَّه عليه، وأن البيئة لها تأثير على الشخص، فلابد للتائب أن يلتمس الجليس الصالح، وغير ذلك كثير في السنة النبوية. المسلك الثاني: التشبيه وضرب الأمثال: في القرآن الكريم كثير من الأمثال المضروبة، والداعية لابد له من ذلك في دعوته، ومن ذلك أن اللَّه – تعالى – شبه المنفق في سبيله بمن بذر بذراً فأنبتت كل حبة سبع سنابل، اشتملت كل سنبلة على مائة حبة، واللَّه يُضاعف فوق ذلك لمن يشاء بحسب حال المنفق وإخلاصه (٢). ومثل المنفق رياء وسمعة بطلان عمله كمثل حجر أملس عليه تراب فأصابه مطر شديد، فتركه أملسَ لا شيء عليه (٣). وشبه سبحانه الدنيا في زهرتها وسرعة زوالها بالماء الذي ينزل من السماء فأنبت الكلأ والعشب، ثم صار بعد هذه النضرة هشيماً (٤)، وغير ذلك كثير في كتاب اللَّه تعالى (٥).

стр. 39

وضرب النبي ﷺ الأمثال في دعوته، ومن ذلك تشبيهه الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير (١)، وهذا من حكمة النبي ﷺ ، لأنه جمع بين الترغيب والحثّ على مجالسة من يُستفاد من مجالسته في الدين والدنيا، وحذر من مجالسة من يتأذى بمجالسته فيهما (٢)، وهذا كثير في السنة (٣). المسلك الثالث: لفت الأنظار والقلوب إلى الصور المعنوية وآثارها: من حكمة القول التصويرية لفت أنظار الناس إلى الأوصاف الحميدة المعنوية، وبيان آثارها العملية التي تحصل بسبب تطبيقها والعمل بها، ومن هذه الصور المعنوية ذكر الداعية أوصاف المؤمنين، وآثار هذه الأوصاف، وهذا كثير في كتاب اللَّه – تعالى –

стр. 40

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١). وهذه أوصاف تجذب القلوب الحية، وتلفت الأنظار إلى هذه الصفات العالية وآثارها الحميدة، ومن أعظم آثارها الفوز بالفردوس الأعلى في الجنة، وكتاب اللَّه يزخر بأوصاف عباد اللَّه المؤمنين، وآثار هذه الأوصاف في الدنيا والآخرة (٢). فحري بالداعية أن لا يغفل هذا الجانب؛ فإن له الأثر الحميد بتوفيق اللَّه تعالى. المسلك الرابع: لفت الأنظار والقلوب إلى الآثار المحسوسة: من حكمة القول التصويرية لفت أنظار الناس إلى آثار الأمم
следующие страницы →