ومعه ميسم فلما رآني قال: ((لعل أم سُلَيم ولدت)).
قلت: نعم، فوضع الميسم. وقال: وجئت به فوضعته في حجره ودعا رسول الله ﷺ بعجوة من عجوة المدينة فَلاكَها في فيه حتى ذابت ثم قَذَفَها في الصبي يتلمظها. قال: فقال رسول الله ﷺ : ((انظروا إلى حُبِّ الأنصار التَّمْر)).
قال: فمسح وجهه وسمّاه ((عبد الله)).
[قال سفيان: قال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن] (١).
وهذه المعاني قبس من قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ (٢).
هذه الكلمة الطيبة تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلّى عن مصيبته:
١ - أن العبد وأهله وماله ملك لله حقيقة.
٢ - أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ليوفيه حسابه.
فإذا كانت هذه بداية العبد وما خوِّله ونهايته، فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود؟ ففكره في مبدئه ومعاده أعظم معين على التحلِّي بالصبر عند الشدائد والمصائب والمحن والفتن، فاللهم ثبتنا بالقول
стр. 247
الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.
رابعاً: اليقين بالفرج:
لا يشك العاقل أن نصر الله قريب، وفرجه آتٍ لا ريب فيه، وأن بعد الضيق سعة، ومع العسر يسراً؛ لأن الله وعد بهذا، والله لا يخلف الميعاد.
هذا اليقين جدير أن يبدد ظلمة القلق، ويقهر شبح اليأس، ويضيء نفس المؤمن بنور الصبر الذي لا يخبو.
ولذلك ورد الصبر في كتاب الله مقروناً بأن وعد الله حق كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (١).
وقوله جل شأنه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ (٢).
وقد وعد الله عباده الصابرين بقرب الفرج في صور، منها:
الأولى: الوعد بالسعة بعد الضيق، والرخاء بعد الشدة، واليسر بعد العسر، وفي هذا يقول جل وعلا: ﴿سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٣).
ولم يكتف الخالق أن جعل اليسر بعد العسر، بل جعله في موطن آخر معه وبصيغة التأكيد حيث قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٤).
стр. 248
وفي هذه الآيات يتجلى أمران:
١ - تحقق اليسر بعد العسر تحققاً قريباً حتى كأنه معه ومتصل به، حتى لو دخل العسر جحر ضب لتبعه اليسر، ولن يغلب عُسرٌ يُسرَين.
٢ - إن مع العسر يسراً بالفعل، ولكن قد يكون ملموساً أو مكنوناً، ففي كل قدر لطف، وفي كل بلاء نعمة.
ولا يشكّ مؤمن عرف ربه وآمن به أن الله يُقدِّر ويلطف: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١)؛ لأنه أعلم بمن خلق وأرحم بهم من أنفسهم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢).
الثانية: الوعد بحسن العاقبة، والعبرة بالعواقب، والمدار على الخواتيم. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣).
ولقد أحسن القائل:
اشتدّي أزمة تنفرجي ... قد آذن ليلك بالبلج
ولله درّ القائل:
ولرُبَّ نازلةٍ يضيق بها الفتى ... ذرعاً وعند الله منها المخرجُ
ضاقت فلمّا استحكمتْ حلقاتُها ... فُرِجت وكنت أظنها لا تُفرَجُ
الثالثة: الوعد بحسن العوض عما فات، فإن الله لا يضيع أجر من
стр. 249
أحسن عملاً. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي الله مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١).
خامساً: الاستعانة بالله:
إذا استعان العبد بربه ولجأ إلى حماه شعر بالطمأنينة في قلبه، والسكينة تملأ جوارحه، فمن كان في حمى الله فلن يضام. قال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ﴾ (٢).
ومن كانت معيّة الله معه، وعين الله ترعاه، فهو حقيق أن يتحمل المتاعب، ويصبر على الأذى.
سادساً: التأسّي بأهل الصبر والعزائم:
إن التأمّل في سِير الصابرين، وما لاقوه من ألوان الشدائد، وما ذاقوه من صنوف البلاء يعين على الصبر، ويطفئ نار المصيبة ببرد التأسي.
ومن هنا حرص القرآن الكريم والسنة النبوية على ذكر قصص الأنبياء والصالحين تسلية للنبي ﷺ والمؤمنين، وتثبيتاً لقلوبهم في مواجهة البلاء والفتن. قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
стр. 250
ويجيء الخطاب الرباني لرسول الله ﷺ قائلاً: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (١).
فإذا ضاق صدره بما يفعلون، وأدركه الحزن عليهم مما يمكرون، وجد في صبر إخوانه من المرسلين ما يشد أزره، ويمضي عزمه، ويذهب همه، فهو ليس بدعاً مما أصاب الرسل من قبله، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢).
سابعاً: الإيمان بقدر الله وقضائه:
على المسلم أن يعلم علم اليقين أن قدر الله نافذ لا محالة، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٣)، ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤).
إن الركون للصبر في مثل هذا المقام أمر محمود بل واجب لأن مقادير الله نافذة سواء رضي العبد أم سخط، صبر أم جزع، ولكن العاقل ينبغي
стр. 251
أن يتحلى بالصبر حتى لا يحرم المثوبة، وإلا ستؤول به السنن الكونية إلى صبر الاضطرار الذي لا قيمة له في دين الله كما قال النبي ﷺ : ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) (١).
وذلك لأن العبد إن صبر إيماناً واحتساباً نفذت فيه المقادير وله الأجر، وإن جزع وهلع وتبرّم سلا سَلْوَ البهائم ونفذت فيه المقادير، وعليه الوزر.
إن التسليم بالقدر هو مقتضى العقل والدين معاً، وإلا فليفعل ما يشاء من إظهار الكآبة والمبالغة في التوجع والتشكي، ولن يغيِّر من الواقع شيئاً، ولن يبدِّل سنن الله في الكون، وإنما يزيد نفسه كمداً وغماً، وحسرة.
وانظر أيها العبد الصالح كيف يقرّر الله هذه الحقيقة مخاطباً رسوله الكريم ﷺ حين آذاه موقف قريش وتكذيبها له: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢).
وقال الله للقانطين من رحمة الله اليائسين من نصره: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ
стр. 252
فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (١).
ثامناً: استصغار المصيبة:
قال النبي ﷺ : ((يا أيها الناس أيما أحدٍ من الناس أو من المؤمنين أُصيب فليتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري؛ فإن أحداً من أمتي لن يُصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي)) (٢).
وكتب بعض العقلاء إلى أخ له يعزيه عن ابن له يقال له: محمد، فنظم الحديث الآنف شعراً فقال:
اصبر لكل مصيبةٍ وتجلّدِ ... واعلم بأن المرء غير مُخلّدِ
وإذا ذكرت محمداً ومصابَهُ ... فاذكر مصابك بالنبي محمّدِ
تاسعاً: الحذر من الآفات العائقة في الطريق:
لابدَّ للناس عامة، وللمؤمنين خاصة، ولحملة الدعوة على وجه أخص أن يحذروا من الآفات النفسية التي تعتري النفس البشرية فتعيق الصبر وتعترض طريقه وهي:
١ - الاستعجال:
الإنسان مولع بالعاجل لأنه خلق من عجل؛ لقوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (٣).
стр. 253
فإذا أبطأ الخير عن الإنسان نفد صبره، وضاق صدره ناسياً أن لكل أجل كتاباً مسمى، وأن الله لا يعجل بعجلة الخلق.
وليعلم العبد أن لكل ثمرة أواناً لنضوجها، فيحسن عندئذٍ قطافها، والاستعجال لا ينضجها بل يهلكها، وقديماً قيل: ((من استعجل الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه)).
ولهذا خاطب الله رسوله قائلاً: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ (١).
والاستعجال من سنن المشركين لجهلهم وسفههم فقد كانوا يستعجلون عذاب الله غروراً وعناداً، فردّ عليهم ربهم بما يقطع دابرهم: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢).
٢ - الغضب:
قد يرى المسلم ما يكره، ويسمع ما يؤذيه فيستفزّه الغضب إلى الإعراض عن الناس والنفور منهم، ومن ثم إلى اليأس والقنوط وهما آفة الصبر.
فيجب على المسلم أن يصبر على أذى الناس وإعراضهم عن دعوته، ويعاودهم المرة بعد المرة عسى أن يهدي الله به رجلاً واحداً، فيكون خيراً له مما طلعت عليه الشمس.
стр. 254
٣ - الضيق:
قال تعالى لرسوله الكريم: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِالله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (١).
وقال جل شأنه: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢).
إن الإيمان والكفر والهدى والضلال لا يستطيع الإنسان أن يجلبها لمن أحب ويدفعها عنه، وإنما عليه التذكير والنصيحة والبيان والبلاغ.
٤ - اليأس:
اليأس آفة الصبر الكبرى، لأنها تطفئ سراج الأمل، فيترك العبد العمل، ويخلد إلى الكسل.
ولهذا حرص القرآن الكريم والسنة المطهرة على غرس بذور الأمل في نفوس المؤمنين. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (٣).
وقال ﷻ مخبراً عن موسى وقومه: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ*
стр. 255
قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١).
وعلى منهج القرآن في إضاءة شعلة الأمل أمام المؤمنين درج رسول الله ﷺ عندما جاءه خبّاب بن الأرتّ ﵁ يشكو ما يلاقيه المؤمنون من أذى المشركين شكوى تحمل معنى الضيق والتبرّم والاستعجال، فضرب له رسول الله ﷺ مثلاً فقال: ((لقد كان من قبلكم ليُمشّط بمشاط من حديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويُوضع المنشار على مفرق رأسه فيُشقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتِمَّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حَضر مَوت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه)) وفي رواية: ((ولكنكم تستعجلون)) (٢).
وما ذلك إلا لأن الأمل أعظم معين على الصبر على طول الطريق وقلة الرفيق، وخاصة في زمن الغربة، فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك وعافنا واعفُ عنا (٣).
المطلب الثاني: طرق تحصيل الصبر عن المعاصي
الصبر عن المعاصي والسيئات ينشأ من أسباب عديدة، منها على سبيل المثال ما يأتي:
أولاً: علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها ، وأن الله إنما حرَّمها ونهى عنها
стр. 256
صيانة وحماية عن الدَّنايا والرذائل، كما يحمي الوالد الشفيق ولده عما يضره. وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يعلق عليها وعيد العذاب.
ثانياً: الحياء من الله سبحانه ؛ فإن العبد متى علم بنظر الله إليه، ومقامه عليه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وكان حييّاً استحيى من ربه أن يتعرض لمساخطه.
ثالثاً: مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك ؛ فإن الذنوب تزيل النعم ولابدَّ، فما أذنب عبدٌ ذنباً إلا زالت عنه نعمة من الله بحسب ذلك الذنب، فإن تاب ورجع رجعت إليه أو مثلها، وإن أصرّ لم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمة نعمة حتى تسلب النعم كلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
وأعظم النعم الإيمان، وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر وانتهاب النهبه يزيل النعم ويسلبها.
قال بعض السلف: أذنبتُ ذنباً فحُرِمتُ من قيام الليل سنة.
وقال آخر: أذنبتُ ذنباً فحُرِمتُ فهم القرآن. وفي مثل هذا قيل:
إذا كنتَ في نعمة فارْعَهَا ... فإنّ المعاصي تُزيل النعم
وبالجملة فإن المعاصي نار النعم تأكلها كما تأكل النار الحطب، عياذاً
стр. 257
بالله من زوال نعمته، وتحول عافيته، وفُجاءة نقمته، وجميع سخطه.
رابعاً: خوف الله وخشية عقابه ، وهذا إنما يثبت بتصديقه في وعده ووعيده والإيمان به وبكتابه وبرسوله، وهذا السبب يَقْوَى بالعلم واليقين، ويضعف بضعفهما. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١).
خامساً: محبة الله ، وهي من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه؛ فإن المحب لمن يحب مطيع.
سادساً: شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التي تحطّها وتضع قدرها، وتخفض منزلتها وتحقرها، وتسوّي بينها وبين السفلة.
سابعاً: قوة العلم بسوء عاقبة المعصية ، وقبح أثرها والضرر الناشئ منها: من سواد الوجه، وظلمة القلب، وضيقه وغمّه، وحزنه وألمه، وانحصاره وشدة قلقه واضطرابه، وتمزّق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوّه؛ فإن الذنوب تميت القلوب، والعبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن أذنب ذنباً آخر نكت نكتة أخرى، ولا تزال حتى تعلو قلبه، فذلك هو الران قال الله تعالى: ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢).
وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علماً، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علماً، فخير الدنيا والآخرة بحذافيره
стр. 258
في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته.
ثامناً: قصر الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله ، وأنه كمسافر دخل قرية وهو عازم على الخروج منها، أو كراكب قال في ظل شجرة ثم سار وتركها، فهو لعلمه بقلة مقامه وسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله ويضرّه ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما بحضرته، فليس للعبد أنفع من قصر الأمل، ولا أضرّ من التسويف وطول الأمل.
تاسعاً: مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس؛ فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضلات، فإنها تطلب لها مصرفاً فيضيق عليها المباح فتتعدّاه إلى الحرام، وأعظم الأشياء ضرراً على العبد بطالته وفراغه؛ فإن النفس لا تقعد فارغة، بل إن لم يشغلها بما ينفعه شغلته بما يضره ولابد.
عاشراً: ثبات شجرة الإيمان في القلب ، وهو الجامع لهذه الأسباب كلها: فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتمّ، وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر. والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
المطلب الثالث: طرق تحصيل الصبر على الطاعات
والصبر على الطاعة ينشأ من معرفة أسباب الصبر عن المعاصي السابقة، ومن معرفة ما تجلبه الطاعة من العواقب الحميدة والآثار الجميلة، ومن أقوى أسبابها الإيمان والمحبة، فكلما قوي داعي الإيمان والمحبة لله تعالى، ولرسوله ﷺ في القلب كانت استجابته للطاعة بحسبه.
стр. 259
المطلب الرابع: طرق تحصيل الصبر على المصيبة والبلاء وأقدار الله المؤلمة
كثيرة، منها الطرق الآتية:
أولاً: معرفة جزائها وثوابها (١).
ثانياً: العلم بتكفيرها للسيئات ومحوها لها (٢).
ثالثاً: الإيمان بالقدر السابق الجاري بها ، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن يُخلق فلابد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاء.
رابعاً: معرفة حق الله عليه في تلك البلوى ، وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى، فلابد له منه وإلا تضاعف عليه.
خامساً: العلم بترتبها عليه بذنبه ، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير﴾ (٣).
فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم أسباب دفع تلك المصيبة.
قال علي بن أبي طالب ﵁: ((ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة)) (٤).
سادساً: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها وأن
стр. 260
العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوفِّ قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدي الحق.
سابعاً: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواءٌ نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته، الرحيم به، فليصبر على تجرعه، ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلاً.
ثامناً: أن يعلم أن في عُقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره. قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢).
تاسعاً: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه؛ فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
عاشراً: أن يعلم أن الله يربِّي عبده على السراء والضراء ، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال؛ فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال وقال: ((اللهم أعني على ذكرك
стр. 261
وشكرك وحسن عبادتك)) (١).
فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر.
نسأل الله أن يسترنا بعافيته، ولا يفضحنا بابتلائه بمنّه وكرمه (٢).
стр. 262
الفصل السابع: الإخلاص والصدق
المبحث الأول: مفهوم الإخلاص.
المبحث الثاني: أهمية الإخلاص.
المبحث الثالث: النية أساس العمل.
المبحث الرابع: خطر الرياء وأنواعه وأقسامه.
المبحث الخامس: طرق تحصيل الإخلاص وعلاج الرياء.
المبحث السادس: الصدق.
стр. 263
المبحث الأول: مفهوم الإخلاص
الإخلاص في اللغة: خَلَصَ يخلص خلوصاً: صفا وزال عنه شوبه، ويقال: خلص من ورطته: سلم منها ونجا، ويقال: خلَّصه تخليصاً: أي نجَّاه، والإخلاص في الطاعة ترك الرياء (١).
وحقيقة الإخلاص: هو أن يريد العبد بعمله التقرب إلى الله تعالى وحده.
وقد ذكر أهل العلم تعريفات بعضها قريب من بعض:
فقيل: الإخلاص: إفراد الحق - سبحانه - بالقصد في الطاعة.
وقيل: الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيراً من باطنه، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعمر من ظاهره.
وقيل: تصفية العمل من كل ما يشوبه (٢).
وعلى ما تقدم: يتضح أن الإخلاص: صرف العمل والتقرب به إلى الله وحده، لا رياءً ولا سمعة، ولا طلباً للعرض الزائل، ولا تصنعاً، وإنما يرجو ثواب الله ويخشى عقابه ويطمع في رضاه.
ولهذا قال القاضي عياض: ((ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما)) (٣).
стр. 264
والإخلاص في حياة الداعية: أن يقصد بإراداته، وأعماله، وأقواله، وسائر تصرفاته، وتوجيهاته وتعليمه وجه الله تعالى وحده لا شريك له ولا ربَّ سواه.
стр. 265
المبحث الثاني: أهمية الإخلاص
لقد خلق الله الخلق: الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، وأمر جميع المكلفين بالإخلاص، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١).
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ الله مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلا لله الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ (٤).
قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا يعلى: ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: ((إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاًَ لم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (٥). ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ
стр. 266
بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٢)، فإسلام الوجه: إخلاص القصد والعمل لله، والإحسان فيه: متابعة رسول الله ﷺ وسنته)) (٣).
وقد ثبت في الحديث عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((ثلاث لا يغلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم)) (٤).
والإخلاص هو روح عمل الداعية، وأهم صفاته، فبدونه يكون جهد الداعية وعمله هباءً منثوراً.
والإخلاص من أهم أعمال القلوب باتفاق أئمة الإسلام، ولاشك أن أعمال القلوب هي الأصل: لمحبة الله ورسوله، والتوكل عليه، والإخلاص له، والخوف منه، والرجاء له، وأعمال الجوارح تبع؛ فإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح مات، فمعرفة أحكام القلوب أهمّ من معرفة أحكام الجوارح.
فيجب على الداعية أن يكون مخلصاً لله لا يريد رياءً ولا سمعة،
стр. 267
ولا ثناء الناس ولا مدحهم وحمدهم، إنما يدعو إلى الله يريد
وجه الله - تعالى - كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِّمَّن دَعَا إِلَى الله﴾ (٢).
والإخلاص أعظم الصفات التي تجب على الدعاة فيريدوا بدعوتهم وجه الله والدار الآخرة، ويريدوا إصلاح الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور (٣).
стр. 268
المبحث الثالث: النية أساس العمل
المطلب الأول: أهمية النية ومكانتها
النية: أساس العمل وقاعدته، ورأس الأمر وعموده، وأصله الذي عليه بُنيَ؛ لأنها روح العمل، وقائده، وسائقه، والعمل تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، وبها يحصل التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة (١)؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى ... )) (٢).
وقال الله تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاءَ مَرْضَاتِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣).
وهذا يدلّ على أهمية ومكانة النية، وأن الدعاة إلى الله وغيرهم من المسلمين بحاجة إلى إصلاح النية، فإذا صلحت أُعطي العبد الأجر الكبير والثواب العظيم، ولو لم يعمل وإنما نوى نية صادقة، ولهذا قال النبي ﷺ : ((إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثلُ ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)) (٤)، وقال ﷺ : ((ما من امرئٍ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها
стр. 269
نوم إلا كُتبَ له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة)) (١).
وقال النبي ﷺ : ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلى وحضر لا ينقص ذلك من أجره شيئاً)) (٢).
وقال الرسول ﷺ : ((من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه)) (٣).
وهذا يدل على فضل الله وإحسانه إلى عباده؛ ولهذا قال النبي ﷺ في غزوة تبوك: ((لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه))، قالوا: يا رسول الله كيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: ((حَبَسهُمُ العُذر)) (٤).
وبالنية الصالحة يضاعف الله الأعمال اليسيرة؛ ولهذا قال الرسول ﷺ لرجل جاء إليه مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله: أقاتل أو أسلم؟ فقال ﷺ : ((أسلم ثم قاتل))، فأسلم ثم قاتل فَقُتِل، فقال رسول الله ﷺ : ((عمل
стр. 270
قليلاً وأجر كثيراً)) (١).
وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فدخل في الإسلام، فكان رسول الله ﷺ يعلّمه الإسلام وهو في مسيره، فدخل خف بعيره في جحر يربوع فوقصه بعيره فمات، فقال رسول الله ﷺ : ((عمل قليلاً وأجر كثيراً)) قالها حماد ثلاثاً (٢).
وبالنية الصالحة يبارك الله في الأعمال المباحة فيثاب عليها العبد؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ : ((إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة)) (٣)، وقال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: ((إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعلُ في فِي امرأتك)) (٤).
وقال رسول الله ﷺ : ((إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: عبدٍ رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي به ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبدٍ رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقاً فهو بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء)) (٥). وقال الرسول ﷺ فيما يرويه عن ربه: ((إن الله كتب
стр. 271
الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك فمن همّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ... )) (١).
المطلب الثاني: خطر إرادة الدنيا بعمل الآخرة
من الخطر العظيم أن يعمل الإنسان عملاً صالحاً يريد به عرضاً من الدنيا، وهذا شرك ينافي كمال التوحيد الواجب ويحبط العمل، وهو أعظم من الرياء؛ لأن مريد الدنيا قد تغلب إرادته على كثير من عمله، وأما الرياء فقد يعرض له في عمل دون عمل ولا يسترسل معه، والمؤمن يكون حذراً من هذا وهذا.
والفرق بين الرياء، وإرادة الإنسان بعمله الدنيا: هو أن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً يجتمعان في أن الإنسان إذا أراد بعمله التزين عند الناس، ليروه ويعظِّموه ويمدحوه، فهذا رياء، وهو أيضاً إرادة الدنيا؛ لأنه تصنّع عند الناس وطلب الإكرام والمدح والثناء.
أما العمل للدنيا فهو أن يعمل الإنسان عملاً صالحاً لا يقصد به الرياء للناس، وإنما يقصد به عرضاً من الدنيا: كمن يحج عن غيره ليأخذ مالاً، أو يجاهد للمغنم، أو غير ذلك، فالمرائي عمل لأجل المدح والثناء من الناس، والعامل للدنيا يعمل العمل الصالح يريد به عرض الدنيا
стр. 272
وكلاهما خاسر، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه (١).
وقد جاءت النصوص تدل على خسران صاحب هذا العمل في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ (٥).
وقال الرسول ﷺ : ((من تعلّم علماً مما يُبتغى به وجه الله لا يتعلّمهُ إلا ليُصيب به عَرَضاً من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة)) يعني ريحها (٦).
وعن جابر ﵁ يرفعه: ((لا تعلَّموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا
стр. 273
به السفهاء، ولا لتخيّروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار)) (١).
وقال ابن مسعود ﵁: ((لا تعلّموا العلم لثلاث: لتماروا به السفهاء، وتجادلوا به العلماء، ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، وابتغوا بقولكم ما عند الله؛ فإنه يدوم ويبقى وينفد ما سواه)) (٢).
ولهذا تكفّل الله بالسعادة لمن عمل لله، فعن أنس يرفعه: ((من كانت الآخرة همّهُ جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له)) (٣).
المطلب الثالث: أنواع العمل للدنيا
العمل للدنيا أنواع متعددة، وقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى أنه جاء عن السلف في ذلك أربعة أنواع:
النوع الأول: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله تعالى: من صدقة، وصلاة، وإحسان إلى الناس، ورد ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصاً لله تعالى؛ لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، وإنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله، وتنميته، أو حفظه أهله
стр. 274
وعياله، أو إدامة النعم عليه وعليهم، ولا همّة له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يُعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة من نصيب، وهذا مروي عن ابن عباس ﵄.
النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو أن يعمل أعمالاً صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة. وهو ما ذكر عن مجاهد رحمه الله تعالى.
النوع الثالث: أن يعمل أعمالاً صالحة يقصد بها مالاً، مثل أن يحج عن غيره لمال يأخذه، ولا يقصد بذلك وجه الله ولا الدار الآخرة، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو يجاهد لأجل المغنم، أو يتعلّم العلم ليحصل على الشهادة وعلى الجاه، ولا يقصد بذلك وجه الله مطلقاً، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة؛ لأجل وظيفة المسجد أو غيره من الوظائف الدينية، ولا يريد بذلك ثواباً مطلقاً.
النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصاً في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفّره كفراً يخرجه عن الإسلام، كمن يأتي بناقض من نواقض الإسلام. ذُكِرَ ذلك عن أنس ﵁ وغيره (١).
فليحذر الداعية إلى الله تعالى مما يُحبط عمله ويعرّضه لسخط الله وغضبه، وليحذر جميع المسلمين من هذه الأنواع الفاسدة نعوذ بالله منها.
стр. 275
المبحث الرابع: خطر الرياء، وأنواعه، وأسبابه
المطلب الأول: خطر الرياء
الرياء خطره عظيم جداً على الفرد والمجتمع والأمة؛ لأنه يحبط العمل والعياذ بالله، ويظهر خطره في الأمور الآتية:
١ - الرياء أخطر على المسلمين من المسيح الدجال: قال الرسول ﷺ : ((ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال، الشرك الخفي أن يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لِمَا يرى من نظر رجل)) (١).
٢ - الرياء أشد فتكاً من الذئب في الغنم ، قال رسول الله ﷺ : ((ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم بأفسَدَ من حرص المرء على المال والشرف لدينه)) (٢).
وهذا مثل ضربه رسول الله ﷺ بيّن فيه أن الدين يفسد بالحرص على المال، وذلك بأن يشغله عن طاعة الله، وبالحرص على الشرف في الدنيا بالدين، وذلك إذا قصد الرياء والسمعة.
٣ - خطورة الرياء على الأعمال الصالحة خطر عظيم ؛ لأنه يُذهب بركتها، ويُبطلها والعياذ بالله، قال الله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ
стр. 276
فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين﴾ (١).
هذه هي آثار الرياء تمحق العمل الصالح محقاً في وقت لا يملك صاحبه قوة ولا عوناً، ولا يستطيع لذلك ردَّاً.
قال تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون﴾ (٢).
فهذا العمل الصالح أصله كالبستان العظيم كثير الثمار، فهل هناك أحد يحب أن تكون له هذه الثمار والبستان العظيم ثم يرسل عليها الرياء فيمحقها محقاً، وهو في أشد الحاجة إليها!!
ولهذا قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه تعالى: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)) (٣)، وفي الحديث: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه نادى منادٍ: من كان أشرك في عملٍ عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك)) (٤).
стр. 277
٤ - أول من تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة: قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدق بماله، الذين فعلوا ذلك ليقال: فلان قارئ، فلان شجاع، فلان كريم متصدق، ولم تكن أعمالهم خالصة لله تعالى (١).
٥ - الرياء يورث الذلّ والصغار والهوان والفضيحة ، قال رسول الله ﷺ : ((من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به)) (٢).
٦ - الرياء يحرم ثواب الآخرة ، قال النبي ﷺ : ((بشّر هذه الأمة بالسناء (٣)، والدين، والرفعة، والتمكين، في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب)) (٤).
٧ - الرياء سبب في هزيمة الأمة ، قال رسول الله ﷺ : ((إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم)) (٥).
وهذا يبين أن الإخلاص لله سبب في نصر الأمة على أعدائها، وأن الرياء سبب في هزيمة الأمة!
стр. 278
٨ - الرياء يزيد الضلال، قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿يُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (١).
المطلب الثاني: أنواع الرياء
أبواب الرياء كثيرة نعوذ بالله من ذلك وهذه الأنواع على النحو الآتي:
١ - أن يكون مراد العبد غير الله ، ويريد ويحب أن يعرف الناس أنه يفعل ذلك، ولا يقصد الإخلاص مطلقاً، نعوذ بالله من ذلك، فهذا نوع من النفاق.
٢ - أن يكون قصد العبد ومراده لله تعالى فإذا اطّلع عليه الناس نشط في العبادة وزينها وهذا شرك السرائر، قال رسول الله ﷺ : ((يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر))، قالوا: يا رسول الله: وما شرك السرائر؟ قال: ((يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهداً لِمَا يرى من نظر الناس إليه فذلك شرك السرائر)) (٢).
٣ - أن يدخل العبد في العبادة لله ويخرج منها لله فَعُرِفَ بذلك ومُدِح فسكن قلبه إلى ذلك المدح، ومنّى النفس بأن يحمدوه ويمجِّدوه، وينال ما يريده من الدنيا، وهذا السرور والرغبة في الازدياد منه والحصول على مطلوبه يدل على رياء خفي.
٤ - وهناك رياء بدني: كمن يظهر الصفار والنحول، ليُريَ الناس
стр. 279
بذلك أنه صاحب عبادة قد غلب عليه خوف الآخرة، وقد يكون الرياء بخفض الصوت وذبول الشفتين ليدل الناس على أنه صائم.
٥ - رياء من جهة اللباس أو الزي: كمن يلبس ثياباً مرقّعة؛ ليقول الناس إنه زاهد في الدنيا، أو من يلبس لباساً معيناً يرتديه ويلبسه طائفة من الناس يعدّهم الناس علماء، فيلبس هذا اللباس ليُقال عالم.
٦ - الرياء بالقول: وهو على الغالب رياء أهل الدين بالوعظ والتذكير، وحفظ الأخبار والآثار؛ لأجل المحاورة، والمجادلة، والمناظرة، وإظهار غزارة العلم.
٧ - الرياء بالعمل: كمراءاة المصلي بطول الصلاة والركوع والسجود، وإظهار الخشوع، والمراءاة في الصوم والحج والصدقة.
٨ - الرياء بالأصحاب والزائرين: كالذي يتكلف أن يستزير عالماً؛ ليقال إن فلاناً قد زار فلاناً، ودعوة الناس لزيارته كي يقال: إن أهل الدين يترددون عليه.
٩ - الرياء بذمّ النفس بين الناس ، ويريد بذلك أن يُرِيَ الناس أنه متواضع عند نفسه، فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء.
١٠ - ومن دقائق الرياء وخفاياه: أن يخفي العامل طاعته بحيث لا يريد أن يطّلع عليها أحدٌ، ولا يُسرَّ بظهور طاعته، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحبّ أن يبدءوه بالسلام، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير، وأن يثنوا عليه، وأن ينشطوا في قضاء حوائجه، وأن يسامحوه في البيع والشراء، فإن لم يجد ذلك وجد ألماً في نفسه، كأنه يتقاضى الاحترام على
стр. 280
الطاعة التي أخفاها.
١١ - ومن دقائق الرياء أن يجعل الإخلاص وسيلة لِمَا يريد من المطالب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((حُكِيَ أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يوماً تفجّرت الحكمة من قلبه على لسانه، قال: فأخلصت أربعين يوماً، فلم يتفجّر شيء، فذكرت ذلك لبعض العارفين فقال لي: إنك أخلصت للحكمة، لم تخلص لله)) (١)، وذلك أن الإنسان قد يكون مقصوده نيل الحلم والحكمة، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم له، أو غير ذلك من المطالب. وهذا لم يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه؛ إنما حصل هذا العمل لنيل ذلك المطلوب.
المطلب الثالث: أقسام الرياء
الرياء أعاذنا الله منه أقسام ودركات ينبغي لكل مسلم أن يعرف هذه الأقسام؛ ليهرب منها وهي على النحو الآتي:
١ - أن يكون العمل رياء محضاً ، ولا يراد به إلا مراءاة المخلوقين كحال المنافقين، قال الله : ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٢)، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، وهذا العمل لا شك في بطلانه وأن
стр. 281
صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، والعياذ بالله.
٢ - أن يكون العمل لله ، ويشاركه الرياء من أصله - أي من أوله إلى آخره -، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضاً.
٣ - أن يكون أصل العمل لله ، ثم طرأت عليه نية الرياء أثناء العبادة، فهذه العبادة لا تخلو من حالين:
الحال الأولى: أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها، فأولها صحيح بكل حال وآخرها باطل، مثال ذلك: إنسان عنده عشرون ريالاً يريد أن يتصدق بها، فتصدق بعشرة خالصة لله، ثم طرأ عليه الرياء في العشرة الباقية، فالصدقة الأولى صحيحة مقبولة، والثانية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص.
الحال الثانية: أن يرتبط أول العبادة بآخرها فلا يخلو الإنسان حينئذ من أمرين:
الأمر الأول: أن يكون هذا الرياء خاطراً ثم دفعه الإنسان ولم يسكن إليه، وأعرض عنه وكرهه، فإنه لا يضره بغير خلاف؛ لقول النبي ﷺ : ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به)) (١).
الأمر الثاني: أن يسترسل معه الرياء ويطمئن إليه ولا يدافعه ويحبه، فتبطل جميع العبادة على الصحيح؛ لأن أولها مرتبط بآخرها، مثال ذلك: من ابتدأ الصلاة مخلصاً بها لله تعالى ثم طرأ عليه الرياء في الركعة الثانية واسترسل معه إلى نهاية صلاته، ولم يدافعه، فتبطل الصلاة كلها لارتباط
стр. 282
أولها بآخرها (١).
٤ - أن يكون الرياء بعد الانتهاء من العبادة (٢).
وأما إذا عمل المسلم العمل لله خالصاً، ثم ألقى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك لم يضرّه ذلك، فقد سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ثم يحمده الناس عليه، فقال: ((تلك عاجل بُشْرَى المؤمن)) (٣).
المطلب الرابع: أسباب الرياء ودوافعه
أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، ومن غلب على قلبه حُبّ هذا صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفاً بالتردد إليهم، والمراءاة لهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله وتصرفاته ملتفتاً إلى كل ما يعظِّم منزلته عند الناس، وهذا أصل الداء والبلاء، فإن من رغب في ذلك احتاج إلى الرياء في العبادات، واقتحام المحظورات، وهذا باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله، العارفون به، المحبون له.
وإذا فُصِّل هذا السبب والمرض الفتاك رجع إلى ثلاثة أصول:
١ - حب لذّة الحمد والثناء والمدح .
٢ - الفرار من الذم .
стр. 283
٣ - الطمع فيما في أيدي الناس (١).
ويشهد لهذا ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَميّة، ويقاتل رياءً، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال ﷺ : ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) (٢).
فقوله: ((يقاتل شجاعة)) أي ليُذكر ويُشكر ويُمدح ويُثنى عليه.
وقوله: ((يقاتل حمية)) أي يأنف أن يُغلب ويُقهر أو يُذمّ.
وقوله: ((يقاتل رياءً)) أي ليُرَى مكانه، وهذا هو لذة الجاه والمنزلة في القلوب.
وقد يرغب الإنسان في المدح، ولكنه يحذر من الذم كالجبان بين الشجعان، فإنه يثبت ولا يفر، لئلا يذم، وقد يفتي الإنسان بغير علم حذراً من الذم بالجهل، فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحرك إلى الرياء وتدعو إليه فاحذرها!
стр. 284
المبحث الخامس: طرق تحصيل الإخلاص وعلاج الرياء
قد عُرِفَ أن الرياء محبط للعمل، وسبب لغضب الله ومقته، وأنه من المهلكات، وأشد خطراً على المسلم من المسيح الدجال.
ومَن هذه حاله فهو جدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته وعلاجه، وقطع عروقه وأصوله. ومن هذا العلاج الذي يزيل الرياء، ويحصِّل الإخلاص بإذن الله تعالى ما يأتي:
١ - معرفة أنواع الرياء، ودوافعه، وأسبابه ثم قطعها وقلع عروقها، وتقدمت هذه الدوافع والأسباب.
٢ - معرفة عظمة الله تعالى ، بمعرفة: أسمائه، وصفاته، وأفعاله معرفةً صحيحةً مبنية على فهم الكتاب والسنة على مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإن العبد إذا عرف أن الله وحده هو الذي ينفع ويضرّ، ويعزّ ويذلّ، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إذا عرف ذلك، وعلم بأن الله هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له فسيُثمرُ ذلك إخلاصاً وصدقاً مع الله، فلابُدَّ من معرفة أنواع التوحيد كلها معرفة صحيحة سليمة.
٣ - معرفة ما أعدَّه الله في الدار الآخرة من نعيم وعذاب، وأهوال الموت، وعذاب القبر؛ فإن العبد إذا عرف ذلك، وكان عاقلاً هرب من الرياء إلى الإخلاص.
٤ - الخوف من الرياء المحبط للعمل ؛ فإن من خاف أمراً بقي حَذِراً
стр. 285
منه فينجو؛ فإن من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة. فينبغي للمرء بل يجب عليه إذا هاجت رغبته إلى آفة حُبّ الحمد والمدح أن يُذَكِّرَ نفسه بآفات الرياء، والتعرّض لمقت الله، ومن عرف فقر الناس وضعفهم استراح كما قال بعض السلف: ((جاهد نفسك في دفع أسباب الرياء عنك، واحرص أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان فلا تفرق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها أو غفلتهم عنها، واقنع بعلم الله وحده)) (١).
وبالله وحده ثم بالخوف من حبوط العمل نجا أهل العلم والإيمان من الرياء وحبوط العمل، فعن محمد بن لبيد ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر))، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؛ قال: ((الرياء، يقول الله لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء)) (٢).
ولهذا الخطر العظيم خاف الصحابة والتابعون وأهل العلم والإيمان من هذا البلاء الخطير، ومن ذلك الأمثلة الآتية:
المثال الأول: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٣)، قالت عائشة ﵂ يا رسول الله: أهو