← Общие книги

Общие книги · id 96524

مقومات الداعية الناجح في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (352 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، والعياذ بالله. ٢ - أن يكون العمل لله ، ويشاركه الرياء من أصله - أي من أوله إلى آخره -، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضاً. ٣ - أن يكون أصل العمل لله ، ثم طرأت عليه نية الرياء أثناء العبادة، فهذه العبادة لا تخلو من حالين: الحال الأولى: أن لا يرتبط أول العبادة بآخرها، فأولها صحيح بكل حال وآخرها باطل، مثال ذلك: إنسان عنده عشرون ريالاً يريد أن يتصدق بها، فتصدق بعشرة خالصة لله، ثم طرأ عليه الرياء في العشرة الباقية، فالصدقة الأولى صحيحة مقبولة، والثانية صدقة باطلة لاختلاط الرياء فيها بالإخلاص. الحال الثانية: أن يرتبط أول العبادة بآخرها فلا يخلو الإنسان حينئذ من أمرين: الأمر الأول: أن يكون هذا الرياء خاطراً ثم دفعه الإنسان ولم يسكن إليه، وأعرض عنه وكرهه، فإنه لا يضره بغير خلاف؛ لقول النبي ﷺ : ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به)) (١). الأمر الثاني: أن يسترسل معه الرياء ويطمئن إليه ولا يدافعه ويحبه، فتبطل جميع العبادة على الصحيح؛ لأن أولها مرتبط بآخرها، مثال ذلك: من ابتدأ الصلاة مخلصاً بها لله تعالى ثم طرأ عليه الرياء في الركعة الثانية واسترسل معه إلى نهاية صلاته، ولم يدافعه، فتبطل الصلاة كلها لارتباط

стр. 282

أولها بآخرها (١). ٤ - أن يكون الرياء بعد الانتهاء من العبادة (٢). وأما إذا عمل المسلم العمل لله خالصاً، ثم ألقى الله الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك لم يضرّه ذلك، فقد سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يعمل العمل لله من الخير ثم يحمده الناس عليه، فقال: ((تلك عاجل بُشْرَى المؤمن)) (٣). المطلب الرابع: أسباب الرياء ودوافعه أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، ومن غلب على قلبه حُبّ هذا صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفاً بالتردد إليهم، والمراءاة لهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله وتصرفاته ملتفتاً إلى كل ما يعظِّم منزلته عند الناس، وهذا أصل الداء والبلاء، فإن من رغب في ذلك احتاج إلى الرياء في العبادات، واقتحام المحظورات، وهذا باب غامض لا يعرفه إلا العلماء بالله، العارفون به، المحبون له. وإذا فُصِّل هذا السبب والمرض الفتاك رجع إلى ثلاثة أصول: ١ - حب لذّة الحمد والثناء والمدح . ٢ - الفرار من الذم .

стр. 283

٣ - الطمع فيما في أيدي الناس (١). ويشهد لهذا ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَميّة، ويقاتل رياءً، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال ﷺ : ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) (٢). فقوله: ((يقاتل شجاعة)) أي ليُذكر ويُشكر ويُمدح ويُثنى عليه. وقوله: ((يقاتل حمية)) أي يأنف أن يُغلب ويُقهر أو يُذمّ. وقوله: ((يقاتل رياءً)) أي ليُرَى مكانه، وهذا هو لذة الجاه والمنزلة في القلوب. وقد يرغب الإنسان في المدح، ولكنه يحذر من الذم كالجبان بين الشجعان، فإنه يثبت ولا يفر، لئلا يذم، وقد يفتي الإنسان بغير علم حذراً من الذم بالجهل، فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحرك إلى الرياء وتدعو إليه فاحذرها!

стр. 284

المبحث الخامس: طرق تحصيل الإخلاص وعلاج الرياء قد عُرِفَ أن الرياء محبط للعمل، وسبب لغضب الله ومقته، وأنه من المهلكات، وأشد خطراً على المسلم من المسيح الدجال. ومَن هذه حاله فهو جدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته وعلاجه، وقطع عروقه وأصوله. ومن هذا العلاج الذي يزيل الرياء، ويحصِّل الإخلاص بإذن الله تعالى ما يأتي: ١ - معرفة أنواع الرياء، ودوافعه، وأسبابه ثم قطعها وقلع عروقها، وتقدمت هذه الدوافع والأسباب. ٢ - معرفة عظمة الله تعالى ، بمعرفة: أسمائه، وصفاته، وأفعاله معرفةً صحيحةً مبنية على فهم الكتاب والسنة على مذهب أهل السنة والجماعة؛ فإن العبد إذا عرف أن الله وحده هو الذي ينفع ويضرّ، ويعزّ ويذلّ، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، إذا عرف ذلك، وعلم بأن الله هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له فسيُثمرُ ذلك إخلاصاً وصدقاً مع الله، فلابُدَّ من معرفة أنواع التوحيد كلها معرفة صحيحة سليمة. ٣ - معرفة ما أعدَّه الله في الدار الآخرة من نعيم وعذاب، وأهوال الموت، وعذاب القبر؛ فإن العبد إذا عرف ذلك، وكان عاقلاً هرب من الرياء إلى الإخلاص. ٤ - الخوف من الرياء المحبط للعمل ؛ فإن من خاف أمراً بقي حَذِراً

стр. 285

منه فينجو؛ فإن من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة. فينبغي للمرء بل يجب عليه إذا هاجت رغبته إلى آفة حُبّ الحمد والمدح أن يُذَكِّرَ نفسه بآفات الرياء، والتعرّض لمقت الله، ومن عرف فقر الناس وضعفهم استراح كما قال بعض السلف: ((جاهد نفسك في دفع أسباب الرياء عنك، واحرص أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان فلا تفرق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها أو غفلتهم عنها، واقنع بعلم الله وحده)) (١). وبالله وحده ثم بالخوف من حبوط العمل نجا أهل العلم والإيمان من الرياء وحبوط العمل، فعن محمد بن لبيد ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ : ((إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر))، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؛ قال: ((الرياء، يقول الله لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء)) (٢). ولهذا الخطر العظيم خاف الصحابة والتابعون وأهل العلم والإيمان من هذا البلاء الخطير، ومن ذلك الأمثلة الآتية: المثال الأول: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (٣)، قالت عائشة ﵂ يا رسول الله: أهو

стр. 286

الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: ((لا يا بنت أبي بكر ((أو يا بنت الصديق)) ولكنه الرجل يصوم، ويتصدّق، ويصلّي وهو يخاف ألا يُتقبَّل منه)) (١). المثال الثاني: قال ابن أبي مُلَيْكة: ((أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلُّهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل)) (٢). المثال الثالث: وقال إبراهيم التيميّ: ((ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذِّباً)) (٣). المثال الرابع: ويُذكر عن الحسن أنه قال: ((ما خافه إلا مؤمن ولا أمِنه إلا منافق)) (٤). المثال الخامس: وقال عمر بن الخطاب لحذيفة ﵄: ((نشدتك

стр. 287

بالله هل سمّاني لك رسول الله ﷺ منهم - يعني من المنافقين - قال: لا، ولا أُزكِّي بعدك أحداً)) (١). المثال السادس: ويُذكر عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: ((اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق)) قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: ((أن ترى البدن خاشعاً والقلب ليس بخاشع)) (٢). المثال السابع: ويُذكر عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: ((لئن أستيقن أن الله تقبَّل لي صلاة واحدة أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾)) (٣). المثال الثامن: وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: ((أدركتُ عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ، يُسأل أحدهم عن المسألة، ما منهم رجل إلا ودَّ أن أخاه كفاه)) (٤). ٥ - الفرار من ذمّ الله ؛ فإن من أسباب الرياء الفرار من ذمّ الناس، ولكن العاقل يعلم أن الفرار من ذمّ الله أولى؛ لأن ذمّه شين، كما قال رجلٌ لرسول الله ﷺ : يا رسول الله إنَّ مدحي زين وذمّي شين، فقال ﷺ : ((ذاك الله)) (٥)، ولا شك أن العبد إذا خاف الناس وأرضاهم بسخط الله

стр. 288

سخط الله عليه، وغضب وأسخط الناس عليه، فهل أنت تخشى غضب الناس؟ فالله أحق أن تخشاه إن كنت صادقاً. ٦ - معرفة ما يفرُّ منه الشيطان ؛ لأن الشيطان منبع الرياء وأصل البلاء، والشيطان يفر من أمور كثيرة، منها الأذانُ، وقراءة القرآن، وسجود التلاوة، والاستعاذة بالله منه، والتسمية عند الخروج من البيت والدخول في المسجد مع الذكر المشروع في ذلك، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وأدبار الصلوات، وجميع الأذكار المشروعة (١). ٧ - الإكثار من أعمال الخير والعبادات غير المشاهدة ، وإخفاؤها: كقيام الليل، وصدقة السر، والبكاء خالياً من خشية الله، وصلاة النوافل، والدعاء للإخوة في الله بظهر الغيب، والله يحب العبد التقيّ، النقيّ، الخفيّ، قال سعد بن أبي وقاص ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله يحب العبد التقيّ، النقيّ، الخفيّ)) (٢). ٨ - عدم الاكتراث بذمّ الناس ومدحهم ؛ لأن ذلك لا يضر ولا ينفع، بل يجب أن يكون الخوف من ذمّ الله، والفرح بفضل الله، قال الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٣)، فيا عبد الله أقبل على حب المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذلك سَهُل عليك الإخلاص (٤).

стр. 289

ويسهِّلُ الزهد في حب المدح والثناء العلم يقيناً أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمّه ويشين إلا الله وحده، فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذمِّ من لا يشينك ذمّهُ، وارغب في مدح مَن كلّ الزين في مدحه وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمن فقد الصبر واليقين كان كمن أراد السفر في البحر بغير مركب (١). وانظر إلى من ذمّك فإن يك صادقاً قاصداً النصح لك فاقبل هديته ونصحه فإنه قد أهدى إليك عيوبك، وإن كان كاذباً فقد جنى على نفسه وانتفعتَ بقوله؛ لأنه عرَّفك ما لم تكن تعرف، وذكّرك من خطاياك ما نسيت، وإن كان ذلك افتراءً عليك، فإنك إن خلوت من هذا العيب لم تخلُ من غيره، فاذكر نعمة الله عليك إذ لم يطلع هذا المفتري على عيوبك، وهذا الافتراء كفارات لذنوبك إن صبرت واحتسبت، وعليك أن تعلم أن هذا الجاهل جنى على نفسه وتعرض لمقت الله تعالى، فكن خيراً منه: فاعف واصفح، واستغفر له، قال الله : ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢). ٩ - تذكّر الموت وقصر الأمل ، قال الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣). قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ

стр. 290

بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١). ١٠ - الخوف من سوء الخاتمة ، فعلى العبد أن يخاف أن تكون أعمال الرياء هي خاتمة عمله ونهاية أجله، فيخسر خسارة فادحة عظيمة؛ لأن الإنسان يبعث يوم القيامة على ما مات عليه، والناس يبعثون على نياتهم، وخير الأعمال خواتمها. ١١ - مصاحبة أهل الإخلاص والتقوى ؛ فإن الجليس المخلص لا يعدمك الخير، وتجد منه قدوة لك صالحة، وأما المرائي والمشرك فيحرقك في نار جهنم إن أخذت بعمله. ١٢ - الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى ، وقد علَّمنا رسول الله ﷺ ذلك فقال: ((يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل))، فقال بعض الصحابة: كيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: ((قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لِمَا لا نعلمه)) (٢). ١٣ - حبّ العبد ذكر الله له ، وتقديم حبّ ذكره له على حب مدح الخلق، قال الله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٣)، وقال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: ((أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن

стр. 291

تقرّب إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً، وإن تقرّب إلي ذراعاً تقرّبت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)) (١)، والله المستعان (٢). ١٤ - عدم الطمع فيما في أيدي الناس ؛ فإن الإخلاص لا يجتمع في القلب ومحبّة المدح والثناء والطمع فيما في أيدي الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضبّ والحوت، فإذا حدّثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس مما في أيدي الناس، ويسهِّل ذبح الطمع العلم يقيناً أنه ليس من شيء يُطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره، ولا يؤتي العبد منها شيئاً سواه (٣). ١٥ - معرفة ثمرات الإخلاص وفوائده وعواقبه الحميدة في الدنيا والآخرة، ومن ذلك أن الإخلاص سبب لنصر الأمة، والنجاة من عذاب الله، ورفع المنزلة والدرجة في الدنيا والآخرة، والسلامة من الضلال في الدنيا، والفوز بحبّ الله للعبد وحبّ أهل السماء والأرض، والصيت الطيّب، وتفريج كروب الدنيا والآخرة، والطمأنينة والشعور بالسعادة والتوفيق، وتحمّل المتاعب والمصاعب، وتزيين الإيمان في القلوب، واستجابة الدعاء، والنعيم في القبر والتبشير بالسرور، والله

стр. 292

الموفق سبحانه (١). فالداعية الذي يريد نجاح دعوته، والفوز بنجاته ومحبة الله له، عليه أن يعمل جاهداً في تحصيل الإخلاص والفرار من الرياء، أسأل الله أن يعصمني وإياك وجميع دعاة المسلمين وأئمتهم وعامتهم من هذا البلاء الخطير.

стр. 293

المبحث السادس: الصدق المطلب الأول: مفهوم الصدق وأهميته وفضله الصدق: مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلم، وهو ضد الكذب (١)، وقيل: مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معاً، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقاً تاماً (٢)، وقيل: الصدق حصول الشيء وتمامه وكمال قوته واجتماع أجزائه (٣). ولا يخفى ما للصدق من فضل عظيم، وثواب جزيل، ومقام كريم، ومما يدلّ على فضل الصدق، وسموّ منزلته، وعلوّ مكانه أنه من خصائص أهل الإيمان والتقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ الله كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٤)، فمن اتصف بهذه الصفات العظام وكانت لباسه وحليته فقد فاز. نسأل الله أن يجعلنا منهم. ولقد أمر الله عباده المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين ويلازموا

стр. 294

الصدق في كل الأحوال فهو سبيل النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١). ومما يدل على فضل الصدق والصادقين سوء مصير الكذابين وبوارهم، وأن الكذب من علامات النفاق والعياذ بالله - تعالى - وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)) (٢)، وفي رواية: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ... )) فذكر الكذب (٣). والصدق طريق البر والجنة على عكس الكذب الذي هو طريق الفجور والنار والعياذ بالله، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون عند الله صدّيقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذّاباً)) (٤).

стр. 295

المطلب الثاني: مجالات الصدق أهم مجالات الصدق ثلاثة: الصدق في القصد بمعنى خلوص النية وصدق العزيمة وثبات الإرادة. والصدق في القول بالأخذ بالحق ونبذ الباطل واللغو واللهو المحرم. والصدق في العمل بموافقة القول العمل، وموافقتهما هدي الكتاب والسنة. ومتى بلغ العبد تحقيق الصدق في هذه المجالات كلها على الوجه الأتم الأكمل كان من الصِّدِّيقين، وكانت الحياة حينئذ لا تساوي عنده إلا بقدر ما يتبلغ به المسافر، وكان ما عند الله أحبّ إليه مما في أيدي الناس. وسأتناول فيما يلي كل واحد من هذه المجالات ببعض البسط. ١ - الصدق في النية والقصد: الصدق في القصد يستلزم إخلاص النية لله في الدعوة وفي كل طاعة وقربة، فلا يدعو لطلب جاه ولا محمدة ولا وجاهة، ومتى دخل شيء من هذه الشوائب النية خرج الإخلاص المشروط لقبول العمل، ومتى حصل الصدق في القصد وتحقق الإخلاص أثمر ذلك عزيمة صادقة وإرادة ماضية، فلا يتوانى الداعي الصادق عن المضي في إيصال الحق والخير للناس يبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، يتعلَّم ويعلِّم، ويتوخّى الحق والصدق أينما كان. ٢ - الصدق في القول: يستلزم أن لا ينطق الداعي بالباطل أياً كانت صورة هذا الباطل: كذباً، أو شتماً، أو سباباً، أو لعناً، أو فحشاً، أو غيبة، أو نميمة، أو قول الزور .. وبالجملة فهو أبعد الناس عن آفات اللسان.

стр. 296

هذا ما يمس حياة الدعاة وسيرتهم الذاتية. أما في مجال الدعوة فالحال كذلك، فلا يدعو إلا على بصيرة، ومعرفة بالحق ودليله، وبعد تبصّر وتفقّه، فالدعوة لا تصحّ إلا على بصيرة ... ولا يعظ الناس إلا بالصادق من القصص والأمثال، ويبتعد عن الكذب، والدجل، والأحلام، والرؤى التي لا يُعرف مصدرها ولا صدقها ولا عدالة صاحبها ولا ثبوتها عنه .. فدين الله مصدره الكتاب والسنة وفهم السلف لهما لا غير، ومتى استبدل الداعي هذين المصدرين بغيرهما - أعني الكتاب والسنة - فقد ضلّ سواء السبيل. وبالجملة فرائد الدعاة الصادقين توخّي الحق والحق هو ما في الكتاب والسنة منهما يستمدون، ومنهما ينهلون، وعلى هداهما يسيرون، وإليهما يدعون، وفي ساحتهما يتحاكمون. نسأل الله أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يجعلنا من أهل الصدق والرشد إنه سميع مجيب. ٣ - وأما صدق العمل: فهو مطابقة الأقوال والأعمال للحق الذي يدعو إليه، وقد تقدم في مبحث العمل بالعلم. المطلب الثالث: أثر الصدق في نجاح الدعوة الصدق له الآثار الحميدة في حياة الدعاة، ونجاح الدعوة، ومن هذه الآثار الآتية: ١ - لا يخفى أن للصدق أثره البالغ في مسيرة الدعاة، إذ يظهر

стр. 297

الصدق في كلام الداعي، وسمته، ولهجته، وحرارة عاطفته، فيؤثر ذلك في المدعوين، ويترك فيهم انطباعاً عميقاً بمصداقية الفكرة التي يدعو إليها ويؤمن بها. ولقد كان النبي ﷺ يحدث الذين يلقونه أول مرة فيقولون: والله ما هذا بوجه كذّاب ولا بكلام كذاب! وإذا كان المسلم مطالباً بالصدق في الأقوال والأعمال والمقاصد؛ فإن الدعاة إلى الله تعالى من باب أولى وأوجب. ٢ - للصدق أثره الحميد في التآلف والتآزر والتوادد وتقارب القلوب، على عكس الكذب الذي يغرس الضغينة ويرفع الثقة، ويورث الريبة بفعل التلوّن والتغيّر وعدم الثبات الذي يتصف به الكاذب، ومن هذا المنطلق كان من لوازم الصدق ترك كل آفات اللسان: كالهمز، واللمز، والقيل، والقال، وكثرة السؤال .. ومتى تآلفت القلوب وتصافت واجتمعت على محبة الله سرت الدعوة في المجتمع سريان الماء في الزرع، فأمدته بالحياة والنماء والبقاء، ونما في المجتمع - كذلك - الإيمان، واستوثقت عراه وارتفعت أعلامه. ٣ - الصدق يزرع في النفوس الثقة والطمأنينة والراحة والأنس ، فيركن الناس إلى الدعاة الصادقين، ويثقون فيهم وبهم ويأمنونهم، وتقوية هذه الوشائج بين الدعاة والمدعوين من أهم أسباب نجاح الدعوة، ولا يتحقق ذلك إلا بالصدق .. على عكس الكذب الذي يزرع في النفوس بذور الريبة والشك والحذر، فليس أمر أهل الكذب من

стр. 298

الوضوح والثبات بالمكان الذي يألفه الناس ويحبذونه. ومتى وثق الناس في الداعي لصدقه فتحوا له القلوب فاستمعوا إليه إذا تحدّث وقبلوا إرشاده وتوجيهه إذا وجّه وأرشد وبيّن وحدّث، وتوجهوا إليه يسألون ويستفتون .. وحصل التواصل بينه وبينهم وهي نعمة لا تُقدَّر بثمن ولم تحصل إلا بفضل الله، ثم بفضل الصدق، ونقاء الصفحة، وخلو السيرة من مساوئ الأعمال والأخلاق (١).

стр. 299

الفصل الثامن: القُدوة الحسنة المبحث الأول: مفهوم القدوة الحسنة. المبحث الثاني: أهمية القدوة الحسنة. المبحث الثالث: وجوب القدوة الحسنة.

стр. 300

المبحث الأول: مفهوم القدوة الحسنة الأُسوةُ: والإِسوةُ كالقِدوة، والقدوة: هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسناً وإن قبحاً، وإن سارّاً وإن ضارّاً؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (١)، فوصفها بالحسنة (٢)، ويقال: فلان قُدوةٌ إذا كان يُقتدى به (٣). والأسوة أو القدوة نوعان: أسوة حسنة، وأسوة سيئة: فالأُسوة الحسنة الأسوة بالرسول ﷺ ، وأما الأسوة بغيره إذا خالفه فهي أسوة سيئة، كقول المشركين حين دعتهم الرسل للتأسي بهم ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (٤). والمقصود من الأُسوة أو القدوة أن يكون الداعية المسلم قدوةً صالحة فيما يدعو إليه فلا يناقض قولُهُ فِعلَهُ، ولا فعله قوله.

стр. 301

المبحث الثاني: أهمية القدوة الحسنة لا شك أن الداعية إلى الله تعالى بحاجة شديدة جداً إلى تطبيق ما يقول ويدعو إليه حتى يقتدي به الناس؛ ولهذا بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى هذه المسألة، وشدّد في عدم التزامها حيث قال: ((علماء السوء جلسوا على أبواب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما يدعون إليه حقاً، كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاّء، وفي الحقيقة قطّاع طرق)) (١). ويمكن إجمال أهمية القدوة العملية في الأمور الآتية: ١ - إن المثال الحي والقدوة الصالحة يثير في نفس البصير العاقل قدراً كبيراً من الاستحسان والإعجاب والتقدير والمحبة، فيميل إلى الخير، ويتطلّع إلى مراتب الكمال ويأخذ يحاول، ويعمل مثله حتى يحتل درجة الكمال والاستقامة. ٢ - إن القدوة الحسنة المتحلِّية بالفضائل تُعطي الآخرين قناعة بأن بلوغ هذه الفضائل والأعمال الصالحة من الأمور الممكنة التي هي في متناول القدرات الإنسانية، وشاهد الحال أقوى من شاهد المقال (٢). ٣ - إن الأتباع والمدعوّين الذين يربّيهم ويدعوهم الداعية ينظرون إليه نظرة دقيقة دون أن يعلم هو أنه تحت رقابة مجهرية، فرُبّ عمل يقوم

стр. 302

به من المخالفات لا يلقي له بالاً يكون في نظرهم من الكبائر؛ لأنهم يعدُّونه قدوة لهم (١)، وقد يراه الجاهل على عملٍ غير مشروع أو محرم فيظن أنه على حق، ولا شك أن الأمر خطير، والنجاة من ذلك أن يعمل الدعاة بالعلم، وليتقوا الله تعالى. ٤ - إن مستويات الفهم للكلام عند الناس تتفاوت ، ولكن الجميع يستوون أمام الرؤية بالعين المجردة، وذلك أيسر في إيصال المفاهيم التي يريد الداعية إيصالها للناس المقتدين به، ومما يدل على ذلك أن البخاري بوّب باباً قال فيه: ((باب الاقتداء بأفعال النبي ﷺ ))، ثم ساق الحديث: ((اتخذ النبي ﷺ خاتماً من ذهب فاتخذ الناس خواتيم من ذهب)) فقال النبي ﷺ : ((إني اتخذت خاتماً من ذهب)) فنبذه وقال: ((إني لن ألبسه أبداً))، فنبذ الناس خواتيمهم (٢). قال ابن بطّال: ((فدلّ ذلك على أن الفعل أبلغ من القول)) (٣). ولهذا أمثلة كثيرة؛ فإنه خلع خاتمه فخلعوا خواتيمهم في هذه القصة، ونزع نعله في الصلاة حينما أخبره جبريل أن فيهما أذىً فنزعوا، ولَمّا أمرهم عام الحديبية بالتحلّل وتأخّروا عن المبادرة رجاء أن يأذن لهم في القتال وأن ينصروا فيكملوا عمرتهم، قالت له أم سلمة: اخرج إليهم واذبح واحلق ففعل فتابعوه مسرعين (٤)، فدلّ ذلك كله على أهمية القدوة وعظيم مكانتها. ٥ - إن النبي ﷺ قد حذّر الدعاة من المخالفة لِمَا يقولون ، فبيّن ﷺ في

стр. 303

الحديث الشريف حال الدعاة الذين يأمرون الناس وينهونهم وينسون أنفسهم، قال: ((أتيت ليلة أُسري بي على قومٍ تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلَّما قرضت وفت، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباءُ أمتكَ الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به)) (١). ولا يقتصر الخطر على الداعية وعلى دينه، بل يتعدّى إلى كل من يدعوهم. وإن مما يذكر في هذا الشأن، أن انحراف الداعية وخروجه عن النهج الصحيح هو في الوقت نفسه سببٌ في انحراف كل من تأثر به أو سمع منه، وما ذلك إلا بسبب أن سلوك الداعية وتصرفاته كلها مرصودة من قبل الناس، وجميع أفعاله وأقواله موضوعة تحت المجهر. فليحتطِ الداعية لهذا الأمر المهم، ويراقب أفعاله وأقواله .. وليرِ الله تعالى من نفسه خيراً. ٦ - إن جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم كانوا قُِدوةً حسنةً لأقوامهم ، وهذا يدل على عِظَم وأهمية القدوة الحسنة؛ ولهذا قال شعيب ﵊ لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢). ٧ - إن الناس كما ينظرون إلى الداعية في أعماله وتصرفاته ينظرون إلى أسرته وأهل بيته، وإلى مدى تطبيقهم لِمَا يقول، وهذا يفيد ويبيّن أن الداعية

стр. 304

كما يجب عليه أن يكون قدوة في نفسه يجب عليه أن يقوِّم أهل بيته وأسرته، ويلزمهم بما يأمر به الناس، ويدعوهم إليه؛ ولهذه الأهمية كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا صعد المنبر فنهى الناس عن شيء، جمع أهله فقال: ((إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأقسم بالله لا أجد أحداً منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة)) (١). ولقد تنبه لخطورة هذا الأمر الفقيه أبو المنصور الدمياطي فأخذ يحذر القدوات قائلاً: أيها العالِم إياك الزلل ... واحذرِ الهفوةَ، فالخطبُ جلَلْ هفوة العالِم مستعظمة ... إن هفا أصبح في الخلق مَثَلْ وعلى زلَته عمدتهم ... فبها يحتجّ من أخطأ وزَلّْ لا تقلْ يستر علمي زلَّتي ... بلْ بها يحصل في العلم الخلَلْ إن تكن عندك مستحقرةً ... فهي عند الله والناس جَبَلْ فإذا الشمس بدت كاسفةً ... وجلُ الخلقُ لها كل الوَجَلْ وترامت نحوها أبصارُهم ... في انزعاجٍ واضطرابٍ وزجَلْ وسرى النقص لهم من نقصها ... فغدت مُظلمةً منها السُّبُلْ وكذا العالِم في زلَّته ... يفتن العالم طُرّاً ويضِلّْ يُقتدى منه بما فيه هفا ... لا بما استعصم فيه واستَقَلّْ فهو ملحُ الأرض ما يصلحه ... إن بدا فيه فسادٌ وخَلَلْ (٢)

стр. 305

المبحث الثالث: وجوب القدوة الحسنة من الأخلاق والأوصاف التي ينبغي، بل يجب أن يكون عليها الداعية، العمل بدعوته، وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، ليس ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه، أو ينهى عنه ثم يرتكبه، هذه حال الخاسرين نعوذ بالله من ذلك، أما المؤمنون الرابحون فهم دعاةالحق يعملون به وينشطون فيه، ويسارعون إليه، ويبتعدون عما ينهون عنه، قال الله - جل وعلا -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (١)، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). هذه الآية العظيمة تُبيِّن لنا أن الداعي إلى الله ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى الله بلسانه، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضاً؛ ولهذا قال بعده: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، فالداعي إلى الله يكون داعية باللسان، وداعية بالعمل، ولا أحسن قولاً من هذا الصنف من الناس، هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة، وهم يوجِّهون الناس بالأقوال والأعمال فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم وأعمالهم وسيرتهم (٣). وهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام، دعاة إلى الله بالأقوال والأعمال، والسيرة وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون

стр. 306

بالأقوال، ولا سيما العامّة وأرباب العلوم القاصرة؛ فإنهم ينتفعون من السيرة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها، فالداعي إلى الله من أهمّ المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة، وذا عمل صالح، وذا خلق فاضل حتى يُقتدى بفعاله وأقواله (١). ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، الآية. وهذه الآية الكريمة تفيد أن الدعاة إلى الله هم أحسن الناس قولاً إذا حققوا قولهم بالعمل الصالح، والتزموا الإسلام عن إيمان ومحبة وفرح بهذه النعمة العظيمة، وبذلك يتأثّر الناس بدعوتهم، وينتفعون بها ويحبونهم عليها، بخلاف الدعاة الذين يقولون ما لا يفعلون، فإنهم لا حظّ لهم من هذا الثناء العاطر، ولا أثر لدعوتهم في المجتمع، إنما نصيبهم في هذه الدعوة المقت من الله - سبحانه - والسب من الناس، والإعراض عنهم والتنفير من دعوتهم. قال الله موبِّخاً اليهود: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (٢)، فأرشد - سبحانه - في هذه الآية إلى أن مخالفة الداعي لِمَا يقول أمر يخالف العقل، كما أنه يخالف الشرع، فكيف يرضى بذلك من له دين أو عقل (٣). وصحّ عن النبي، ﷺ أنه قال: ((يُؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار،

стр. 307

فتندلق أقتاب بطنه، فيدور فيها كما يدور الحمار بالرّحى، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون له يا فلان ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه)) (١). هذه حال من دعا إلى الله وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم خالف قوله فعله وفعله قوله، نعوذ بالله من ذلك، فمن أهمّ الأخلاق ومن أعظمها في حق الداعية، أن يعمل بما يدعو إليه، وأن ينتهي عما ينهى عنه، وأن يكون ذا خلق فاضل، وسيرة حميدة، وصبر ومصابرة، وإخلاص في دعوته (٢). فأنت يا عبد الله في أشدّ الحاجة إلى تقوى ربك ولزومها والاستقامة عليها ولو جرى من الامتحان، ولو أصابك من الأذى أو الاستهزاء من أعداء الله، أو من الفسقة والمجرمين فلا تبالِ، واذكر الرسل عليهم الصلاة والسلام، واذكر أتباعهم بإحسان، فقد أوذوا واستهزئ بهم وسخر بهم، ولكنهم صبروا فكانت لهم العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة (٣). والمؤمن الداعي إلى الله قويّ الإيمان، البصير بأمر الله يصرِّح بحق الله، وينشط في الدعوة إلى الله، ويعمل بما يدعو إليه، ويحذر ما ينهى عنه، فيكون من أسرع الناس إلى ما يدعو إليه، ومن أبعد الناس عن كل ما ينهى عنه، ومع ذلك يصرّح بأنه مسلم، وبأنه يدعو إلى الإسلام، ويغتبط

стр. 308

بذلك ويفرح به كما قال : ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١)، فالفرح برحمة الله فرح الاغتباط، فرح السرور، أمر مشروع (٢). وينبغي للدعاة إلى الله تعالى: أن يُعنوا عناية تامة بالقرآن الكريم تلاوة وتدبراً وتعقلاً، وعملاً بالسنة المطهرة؛ لأنها الأصل الثاني، ولأنها المفسِّرة لكتاب الله، كما قال الله : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣)، وقال : ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٤). والعلم هو ما قاله الله في كتابه الكريم، أو قاله الرسول ﷺ في سنته الصحيحة، وذلك بأن يعتني الداعية بالقرآن الكريم والسنة المطهرة؛ ليعرف ما أمر الله به وما نهى الله عنه، ويعرف طريقة الرسول ﷺ في دعوته إلى الله وإنكاره المنكر وطريقة أصحابه ﵃ (٥). فجدير بأهل العلم من الدعاة والمدرسين والطلبة، جدير بهم أن يعنوا بكتاب الله حتى يستقيموا عليه، وحتى يكون لهم خلقاً ومنهجاً يسيرون عليه أينما كانوا، يقول : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٦)، فهو

стр. 309

الهادي إلى الطريقة التي هي أقوم الطرق وأهدى السبل، وهل هناك هدف للمؤمن أعظم من أن يكون على أهدى السبل وأقومها. فعلى جميع أهل العلم وطلبته أن يُعنوا بهذا الخُلُق، وأن يُقبلوا على كتاب الله قراءةً، وتدبُّراً، وتعقّلاً، وعملاً، يقول : ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (١). أصحاب العقول الصحيحة الذين وهبهم الله التمييز بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، ومن أراد هذا الخلق العظيم فعليه بالإقبال على كتاب الله والعناية به: تلاوةً، وتدبراً، وتعقلاً، ومذاكرة بينه وبين زملائه، وسؤالاً لأهل العلم عمَّا أشكل عليه من الاستفادة من كتب التفسير المعتمدة، ومع العناية بالسنة النبوية؛ لأنها تفسر القرآن وتدل عليه، حتى يسير على هذا النهج القويم، وحتى يكون من أهل كتاب الله قراءة وتدبراً وعملاً (٢).

стр. 310

الفصل التاسع: الخُلُق الحَسَن المبحث الأول: مفهوم الخلق الحسن. المبحث الثاني: أهمية الخلق الحسن في الدعوة. المبحث الثالث: طرق تحصيل الخلق الحسن. المبحث الرابع: فروع الخلق الحسن وتطبيقها في الدعوة.

стр. 311

المبحث الأول: مفهوم الخُلُق الحسن الخُلْقُ لغةً: السجيّة، والطبع، والمروءة، والدين (١). وحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة، وهي: نفسه، وأوصافها، ومعانيها المختصة بها، بمنزلة: الخَلْق لصورته الظاهرة، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة (٢). فالخلق: حال في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر من غير حاجةٍ إلى فكر ورويّة، وجمعه: أخلاق. والأخلاق: علم موضوعه أحكام قيمة تتعلق بالأعمال التي توصف بالحسن أو القبح (٣)،وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما يكون طبيعياً من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو الغضب، ويهيج لأدنى سبب، وكالذي يجبن من أيسر شيء، كمن يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه. القسم الثاني: ما يكون مستفاداً بالعادة والتدريب، وربما كان مبدؤه بالرويَّة والفكر ثم يستمر عليه حتى يكون ملكةً وخلقاً (٤). أما السلوك: فهو سيرة الإنسان ومذهبه واتجاهه، يقال: فلان حسن

стр. 312

السلوك أو سيّئ السلوك (١). والسلوك: عمل إراديٌّ، كقول: الكذب، والصدق، والبخل، والكرم ونحو ذلك. فاتّضح أن الخلق حالة راسخة في النفس، وليس شيئاً خارجاً مظهريّاً، فالأخلاق شيء يتصل بباطن الإنسان، ولا بد لنا من مظهر يدلنا على هذه الصفة النفسية، وهذا المظهر هو: السلوك، فالسلوك: هو المظهر الخارجي للخلق، فنحن نستدل من السلوك المستمر لشخصٍ ما على خلقه، فالسلوك دليل الخلق، ورمز له، وعنوانه، فإذا كان السلوك حسناً دلّ على خلق حسن، وإن كان السلوك سيئاً دلّ على سلوك قبيح، كما أن الشجرة تعرف بالثمر، فكذلك الخلق الحسن يعرف بالأعمال الطيبة (٢).

стр. 313

المبحث الثاني: أهمية الخلق الحسن الخلق الحسن في الدعوة إلى الله تعالى من أهم المهمات، ومن أعظم القربات، ومن أولى الواجبات التي ينبغي أن يتصف بها الدعاة، ولابد منها لكل داعية يرغب فيما عند الله تعالى، ويرغب في نجاح دعوته وظهور ثمراتها؛ فإن الدعاة إلى الله تعالى أشدّ حاجة من غيرهم لمعرفة الخلق الحسن وتطبيقه على أنفسهم في جميع مجالات الحياة طلباً لحصول الآثار العظيمة النبيلة في مجتمعاتهم كما حصل في صدر الإسلام؛ فإنه لا يُحصَى من دخل في الإسلام بسبب خلق النبي الكريم ﵊ سواء كان ذلك الخلق الحسن من: جوده أو كرمه، أو عفوه أو صفحه، أو حلمه أو أناته، أو رفقه أو صبره، أو تواضعه أو عدله، أو رحمته أو منّه، أو شجاعته وقوته .. وهكذا أصحابه الكرام ﵃، ومن أشهر الأمثلة قصة مصعب بن عمير ﵁ مع سَيِّدَي: الأوس والخزرج حينما استخدم معهما الخلق الحسن - الرفق والحلم والأناة - فأسلما على يديه، ثم دعا كلٌّ منهما قومه إلى الإسلام، فلم يبقَ بيت إلا دخله الإسلام بفضل الله تعالى ثم بفضل هذا الخلق الحسن العظيم. وتبرز أهمية الخلق الحسن في الدعوة إلى الله تعالى في أمور منها: الأمر الأول: الخلق الحسن في حياة المسلم عامة وفي حياة الدعاة إلى الله تعالى خاصة من أعظم روابط الإيمان وأعلى درجاته ؛ لقوله ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً)) (١).

стр. 314

الأمر الثاني: الخلق الحسن ضرورة اجتماعية لجميع المجتمعات ، وهو من أعظم المهمات التي تتعين على جميع الدعاة إلى الله تعالى؛ لأن من تخلّق به كان من أحبّ الناس إلى النبي ﷺ وأقربهم منه مجلساً يوم القيامة: ((إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً)) (١). الأمر الثالث: الخلق الحسن يجعل الداعية إلى الله تعالى من أحسن الناس ، ومن خيارهم مطلقاً، ولا يكون كذلك إلا بالتخلّق بهذا الخلق العظيم، قال النبي ﷺ : ((إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً)) (٢). وقد أحسن الشاعر إذ يقول: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا الأمر الرابع: الخلق الحسن من أعظم القربات وأجلّ العطايا والهبات ، والداعية إلى الله تعالى هو من أحق الناس بهذا الخير العظيم؛ ليطبِّقه على نفسه، ويدعو الناس إليه؛ ليحصل على الثواب الجزيل؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن)) (٣).

стр. 315

وقال النبي ﷺ : ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)) (١)، وقال ﵊ لعبد الله بن عمرو: ((أربع إذا كن فيك فما عليك ما فاتك من الدنيا: حفظُ أمانةٍ، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة)) (٢). وبهذا يحصل الداعية على جوامع الخيرات والبركات ((البر حسن الخلق)) (٣). الأمر الخامس: الخلق الحسن هو وصية رسول الله ﷺ - إلى جميع الدعاة، فقد أوصى به ﷺ معاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن والياً، وقاضياً، وداعياً إلى الله فقال له: (( .. وخالق الناس بخلق حسن)) (٤). الأمر السادس: الخلق الحسن ذو أهمية بالغة ؛ لأن الله أمر به نبيه الكريم، وأثنى عليه به، وعظّم شأنه الرسول الأمين ﷺ . قال الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٥)، وقال : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٦)، وقال النبي ﷺ : ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) (٧). وسئلت عائشة ﵂ عن خُلُقِهِ ﷺ فقالت: (( .. فإن خلق نبيكم ﷺ

стр. 316

كان القرآن)) (١). الأمر السابع: الخلق الحسن من أعظم الأساليب التي تجذب الناس إلى الإسلام، والهداية، والاستقامة؛ ولهذا من تتبَّع سيرة المصطفى ﷺ وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله وخاصة في دعوته إلى الله تعالى، فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجاً بفضل الله تعالى ثم بفضل حسن خلقه ﷺ ، فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم. فهذا يُسلم ويقول: ((والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ)) (٢). وذاك يقول: ((اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً)) (٣)، تأثر بعفو النبي ﷺ ولم يتركه على تحجيره رحمة الله التي وسعت كل شيء، بل قال له: ((لقد تحجَّرت واسعاً)). والآخر يقول: ((فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه)) (٤). والرابع يقول: ((يا قومي أسلموا فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة)) (٥). والخامس يقول: ((والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه

стр. 317

لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحبّ الناس إليَّ)) (١). والسادس يقول: بعد عفو النبي ﷺ عنه: ((جئتكم من عند خير الناس))، ثم يدعو قومه للإسلام فأسلم منهم خلق كثير (٢)، وهناك أمثلة كثيرة جداً. الأمر الثامن: الخلق الحسن هو أمنية كل مسلم وكل داعية مخلص خاصة؛ لأنه بذلك ينجو ويفوز وينجح في جميع أموره الخاصة والعامة؛ ولهذه الأهمية كان ﷺ يدعو ربه أن يهديه للخلق الحسن، فكان ﷺ يقول في استفتاحه لصلاة الليل: ((واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت .. )) (٣)، وكان يقول: ((اللهم كما أحسنت خلْقي فحسّن خُلُقي)) (٤). الأمر التاسع: الخلق الحسن يحبّب الداعية إلى الناس جميعاً حتى أعدائه، ويتمكن بذلك من إرضاء الناس على اختلاف طبقاتهم، وكل من جالسه أو خالطه أحبه، وبهذا يسهل على الداعية إدراك مطالبه السامية بإذن الله تعالى؛ لأن الدعاة إلى الله لا يَسعَون الناس بأموالهم ولكن ببسط الوجه وحسن الخلق. الأمر العاشر: من لم يتخلّق بالخلق الحسن من الدعاة ينفِّر الناس من دعوته، ولا يستفيدون من علمه وخبرته؛ لأن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون ممن يستطيل عليهم أو يبدو منه احتقارهم، واستصغارهم، ولو

стр. 318

كان ما يقوله حقاً. قال للنبي الكريم ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (١). وقال : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وقال ممتناً على عباده: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣). وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ .. ﴾ (٤) الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٥)، وقال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٦). ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ الله فَضْلاً كَبِيرًا﴾ (٧). ولا شك أنه يتعين على كل داعية أن يتخذه ﷺ قدوة وإماماً لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله

стр. 319

وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (١). الأمر الحادي عشر: إن صلاح الأمة وهدايتها والنهوض بها لا يكون سليماً نقياً إلا بالأخذ من المنبع الصافي، والبعد عن الأفكار الهدامة المنحرفة، والتزام الدعاة إلى الله تعالى بالخلق الحسن ودعوة الناس إليه هو من هذا المنبع، وتطبيق ذلك على أنفسهم قبل الدعوة إليه ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (٢)؛ ولهذا أمر الله بالعلم قبل العمل، وبالعمل قبل الدعوة إليه، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤)، فقدَّم العمل قبل الدعوة إلى الحق. الأمر الثاني عشر: الخلق الحسن في الدعوة يجعل الداعية مستنير القلب ، ويفتح مداركه، فيتبصَّر به مواطن الحق، ويهتدي به إلى الوسائل والأساليب الصحيحة في دعوة الناس الملائمة للظروف والأحوال، والأشخاص ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ (٥) الآية. الأمر الثالث عشر: الخلق الحسن في الدعوة من أعظم الأسباب التي

стр. 320

تُنجي من النار وتُورث الفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم، وهذا هو غاية كل مسلم بعد رضى الله ؛ ولهذا عندما سأل النبي ﷺ رجلاً فقال له: ((ما تقول في الصلاة؟)) قال: أتشهّد ثم أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار. أما والله! ما أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال النبي ﷺ : ((حَوْلها نُدَنْدِنُ)) (١)، وهذا يدلّ أن جميع الأقوال والدعوات والأعمال؛ إنما هو من أجل الفوز بالجنة والنجاة من النار بعد رضى الله . وقد تكفل النبي ﷺ ببيت في أعْلى الجنة لمن حسَّن خلقه فقال: ((أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المِراء وإن كان مُحقّاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه)) (٢)، وسُئل عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة، فقال: ((تقوى الله وحسن الخلق)) (٣). ويبين النبي ﷺ فيما أخرجه الترمذي بإسناد حسن ((أن النار تحرم على كل قريب هيّن سهل)) (٤). الأمر الرابع عشر: الخلق الحسن موضوع واسع جداً يشمل: الحلم،
следующие страницы →