سلسلة مؤلفات ورسائل سعيد بن علي بن وهف القحطاني
من أحكام سورة المائدة
تأليف الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد، فهذه رسالة مختصرة في ((تفسير خمس الآيات الأول من سورة المائدة)). بيّنت فيها بتوفيق الله تعالى الأحكام التي اشتملت عليها هذه الآيات الكريمات:
وقد قسمت هذا الموضوع إلى ستة أبواب، وتحت كل باب فصلان:
الباب الأول: مقدمات لهذا البحث، والفصل الأول منه في معرفة سبب نزول سورة المائدة، وأغراضها، ومضامينها، والفصل الثاني: في معرفة سبب نزول الآيات الخمس، وأهمية نزول هذه الآيات، وما نسخ منها وما لم ينسخ.
الباب الثاني: تفسير الآية الأولى من سورة المائدة، والفصل الأول من هذا الباب، تعريف العقود، والمراد بالعهود، وتعريف بهيمة الأنعام، والفصل الثاني: في بيان ما أحل الله للمؤمنين من بهيمة الأنعام، ومناسبة ذكر الحل، وبيان ما استثنى مما أحل الله للمؤمنين، والضابط العام للأنواع المحرمة من الحيوانات والطيور.
стр. 3
الباب الثالث: تفسير الآية الثانية من سورة المائدة، الفصل الأول من هذا الباب في تعريف الشعائر، وبيان سبب نزول هذه الآية الكريمة، وأقوال العلماء فيما نسخ من هذه الآية وما لم ينسخ، والفصل الثاني في إباحة الصيد بعد حل الإحرام، والأمر بالتعاون على البر والتقوى.
الباب الرابع: تفسير الآية الثالثة من سورة المائدة، الفصل الأول من هذا الباب معرفة ما حرمه الله من بهيمة الأنعام، وإبطال عادات الجاهلية في أكل المحرمات من بهيمة الأنعام، وتعريف الذكاة الشرعية، وذكر شروطها، والفصل الثاني تحريم أكل ما ذبح لغير الله، والاستقسام بالأزلام، وذكر إتمام الله النعمة على هذه الأمة، وإكماله الدين، ورفع الإثم عمن اضطر إلى شيء من المحرمات من بهيمة الأنعام غير باغٍ ولا عادٍ، وذكر الحكمة من ذلك.
الباب الخامس: تفسير الآية الرابعة من سورة المائدة، الفصل الأول من هذا الباب بيان شروط الصيد بالجوارح: من الكلاب والطيور، والفصل الثاني, بيان الاختلاف في حل صيد بعض الجوارح، وبيان اختلاف العلماء في إمساك الجارح من الطيور والكلاب عن الأكل من الصيد، هل يكون ذلك شرطاً أم لا؟.
الباب السادس: تفسير الآية الخامسة من سورة المائدة، الفصل الأول من هذا الباب: بيان المقصود بالحل في طعام أهل الكتاب، ومتى يحل ومتى لا يحل؟ وحكم نكاح الكتابيات، والفصل الثاني: حكم المرتد، وحكم من حكم بغير ما أنزل الله.
стр. 4
والله أسأل أن يجعل هذه الكلمات القليلة مباركة، نافعة، خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفعني بها في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع بها من انتهت إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم، وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
حرر في عام ١٤٠٤هـ.
стр. 5
الباب الأول
ويشتمل على فصلين، هما:
الفصل الأول:
أولاً: معرفة سبب نزول سورة المائدة.
ثانياً: أغراض، ومضامين سورة المائدة.
الفصل الثاني:
أولاً: معرفة سبب نزول الآيات الخمس الأُول من سورة المائدة.
ثانياً: أهمية نزول هذه الآيات الخمس.
ثالثاً: ما نسخ منها وما لم ينسخ.
стр. 6
الفصل الأول
أولاً: معرفة سبب نزول سورة المائدة .
قال ابن عباس، والضحاك: هي مدنية، وقال مقاتل: ((نزلت نهاراً، وكلها مدنية، وقال أبو سليمان الدمشقي: فيها من المكي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ﴾ الآية، والصحيح أن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ نزلت بعرفة يوم عرفة؛ فلهذا نسبت إلى مكة (١).
روى الحاكم في المستدرك عن جبير بن نفير قال: ((حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، قالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه))، قال الحاكم: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي (٢).
قال القرطبي: وهي مدنية بإجماع ... وكل ما نزل من القرآن بعد هجرة النبي ﷺ فهو مدني، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار (٣).
ثانياً: أغراض ومضامين سورة المائدة .
افتتح الله هذه السورة بالأمر بالوفاء بالعقود، ثم المضي بعد هذا
стр. 7
الافتتاح في بيان الحلال والحرام، من الذبائح، والمطاعم، والمشارب، والمناكح، وبيان كثير من الأحكام الشرعية، والتعبدية، وبيان حقيقة العقيدة الصحيحة، وبيان حقيقة العبودية، وحقيقة الألوهية، وبيان علاقات الأُمّة المؤمنة بشتى الأمم والملل والنحل، وبيان تكاليف الأمة المؤمنة في القيام لله، والشهادة بالقسط، والوصاية على البشرية بكتابها المهيمن على كل الكتب قبلها، والحكم فيها بما أنزل الله كله، والحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل الله، والحذر من عدم العدل تأثراً بالمشاعر الشخصية والمودة والشنآن ... افتتاح السورة على هذا النحو، والمضي فيها على هذا النهج يعطي كلمة ((العقود)) معنى أوسع من المعنى الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، ويكشف أن المقصود بالعقود هو كل ضوابط الحياة التي قررها الله ... وفي أولها عقد الإيمان بالله، ومعرفة حقيقة ألوهيته سبحانه، ومقتضى العبودية لألوهيته، هذا العقد الذي تنبثق منه، وتقوم عليه سائر العقود، وسائر الضوابط في الحياة (١).
وفي سورة المائدة تسع عشرة فريضة ليست في غيرها وهي:
﴿الْمُنْخَنِقَةُ، وَالْمَوْقُوذَةُ، وَالْمُتَرَدِّيَةُ، وَالنَّطِيحَةُ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾،
﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ﴾، ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾، ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، وتمام الطهور في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
стр. 8
الصَّلاةِ﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، ﴿لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾، إلى قوله: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾، و ﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية، والفريضة التاسعة عشرة قوله : ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ﴾، فليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة، أما ما جاء في سورة ((الجمعة))، فمخصوص بالجمعة، وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات (١).
стр. 9
الفصل الثاني
أولاً: معرفة سبب نزول الآيات الخمس الأُول من سورة المائدة:
١ - أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ قال: كان المشركون يحجّون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظّمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجّهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فقال الله: ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله﴾ (١).
٢ - وفي الصحيحين من حديث طارق بن شهاب، قال: ((جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرؤون آية من كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: وأي آية هي؟ قال: قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٢)، فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله ﷺ ، والساعة التي نزلت فيها، والمكان الذي نزلت فيه على رسول الله ﷺ ، وهو قائم بعرفة يوم جمعة، وفي لفظ: نزلت عشية عرفة)) (٣)، قال سعيد بن جبير: عاش رسول الله ﷺ بعد ذلك واحداً وثمانين يوماً.
стр. 10
٣ - قال ابن الجوزي في تفسيره: ((زاد المسير في علم التفسير)): في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ... ﴾ الآية:
((في سبب نزولها قولان:
أحدهما: أن النبي ﷺ لما أمر بقتل الكلاب، قال الناس: يا رسول الله ماذا أحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت هذه الآية (١).
والثاني: أن عدي بن حاتم، وزيد الخيل الذي سماه رسول الله ﷺ : زيد الخير قالا: ((يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فمنه ما ندرك ذكاته، ومنه ما لا ندرك ذكاته، وقد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير)) (٢).
وكان السبب في أمر النبي ﷺ بقتل الكلاب هو ما رواه مسلم عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: ((أخبرتني ميمونة أن رسول الله ﷺ أصبح يوماً واجماً (٣)، فقالت ميمونة: يا رسول الله لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله ﷺ : ((إن جبريل كان واعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني أما والله ما أخلفني))، قال: فظل رسول الله ﷺ يومه ذلك على
стр. 11
ذلك، ثم وقع في نفسه جرو كلب تحت فسطاط لنا، فأمر به فأخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل فقال له: ((قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة))، قال: أجل ولكنَّا لا ندخل بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة، فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ، فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير (١)، وعن جابر ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فتقتله، ثم نهى رسول الله ﷺ عن قتلها، وقال: ((عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان)) (٢).
٤ - نزول قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٣):
أ- قال ابن الجوزي: ((إن الله تعالى لما رخّص في نكاح الكتابيات قلن بينهن لولا أن الله تعالى قد رضي علينا، لم يبح للمؤمنين تزويجنا، وقال المسلمون: كيف يتزوج الرجل منا الكتابية وليست على ديننا، فنزلت: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾،رواه أبو صالح عن ابن عباس.
ب - وقال مقاتل بن حيان: نزلت فيما أحصن المسلمون من نساء أهل الكتاب، يقول: ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من
стр. 12
الكفر (١).
ثانياً: أهمية نزول هذه الآيات الخمس وما نسخ منها وما لم ينسخ:
١ - أهمية نزول هذه الآيات الخمس:
لاشك أن هذه الآيات الخمس تضمنت أحكاماً عظيمة، وهذه الأحكام محكمة لم يدخل عليها نسخ، فقد تضمنت هذه الآيات أحكاماً منها:
أ- أحكام العقود، والعهود .
ب- أحكام الصيد في الحل والإحرام .
ت - إبطال عادات الجاهلية: حيث كانوا يحرمون على أنفسهم، البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وكانوا يأكلون الميتة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، والدم، ويأكلون ما قتلته السباع من بهيمة الأنعام، وغير ذلك مما سأبينه في الفصول القادمة إن شاء الله تعالى.
فجاء الإسلام بإبطال هذه العادات كلها، وأحل للمؤمنين الطيبات، وحرم عليهم الخبائث كهذه المحرمات وغيرها.
ث- جاء في هذه الآيات الخمس كذلك ، استثناء ما أدركت ذكاته من المحرمات المذكورة آنفاً، فما أدرك المسلمون حياته من هذه المذكورات فذُكِّي قبل زهوق نفسه، فهو من الطيبات.
ج- جاء في هذه الآيات الخمس ، حكم الصيد بالجوارح، من
стр. 13
الكلاب والطيور المُعلَّمة.
ح- وجاء كذلك فيها حل طعام أهل الكتاب - اليهود، والنصارى -.
خ- وكذلك حكم نكاح الكتابيات المحصنات من أهل الكتاب .
د - وجاء في هذه الآيات الخمس حكم من كفر بالإيمان ، وأن عمله يحبط بكفره، وهذه الأحكام ليست للحصر لما ورد في هذه الآيات الخمس من أحكام، وإنما هي أمثلة مما ورد فيها من الأحكام التي لم تنسخ، والدليل على أن الأحكام التي في هذه الآيات الخمس لم تنسخ، بل هي محكمة ما جاء من قول عائشة ﵂ فيما رواه الحاكم في: مستدركه من حديث جبير بن نفير، قال: ((حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت نعم، قالت: أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه)) (١).
ثالثاً: ما نسخ من هذه الآيات الخمس وما لم ينسخ .
سبق أن تقدم قول عائشة لجبير بن نفير: ((يا جبير تقرأ المائدة؟ قال: فقلت: نعم، قالت: أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه)) (٢)، فدلّ هذا على أن الأحكام التي وردت في سورة المائدة لم ينسخ منها شيء.
стр. 14
أقوال العلماء في هذا
قال ابن الجوزي: ((اختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ... ﴾ (١) الآية، على قولين:
أحدها: أنها محكمة، روي ذلك عن الحسن أنه قال: ما نسخ من المائدة شيء، وكذلك قال أبو ميسرة في آخرين، قالوا: ولا يجوز استحلال الشعائر، ولا الهدي قبل أوان ذبحه، واختلفوا في القلائد، فقال قوم: يحرم رفع القلادة عن الهدي حتى ينحره، وقال آخرون: كانت الجاهلية تقلد من شجر الحرم، فقيل لهم: لا تستحلوا أخذ القلائد من الحرم، ولا تصدوا القاصدين إلى البيت.
والثاني: أنها منسوخة، وفي المنسوخ منها أربعة أقوال:
أحدهما: أن جميعها منسوخة، وهو قول الشعبي.
الثاني: أنها وردت في حق المشركين كانوا يقلدون هداياهم، ويظهرون شعائر الحج من الإحرام والتلبية، فنهي المسلمون بهذه الآية عن التعرض لهم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ (٢)، وهذا قول الأكثرين.
الثالث: أن الذي نسخ قوله تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ نسخه
стр. 15
قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١). روي عن ابن عباس وقتادة.
والرابع: أن المنسوخ منها تحريم الشهر الحرام، وآمّون البيت الحرام: إذا كانوا مشركين، وهدي المشركين .. قاله أبو سليمان الدمشقي)) (٢).
стр. 16
الباب الثاني
تفسير الآية الأولى من سورة المائدة
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (١)، أتى رجل عبد الله بن مسعود فقال: اعهد إليّ فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ... ﴾ ((فارعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه)) (٢).
وهذه الآية التي افتتح الله تعالى بها هذه السورة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ فيها من البلاغة ما تتقاصر عنه القوى البشرية مع شمولها لأحكام عدة: منها الوفاء بالعقود، ومنها تحليل بهيمة الأنعام، ومنها إباحة الصيد لمن ليس بمحرم (٣).
стр. 17
الفصل الأول
أولاً: تعريف العقود
العقود لغة: الحبل والبيع والعهد يعقده، شده وعنقه إليه لجأ، والحاسب حسب، والعقد الضمان والعهد، والجمل الموثّق الظهر، وهو منِّي معقد الإزار أي قريب المنزلة، والعاقد حريم البئر وما حولها (١).
العقود في الاصطلاح: العهود، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، وقال الزجاج: ((العقود أوكد العهود)) (٢)، وحكى ابن جرير الإجماع على أنه يقصد بالعقود العهود (٣)، قال ابن عباس: والمراد بالعقود هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾، يعني ما أحلّ الله وما حرّم، وما فرض، وما حدّ في القرآن كله، ولا تغدروا، ولا تنكثوا، ثم شدّد في ذلك فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٤).
المراد بالعهود:
قال الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في تفسيره زاد المسير في
стр. 18
علم التفسير: ((واختلفوا في المراد بالعهود هنا على خمسة أقوال:
أحدها: أنها عهود الله التي أخذها على عباده فيما أحل وحرم، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد.
الثاني: أنها عهود الدين كلها، قاله الحسن.
الثالث: أنها عهود الجاهلية، وهي الحِلْفُ الذي كان بينهم، قاله قتادة.
والرابع: أنها العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب من الإيمان بالنبي محمد ﷺ ، قاله ابن جرير، وقد ذكرنا أن الخطاب للكتابيين.
الخامس: أنها عقود الناس بينهم: من بيع، ونكاح، أو عقد الإنسان على نفسه من نذر، أو يمين، وهذا قول ابن زيد (١).
قلت: وقد ذكر في كتابه الكريم العهد الأول الذي أخذه على بني آدم فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (٢).
ثانياً: تعريف بهيمة الأنعام
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾.
البهيمة: لغة: كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، وكل حي لا
стр. 19
يميز ... والأبهم الأعجم، واستبهم عليه استعجم، فلم يقدر على الكلام (١).
وبهيمة الأنعام هي: الإبل، والبقر، والغنم، قاله: الحسن، وقتادة، وغير واحد (٢).
قال ابن الجوزي: في بهيمة الأنعام ثلاثة أقوال هي:
الأول: أنها أجنة الأنعام التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت الأمهات، قاله ابن عمر، وابن عباس.
وفي الحديث: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) من حديث جابر، وهو حديث صحيح (٣).
الثاني: أنها، الإبل، والبقر، والغنم، قاله: الحسن، وقتادة، والسدي.
الثالث: أنها وحش الأنعام كالظباء وبقر الوحش (٤).
قال ابن عطية: وهذا قول حسن؛ وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج، وما انضاف إليها من سائر الحيوانات يقال لها: أنعام مجموعة
стр. 20
معها، وكأن المفترس كالأسد، وكل ذي ناب خارجة عن حد الأنعام، فبهيمة الأنعام هي: الراعي من ذوات الأربع ... وعلى القول بتخصيص بهيمة الأنعام بالإبل، والبقر، والغنم، تكون الإضافة بيانية، ويلحق بها ما يحل مما هو خارج عنها بالقياس، بل بالنصوص التي في الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية (١)، وقد نهى ﷺ : ((عن كل ذي ناب من السِّباع وعن كل ذي مخلب من الطير)) (٢)، وقوله ﷺ : ((كل ذي ناب من السباع فأكله حرام)) (٣)؛ فإنه يدل بمفهومه على أن ما عداه حلال، وكذا سائر النصوص الخاصة كما في كتب السنة المطهرة (٤).
قال ابن العربي: ((أما من قال: إن النعم هي: الإبل، والبقر، والغنم، فقد علمتَ صحةَ ذلك دليلاً، وهو أن النعم عند بعض أهل اللغة اسم خاص للإبل يُذَكَّر ويؤنث ... وقد قال الله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ* وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا
стр. 21
كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾، وقال: ﴿وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ (١)، فهذا مرتبط بقوله: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ أي خلق جنات وخلق من الأنعام حمولة وفرشاً، يعني كباراً وصغاراً، ثم فسرها فقال: ثمانية أزواج ... الآية ..
وقال تعالى: ﴿ ... وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ – وهي الغنم -
﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ – وهي الإبل - ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ – وهي المعزى - ﴿أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٢).
فهذه ثلاثة أدلة تنبئ عن تضمن اسم النعم لهذه الأجناس الثلاثة: الإبل، والبقر، والغنم، لتأنيس ذلك كله، فأما الوحشية فلم أعلمه إلى الآن إلا اتباعاً لأهل اللغة .. (٣).
стр. 22
الفصل الثاني
أولاً: بيان ما أحل الله للمؤمنين ومناسبة ذكر الحل
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾.
سبق تعريف بهيمة الأنعام، في اللغة، وفي الاصطلاح، وأن الله قد أحلها للمؤمنين - إلا ما استثنى وسيأتي إن شاء الله - وسبق أن ذكرت أن جمهور المفسرين على أن بهيمة الأنعام ثلاثة أجناس: الإبل، والبقر، والغنم، وقد ذكرت أقوال العلماء بالتفصيل، وهي ثلاثة أقوال كما تقدم، ورجح ابن العربي القول الأول منها، وهو أن بهيمة الأنعام هي الإبل، والبقر، والغنم - واستدل على ذلك بأدلة ثلاثة ذكرتها هناك، إذن قد أحل الله ﵎ للمؤمنين بهيمة الأنعام إلا ما استثنى منها سبحانه، ومناسبة ذكر الحل هنا هي:
أن المشركين كانوا يحرمون: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، قال سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (١).
فقد كان أهل الجاهلية إذا أنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها وحرموا ركوبها وهي ((البحيرة)).
وكان الرجل يقول: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي
стр. 23
سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وكانوا إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها - أي ذكر وأنثى من بطن واحد – وهي الوصيلة، وإذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره، وهو الحام.
فلما جاء الإسلام أبطل هذه العادات كلها، فلا بحيرة، ولا سائبة، ولا وصيلة، ولا حام (١).
فأحلّ الله ﵎ الأنعام كلها إلا ما استثنى من هذه الأنعام، فأحل الطيبات، وحرم الخبائث، وأبطل عادات الجاهلية، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرّمه الله ورسوله، أما ما استثنى سبحانه مما أحلّ للمؤمنين فهو قوله تعالى: ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، وتوضيحه سيأتي إن شاء الله تعالى.
ثانياً: ما استُثنِيَ مما أحل الله للمؤمنين من بهيمة الأنعام:
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾، قال
علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ((يعني بذلك، الميتة والدم، ولحم الخنزير ... ))، قال ابن كثير: ((والظاهر والله أعلم أن المراد بذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ
стр. 24
وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ (١).
وقال القرطبي: ((قوله تعالى: ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي يقرأ عليكم في القرآن والسنة، من قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... ﴾ الآية وقوله ﷺ : ((وكل ذي ناب من السباع حرام)) (٢).
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾، قال بعضهم: هذا منصوب على الحال، والمراد بالأنعام ما يعمّ الإنسي من الإبل، والبقر، والغنم وما يعم الوحشي، كالظباء، والبقر، والحمر، فاستُثني من الإنسي ما تقدم، واستثني من الوحشي الصيد في حال الإحرام.
وقيل: المراد أحللنا الأنعام إلا ما استُثْنِيَ منها لمن التزم تحريم الصيد، وهو حرام لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣).
أي أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغٍ ولا معتدٍ، وهكذا هنا أي كما أحللنا الأنعام في جميع الأحوال، فحرموا الصيد حال الإحرام؛ فإن الله قد حكم بهذا وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (٤).
стр. 25
ثالثاً: الضابط العام للأنواع المحرمة من الحيوانات والطيور:
عن أبي ثعلبة ﵁ أن رسول الله ﷺ : ((نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع)) (١).
وفي صحيح مسلم: عن ابن عباس: ((نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي مخلب من الطير)) (٢).
والمخلب للطير كالظفر لغيره، لكنه أشد منه وأغلظ وأَحَدُّ، فهو كالنَّاب للسبع، قال ابن حجر في فتح الباري: ((اختلف القائلون بالتحريم في المراد بما له ناب، قيل: إنه ما يتقوَّى به ويصول على غيره، ويصطاد ويعدو بطبعه غالباً كالأسد، والفهد، والصقر، والعقاب، أما ما لا يعدو كالضبع، والثعلب، فلا، وإلى هذا ذهب الشافعي، والليث، ومن تبعهما.
ثم قال: وقد ورد هذا في حل الضبع أحاديث لا بأس بها.
أما الثعلب فورد في تحريمه حديث خزيمة بن جزء عند الترمذي، وابن ماجه، ولكن سنده ضعيف)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((كل ذي ناب من السباع فأكله
стр. 26
حرام)) (١)، قال النووي ﵀ في شرحه على صحيح مسلم في شرح هذا الحديث: قوله: ((نهى النبي ﷺ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير))، وفي رواية: ((كل ذي ناب من السباع فأكله حرام))، والمخلب بكسر الميم وفتح اللام، وقال أهل اللغة: المخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر للإنسان، فهذه الأحاديث دلالة لمذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وداود، أنه يحرم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير.
أما الإمام مالك، فقال: لا يحرم بل يكره، ودليله قوله تعالى:
﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ... ﴾ الآية (٢).
ثم قال النووي: ((ورَدَّ عليه أصحابنا بهذه الأحاديث، وقالوا: والآية ليس فيها الإخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرماً إلا المذكورات في الآية، ثم أوحي إليه بتحريم كل ذي ناب من السباع - ومخلب من الطير - فوجب قبوله والعمل به)) (٣).
قلت: وبالجملة تحرم الحيوانات والطيور المفترسة آكلة اللحوم، ويستثنى من هذه الحيوانات ما ورد في الشرع استثناؤه من هذه الحيوانات، كالضبع، فإنه قد ورد في حِلّه أحاديث منها:
стр. 27
١ - عن أبي عمار قال: ((قلت لجابر: الضبع، أصيد هي؟ قال: نعم، قال: قلت: آكلها؟ قال: نعم، قال: قلت: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم)) (١).
٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع فقال: ((هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم)) (٢)، وقال ابن حجر العسقلاني: ((وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها)) (٣).
الخلاصة في هذا الموضوع أنه يحرم: كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، إلا ما استثني كالضبع كما تقدم.
стр. 28
الباب الثالث
تفسير الآية الثانية من سورة المائدة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١).
стр. 29
الفصل الأول
أولاً: تعريف الشعائر:
الشعائر لغة: أشعرها جعل لها شعيرة، وشعائر الحج مناسكه، وعلاماته، والشعيرة، والشعارة، والمشعر معظمها، وشعائره معالمه التي ندب الله إليها، وأمر بالقيام بها، وكلما ألزقته بشيء أشعرته به، والشعائر جمع شعيرة، على وزن فعيلة ... ومنه الإشعار للهدي، والمشاعر المعالم، واحدها مشعر (١).
قال عطاء في الشعائر: ((جميع ما أمر الله به، ونهى عنه)).
وقال الحسن: دين الله كله، كقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٢).
قال القرطبي: ((وهو الراجح الذي لا يُقدَّمُ غيرهُ؛ لعمومه)) (٣).
ثانياً: سبب النزول، وأقوال العلماء فيما نسخ من هذه الآية وما لم ينسخ:
قال الشوكاني: ((إن سبب نزول هذه الآية أن المشركين كانوا يحجون ويعتمرون، ويهدون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ الله ... ﴾ (٤) إلى آخر هذه الآية، فيكون
стр. 30
ذلك منسوخاً بقوله تعالى: ﴿اقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ... ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢)، وقوله ﷺ : ((لا يحجنّ بعد العام مشرك)) (٣)، وقال قوم: الآية محكمة، وهي في المسلمين)) (٤).
قلت: وسبق أن ذكرت أقوال العلماء بالتفصيل في الباب الأول، الفصل الثاني: تحت عنوان: ما نسخ من هذه الآيات الخمس وما لم ينسخ، وذكرت الثلاثة الأقوال التي قالها علماء الناسخ والمنسوخ، فأغنى عن إعادتها هنا، قوله تعالى: ﴿وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ﴾، يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه، من الابتداء بالقتال، وتأكيد اجتناب المحارم، وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجبُ مُضرَ الذي بين جُمادَى وشعبان)) (٥).
стр. 31
((قال ابن عباس ﵄: يعني لا تستحلوا القتال فيه ... وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ، وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم ... وقد حكى الإجماع الإمام أبو جعفر على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها.
وقوله: ﴿وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ﴾، أي لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام؛ وليعلم أنها هدي إلى الكعبة، فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها؛ فإن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء)) (١).
قوله تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾، أي ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام لحج أو عمرة، نهى تعالى عن الإغارة عليهم أو صدهم عن البيت كما كان أهل الجاهلية يفعلون (٢).
وقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ... ﴾ يعني بذلك التجارة، وهذا كما تقدم في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (٣).
стр. 32
الفصل الثاني
أولاً: إباحة الصيد بعد حل المحرم إحرامه، والنهي عن الاعتداء على الغير بغير حق .
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أي إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه فقد أبحنا لكم ما كان محرماً عليكم في حال الإحرام من الصيد، وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت عليه السير أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه، فإن كان، واجباً رده واجباً، وإن كان مستحباً فمستحب، أو مباحاً فمباح (١).
قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم كانوا قد صدوكم عن المسجد الحرام على أن تعتدوا عليهم (٢).
قال بعض السلف: ((ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السموات والأرض)) (٣).
ثانياً: الأمر بالتعاون على البر والتقوى والنهي عن التعاون على الإثم والعدوان ، قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤)، يأمر الله تعالى عباده
стр. 33
المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات، وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم، والمحارم (١)، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً))، قيل: يا رسول الله هذا نصرته مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: ((تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه)) (٢)، وفي الصحيح: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)) (٣).
وعن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله)) (٤).
стр. 34
الباب الرابع
تفسير الآية الثالثة من سورة المائدة
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ. الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).
стр. 35
الفصل الأول
أولاً: ما حرَّمه الله من بهيمة الأنعام إبطالاً لعادات الجاهلية: كان أهل الجاهلية يأكلون الميتة، ويخنقون الشاة، فإذا ماتت أكلوها، وكانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى تموت ثم يأكلونها، وكانوا إذا ذبحوا ذكروا اللات والعزى، ورفعوا بذلك أصواتهم، وكانوا إذا جاع أحدهم أخذ شيئاً محدداً من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، وكانوا كذلك إذا أكل السبع شاة أكلوها سواء ماتت أم لا، ولم يُذَكُّوها.
فلما جاء الإسلام حرّم ذلك كلَّه، فقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... ﴾ الآية، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢)، هذا شروع في المحرمات التي أشار إليها سبحانه بقوله: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ينهى الله سبحانه عباده عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة، وهي ما مات من الحيوانات حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد؛
стр. 36
لما فيها من المضرَّة من الدم المحتقن، فهي ضارة للدين، وللبدن؛ فلهذا حرمها ، ويستثنى من الميتة السمك، فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها، كما روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ سُئل عن ماء البحر، فقال: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) (١).
ويُستثنى كذلك الجراد، فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحل لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال)) (٢).
قوله تعالى: ﴿وَالْدَّمُ﴾ يعني المسفوح، كقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾، فقد كان أهل الجاهلية إذا جاع أحدهم يفصد بعيره فيجمع
стр. 37
ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم المسفوح على هذه الأمة.
قال الأعشى:
وإياك والميتات لا تقربنَّها ... ولا تأخذنَّ عظماًً حديداً لتفصدا
وقوله: ﴿وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ﴾ يعني إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ أي ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله فهو حرام؛ لأنَّ الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك، وذكر عليها اسم غيره من، صنم، أو طاغوت، أو وثن، أو غير ذلك من سائر المخلوقات، فإنها حرام بالإجماع، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾، وهي التي تموت بالخنق سواء كان ذلك بفعلها، كأن تدخل رأسها في حبل، أو بين عودين، أو بفعل آدمي أو غيره، وقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾، وهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت – كالضرب بالحجر والعصا – من غير تذكية.
وفي صحيح مسلم أن عدي بن حاتم ﵁ قال: قلت يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال: ((إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله)) (١)، وهذا من بيان
стр. 38
السنة للقرآن، فما خزقه بالمعراض يكون حلالاً؛ لأنه من الطيبات، وما دخل في حكم هذه الآية – آية التحريم – وهو ما إذا أصابه بعرضه، فلا يؤكل لأنه وقيذ.
وكذلك كلب الصيد إذا أرسل على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه، أو صدمه، فإن الراجح كما قال ذلك ابن كثير في تفسيره –: إنَّ الكلب إذا أرسل على الصيد ولم يجرحه أو صدمه فإن ذلك وقيذ وقال اختار هذا القول ورجحه كثير من الأئمة، وهو أشبه بالصواب.
ففي الصحيحين عن رافع بن خديج ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله، إنا لاقو العدو غداً، وليس معنا مُدىً، أفنذبح بالقصب؟ فقال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى أهل الحبشة)) (١).
قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ هي التي تتردى من علو إلى أسفل فتموت من غير فرق بين أن تتردى – تسقط – من جبل أو في بئر – أو غير ذلك، قوله تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ هي التي تنطحها – شاة أخرى أو بقر – فتموت من دون تذكية.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي ما افترسه ذو ناب، كالأسد، والنمر، والفهد، والذئب، والضبع، ونحوها.
стр. 39
والمراد هنا ما أكل منه السبع؛ لأن ما أكله السبع كله قد فني، وسواء سال الدم مما أكل السبع، ولو من مذبحها أو لا، فإنها لا تؤكل؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ هذا عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد به سبب موته فأمكن تداركه، وفيه حياة مستقرة والمراد يعني: إلا ما ذكيتم من المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع.
وروي عن طاووس وغيره من التابعين ((أن المذكاة متى تحركت حركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح هي حلال، وهذا مذهب الجمهور)) (١).
ثانياً: الذكاة الشرعية: تعريفها، وشروطها:
قال الزجاج: ((أصل الذكاة في اللغة: تمام الشيء، فمنه ذكاء في السن وهو تمام السن، ومنه الذكاء في الفهم، وهو أن يكون فهماً تاماً.
وقد روي عن علي، وابن عباس، والحسن، وقتادة، أنهم قالوا: ما أدركت ذكاته بأن توجد له عين تطرف، أو ذنب يتحرك، فأكله حلال)) (٢).
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀:
((الذكاة:
١ - نحر الحيوان البري الحلال.
٢ - أو ذبحه.
стр. 40
٣ - أو جرحه في أي موضع من بدنه.
فالنحر للإبل، والذبح لما سواها، والجرح لكل ما لا يقدر عليه إلا به من إبل، وغيرها)).
* ((ما يجب قطعه في الذكاة:
١ - عن الإمام أحمد: روايتان:
إحداهما: أنه الحلقوم، والمريء - والعرقان اللذان بينهما - أي بين الحلقوم والمريء، والعرقان هما الودجان - فإن نقص من ذلك شيئاً لم يؤكل، هذا ظاهر كلام أحمد في رواية عبد الله.
الرواية الثانية: يجزئ قطع الحلقوم والمريء، وهو ظاهر كلامه في رواية حنبل، وبه قال الشافعي.
٢ - وقال أبو حنيفة يجزئ قطع الحلقوم والمريء, وأحد الودجين.
٣ - وقال مالك: يجزئ قطع الأوداج وإن لم يقطع الحلقوم.
قال ابن قدامة في المغني: إن الإمام مالك، قال: برواية أحمد الأولى، وهي: قطع: الحلقوم، والمريء، والودجين)) (١).
قلت: العلماء مجمعون على أن الأكمل في الذبح قطع الأربعة وهي:
١ - الحلقوم، وهو مجرى النفس.
٢ - المريء، وهو مجرى الطعام.