← Общие книги

Общие книги · id 96532

مواقف النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة إلى الله تعالى

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (91 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لقد قام النبي ﷺ بحل هذه المشكلات كلها، بحكمته العظيمة، وحسن سياسته، وكان حله وإصلاحه لهذه الأوضاع، وجمعه لشمل المسلمين كالآتي: ١ - بناء المسجد والاجتماع فيه أول عمل وحد بين القلوب: كان أول عمل قام به ﷺ في الإصلاح والتأسيس بناء المسجد النبوي، واشترك المسلمون جميعاً في البناء، وعلى رأسهم إمامهم محمد ﷺ ، وكان أول عمل تعاوني عام، وحد بين القلوب، وأظهر الهدف العام للعمل، وقد كان لكل حي في المدينة - قبل قدوم النبي ﷺ مكان يلتقون فيه، فيسمرون ويسهرون، وينشدون الأشعار، فكانت هذه الحال تدل على التفرقة والاختلاف، فعندما بُنيَ المسجد كان مرتكز المسلمين جميعاً، ومكان تجمعهم، يلتقون فيه في كل وقت، ويسألون رسول اللَّه ﷺ فيعلمهم ويرشدهم ويوجههم (١). وبهذا تجمعت الأندية، والتفَّت الأحياء، واقتربت القبائل، وتحابَّت البطون، وانقلبت التفرقة إلى وحدة، ولم تعد في المدينة جماعات، بل جماعة واحدة، ولم تعد زعامات، بل قائد واحد، هو

стр. 37

رسول اللَّه ﷺ ، يتلقى من ربه الأوامر والنواهي، ويعلم أمته، فأصبح المسلمون صفاً واحداً، وامتزجت النفوس والعقليات، وتقوت الوحدة، وتآلفت الأرواح، وتعاونت الأجسام (١). ولم يكن المسجد موضعاً لأداء الصلوات الخمس فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ويجتمعون فيه، وتلتقي فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها وقاعدة لإدارة جميع الشؤون، وبثّ الانطلاقات، وموضعاً لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية. ولهذا ما أقام رسول اللَّه ﷺ بمكان في المدينة إلا كان أول ما يفعله بناء مسجد يجتمع فيه المؤمنون، فقد أقام مسجد قباء حين أقام فيها، وصلى الجمعة في بني سالم بن عوف، بين قباء والمدينة، في بطن وادي (رانوناء) فلما أن وصل إلى المدينة كان أول عمل عمله بناء المسجد فيها (٢). ٢ - دعوة اليهود إلى الإسلام بالقول الحكيم: ومن قواعد الإصلاح والتأسيس التي قام بها النبي ﷺ بعد أن

стр. 38

دخل المدينة - الاتصال باليهود بواسطة عبد اللَّه بن سلام ﵁ ودعوتهم إلى الإسلام. فعن أنس ﵁ قال: بلغ عبد اللَّه بن سلام مقدم النبي ﷺ إلى المدينة، فأتاه، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : ((خبرني بهن آنفاً جبريل)) قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها)) [قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأنك رسول اللَّه]، قال: يا رسول اللَّه، إن اليهود قوم بُهْتٌ، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتُوني عندك، [فأرسل نبي اللَّه ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : ((يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا اللَّه فواللَّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول اللَّه حقاً، وأني جئتكم بحق، فأسلموا))، قالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي ﷺ -قالها ثلاث مرات - فقال رسول اللَّه ﷺ : ((فأي رجل فيكم عبد اللَّه بن سلام؟)) قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: ((أفرأيتم إن أسلم؟)) قالوا: حاشا للَّه ما كان ليسلم، قال: ((أفرأيتم إن

стр. 39

أسلم؟)) قالوا: حاشا للَّه ما كان ليسلم، قال: ((أفرأيتم إن أسلم؟)) قالوا: حاشا للَّه ما كان ليسلم، قال: ((يا ابن سلام اخرج عليهم))، فخرج فقال: يا معشر اليهود، اتقوا اللَّه فواللَّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول اللَّه، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت، [شرنا، وابن شرنا]، ووقعوا فيه (١). وهذه أول تجربة تلقاها رسول اللَّه ﷺ من اليهود عند دخول المدينة (٢). ومن حسن سياسته ﷺ أنه وافق على إخفاء عبد اللَّه بن سلام حتى يسأل اليهود عن مكانته بينهم، وعندما أثنوا عليه، ورفعوا من قدره أمره بالخروج فخرج وأعلن شهادته، وأظهر ما كان يكتمه اليهود من صدق النبي ﷺ . ثم ضبطهم ﷺ بالمعاهدة التي ستأتي. ٣ - المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: كما قام النبي ﷺ بالبدء ببناء المسجد ودعوة اليهود إلى الإسلام، قام ﷺ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وهذا من الرشد، والكمال النبوي، والنضج السياسي، والحكمة المحمدية (٣).

стр. 40

آخى بينهم ﷺ في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلاً، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل اللَّه : ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١)، ردّ التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوة (٢). ذابت عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، وسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدم أحد ولا يتأخر إلا بمروءته وتقواه، وكانت عواطف الأخوة، والإيثار؛ والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال؛ وفي هذه الأخوة أقوى مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية والأخلاقية (٣). ولم تكن هذه المؤاخاة معاهدة دونت على الورق فحسب، ولا كلمات قيلت باللسان فقط؛ وإنما كانت مؤاخاة سجلت على صفحات القلوب، وعملاً يرتبط بالدماء والأموال، لا كلاماً يثرثر به اللسان، إنها مؤاخاة في القول والعمل، والنفس والمتاع والأملاك، في العسر واليسر (٤).

стр. 41

ومن أروع الأمثال لذلك ما رواه البخاري في صحيحه "آخى رسول اللَّه ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع، فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالاً، فأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، فقال عبد الرحمن: بارك اللَّه لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدوة ثم جاء يوماً وبه أثر صُفرة، فقال النبي ﷺ : ((مَهْيَم؟)) (١)، قال: تزوجت امرأة من الأنصار، فقال: ((ما سقت فيها؟)) قال: وزن نواة من ذهب، أو نواة من ذهب، فقال: ((أولِم ولو بشاة)) (٢). ٤ - التربية الحكيمة: وقد كان ﷺ يتعهدهم بالتعليم والتربية وتزكية النفوس، والحث على مكارم الأخلاق، ويؤدبهم بآداب الود والإخاء والمجد والشرف والعبادة والطاعة (٣).

стр. 42

فقد كان يقول ﷺ : ((يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)) (١). ويقول: ((لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)) (٢)، ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) (٣). ويقول: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) (٤). ويقول: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً))، وشبك بين أصابعه (٥). ويقول: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخواناً، المسلم أخو

стр. 43

المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا)) - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله وعرضه)) (١). وقال: ((لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) (٢). وقال: ((تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك باللَّه شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظِروا هذين حتى يصطلحا، انظِروا هذين حتى يصطلحا، انظِروا هذين حتى يصطلحا)) (٣). وقال: ((تعرض الأعمال في كل يوم خميس وإثنين فيغفر اللَّه في ذلك اليوم لكل امرئٍ لا يُشرك باللَّه شيئاً إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اركوا (٤) هذين حتى يصطلحا، اركوا هذين حتى يصطلحا)) (٥).

стр. 44

وقال ﷺ : ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)) قيل: يا رسول اللَّه، هذا نصرته مظلوماً، فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: ((تحجزه أو تمنعه من الظلم فذلك نصره)) (١). وقال: ((حق المسلم على المسلم ست))، قيل: ما هن يا رسول اللَّه؟ قال: ((إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد اللَّه فشمِّته، وإذا مرض فعُده، وإذا مات فاتبعه)) (٢). وعن البراء بن عازب قال: أمرنا رسول اللَّه ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: ((أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي, وإفشاء السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن الشرب في الفضة)) - أو قال: ((في آنية الفضة - وعن المياثر (٣)، والقسي (٤)، وعن لبس الحرير،

стр. 45

والديباج (١)، والإستبرق)) (٢). وقال: ((لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم)) (٣). وسئل ﷺ : أي الإسلام خير؟ فقال: ((تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)) (٤). ويقول: ((مَثَل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) (٥). وقال ﷺ : ((من لا يرحَم لا يُرحم)) (٦). وقال: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه اللَّه )) (٧).

стр. 46

وقال ﷺ : ((سُباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفر)) (١). وسواء وصلت هذه النصوص للأنصار من النبي ﷺ مباشرة، أو سمعوا بها من بعض المهاجرين الذين سمعوا من النبي ﷺ قبل الهجرة، فكل ذلك تربية منه ﷺ لأصحابه جميعاً، ولمن بلغته هذه النصوص إلى يوم الدين. وغير ذلك من النصوص التي ربّى بها محمد ﷺ أصحابه فقد كان يحثهم على الإنفاق، ويذكر من فضائله ما يشوق النفوس والقلوب، وكان يحث على الاستعفاف عن المسألة، ويذكر لهم فضل الصبر والقناعة، وكان يرغبهم في العبادات بما فيها من الفضائل والأجر والثواب، وكان يربطهم بالوحي النازل من السماء ربطاً موثقاً يقرؤه عليهم ويقرؤونه؛ لتكون هذه الدراسة إشعاراً بما عليهم من حقوق الدعوة، فضلاً عن ضرورة الفهم والتدبر. وهكذا رفع ﷺ معنوياتهم، ودربهم على أعلى القيم والمثل حتى صاروا صورة لأعلى قمة من الكمال الإنساني. بمثل هذا استطاع النبي ﷺ أن يبني مجتمعاً مسلماً أروع وأشرف مجتمع عرفه التاريخ، وأن يضع لمشكلات هذا المجتمع

стр. 47

حلاً بعد أن كان يعيش في ظلمات الجهل والخرافات، فأصبح مجتمعاً يضرب به المثل في جميع الكمال الإنساني، وهذا بفضل اللَّه وحده، ثم بفضل هذا النبي الحكيم، فحَريٌّ بالدعاة إلى اللَّه أن يسلكوا مسلكه، ويهتدوا بهديه ﷺ (١). ٥ - ميثاق المهاجرين والأنصار وموادعة اليهود: بعد أن قام رسول اللَّه ﷺ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، عقد معاهدة أزاح بها لك ما كان من حزازات الجاهلية والنزعات القبلية، ولم يترك مجالاً لتقاليد الجاهلية، وقد وضع في هذه المعاهدة ميثاقاً للمهاجرين والأنصار، متضمناً موادعة اليهود بالمدينة، وهذا من أبرز الجهود التي بدلها ﷺ في الإصلاح والتأسيس. كتب رسول اللَّه ﷺ كتاباً بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه اليهود، وعاهدهم، وأقرهم على أموالهم، واشترط عليهم، وشرط لهم (٢). وهذا الميثاق في غاية الدقة، وحسن السياسة، وكمال الحكمة من النبي ﷺ ، فقد ربط بين جميع المسلمين في المدينة وبين

стр. 48

اليهود، فأصبحوا كتلة واحدة، يستطيعون أن يقفوا في وجه كل من يريد أهل المدينة بسوء. وهذه الخطوات الخمس: بناء المسجد، ودعوة اليهود إلى الإسلام، والمؤاخاة بين المؤمنين وتربيتهم، وكتابة الميثاق، هي التي حل بها النبي ﷺ - بفضل اللَّه تعالى - الخلاف المستحكم بين سكان المدينة، وأزال بها جميع آثار الماضي، ووحَّد بها قلوب المسلمين، وطبق بها النظام المتقن داخل المدينة، ومن ثم انتشر هذا النظام، والدعوة إلى اللَّه من هذه المدينة إلى جميع أقطار العالم (١). المطلب الثاني: مواقف الحكمة في حسن الإعداد للقتال، والشجاعة والبطولة بعد أن كوَّن النبي ﷺ مجتمعاً متماسكاً بالمدينة، وأصبح هذا المجتمع كتلة واحدة أمام من يريد العاصمة الإسلامية بسوء - وما ذلك إلا بفضل اللَّه ثم بحكمة المصطفى ﷺ - قام ﷺ بالجهاد في سبيل اللَّه، بالقلب واللسان، والدعوة والبيان، والسيف والسنان، فقد أرسل ستاً وخمسين سرية، وقاد بنفسه سبعة وعشرين غزوة (٢).

стр. 49

ومن مواقفه الحكيمة في ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي: ١ - ما فعله في غزوة بدر الكبرى: من مواقفه التي تزخر بالحكمة في هذه الغزوة أنه ﷺ استشار الناس قبل بدء المعركة؛ لأنه ﷺ يريد أن يعرف مدى رغبة الأنصار في القتال؛ لأنه شُرِطَ له في البيعة أن يمنعوه في المدينة مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم وأبناءهم وأزواجهم، أما خارج المدينة فلم يحصل أي شرط، فأراد ﷺ أن يستشيرهم، فجمعهم ﷺ واستشارهم، فقام أبو بكر ﵁ فقال وأحسن، ثم عمر بن الخطاب ﵁ فقال وأحسن، ثم استشارهم ثانياً، فقام المِقْدَاد فقال: يا رسول اللَّه، امض لما أمرك اللَّه فنحن معك، واللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، [نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك، ثم استشار الناس ثالثاً، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول اللَّه كأنك تريدنا]، وكان النبي ﷺ يعنيهم، لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم؛ ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصل حبل من

стр. 50

شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرتنا فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فواللَّه لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فَخُضْتَهُ لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدواً غداً، إنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدقٌ في اللقاء، ولعل اللَّه يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة اللَّه، فأشرق وجه رسول اللَّه ﷺ وسُرَّ بما سمع، ونشطه ذلك، ثم قال: ((سيروا وأبشروا، فإن اللَّه قد وعدني إحدى الطائفتين، ولكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم)) (١). ومن مواقفه العظيمة في بدر: اعتماده على ربه ﵎ لأنه قد علم أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا العدة، وإنما يكون بنصر اللَّه مع الأخذ بالأسباب والاعتماد على اللَّه. عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر رسول اللَّه

стр. 51

- ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي ﷺ القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه (١): ((اللَّهم أنجز لي ما وعدتني، اللَّهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض))، فمازال يهتف بربه، ماداً يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي اللَّه كفاك مناشدة ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل اللَّه : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٢) فأمده اللَّه بالملائكة (٣). وقد خرج رسول اللَّه ﷺ من العريش وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٤). وقاتل ﷺ في المعركة، وكان من أشد الخلق وأقواهم وأشجعهم، ومعه أبو بكر ﵁ كما كانا في العريش يُجاهِدان بالدعاء

стр. 52

والتضرع، ثم نزلا فحرضا، وحثا على القتال، وقاتلا بالأبدان جمعاً بين المقامين الشريفين> (١). وكان أشجع الناس الرسول ﷺ ، فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: <لقد رأَيْتُنَا يوم بدر، ونحن نلوذ برسول اللَّه ﷺ وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً> (٢). وعنه ﵁ قال: <كنا إذا حمي البأس، ولقي القومُ القومَ اتقينا برسول اللَّه ﷺ فلا يكون أحدنا أدنى إلى القوم منه> (٣). ٢ - مواقفه الحكيمة في غزوة أحد: من مواقفه في الشجاعة أيضاً، وصبره على أذى قومه ما فعله ﷺ في غزوة أحد، فقد كان يقاتل قتالاً عظيماً؛ فإن الدولة كانت أول النهار للمسلمين على المشركين، فانهزم أعداء اللَّه وولوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم، فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول اللَّه ﷺ بحفظه، وذلك أنهم ظنوا أنه ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة، وتركوا الجبل فكرّ فرسان المشركين فوجدوا الثغر خالياً قد خلا من الرُّماة فجازوا منه،

стр. 53

وتمكنوا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين، فأكرم اللَّه من أكرم منهم بالشهادة، وهم سبعون، وتولى الصحابة، وخلص المشركون إلى رسول اللَّه ﷺ فجرحوا وجهه، وكسروا رباعيته اليمنى، وكانت السفلى، وهشموا البيضة على رأسه، وقاتل الصحابة دفاعاً عن رسول اللَّه ﷺ (١). وكان حول النبي ﷺ رجلان من قريش، وسبعة من الأنصار، فقال ﷺ لما رهقوه، وقربوا منه: ((من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة))، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضاً فقال: ((من يردهم عنا وله الجنة))، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول اللَّه ﷺ لصاحبيه: ((ما أنصفنا أصحابنا)) (٢). وعندما اجتمع المسلمون، ونهضوا مع النبي ﷺ إلى الشعب الذي نزل فيه، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعلي، والحارث بن الصّمة الأنصاري وغيرهم، فلما استندوا إلى الجبل أدرك رسول اللَّه ﷺ أُبَيُّ بن خلف، وهو على جواد له، ويقول: أين محمد، لا نجوت إن نجا؟ فقال القوم: يا رسول اللَّه، أيعطف عليه رجل منا، فأمرهم رسول اللَّه ﷺ بتركه، فلما دنا منه تناول رسول اللَّه ﷺ الحربة من

стр. 54

الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله وأبصر ترقوته من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه فيها طعنة تدحرج منها عن فرسه مراراً، فلما رجع عدو اللَّه إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشاً غير كبير ... قال: قتلني واللَّه محمد، فقالوا له: ذهب واللَّه فؤادك واللَّه إن بك من بأس، قال: إنه قد قال لي بمكة: أنا أقتلك، فواللَّه لو بصق عليَّ لقتلني، فمات عدو اللَّه بسرف، وهم قافلون إلى مكة (١). وعن سهل بن سعد ﵁ أنه سُئلَ عن جرح النبي ﷺ يوم أحد فقال: جُرحَ وجه النبي ﷺ وكُسرَت رباعيته، وهُشِمَت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة ﵍ تغسل الدم، وعليٌّ يمسك، فلما رأت أن الدم لا يرتد إلا كثرة أخذت حصيراً فأحرقته حتى صار رماداً، ثم ألزقته فاستمسك الدم> (٢). وقد حصل له هذا الأذى العظيم الذي ترتج لعظمته الجبال، هو

стр. 55

نبي اللَّه ﷺ ولم يدع على قومه، بل دعا لهم بالمغفرة، لأنهم لا يعلمون. فعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: كأني أنظر إلى رسول اللَّه ﷺ يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: ((اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) (١). فالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وعلى رأسهم محمد ﷺ قد كانوا (٢) على جانب عظيم من الحلم والتصبر، والعفو والشفقة على قومهم ودعائهم لهم بالهداية والغفران، وعذرهم في جناياتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون (٣)، قال ﷺ : ((اشتد غضب اللَّه على قوم فعلوا هذا برسول اللَّه ﷺ ))، وهو حينئذ يشير إلى رباعيته، ((اشتد غضب اللَّه على رجل يقتله رسول اللَّه ﷺ في سبيل اللَّه )) (٤). وفي إصابة النبي ﷺ يوم أحد عزاء للدعاة فيما ينالهم في سبيل

стр. 56

اللَّه من أذى في أجسامهم، أو اضطهاد لحرياتهم، أو قضاء على حياتهم، فالنبي ﷺ هو القدوة قد أوذي وصبر (١). ٣ - ومن مواقفه التي تزخر بالحكمة والشجاعة ما فعله في معركة حنين: بعد أن دارت معركة حنين والتقى المسلمون والكفار، ولَّى المسلمون مدبرين (٢)، فطفق رسول اللَّه ﷺ يركض بغلته قِبَلَ الكفار ... ثم قال: ((أي عباس، ناد أصحاب السمرة)) فقال عباس: - وكان رجلاً صيتاً - فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فواللَّه لكأن عَطْفَتهم حين سمعوا صوتي عَطْفَة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار ... فنظر رسول اللَّه ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال ﷺ : ((الآن حمي الوطيس)) (٣). وظهرت شجاعة النبي ﷺ التي لا نظير لها في هذا الموقف الذي عجز عنه عظماء الرجال (٤). وسئل البراء، فقال له رجل: يا أبا عمارة، أكنتم وليتم يوم حنين؟

стр. 57

قال: لا واللَّه ما ولى رسول اللَّه ﷺ ، ولكنه خرج شبان أصحابه (١) وأخفاؤهم (٢) حسراً (٣) ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلقوا قوماً رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن، وبني نصر، فرشقوهم رشقاً (٤)، ما يكادون يخطئون، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول اللَّه ﷺ وأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب اللَّهم نزِّل نصرك (٥) قال البراء: كنا واللَّه إذا حمر البأس (٦) نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ (٧). وفي رواية لمسلم عن سلمة قال: مررت على رسول اللَّه ﷺ

стр. 58

منهزماً (١)، وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((لقد رأى ابن الأكوع فزعاً)). فلما غشوا رسول اللَّه ﷺ نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال: ((شاهت الوجوه)) (٢)، فما خلق اللَّه منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم اللَّه ، وقسم رسول اللَّه ﷺ غنائمهم بين المسلمين (٣). وقد قال العلماء: إن ركوب النبي ﷺ البغلة في موضع الحرب وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات، ولأنه أيضاً يكون معتمداً يرجع الناس إليه، وتطمئن قلوبهم به وبمكانه، وإنما فعل هذا عمداً، وإلا فقد كانت له ﷺ أفراس معروفة. ومما يدل على شجاعته تقدمه ﷺ وهو يركض بغلته إلى جمع المشركين، وقد فر الناس عنه، ونزوله إلى الأرض حين غشوه مبالغة في الشجاعة والصبر، وقيل: فعل ذلك مواساة لمن كان نازلاً على الأرض من المسلمين، وقد أخبر الصحابة ﵃ بشجاعته ﷺ في جميع المواطن (٤).

стр. 59

٤ - ومن مواقفه التي تزخر بالحكمة والشجاعة: ما رواه البخاري ومسلم، عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قَبِلَ الصوت، فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: ((لم تراعوا، لم تراعوا))، وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، في عنقه سيف، فقال: ((لقد وجدته بحراً))، أو ((إنه لبحر)) (١). وهذا المثال وغيره من الأمثلة السابقة تدل دلالة واضحة على أن النبي ﷺ أشجع إنسان على الإطلاق، فلم يكتحل الوجود بمثله ﷺ ، وقد شهد له بذلك الشجعان الأبطال (٢). قال البراء ﵁: <كنا واللَّه إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي ﷺ > (٣). وقال أنس في الحديث السابق: <كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس ... >.

стр. 60

وكانت هذه الشواهد السابقة لشجاعته القلبية، أما شجاعته العقلية فسأكتفي بشاهد واحد؛ فإنه يكفي عن ألف شاهد ويزيد، وهو موقفه من تعنت سهيل بن عمرو، وهو يملي وثيقة صلح الحديبية، إذ تنازل ﷺ عن كلمة <بسم اللَّه الرحمن الرحيم> إلى بسمك اللَّهم وعن كلمة <محمد رسول اللَّه> إلى كلمة: محمد بن عبد اللَّه، وقبوله شرط سهيل على أن لا يأتي النبي ﷺ رجل من قريش حتى ولو كان مسلماً إلا رده إلى أهل مكة، وقد استشاط الصحابة غيظاً، وبلغ الغضب حدًّا لا مزيد عليه، وهو ﷺ صابر ثابت حتى انتهت الوثيقة، وكان بعد أيام فتحاً مبيناً. فضرب ﷺ بذلك المثل الأعلى في الشجاعتين: القلبية، والعقلية، مع بعد النظر، وأصالة الرأي، وإصابته؛ فإن من الحكمة أن يتنازل الداعية عن أشياء لا تضر بأصل قضيته لتحقيق أشياء أعظم منها (١). وجميع ما تقدم من نماذج من شجاعته ﷺ وثباته، وهذا نقطة من بحر، وإلا فإنه لو كُتِبَ في شجاعته ﷺ بالاستقصاء لكُتِبَ مجلدات، فيجب على كل مسلم، وخاصة الدعاة إلى اللَّه أن يتخذوا الرسول ﷺ قدوةً في كل أحوالهم وتصرفاتهم، وبذلك يحصل الفوز

стр. 61

والنجاح، والسعادة في الدنيا والآخرة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١). المطلب الثالث: مواقف الحكمة الفردية كان النبي ﷺ أحكم خلق اللَّه، فقد كان يتألف الناس ليدخلوا في الإسلام، ويصبر على أذاهم، ويعفو عن إساءتهم، ويقابلها بالإحسان، وله ﷺ مواقف في الكرم، والجود، والعفو، والحلم، والرفق، والعدل، تظهر في النقاط الآتية: ١ - موقفه ﷺ مع ثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: بعث رسول اللَّه ﷺ خيلاً قِبَلَ نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أُثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول اللَّه ﷺ فقال: ((ماذا عندك يا ثمامة؟)) فقال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم (٢)، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول اللَّه ﷺ حتى كان بعد الغد، فقال: ((ما عندك يا ثمامة؟)) فقال: ما قلت لك،

стр. 62

إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول اللَّه ﷺ حتى كان من الغد، فقال: ((ماذا عندك يا ثمامة؟)) فقال: عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((أطلقوا ثمامة)) , فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: <أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا محمد! واللَّه ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه كلها إليَّ، واللَّه ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدين كله إليَّ، واللَّه ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول اللَّه ﷺ ، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: [لا واللَّه]، ولكني أسلمت مع رسول اللَّه ﷺ ، ولا واللَّه لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول اللَّه ﷺ > (١). "ثم خرج ﵁ إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً،

стр. 63

فكتبوا إلى رسول اللَّه ﷺ : إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فكتب رسول اللَّه ﷺ إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل (١). وذكر ابن حجر أن ابن منده روى بإسناده عن ابن عباس قصة إسلام ثمامة ورجوعه إلى اليمامة، ومنعه عن قريش الميرة، ونزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٢). وقد ثبت ثمامة على إسلامه لما ارتد أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين (٣). اللَّه أكبر، ما أحكم النبي محمداً ﷺ . وما أعظمه من موقف، فقد كان ﷺ يتألف القلوب، ويلاطف من يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خلق كثير. وهكذا ينبغي للدعاة إلى اللَّه أن يعظموا أمر العفو عن المسيء، لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبًّا في ساعة واحدة؛ لما أسداه النبي

стр. 64

- ﷺ إليه من العفو والمنّ بغير مقابل، وقد ظهر لهذا العفو الأثر الكبير في حياة ثمامة، وفي ثباته على الإسلام ودعوته إليه (١). ٢ - موقفه ﷺ مع الأعرابي الذي أراد قتله: روى البخاري ومسلم، عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ قِبَلَ نجد (٢)، فأدركنا رسول اللَّه ﷺ في واد كثير العضاه، فنزل رسول اللَّه ﷺ تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : ((إن رجلاً أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتاً (٣) في يده، فقال لي، من يمنعك مني؟ قال: قلت: اللَّه، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: اللَّه، قال: فشام (٤) السيف، فهاهو ذا جالس))، ثم لم يعرض له رسول اللَّه ﷺ (٥).

стр. 65

اللَّه أكبر! ما أعظم هذا الخلق! وما أكبر أثره في النفس! أعرابي يريد قتل النبي ﷺ ثم يعصمه اللَّه منه، ويمكِّنه من القدرة على قتله، ثم يعفو عنه! إن هذا لخلق عظيم وصدق اللَّه العظيم إذ يقول للنبي ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١)، وهذا الخلق الحكيم قد أثر في حياة الرجل، وأسلم بعد ذلك، فاهتدى به خلق كثير (٢). ٣ - موقفه ﷺ مع اليهودي زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود: كان النبي ﷺ يعفو عند القدرة، ويحلم عند الغضب، ويحسن إلى المسيء، وقد كانت هذه الأخلاق العالية من أعظم الأسباب في إجابة دعوته والإيمان به، واجتماع القلوب عليه، ومن ذلك ما فعله مع زيد بن سعنة، أحد أحبار اليهود وعلمائهم الكبار (٣). جاء زيد بن سعنة إلى رسول اللَّه ﷺ يطلبه ديناً له، فأخذ بمجامع قميصه وردائه وجذبه، وأغلظ له القول، ونظر إلى النبي ﷺ بوجه غليظ وقال: يا محمد، ألا تقضيني حقي، إنكم يا بني

стр. 66

عبد المطلب قوم مُطْلٌ، وشدّد له في القول، فنظر إليه عمر وعنياه تدوران في رأسه كالفلك المستدير، ثم قال: يا عدو اللَّه، أتقول لرسول اللَّه ﷺ ما أسمع، وتفعل ما أرى، فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لضربت بسيفي رأسك، ورسول اللَّه ﷺ ينظر إلى عمر في سكون وتُؤَدَةٍ وتَبَسُّمٍ، ثم قال: ((أنا وهو يا عمر كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب به يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعاً من تمرٍ))، فكان هذا سبباً لإسلامه، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وكان زيد قبل هذه القصة يقول: <لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً> (١). فاختبره بهذه الحادثة فوجده كما وُصِفَ، فأسلم وآمن وصدق، وشهد مع النبي ﷺ مشاهده، واستشهد في غزوة تبوك مقبلاً غير

стр. 67

مدبر (١). فقد أقام محمد ﷺ براهين عديدة من أخلاقه على صدقه، وأن ما يدعو إليه حق. ٤ - موقفه ﷺ مع الأعرابي الذي بال في المسجد: عن أنس بن مالك ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول اللَّه ﷺ إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ : مَه مَهْ (٢)، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((لا تزرموه (٣)، دعوه))، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول اللَّه ﷺ دعاه فقال له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر اللَّه، والصلاة وقراءة القرآن))، أو كما قال رسول اللَّه ﷺ . قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه (٤) عليه (٥).

стр. 68

وقد ثبت في البخاري وغيره أن هذا الرجل هو الذي قال: <اللَّهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً>، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول اللَّه ﷺ وقمنا معه، فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللَّهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فلما سلم النبي ﷺ قال للأعرابي: ((لقد حجرت واسعاً)) يريد رحمة اللَّه (١). وتفسر هذه الرواية الروايات الأخرى عند غير البخاري، فعن أبي هريرة ﵁ قال: دخل رجل أعرابي المسجد فصلى ركعتين ثم قال: اللَّهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً! فالتفت إليه رسول اللَّه ﷺ فقال: ((لقد تحجّرت واسعاً))، ثم لم يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناس إليه فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : ((إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين، أهريقوا عليه دلواً من ماء، أو سجلاً من ماء)) (٢). قال: يقول الأعرابي بعد أن فقه، فقام النبي ﷺ إليّ بأبي وأمي فلم يسب، ولم يؤنب، ولم يضرب (٣).

стр. 69

النبي ﷺ أحكم خلق اللَّه، فمواقفه وتصرفاته كلها مواقف حكمة مشرفة، ومن وقف على أخلاقه ورفقه وعفوه وحلمه، ازداد يقينه وإيمانه بذلك. وهذا الأعرابي قد عمل أعمالاً تثير الغضب، وتسبب عقوبته وتأديبه من الحاضرين؛ ولذلك قام الصحابة إليه، واستنكروا أمره، وزجروه، فنهاهم النبي ﷺ أن يقطعوا عليه بوله. وهذا في غاية الرفق والحلم والرحمة، ويجمع ذلك كله الحكمة، فقد أنكر النبي ﷺ بالحكمة على هذا الأعرابي عمله، فقال له حينما قال: "اللَّهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً": ((لقد تحجرت واسعاً))، يريد ﷺ رحمة اللَّه، فإن رحمة اللَّه قد وسعت كل شيء، قال : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١)، فقد بخل هذا الأعرابي برحمة اللَّه على خلقه. وقد أثنى اللَّه على من فعل خلاف ذلك حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ (٢). وهذا الأعرابي قد دعا بخلاف ذلك، فأنكر عليه النبي ﷺ

стр. 70

بالحكمة (١). وحينما بال في المسجد أمر النبي ﷺ بتركه؛ لأنه قد شرع في المفسدة، فلو منع ذلك لزادت المفسدة، وقد حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منعه ﷺ بعد ذلك لدار بين أمرين: ١ - إما أن يقطع عليه بوله فيتضرر الأعرابي بحبس البول بعد خروجه. ٢ - وإما أن يقطعه فلا يأمن من تنجيس بدنه، أو ثوبه، أو مواضع أخرى من المسجد. فأمر النبي ﷺ بالكف عنه للمصلحة الراجحة، وهي دفع المفسدتين أو الضررين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما (٢). وهذا من أعظم الحكم العالية، فقد راعى النبي ﷺ هذه المصالح، وما يقابلها من المفاسد، ورسم ﷺ لأمته والدعاة من بعده كيفية الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، ولا سبٍّ ولا إيذاء ولا تشديد، إذا لم يكن ذلك منه عناداً ولا استخفافاً، وقد كان لهذا الاستئلاف والرحمة والرفق الأثر الكبير في حياة هذا الأعرابي وغيره، فقد قال بعد أن فقه - كما تقدم - وفي رواية

стр. 71

الإمام أحمد: فقام النبي ﷺ إليّ بأبي وأمي، فلم يسبّ، ولم يؤنّب، ولم يضرب (١). فقد أثّر هذا الخلق العظيم في حياة الرجل (٢). ٥ - موقفه ﷺ مع معاوية بن الحكم: عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: بينما أنا أصلي مع رسول اللَّه ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك اللَّه! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فواللَّه ما كهرني (٣) ولا ضربني ولا شتمني، قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))، أو كما قال رسول اللَّه ﷺ . قلت: يا رسول اللَّه! إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء اللَّه بالإسلام، وإن منا رجالاً يأتون الكهان، قال: ((فلا تأتهم)).

стр. 72

قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: ((ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم)) (١)، (قال ابن الصلاح: فلا يصدنكم)، قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: ((كان نبي من الأنبياء يخط، فما وافق خطه فذاك)) (٢). قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبَلَ أحد والجوَّانية (٣) فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فعظم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول اللَّه! أفلا أعتقها، قال: ((ائتني بها))، فأتيته بها، فقال لها: ((أين اللَّه؟)) قالت: في السماء، قال: ((من أنا؟)) قالت: أنت رسول اللَّه. قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) (٤). وهذا الموقف من أعظم الحكم البارزة السامية التي أوتيها النبي

стр. 73

- ﷺ ، وقد ظهر أثر ذلك في حياة ونفس معاوية ﵁؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، ولهذا قال معاوية ﵁: ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه. ٦ - موقفه ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي: من مواقف الحكمة ما فعله رسول اللَّه ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁، فقد أسلم الطفيل ﵁ قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، قم دعا قومه إلى اللَّه فأبت عليه وعصت، وأبطئوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول اللَّه ﷺ وذكر له أن دوساً هلكت وكفرت وعصت وأبت. فعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إن دوساً قد عصت وأبت، فادع اللَّه عليهم، فاستقبل رسول اللَّه القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: ((اللَّهم اهد دوساً وائت بهم، اللَّهم اهد دوساً وائت بهم)) (١). وهذا يدل على حلم النبي ﷺ وصبره وتأنيه في الدعوة إلى اللَّه

стр. 74

- ؛ فإنه ﷺ لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من رد الدعوة؛ ولكنه ﷺ دعا لهم بالهداية، فاستجاب اللَّه دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأني وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم، فأسلم على يديه خلق كثير، ثم قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتاً من دوس، ثم لحقوا بالنبي ﷺ بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين (١). اللَّه أكبر! ما أعظمها من حكمة أسلم بسببها ثمانون أو تسعون أسرة. وهذا مما يوجب على الدعاة إلى اللَّه العناية بالحلم في دعوتهم، ولا يحصل لهم ذلك إلا بفضل اللَّه ثم معرفة هدي النبي ﷺ في دعوته. ٧ - موقفه ﷺ مع الشاب الذي استأذنه في الزنا: عن أبي أمامة ﵁ قال: إن فتىً شاباً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا له: مه مه! فقال له: ((ادنه))، فدنا منه قريباً، قال: ((أتحبه لأمك؟)) قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لأمهاتهم)). قال: ((أفتحبه لابنتك؟)) قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، جعلني اللَّه فداءك. قال:

стр. 75

((ولا الناس يحبونه لبناتهم)). قال: ((أفتحبه لأختك؟)) قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لأخواتهم)). قال: ((أفتحبه لعمتك؟)) قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لعماتهم)). قال: ((أفتحبه لخالتك؟)) قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لخالاتهم)). قال: فوضع يده عليه، وقال: ((اللَّهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه))، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (١). وهذا الموقف العظيم مما يؤكد على الدعاة إلى اللَّه أن يعتنوا بالرفق والإحسان إلى الناس، ولاسيما من يُرغَبُ في استئلافهم ليدخلوا في الإسلام، أو ليزيد إيمانهم ويثبتوا على إسلامهم. وكما بين لنا الرسول ﷺ الرّفق بفعله بينه لنا بقوله، وأمرنا بالرفق في الأمر كله. وكما بين لنا الرسول ﷺ الرفق بفعله بينه لنا بقوله، وأمرنا بالرفق في الأمر كله. فعن عائشة ﵂ قالت: دخل رهط من اليهود على رسول اللَّه ﷺ فقالوا: السامُ عليكم. قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السامُ واللعنة. قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ : ((مهلاً يا
следующие страницы →