← Общие книги

Общие книги · id 96532

مواقف النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة إلى الله تعالى

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (91 стр.). Показаны 71–91 · переход к 76.

стр. 71

الإمام أحمد: فقام النبي ﷺ إليّ بأبي وأمي، فلم يسبّ، ولم يؤنّب، ولم يضرب (١). فقد أثّر هذا الخلق العظيم في حياة الرجل (٢). ٥ - موقفه ﷺ مع معاوية بن الحكم: عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: بينما أنا أصلي مع رسول اللَّه ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك اللَّه! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول اللَّه ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فواللَّه ما كهرني (٣) ولا ضربني ولا شتمني، قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))، أو كما قال رسول اللَّه ﷺ . قلت: يا رسول اللَّه! إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء اللَّه بالإسلام، وإن منا رجالاً يأتون الكهان، قال: ((فلا تأتهم)).

стр. 72

قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: ((ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم)) (١)، (قال ابن الصلاح: فلا يصدنكم)، قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: ((كان نبي من الأنبياء يخط، فما وافق خطه فذاك)) (٢). قال: وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبَلَ أحد والجوَّانية (٣) فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول اللَّه ﷺ فعظم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول اللَّه! أفلا أعتقها، قال: ((ائتني بها))، فأتيته بها، فقال لها: ((أين اللَّه؟)) قالت: في السماء، قال: ((من أنا؟)) قالت: أنت رسول اللَّه. قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) (٤). وهذا الموقف من أعظم الحكم البارزة السامية التي أوتيها النبي

стр. 73

- ﷺ ، وقد ظهر أثر ذلك في حياة ونفس معاوية ﵁؛ لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، ولهذا قال معاوية ﵁: ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه. ٦ - موقفه ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي: من مواقف الحكمة ما فعله رسول اللَّه ﷺ مع الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁، فقد أسلم الطفيل ﵁ قبل الهجرة في مكة، ثم رجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فبدأ بأهل بيته، فأسلم أبوه وزوجته، قم دعا قومه إلى اللَّه فأبت عليه وعصت، وأبطئوا عليه، فجاء الطفيل إلى رسول اللَّه ﷺ وذكر له أن دوساً هلكت وكفرت وعصت وأبت. فعن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إن دوساً قد عصت وأبت، فادع اللَّه عليهم، فاستقبل رسول اللَّه القبلة ورفع يديه، فقال الناس: هلكوا. فقال: ((اللَّهم اهد دوساً وائت بهم، اللَّهم اهد دوساً وائت بهم)) (١). وهذا يدل على حلم النبي ﷺ وصبره وتأنيه في الدعوة إلى اللَّه

стр. 74

- ؛ فإنه ﷺ لم يعجل بالعقوبة، أو الدعاء على من رد الدعوة؛ ولكنه ﷺ دعا لهم بالهداية، فاستجاب اللَّه دعاءه، وحصل على ثمرة الصبر والتأني وعدم العجلة، فقد رجع الطفيل إلى قومه، ورفق بهم، فأسلم على يديه خلق كثير، ثم قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر، فدخل المدينة بثمانين أو تسعين بيتاً من دوس، ثم لحقوا بالنبي ﷺ بخيبر، فأسهم لهم مع المسلمين (١). اللَّه أكبر! ما أعظمها من حكمة أسلم بسببها ثمانون أو تسعون أسرة. وهذا مما يوجب على الدعاة إلى اللَّه العناية بالحلم في دعوتهم، ولا يحصل لهم ذلك إلا بفضل اللَّه ثم معرفة هدي النبي ﷺ في دعوته. ٧ - موقفه ﷺ مع الشاب الذي استأذنه في الزنا: عن أبي أمامة ﵁ قال: إن فتىً شاباً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا له: مه مه! فقال له: ((ادنه))، فدنا منه قريباً، قال: ((أتحبه لأمك؟)) قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لأمهاتهم)). قال: ((أفتحبه لابنتك؟)) قال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، جعلني اللَّه فداءك. قال:

стр. 75

((ولا الناس يحبونه لبناتهم)). قال: ((أفتحبه لأختك؟)) قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لأخواتهم)). قال: ((أفتحبه لعمتك؟)) قال: لا واللَّه، جعلني اللَّه فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لعماتهم)). قال: ((أفتحبه لخالتك؟)) قال: لا واللَّه جعلني اللَّه فداءك. قال: ((ولا الناس يحبونه لخالاتهم)). قال: فوضع يده عليه، وقال: ((اللَّهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه))، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (١). وهذا الموقف العظيم مما يؤكد على الدعاة إلى اللَّه أن يعتنوا بالرفق والإحسان إلى الناس، ولاسيما من يُرغَبُ في استئلافهم ليدخلوا في الإسلام، أو ليزيد إيمانهم ويثبتوا على إسلامهم. وكما بين لنا الرسول ﷺ الرّفق بفعله بينه لنا بقوله، وأمرنا بالرفق في الأمر كله. وكما بين لنا الرسول ﷺ الرفق بفعله بينه لنا بقوله، وأمرنا بالرفق في الأمر كله. فعن عائشة ﵂ قالت: دخل رهط من اليهود على رسول اللَّه ﷺ فقالوا: السامُ عليكم. قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السامُ واللعنة. قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ : ((مهلاً يا

стр. 76

عائشة إن اللَّه يحب الرفق في الأمر كله))، فقلت: يا رسول اللَّه أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول اللَّه ﷺ : ((قد قلت: وعليكم)) (١). وقال ﷺ : ((يا عائشة إن اللَّه رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العُنْف، وما لا يُعطي على ما سواه)) (٢). وقال ﷺ : ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنْزع من شيء إلا شانه)) (٣). وبين ﷺ أن من حُرِمَ الرفق فقد حرم الخير، قال ﷺ : ((من يحرم الرفق يحرم الخير)) (٤). وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من أٌعطيَ حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حُرِمَ حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير)) (٥)، وعنه ﵁ يبلغ به قال: ((من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من الخير، وليس شيء أثقل في الميزان من

стр. 77

الخُلُق الحسن)) (١). وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: ((إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار)) (٢). فقد عظّم النبي ﷺ شأن الرفق في الأمور كلها، وبين ذلك بفعله وقوله بياناً شافياً كافياً؛ لكي تعمل أمتهُ بالرفق في أمورها كلها، وخاصة الدعاة إلى اللَّه فإنهم أولى الناس بالرفق في دعوتهم، وفي جميع تصرفاتهم، وأحوالهم. وهذه الأحاديث السابقة تبين فضل الرفق، والحث على التخلق به، وبغيره من الأخلاق الحسنة، وذم العنف وذم من تخلق به. فالرفق سبب لكل خير؛ لأنه يحصل به من الأغراض ويسهل من المطالب، ومن الثواب ما لا يحصل بغيره، ومالا يأتي من ضده (٣). وقد حذر النبي ﷺ من العنف، وعن التشديد على أمته ﷺ ، فعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في بيتي هذا: ((اللَّهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشقّ عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر

стр. 78

أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به)) (١)، وكان ﷺ إذا أرسل أحداً من أصحابه في بعض أموره أمرهم بالتيسير ونهاهم عن التنفير. فعن أبي موسى ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أموره قال: ((بشِّرُوا ولا تُنفِّرُوا، ويسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا)) (٢). وقال ﷺ لأبي موسى الأشعري ومعاذ ﵁ حينما بعثهما إلى اليمن: ((يسَّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوَعَا ولا تختلِفَا)) (٣). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((يسِّرُوا ولا تعسِّرُوا، وبشِّرُوا ولا تنفِّرُوا)) (٤). في هذه الأحاديث الأمر بالتيسير والنهي عن التنفير، وقد جمع النبي ﷺ في هذه الألفاظ بين الشيء وضده؛ لأن الإنسان قد يفعل

стр. 79

التيسير في وقت والتعسير في وقت، ويبشر في وقت وينفر في وقت آخر، فلو اقتصر على يسروا لصدق ذلك على من يسِّر مرة أو مرات، وعسر في معظم الحالات؛ فإذا قال ولا تعسِّرُوا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه وهذا هو المطلوب. وكذا يقال في يسّرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا؛ لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء، والنبي ﷺ قد حث في هذه الأحاديث وفي غيرها على التبشير بفضل اللَّه وعظيم ثوابه، وجزيل عطائه، وسعة رحمته، ونهى عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وهذا فيه تأليف لمن قرب إسلامه وترك التشديد عليه، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ، ومن تاب من المعاصي كلهم ينبغي أن يتدرج معهم ويُتلطّف بهم في أنواع الطاعات قليلاً قليلاً، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج فمتى يُسِّرَ على الداخل في الطاعة، أو المريد للدخول فيها سهلت عليه وكانت عاقبته غالباً الازدياد منها، ومتى عُسِّرت عليه أوْشَكَ أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم ولا يستحليها (١). وهكذا تعليم العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ ولهذا كان النبي ﷺ يتخوّل أصحابه بالموعظة

стр. 80

في الأيام كراهة السَّآمة عليهم (١). فصلوات اللَّه وسلامه عليه فقد دل أمته على كل خير وحذرهم من كل شر، ودعا على من شق على أمته، ودعا لمن رفق بهم كما تقدم في حديث عائشة وهذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم (٢). ٨ - موقفه ﷺ مع من شفع في ترك إقامة الحد: قد كان النبي ﷺ أعدل البشر في جميع أموره وأحكامه، ومما يضرب به المثل في عدله إلى يوم القيامة قصة المخزومية التي سرقت فقطع يدها بعد أن شفع فيها أسامة، ولكن الرسول ﷺ لم يحابِ في ذلك ولم يقبل الشفاعة في حد من حدود اللَّه تعالى. فعن عائشة ﵂ أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول اللَّه ﷺ فأُتيَ بها رسول اللَّه ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ فقال: ((أتشفع في حد من حدود اللَّه؟)) فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه! فلما كان العشي قام رسول اللَّه ﷺ فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله، فقال: ((أما بعد، أيها

стр. 81

الناس: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)). ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد، وتزوجت، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه ﷺ (١). إن العدل خلاف الجور، وقد أمر اللَّه به في القول والحكم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٢). وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ (٣). ولاشك أن هذا الموقف الحكيم وغيره من مواقفه ﷺ مما يوجب على الدعاة تطبيقها أسوة به ﷺ (٤).

стр. 82

٩ - موقفه ﷺ الحكيم في الكرم والجود: عن أنس ﵁ قال: ما سُئل رسول اللَّه ﷺ على الإسلام شيئاً إلا أعطاه قال: فجاءَه رجلٌ فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة (١). وهذا الموقف الحكيم العظيم يدل على عظم سخاء النبي ﷺ ، وغزارة جوده (٢). وكان ﷺ يعطي العطاء ابتغاء مرضاة اللَّه وترغيباً للناس في الإسلام، وتأليفاً لقلوبهم، وقد يُظهر الرجل إسلامه أولا للدنيا ثم - بفضل اللَّه تعالى ثم بفضل النبي ﷺ ونور الإسلام - لا يلبث إلا قليلاً حتى ينشرح صدره للإسلام بحقيقة الإيمان، ويتمكن من قلبه،

стр. 83

فيكون حينئذ أحب إليه من الدنيا وما فيها (١). ولهذا شواهد كثيرة، منها: ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ غزا غزوة الفتح - فتح مكة - ثم خرج ﷺ بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر اللَّه دينه والمسلمين، وأعطى رسول اللَّه ﷺ صفوان بن أمية مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة. قال صفوان: واللَّه لقد أعطاني رسول اللَّه ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ (٢). وقال أنس ﵁: ((إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها)) (٣). وإذا رأى ﷺ الرجل ضعيف الإيمان، فقد كان ﷺ يجزل له في العطاء، قال ﷺ : ((إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه)) (٤). ولذلك كان ﷺ ((يعطي رجالاً من قريش مائة من الإبل)) (٥).

стр. 84

ومن مواقفه الحكيمة العظيمة في ذلك ما فعله ﷺ مع المرأة المشركة صاحبة المزادتين، فإنه ﷺ بعد أن أسقى أصحابه من مزادتيها، ورجعت المزادتان أشد ملاءةً منها حين ابتدأ فيها قال لأصحابه: ((اجمعوا لها))، فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة - حتى جمعوا لها طعاماً كثيراً وجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، فقال لها: ((اذهبي فأطعمي هذا عيالك، تعلمين واللَّه ما رزأناك (١) من مائك شيئاً، ولكن اللَّه هو الذي أسقانا)). وفي القصة أنها رجعت إلى قومها فقالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى اللَّه ذلك الصرم (٢) بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا (٣). وفي رواية: فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم الذي هي منه، فقالت يوماً لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمداً، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام (٤).

стр. 85

وقد كان سبب إسلام هذه المرأة أمران: الأمر الأول: ما رأته من أخذ النبي ﷺ وأصحابه من مزادتيها ولم ينقص ذلك من مائها شيئاً، وهذا من معجزات النبي ﷺ التي تدل على صدق رسالته. الأمر الثاني: كرم النبي ﷺ حين أمر أصحابه أن يجمعوا لها، فجمعوا لها طعاماً كثيراً. أما قومها، فقد أسلموا على يديها، لأن المسلمين صاروا يراعون قومها بإقرار النبي ﷺ على سبيل الاستئلاف لهم، حتى كان ذلك سبباً لإسلامهم (١). وهذه الأمثلة التي سقتها ما هي إلا قطرة من بحر كرم النبي ﷺ ، فما أحوجنا، وما أولى جميع الدعاة إلى اللَّه إلى الاقتداء بالنبي ﷺ والاقتباس من نوره وهديه في دعوته وفي أموره كلها، واللَّه المستعان. ١٠ - مواقف النبي ﷺ مع زعيم المنافقين عبد اللَّه بن أُبيّ: قدم النبي ﷺ المدينة، وقد أجمع الأوس والخزرج على تمليك عبد اللَّه بن أُبيّ، ولم يختلف عليه في شرفه اثنان، ولم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين، وكانوا قد نظموا له الخرز، ليُتَوِّجوه ثم يملِّكوه عليهم، فجاءهم اللَّه -

стр. 86

تعالى - برسول اللَّه ﷺ وهم على ذلك، فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام امتلأ قلبه حقداً وعداوة وبغضاً، ورأى أن رسول اللَّه ﷺ قد استلبه ملكه، فلما رأى قومه أبوا إلا الإسلام، دخل فيه كارهاً مصراً على النفاق والحقد والعداوة (١)، ولم يأل جهداً في الصد عن الإسلام، وتفريق جماعة المسلمين، والذب عن اليهود ومساعدتهم. وقد ظهرت مواقفه الخبيثة في معاداته لدعوة الإسلام، ولكن عن طريق التستر والنفاق، وقد كان النبي ﷺ يقابل عداوته بالعفو والصفح والحلم؛ لأنه يُظهر الإسلام؛ ولأن له أعواناً من المنافقين، هو رئيسهم وهم تبع له، فكان ﷺ يحسن إليه بالمقال والفعل، ويقابل إساءته بالعفو والإحسان في عدة مواقف، منها على سبيل المثال ما يأتي: (أ) شفاعته لليهود (بنو قينقاع) عندما نقضوا العهد: نقض بنو قينقاع العهد بعد بدر بكشف عورة امرأة من المسلمين في السوق، وبقتل رجل نصرها من المسلمين (٢)، فسار إليهم رسول اللَّه ﷺ يوم السبت للنصف من شوال، على رأس عشرين شهراً من الهجرة، وحاصرهم خمسة عشر يوماً، وتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم أشد الحصار، وقذف اللَّه في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول اللَّه ﷺ فأمر بهم فَكُتِّفُوا، وكانوا سبعمائة مقاتل، فقام إلى

стр. 87

النبي ﷺ عبد اللَّه بن أُبيّ حين أمكنه اللَّه منهم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأبطأ عليه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا محمد، أحسن في موالي، فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع النبي ﷺ ، وقال: واللَّه لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربع مائة حاسر، وثلاث مائة دارع (١)، قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة، إني واللَّه امرؤ أخشى الدوائر، فوهبهم النبي ﷺ له (٢)، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها، فخرجوا إلى أذرعات من أرض الشام، وقبض منهم أموالهم، وخمس غنائمهم صلوات اللَّه وسلامه عليه (٣). (ب) ما فعله مع النبي ﷺ يوم أُحد: خرج النبي ﷺ إلى معركة أحد، فلما صار بين أحد والمدينة انخزل عبد اللَّه بن أُبيّ بنحو ثلث العسكر، ورجع بهم إلى المدينة فتبعهم عبد اللَّه بن عمرو بن حرام، والد جابر ﵁ فوبّخهم، وحضهم على الرجوع، وقال: تعالوا قاتلوا في سبيل اللَّه أو ادفعوا، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وسبهم (٤).

стр. 88

فلم يعاقبه رسول اللَّه ﷺ على هذا الجرم العظيم، وتخذيل المسلمين. (ج) صده الرسول ﷺ عن الدعوة إلى اللَّه تعالى: ركب النبي ﷺ إلى سعد بن عبادة، فمر بعدو اللَّه عبد اللَّه بن أٌبيّ وحوله رجال من قومه، فنزل ﷺ فسلم ثم جلس قليلاً، فتلا القرآن، ودعا إلى اللَّه ، وذكَّر باللَّه، وحذر وبشر وأنذر، وعندما فرغ النبي ﷺ من مقالته، قال له عبد اللَّه بن أٌبيّ: يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا، إن كان حقاً فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغته (١)، ولا تأته في مجلسه بما يكره منه (٢)، فلم يؤاخذه النبي ﷺ وعفا عنه وصفح. (د) تثبيته بني النضير: عندما نقض يهود بني النضير العهد بِهَمِّهِم بقتل النبي ﷺ ، بعث إليهم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق - وعلى رأسهم عبد اللَّه بن أُبيّ - أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قُوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فقويت عزيمة اليهود، ونابذوا رسول اللَّه ﷺ بنقض العهد، فخرج إليهم حتى نزل بهم وحاصرهم، فقذف اللَّه في قلوبهم الرعب،

стр. 89

وأجلاهم النبي ﷺ وخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام (١). وترك النبي ﷺ عبد اللَّه بن أُبيّ فلم يعاقبه على ذلك. (هـ) كيده وغدره للنبي ﷺ ومن معه من المسلمين في غزوة المريسيع: في هذه الغزوة قام عبد اللَّه بن أُبيّ بعدة مواقف مخزية توجب قتله وعقابه منها: ١ - دبر المنافقون في هذه الغزوة قصة الإفك، وتولى كبره عبد اللَّه بن أُبيّ بن سلول (٢). وفي هذه الغزوة قال عبد اللَّه بن أُبيّ: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ (٣). وفي هذه الغزوة قال عدو اللَّه: ﴿لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ

стр. 90

اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ (١). وقد ظهرت الحكمة المحمدية، وتجلت السياسة الرشيدة في إخماد النبي ﷺ نار الفتنة، وقطع دابر الشر - بفضل اللَّه ثم بصبره - على عبد اللَّه بن أُبيّ، وتحمله له، والإحسان إليه، ومقابلة هذه المواقف المخزية من هذا الزعيم المنافق بالعفو؛ لأن هذا الرجل له أعوان، ويخشى من شرهم على الدعوة الإسلامية؛ ولأنه يظهر إسلامه، ولهذا قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب - حينما قال: يا رسول اللَّه دعني أضرب عنق هذا المنافق -: ((دعه حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)) (٢). فلو قتله رسول اللَّه ﷺ لكان ذلك منفِّراً للناس عن الدخول في الإسلام؛ لأنهم يرون أن عبد اللَّه بن أُبيّ مسلم، ومن ثم سيقول الناس: إن محمداً يقتل المسلمين، فعند ذلك تظهر المفاسد، وتتعطل المصالح.

стр. 91

فظهرت حكمة النبي ﷺ وصبره على بعض المفاسد خوفاً من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم؛ ولتقوى شوكة الإسلام، وقد أُمر بالحكم الظاهر، واللَّه يتولى السرائر. وقد ظهرت الحكمة لعمر بعد ذلك في عدم قتل عبد اللَّه بن أُبيّ فقال: "قد واللَّه علمت، لأمر رسول اللَّه ﷺ أعظم بركة من أمري" (١). وهكذا ينبغي للدعاة إلى الله أن يسلكوا طريق الحكمة في دعوتهم اقتداء بنبيهم ﷺ . وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.