رسائل سعيد بن علي بن وهف القحطاني
نور التقوى
وظلمات المعاصي
في ضوء الكتاب والسُّنَّة
تأليف الفقير إلى الله تعالى
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في ((نور التقوى وظلمات المعاصي)) أوضحت فيها نور التقوى، ومفهومها، وأهميتها، وصفات المتقين، وثمرات التقوى، وبيّنت فيها: ظلمات المعاصي، ومفهومها، وأسبابها، ومداخلها، وأصولها، وأقسامها، وأنواعها وآثارها، على الفرد والمجتمع، وعلاج المعاصي وأصحابها.
لاشك أن الله يحب المتقين، ويجعل لهم المكانة العالية في الدنيا والآخرة، ولهم الفوز والفلاح في الدارين، ويهديهم الله للعلم النافع، والعمل الصالح، ويحصل بها تيسير الأمور، ويجعل الله للمتقين نور العلم والإيمان يمشون به في ظلمات الجهل، والضلال، قال الله :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ
стр. 3
وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١).
وأما أصحاب المعاصي فهم يتقلّبون في ظلماتها، ويُحرمون نور العلم النافع، ويجدون الظلمات في قلوبهم، قال ابن عباس ﵄: ((إن للحسنة: ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعةً في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمةً في القلب، وَوَهَناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق)) (٢).
نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
وقد قسَّمتُ هذا البحث إلى مبحثين، وتحت كل مبحث مطالب على النحو الآتي:
المبحث الأول: نور التقوى وثمراتها:
المطلب الأول: مفهوم التقوى.
المطلب الثاني: أهمية التقوى.
المطلب الثالث: صفات المتقين.
المطلب الرابع: ثمرات التقوى.
المبحث الثاني: ظلمات المعاصي وأضرارها:
المطلب الأول: مفهوم المعاصي وأسماؤها.
المطلب الثاني: أسباب المعاصي.
المطلب الثالث: مداخل المعاصي.
стр. 4
المطلب الرابع: أصول المعاصي.
المطلب الخامس: أقسام المعاصي.
المطلب السادس: أنواع المعاصي.
المطلب السابع: آثار المعاصي على الفرد والمجتمع.
المطلب الثامن: العلاج.
والله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أن يجعل هذا العمل مباركاً، خالصاً لوجهه الكريم، نافعاً لي في حياتي وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، نبينا محمد وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المؤلف
حرر في ليلة الأربعاء، الموافق ١٧/ ١٠/١٤١٩هـ
стр. 5
المبحث الأول: نور التقوى وثمراتها
المطلب الأول: مفهوم التقوى
التقوى لغة: الحذر، يقال: اتقيت الشيء، وتَقَيْتُهُ أتقيه تُقَى، وتِقيَّةً، وتِقاءً: حذرتُه. وقوله : ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (١)، أي هو أهلٌ أن يُتّقى عقابه، وأهل أن يُعمل بما يُؤدّي إلى مغفرته (٢).
وأصل التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقايةً تقيه منه، فتقوى العبد لربه: أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه: من غضبه وسخطه، وعقابه وقايةً من ذلك. وهو فعل طاعته واجتناب معصيته (٣)، فظهر من ذلك أن حقيقة التقوى كما قال طلق بن حبيب ﵀: ((التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله)) (٤).
ويدخل في التقوى الكاملة: فعل الواجبات، وترك المحرّمات، والشبهات، وربما دخل فيها بعد ذلك فعلُ المندوبات، وترك المكروهات، وهو أعلى درجات التقوى (٥)، وقد عرّف التقوى الكاملة
стр. 6
الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ في تفسيره لقول الله : ﴿اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (١)، فقال: ((أن يُطاع فلا يُعصَى، ويُذكر فلا يُنسَى، وأن يُشكر فلا يُكفر)) (٢)، قال الحافظ ابن رجب ﵀: ((وشكره يدخل فيه جميع فعل الطاعات، ومعنى ذكره فلا يُنسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته، وسكناته، وكلماته: فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها)) (٣).
وذكر الإمام القرطبي ﵀: ((أن قول الله : ﴿اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بَيَّنه قوله تعالى: ﴿فاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)، وأن المعنى: فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، وبيّن أن هذا أصوب من القول بالنسخ؛ لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع، والجمع ممكن فهو أولى)) (٥).
وقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرّمات، كما قال أبو هريرة ﵁ وسُئل عن التقوى؟ فقال: ((هل أخذت طريقاً ذا شوكٍ؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوكَ عدلتُ عنه، أو جاوزتُه، أو قصرتُ عنه، قال: ذاك التقوى، وأخذ هذا المعنى ابن المعتز، فقال:
خلِّ الذنوب صغيرَها ... وكبيرَها فهو التقى
стр. 7
واصنع كماشٍ فوق ... أرض الشوك يحذر ما يَرَى
لا تحقرنَّ صغيرة ... إن الجبالَ من الحصى (١)
المطلب الثاني: أهمية التقوى
التقوى من أهم أسباب الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة؛ لأمور، منها:
أولاً: أن الله أوصى الأوّلين والآخرين بالتقوى فقال : ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ الله﴾ (٢)، فهذه وصية عظيمة للأولين والآخرين بالتقوى المتضمِّنة للأمر والنهي، وتشريع الأحكام، والمجازاة لمن قام بهذه الوصية بالثواب، والمعاقبة لمن ضيَّعها وأهملها بأليم العقاب، ولهذا قال: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لله مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ الله غَنِيًّا حَمِيدًا﴾.
قال العلامة السعدي ﵀: ((﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾ بأن تتركوا تقوى الله وتشركوا بالله ما لم يُنزِّل به سلطاناً فإنكم لا تضرون بذلك إلا أنفسكم، ولا تضرون الله شيئاً، ولا تنقصون ملكه، وله عبيد خير منكم وأعظم وأكثر، مطيعون له، خاضعون لأمره؛ ولهذا رتّب على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لله مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ الله غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ له الجود الكامل، والإحسان الشامل، الصادر من خزائن رحمته التي لا ينقصها الإنفاق، ولا يغيضها نفقةـ سحّاء الليل والنهار)) (٣).
стр. 8
والحميد من أسماء الله تعالى الحسنى الدال على أنه المستحق لكل حمد ومحبة، وثناء وإعظام، وذلك لما اتّصف به من صفات الحمد، التي هي صفة الجمال والجلال؛ ولما أنعم به على خلقه من النعم الجزال، فهو المحمود على كل حال، وما أحسن اقتران هذين الاسمين الكريمين ((الغني الحميد))؛ فإنه غني محمود، فله كمال من غناه، وكمال من حمده، وكمال من اقترن أحدهما بالآخر)) (١).
ثانياً: أمر الله بالتقوى ، وأوجب العمل بها على عباده في آيات كثيرة، منها:
١ - قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (٢).
٢ - وقال : ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (٣).
٣ - وقال : ﴿وَاتَّقُواْ الله وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤).
٤ - قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٥).
стр. 9
٥ - وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١)، والآيات في الأمر بالتقوى كثيرة جداً (٢).
ثالثاً: أمَرَ النبيُّ ﷺ بالتقوى، وحث عليها في أحاديث كثيرة، منها:
١ - عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع فقال: ((اتقوا الله ربكم، وصلّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدُّوا زكاة أموالِكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم)) (٣).
٢ - أوصى النبي ﷺ معاذ بن جبل ﵁ بالتقوى، ووصيّته لرجل واحد وصيّة للأمة فقال: ((اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيّئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) (٤)، وقوله ﷺ : ((اتقِ الله حيثما كنت))، قال الحافظ ابن رجب ﵀: ((مراده في السر والعلانية، حيث يراه الناس وحيث لا يرونه)) (٥)، وكان النبي ﷺ يسأل الله خشيته في السر
والعلانية فيقول في دعائه: (( ... أسألك خشيتك في الغيب والشهادة)) (٦)،
стр. 10
قال الحافظ ابن رجب ﵀: ((وخشية الله في الغيب والشهادة: هي من المنجيات)) (١)، وقال: ((وكان الإمام أحمد ينشد:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل ... خلوتُ ولكن قُل عليَّ رقيبُ
ولا تحسبنّ الله يغفُُلُ ساعةً ... ولا أن ما يُخفى عليه يغيبُ (٢)
وقال ابنُ السَّمَّاك ﵀ (٣) ينشد:
يا مُدمِن الذنب أما تستحي ... والله في الخلوةِ ثانيكا
غرَّك من ربك إمهالُهُ ... وسَتْرُهُ طُولَ مساويكا (٤)
وقال أبو محمد عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني ﵀ في نونيته:
وإذا ما خلوت بريبة في ظُلمةٍ ... والنفسُ داعيةٌ إلى الطُّغيانِ
فاستحي من نَظَرِ الإله وقُل لها ... إن الذي خلق الظلام يراني (٥)
وقال آخر:
يا من يرى مدَّ البعوض جناحه ... في ظلمة الليل البهيم الأليَلِ
стр. 11
ويرى نياط عروقها في نحرها ... والمخ يجري في تلك العظام النُّحَلِِ
امنن عليَّ بتوبةٍ تمحو بها ... ما كان مني في الزمانِ الأولِ
٣ - وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودِّعٍ فأوصنا، قال: ((أوصيكم بتقوى الله، والسّمع والطاعة ... )) (١).
قال الحافظ ابن رجب ﵀: ((فهاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا والآخرة)) (٢).
٤ - وعن بريدة ﵁ أنه قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا أمَّرَ أميراً على جيشٍ أو سرية أوصاه في خاصّتِهِ بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ... )) (٣).
٥ - لأَهمِّية التقوى دعا النبي ﷺ ربه فسأله التُّقَى، فعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى)) (٤).
رابعاً: أكثر ما يُدخل الجنةَ التقوى ، فعن أبي هريرة ﵁ قال: سُئل
стр. 12
رسول الله ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناسَ الجنةَ، فقال: ((تقوى الله، وحسن الخلق))،وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: ((الفم، والفرج)) (١).
خامساً: التقوى أهم من اللباس الحسّي الذي لا غنى للإنسان عنه؛ لأن لباس التقوى لا يبلى ولا يبيد، ويستمرّ مع العبد، وهو جمال القلب والروح، وأما اللباس الظاهر فغايته أن يستر العورة الظاهرة، في وقت من الأوقات، أو يكون جمالاً للإنسان، وليس وراء ذلك منه نفع، وبتقدير عدم هذا اللباس تنكشف عورته الظاهرة التي لا يضرّه كشفها مع الضرورة، أما بتقدير عدم لباس التقوى، فإنه تنكشف عورته الباطنة، وينال الخزي والفضيحة (٢)، قال الله : ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٣)، وهذا اللباس هو الذي لا يستغني عنه الإنسان طرفة عين، وبدونه لا قيمة له ولا كرامة ولا فلاح، ولقد أحسن القائل حين قال:
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى ... تقلّب عرياناً ولو كان كاسيا
وخير لباس المرء طاعة ربه ... ولا خير فيمن كان لله عاصياً
سادساً: التقوى أهم من الطعام والشراب ، قال الله : ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ
خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (٤)، قال ابن عمر ﵄:
стр. 13
((إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر)) (١).
وأمر الله بالتزود في السفر؛ لأن في التزوّد الاستغناء عن المخلوقين، والكفّ عن أموالهم؛ ولأن التزود فيه نفع وإعانة للمسافرين، وهذا الزاد المراد منه: إقامة البنية: بلغةً ومتاعاً. ولما أمر الله بالزاد للسفر في الدنيا أمر بالزاد الحقيقي: زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، وهو الزاد المستمر نفعه لصاحبه في دنياه وأخراه، فهو زاد التقوى، الذي هو زاد إلى دار القرار، وهو الموصل إلى أكمل لذّة، وأجلِّ نعيم، ومن ترك هذا الزاد فهو المنقطع به الذي هو عرضة لكل شر، وممنوع من الوصول إلى دار المتقين (٢)، وقد أحسن القائل:
تزوَّدْ من التقى فإنك لا تدري ... إذا جُنَّ ليل هل تعيش إلى الفجرِ
فكم من صحيح مات من غير علة ... وكم من عليل عاش حيناً من الدهر
المطلب الثالث: صفات المتقين
المتقون لهم صفات وأعمال نالوا بها السعادة في الدنيا والآخرة، ومن هذه الصفات على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:
أولاً: قال الله : ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٣)، ففي
стр. 14
هذه الآيات مجموعة مباركة من صفات المتقين، هي:
١ - الإيمان بالغيب.
٢ - إقام الصلاة.
٣ - الإنفاق الواجب والمستحب في جميع طرق الخير.
٤ - الإيمان بالقرآن والكتب المنزلة السابقة.
٥ - الإيقان والإيمان الكامل بالآخرة، واليقين هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك.
ومن عمل بهذه الصفات كان على الهدى العظيم، وكان من المفلحين الفائزين في الدنيا والآخرة (١).
ثانياً: قال الله : ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢)، ففي هذه الآية العظيمة بيّن الله كثيراً من أعمال المتقين، وصفاتهم الكريمة العظيمة، وهي:
١ - الإيمان بالله .
٢ - الإيمان باليوم الآخر.
стр. 15
٣ - الإيمان بالملائكة.
٤ - الإيمان بالكتب التي أنزل الله .
٥ - الإيمان بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٦ - إعطاء المال، للأقرباء، واليتامى، والمساكين، والمسافرين، والسائلين، وإعتاق الرقاب.
٧ - إقام الصلاة.
٨ - إيتاء الزكاة.
٩ - الوفاء بالعهد.
١٠ - الصبر في الفقر، والمرض، ووقت قتال الأعداء.
١١ - الصدق في الأقوال، والأفعال، والأحوال.
فهؤلاء الذين عملوا هذه الأعمال صدقوا في إيمانهم؛ لأن أعمالهم صدَّقت إيمانهم، وهم المفلحون؛ لأنهم تركوا المحظورات وفعلوا المأمورات؛ ولأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير: تضمناً ولزوماً؛ لأن الوفاء بالعهد يدخل فيه الدين كله، ومن قام بهذه الأعمال كان لما سواها أقوم، فهؤلاء هم الأبرار الصادقون، المتقون (١).
ثالثاً: قال الله بعد أن بيّن أن الشهوات زُيِّنت للناس: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله وَالله بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* الصَّابِرِينَ
стр. 16
وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ (١)، وقد ظهرت أعمال مباركة، وصفات كريمة من صفات المتقين في هذه الآيات الثلاث، هي:
١ - التوسّل إلى الله بالإيمان به.
٢ - طلب المغفرة من الله .
٣ - طلبهم من الله الوقاية من عذاب النار.
٤ - الصبر على طاعة الله وعن محارم الله، وعلى أقدار الله المؤلمة.
٥ - الصدق في الأقوال والأعمال والأحوال.
٦ - القنوت الذي هو دوام الطاعة مع الخشوع.
٧ - الإنفاق في سبيل الخيرات على الفقراء وأهل الحاجات.
٨ - الاستغفار خصوصاً وقت الأسحار؛ لأنهم مدّوا الصلاة إلى وقت السحر فجلسوا يستغفرون الله تعالى (٢).
فهؤلاء لهم أصناف الخيرات والنعيم المقيم، ولهم رضوان الله، الذي هو أكبر من كل شيء، ولهم الأزواج المطهّرة من كل آفة ونقص: جميلات الأخلاق، كاملات الخلائق (٣).
رابعاً: قال الله : ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
стр. 17
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (١)، في هذه الآيات أعمال عظيمة وصفات كريمة لأهل التقوى، ذكرها الله بعد أن أمرهم بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك جنته التي أعدها للمتقين، وهذه الصفات على النحو الآتي:
١ - الإنفاق: في العسر واليسر، والشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض.
٢ - كظم الغيظ وعدم إظهاره، والصبر على مقابلة المسيء إليهم، فلا ينتقمون منه.
٣ - العفو عن كل من أساء إليهم بقول أو فعل.
٤ - ذكر الله وما توعّد به العاصين، ووعد به المتقين فيسألوه المغفرة لذنوبهم.
٥ - المبادرة للتوبة والاستغفار عند عمل السيئات الكبيرة والصغيرة.
٦ - عدم الإصرار على الذنوب والاستمرار عليها، بل تابوا عن قريب.
ثم بيّن الله جزاءَهم على عمل هذه الصفات: مغفرة من ربهم وجنات فيها من النعيم المقيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر
على قلب بشر (٢).
стр. 18
خامساً: قال الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١).
في هذه الآيات أعمال عظيمة من أعمال المتقين، وصفات كريمة، هي:
١ - الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله.
٢ - صلاة الليل الدالة على الإخلاص وتواطؤ القلب واللسان، فكان نومهم بالليل قليلاً.
٣ - الاستغفار بالأسحار قبيل الفجر، فقد مدّوا صلاتهم إلى السحر، ثم جلسوا في خاتمة قيامهم بالليل يستغفرون الله.
٤ - الإنفاق على المحتاجين الذين يطلبون من الناس، والذين لا يسألونهم.
وهذه صفات المتقين الذين أدخلهم الله الجنات المشتملات على جميع أصناف الأشجار والفواكه، وعلى العيون السارحة تشرب منها تلك البساتين، ويشرب منها عباد الله المتقون (٢).
وهذه نماذج وأمثلة من صفات المتقين، وهي كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 19
المطلب الرابع: ثمرات التقوى
التقوى لها ثمرات يجنيها المتقي في الدنيا والآخرة، وعلى حسب العمل بصفات المتقين يكون السبق في الحصول على هذه الثمرات، ومن هذه الثمار على سبيل المثال لا الحصر، ما يأتي:
أولاً: الانتفاع بالقرآن الكريم ، والفوز بهداية الإرشاد، وهداية التوفيق، قال الله : ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (١).
ثانياً: معيّة الله مع المتقين ، قال الله : ﴿وَاتَّقُواْ الله وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢)،وقال : ﴿إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (٣)، وهذه معيّة التوفيق والتسديد، والنصرة، والتأييد، والإعانة، والحماية، كما قال الله حكاية عن محمد ﷺ وقوله لأبي بكر ﵁: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا﴾ (٤)، وأمّا المعيّة العامّة فهي معيّة شاملة لكل شيء، بسمعه، وبصره، وعلمه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٥).
ثالثاً: المكانة العالية عند الله يوم القيامة ، قال الله : ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ
كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٦).
стр. 20
رابعاً: التوفيق لنيل العلم النافع وتحصيله ، قال الله : ﴿وَاتَّقُواْ الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
خامساً: التقوى تثمر دخول الجنة وما فيها من أنواع النعيم، ومن ذلك، ما يأتي:
١ - الفوز بالجنة، قال الله : ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ (٢).
٢ - ميراث الجنة، قال : ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤)، وقال : ﴿قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (٥).
٣ - المتقون لهم نعم الدرجات، قال الله : ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦).
٤ - نيل ما تشتهيه الأنفس، قال الله : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي الله الْمُتَّقِينَ﴾ (٧)، وقال
стр. 21
- : ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١).
٥ - المتقون يحشرون وفداً، قال الله : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ (٢)، ذكر الإمام الطبري ﵀ بسنده عن عليٍّ ﵁: أنهم يحشرون على نُوقٍ من الإبل عليها رحائل الذهب، وأزمّتها الزبرجد، يركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة (٣).
٦ - المتقون تقرّب لهم الجنة، قال الله : ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (٥).
٧ - المتقون لهم في الجنة غرف مبنية من فوقها غرف، يُرى ظاهِرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، قال الله : ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله الْمِيعَادَ﴾ (٦)،وقال : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ
الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٧).
٨ - المتقون لا يمسّهم العذاب بل ينجّيهم الله بنجاتهم، قال الله :
стр. 22
﴿وَيُنَجِّي الله الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١).
٩ - المتقون يَسلمون من عذاب جهنم ويمرون على الصراط، قال الله : ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٢).
١٠ - صحبة المتقين ومحبتهم دائمة في الدنيا والآخرة، وكل صحبة غيرها فإنها تنقلب يوم القيامة إلى عداوة، قال الله : ﴿الأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ﴾ (٣).
١١ - المتقون لهم المقام الأمين، قال الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤).
١٢ - التقوى تثمر ورود أنهار الجنة والشرب منها، قال الله : ﴿مَثَلُ
الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً
стр. 23
حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (١).
١٣ - المتقون في مقعد صدق عند الله ، قال : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ (٢).
١٤ - المتقون أثمرت لهم تقواهم السير تحت ظلال أشجار الجنة، والتنعم بما يشتهون، قال الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣)، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمّر السريع في ظلها مائة عام ما يقطعها)) (٤).
١٥ - المتقون لهم حسن المرجع في الجنة، قال الله : ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ *
هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ (٥).
سادساً: محبة الله للمتقين ، قال الله : ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ
стр. 24
الله يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١)، وقال : ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، وقال النبي ﷺ : ((إن الله يحب العبدَ التَّقِيََّ، الغنيَّ، الخفيَّ)) (٣)، وذكر الإمام القرطبي، والإمام النووي، رحمهما الله: أن المراد بالغني غني النفس، هذا هو المعنى المحبوب؛ لقوله ﷺ : ((ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس)) (٤)، وقيل: يعني به: من استغنى بالله، ورضي بما قسم الله له، والخفيّ: يعني به الخامل الذي لا يريد العلوَّ في الدنيا، ولا الظهور في مناصبها، وجاء في بعض الروايات: ((إن الله يحب العبد التقي، الغني، الحفيّ))، ومعنى: الحفي: أي العالم من قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ (٥)، وقيل: الوصول للرحم اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء، والساعي في حوائجهم (٦)، وقال النووي: ((والصحيح بالمعجمة)) أي: الخفي (٧).
سابعاً: عدم الخوف من ضرر وكيد الأعداء ، قال الله : ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٨).
стр. 25
ثامناً: التقوى سبب لنزول المدد من السماء ، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (١).
تاسعاً: التقوى تثمر عدم العدوان ، وعدم إيذاء عباد الله، قال الله :
﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢)، وقال في قصة مريم: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ (٣).
عاشراً: قبول الأعمال الصالحة ، قال الله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤).
الحادي عشر: حصول الفلاح ؛ لأن من اتقى الله أفلح كل الفلاح، ومن ترك تقواه حصل له الخسران، وفاتته الأرباح، قال الله : ﴿فَاتَّقُواْ الله يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥).
الثاني عشر: التقوى تمنع صاحبها الزيغ والضلال بعد الهداية، قال الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن
стр. 26
سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)، وصراط الله الموصل إليه وإلى جنته ما بيّنه الله في كتابه من الأحكام والشرائع، والأخلاق الكريمة، فمن اتبع صراط الله بالقيام بالمأمورات والابتعاد عن المنهيات
-اعتقاداً، وعلماً، وعملاً، وقولاًً-نال الفوز والفلاح، وكان من عباد الله المتقين، وسلم من الزيغ والضلال (٢).
الثالث عشر: السلامة من الخوف والحزن ، فمن اتقى ما حرّم الله عليه: من الشرك، والكبائر، والصغائر، وأصلح أعماله الظاهرة والباطنة، فلا خوف عليه من الشر، ولا يحزن على ما مضى، فإذا انتفى الخوف والحزن حصل الأمن التام، والسعادة والفلاح الأبدي (٣)، قال الله :
﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤).
الرابع عشر: التقوى تثمر البركات من السماء والأرض ، قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ (٥)، وقال في أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ
أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (٦).
стр. 27
الخامس عشر: الحصول على رحمة الله -،قال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، وقال : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢).
السادس عشر: التقوى تثمر الفوز بولاية الله ، قال الله : ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (٣)، وقال : ﴿وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالله وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤).
السابع عشر: التقوى تثمر توفيق صاحبها للتفريق بين الحق والباطل ، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٥).
فقد بيّن الله أن من اتّقاه حصل له أربعة أمور عظيمة، كل واحد منها خير من الدنيا وما فيها:
الأول: الفرقان، وهو العلم والهدى الذي يُفرِّق به صاحبه بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والحلال والحرام.
والثاني والثالث: تكفير السيئات، ومغفرة الذنوب، وكل واحد منهما داخل في الآخر عند الإطلاق، وعند الاجتماع: يفسر تكفير
стр. 28
السيئات، بالذنوب الصغائر، ومغفرة الذنوب بتكفير الكبائر.
الرابع: الأجر العظيم والثواب الجزيل (١). وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢)، وقال : ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
الثامن عشر: التقوى تثمر حماية الإنسان من ضرر الشيطان ، فيذكر صاحبها ما أوجب الله عليه، ويبصر ويستغفر، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (٤).
التاسع عشر: البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، قال الله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥)، أما البشرى في الدنيا، فهي: الثناء الحسن، والمودة في
قلوب المؤمنين، والرّؤيا الصالحة (٦)، وما يراه العبد من لطف الله به، وتيسيره لأحسن الأعمال، والأخلاق، وصرفه عن مساوئ الأخلاق.
стр. 29
وعن أبي ذر ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير يحمده الناس عليه؟ قال: ((تلك عاجل بشرى المؤمن)) (١).
قال الإمام النووي ﵀: ((قال العلماء: معناه: هذه البشرى المعجلة له بالخير، وهي دليل على رضا الله تعالى عنه، ومحبته له فَيُحَبِّبه إلى الخلق ... هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا فالتعرض مذموم)) (٢).
وأما البشارة في الآخرة فأولها البشارة عند قبض أرواحهم كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٣)، والبشارة في القبر برضى الله والنعيم المقيم، وفي الآخرة تمام البشرى بدخول جنات النعيم، والنجاة من العذاب الأليم (٤).
العشرون: حفظ الأجر ؛ فإنه من يتقي فعل ما حرم الله، ويصبر على الطاعات، وعن المحرمات، وعلى أقدار الله المؤلمة لا يضيع أجره، قال
الله : ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥).
الحادي والعشرون: العاقبة الحميدة الحسنة في الدنيا والآخرة للمتقين ، قال الله : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ
стр. 30
نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (١)، وقال : ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، وقال : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، وقال : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤)، وكان النبي ﷺ يدعو بحسن العاقبة فيقول: ((اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة)) (٥).
الثاني والعشرون: الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة للمتقين، قال الله : ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٦).
الثالث والعشرون: التقوى تفرق بين المؤمنين والفجار ، قال الله : ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ
الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٧)، وقال : ﴿أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٨)، وقال : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ *
стр. 31
أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (١)، فالله لا يجعل المتقين القائمين بما أمر به المبتعدين عما نهى عنه، كالمفسدين في الأرض والمكثرين من الذنوب المقصّرين في حقوق ربهم؛ فإن حكمته تعالى لا تقتضي أن يجعل المتقين القانتين لربهم المنقادين لأوامره، المتبعين مراضيه كالمجرمين الذين وقعوا في معاصيه والكفر بآياته، ومن ظن أنه تعالى يسوِّي بين هؤلاء في الدنيا والآخرة فقد أساء الحكم وحكمه باطل ورأيه فاسد؛ فإن الحكم الواقع القطعي أن المؤمنين المتقين لهم النصر، والفلاح، والسعادة في العاجل والآجل كلٌّ على قدر عمله، وأن المجرمين المسيئين لهم الغضب والإهانة، والعذاب، والشقاء في الدنيا والآخرة (٢).
الرابع والعشرون: التقوى سبب لتعظيم شعائر الله ؛ لأن شعائر الله أعلام الدين الظاهرة، وتعظيمها إجلالها، والقيام بها، وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد، وهذا التعظيم صادر من تقوى القلوب، فالمعظِّم لها يبرهن على تقواه، وصحة إيمانه؛ لأن تعظيمها تابع لتعظيم الله، وإجلاله (٣)،قال الله
: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٤).
الخامس والعشرون: التقوى تصلح بها الأعمال وتُقبل ، قال الله :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ
стр. 32
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١)، فأمر سبحانه بالتقوى في السر والعلانية، وخصّ منها القول السديد، وهذا القول الموافق للصواب أو المقارب له عند تعذّر اليقين: من قراءة، وذكرٍ، وأمرٍ بالمعروف، ونهي عن المنكر، وتعلّم العلم وتعليمه، والحرص على إصابة الصواب في المسائل العلمية، ولين الكلام، ولطفه، ويترتّب على ذلك صلاح العمل فلا يفسد، ومغفرة الذنوب، فبالتقوى تستقيم الأمور، ويندفع بها كل محذور (٢).
السادس والعشرون: التقوى سببٌ للإكرام عند الله ، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣)،فأكرم الناس عند الله أتقاهم، وهو أكثرهم طاعة، وانكفافاً عن المعاصي، لا أكثرهم قرابة وقوماً، ولا أشرفهم نسباً، ولكن الله عليم خبير يعلم من يقوم بتقوى الله ظاهراً وباطناً، مِمَّن لا يقوم بذلك ظاهراً، ولا باطناً، فيجازي كلاً بما يستحق (٤).
السابع والعشرون: التقوى يحصل بها الفرج والمخرج من كل شدة ومشقة وكرب، ويسوق الله بها الرزق للمتقي من حيث لا يحتسبه، ولا يشعر به، ولا يخطر له على بال، قال الله : ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بَالِغُ
стр. 33
أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (١).
الثامن والعشرون: التقوى يحصل بها تيسير الأمور ، قال الله : ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (٢)، فمن اتقى الله يسّر له كلّ أموره، وسهّل عليه كل عسير.
التاسع والعشرون: التقوى تُكفّر بها السيئات، وتُعظم بها الأجور لمن اتقى، قال الله : ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (٣)، وقال : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٤).
الثلاثون: التقوى تثمر الاهتداء والاتعاظ للمتقين؛ لأنهم هم المنتفعون بالآيات، فتهديهم إلى سبيل الرشاد، وتعظهم وتزجرهم عن طريق الغي، قال الله : ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (٥)، وقوله : ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ أي هذا القرآن جعله الله بياناً للناس عامة، وهدى
وموعظة للمتقين خاصة، قاله الحسن وقتادة (٦)،وجزم بها الحافظ ابن كثير ﵀ (٧)،وقيل: ﴿هَذَا﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه الآية، وهو قوله تعالى:
стр. 34
﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ﴾ (١)،قال العلامة السعدي ﵀: ((وكلا المعنيين حق)) (٢).
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلني وجميع المؤمنين من هؤلاء المتقين الذين يفوزون بهذه الثمرات العظيمة؛ فإنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
стр. 35
المبحث الثاني: ظلمات المعاصي وأضرارها
المطلب الأول: مفهوم المعاصي وأسماؤها
أولاً: مفهوم المعاصي:
المعاصي لغة: العصيان خلاف الطاعة، يقال: عصى العبد ربه: إذا خالف أمره، وعصى فلانٌ أميره يعصيه عَصْياً وعِصْياناً، ومعصيةً إذا لم يطعه، فهو عاص (١)، قال الله : ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (٢)، وقال الجرجاني ﵀: ((العصيان: هو ترك الانقياد)) (٣).
والمعاصي في الاصطلاح الشرعي: هي ترك المأمورات، وفعل المحظورات، فتبين بذلك أن المعاصي هي ترك ما أمر الله به أو أمر به رسوله ﷺ ، وفعل ما نهى الله عنه، أو نهى عنه رسوله ﷺ : من الأقوال، والأعمال، والمقاصد الظاهرة والباطنة (٤)، قال الله : ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (٥)، وقال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً
стр. 36
مُّبِينًا﴾ (١)، وقال : ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٢).
ثانياً: أسماء المعاصي:
قد جاء معنى المعصية بألفاظ كثيرة، ومن ذلك ما يأتي:
١ - الفسوق والعصيان ، قال الله : ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (٣).
٢ - الحُوب ، قال الله : ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (٤).
٣ - الذنب ، قال الله بعد أن ذكر قوم لوط، ومدين، وعاد، وثمود، وقارون، وفرعون، وهامان: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٥).
٤ - الخطيئة ، قال الله في ذكره لقول إخوة يوسف ﷺ : ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ (٦).
стр. 37
٥ - السيئة ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١).
٦ - الإثم ، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
٧ - الفساد ، قال الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣).
٨ - العتوّ ، قال الله : ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٤).
المطلب الثاني: أسباب المعاصي
المعاصي لها أسباب كثيرة تحصل بسببها، وتكثر وتقل بذلك، وهذه الأسباب نوعان، على النحو الآتي:
النوع الأول: الابتلاء والاختبار، ومن ذلك:
١ - الابتلاء بالخير والشر ، قال الله : ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
стр. 38
وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (١)،فالله سبحانه يبتلي عباده بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، فبالخير يختبر هل يؤدّى شكره، وبالشر يختبر هل يصبر على ضرّه (٢).
٢ - الابتلاء بالمال والولد ، قال الله : ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَالله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٣)،فالأموال والأولاد فتنة: أي اختبار وابتلاء من الله تعالى لخلقه؛ ليعلم من يطيعه ممن يعصيه (٤)،قال ابن مسعود ﵁: ((لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ فأيكم استعاذ فليستعذ بالله تعالى من مُضلاّت الفتن)) (٥).
٣ - وقد تكون الفتنة أعمَّ مما تقدّم، قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (٦)، وهذه الفتن وغيرها مما في معناها تكون من أسباب النجاة عند النجاح في الاختبار، وتكون من أسباب المعاصي والهلاك عند الإخفاق والرسوب في الامتحان، والله نسأل التوفيق والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.
стр. 39
النوع الثاني: أسباب الوقوع في المعاصي، ومنها:
١ - ضعف الإيمان واليقين بالله -، والجهل به سبحانه؛ فإن عدم المراقبة لله وعدم الخوف منه، وعدم محبته وإجلاله وتعظيمه وخشيته تجعل الإنسان يستخف بوعد الله ووعيده، والله سبحانه لا تخفى عليه خافية، قال الله : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١)، وقال : ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (٢).
٢ - الشبهات ، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((والفتنة نوعان: فتنة الشبهات، وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات ، وقد يجتمعان للعبد، وقد ينفرد بإحداهما)) (٣).
ففتنة الشبهات تنشأ من ضعف البصيرة، وقلّة العلم، وفساد القصد، وحصول الهوى، وتنشأ أيضاً من فهم فاسد، وتارة من نقل كاذب، وتارة من حقٍّ ثابت خفيٍّ على الرجل، فلم يظفر به، وتارة من غَرَضٍ فاسدٍ وهوىً متبع، فهي من عمى في البصيرة، وفسادٍ في الإرادة (٤).
٣ - الشهوات، وقد جمع الله بين الشبهات والشهوات في قوله :
﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
стр. 40
بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ﴾ (١)، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((أي تمتّعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتهم، والخلاق: هو النصيب المقدَّر، ثم قال: وخُضتم كالذي خاضوا، فهذا الخوضُ بالباطل وهو الشبهات، فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان: من الاستمتاع بالخلاق، والخوض بالباطل؛ لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد باطل، والتكلّم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح، فالأول: هو البدع وما والاها، والثاني فسق الأعمال، فالأول فساد من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات)) (٢)، وفتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر؛ ولهذا جعل الله إمامة الدين بالصبر واليقين، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٣)، فدلّ على أنه بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، فبكمال العقل والصبر تُدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تُدفع فتنة الشبهة (٤).
ولا شك أن الشهوات منها ما يكون مباحاً حلالاً، ومنها ما يكون حراماً، فحلالها ما أحلَّه الله ورسوله، وحرامها ما حرّمه الله ورسوله ﷺ .
٤ - الشيطان من أعظم أسباب وقوع المعاصي: لأنه أخبث عدو للإنسان، قال الله : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو