← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96537

نور التقوى وظلمات المعاصي في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (98 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مُّبِينًا﴾ (١)، وقال : ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٢). ثانياً: أسماء المعاصي: قد جاء معنى المعصية بألفاظ كثيرة، ومن ذلك ما يأتي: ١ - الفسوق والعصيان ، قال الله : ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (٣). ٢ - الحُوب ، قال الله : ﴿وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (٤). ٣ - الذنب ، قال الله بعد أن ذكر قوم لوط، ومدين، وعاد، وثمود، وقارون، وفرعون، وهامان: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٥). ٤ - الخطيئة ، قال الله في ذكره لقول إخوة يوسف ﷺ : ﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ (٦).

стр. 37

٥ - السيئة ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١). ٦ - الإثم ، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٢). ٧ - الفساد ، قال الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣). ٨ - العتوّ ، قال الله : ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٤). المطلب الثاني: أسباب المعاصي المعاصي لها أسباب كثيرة تحصل بسببها، وتكثر وتقل بذلك، وهذه الأسباب نوعان، على النحو الآتي: النوع الأول: الابتلاء والاختبار، ومن ذلك: ١ - الابتلاء بالخير والشر ، قال الله : ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً

стр. 38

وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (١)،فالله سبحانه يبتلي عباده بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، فبالخير يختبر هل يؤدّى شكره، وبالشر يختبر هل يصبر على ضرّه (٢). ٢ - الابتلاء بالمال والولد ، قال الله : ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَالله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٣)،فالأموال والأولاد فتنة: أي اختبار وابتلاء من الله تعالى لخلقه؛ ليعلم من يطيعه ممن يعصيه (٤)،قال ابن مسعود ﵁: ((لا يقولن أحدكم اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد إلا وهو مشتمل على فتنة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ فأيكم استعاذ فليستعذ بالله تعالى من مُضلاّت الفتن)) (٥). ٣ - وقد تكون الفتنة أعمَّ مما تقدّم، قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (٦)، وهذه الفتن وغيرها مما في معناها تكون من أسباب النجاة عند النجاح في الاختبار، وتكون من أسباب المعاصي والهلاك عند الإخفاق والرسوب في الامتحان، والله نسأل التوفيق والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.

стр. 39

النوع الثاني: أسباب الوقوع في المعاصي، ومنها: ١ - ضعف الإيمان واليقين بالله -، والجهل به سبحانه؛ فإن عدم المراقبة لله وعدم الخوف منه، وعدم محبته وإجلاله وتعظيمه وخشيته تجعل الإنسان يستخف بوعد الله ووعيده، والله سبحانه لا تخفى عليه خافية، قال الله : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١)، وقال : ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (٢). ٢ - الشبهات ، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((والفتنة نوعان: فتنة الشبهات، وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات ، وقد يجتمعان للعبد، وقد ينفرد بإحداهما)) (٣). ففتنة الشبهات تنشأ من ضعف البصيرة، وقلّة العلم، وفساد القصد، وحصول الهوى، وتنشأ أيضاً من فهم فاسد، وتارة من نقل كاذب، وتارة من حقٍّ ثابت خفيٍّ على الرجل، فلم يظفر به، وتارة من غَرَضٍ فاسدٍ وهوىً متبع، فهي من عمى في البصيرة، وفسادٍ في الإرادة (٤). ٣ - الشهوات، وقد جمع الله بين الشبهات والشهوات في قوله : ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ

стр. 40

بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ﴾ (١)، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((أي تمتّعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتهم، والخلاق: هو النصيب المقدَّر، ثم قال: وخُضتم كالذي خاضوا، فهذا الخوضُ بالباطل وهو الشبهات، فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان: من الاستمتاع بالخلاق، والخوض بالباطل؛ لأن فساد الدين إما أن يكون باعتقاد باطل، والتكلّم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح، فالأول: هو البدع وما والاها، والثاني فسق الأعمال، فالأول فساد من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات)) (٢)، وفتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر؛ ولهذا جعل الله إمامة الدين بالصبر واليقين، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (٣)، فدلّ على أنه بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، فبكمال العقل والصبر تُدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تُدفع فتنة الشبهة (٤). ولا شك أن الشهوات منها ما يكون مباحاً حلالاً، ومنها ما يكون حراماً، فحلالها ما أحلَّه الله ورسوله، وحرامها ما حرّمه الله ورسوله ﷺ . ٤ - الشيطان من أعظم أسباب وقوع المعاصي: لأنه أخبث عدو للإنسان، قال الله : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو

стр. 41

حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (١)،والشياطين نوعان: شياطين الإنس، وشياطين الجن، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٢)، والمخرج من شياطين الإنس، بالإحسان إليهم، والدفع بالتي هي أحسن، ومقابلة السيئة بالحسنة. أما شياطين الجن، فالمخرج منها الاستعاذة بالله منهم، قال الله : ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِالله إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣). و الشيطان يريد أن يظفر بالإنسان في عقبة من سبع عقبات ، بعضها أصعب من بعض، لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها: العقبة الأولى: عقبة الكفر والشرك بالله وبدينه ، ولقائه، وبصفات كماله، وبما أخبرت به رسله عنه، فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح، فإن نجا العبد من هذه العقبة طلبه على: العقبة الثانية: عقبة البدعة ، إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله ﷺ ،وإما بالتعبّد بما لم يأذن به الله من الأمور المحدثة في الدين التي لا يقبل الله منها شيئاً، فإن وفّق الله العبد لقطع هذه العقبة طلبه الشيطان على: العقبة الثالثة: عقبة الكبائر ، فإن ظفر به فيها زيّنها له، وحسَّنها في

стр. 42

عينه، فإن قطع العبد هذه العقبة بتوفيق الله طلبه على: العقبة الرابعة: عقبة الصغائر ، فكال له منها بالمكاييل العظيمة، ولا يزال يهوِّن عليه أمرها حتى يُصِرَّ عليها، فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالاً منه، فالإصرار على الذنب أقبح منه، ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، فإن نجا العبد من هذه العقبة طلبه الشيطان على: العقبة الخامسة: عقبة المباحات التي لا حرج فيها، فيشغله بها عن الاستكثار من الطاعات، وعن الاجتهاد في التزوّد لمعاده، ثم طمع فيه أن يستدرجه منها إلى ترك السنن، ثم مِنْ ترك السُّنن إلى ترْك الواجبات، وأقل ما ينال منه تفويت الأرباح والمكاسب العظيمة، فإن نجا من هذه العقبة ببصيرة تامة، ونور هادٍ، ومعرفة بقدر الطاعات، طلبه على: العقبة السادسة: عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها وحسَّنها في عينه، وزيَّنها له؛ ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسباً وربحاً، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، فإن نجا من هذه العقبة بفقه الأعمال ومراتبها عند الله، ومنازلها في الفضل، لم يبق هناك عقبة يطلبه عليها سوى واحدة لابد منها، وهي: العقبة السابعة: تسليط جنده عليه بأنواع الأذى ، باليد، واللسان، والقلب على حسب مرتبته في الخير، فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدوّ بخيله ورجله، وظاهر عليه بجنده، وسلّط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط، وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها؛ فإنه كلما جدَّ

стр. 43

في الاستقامة والدعوة إلى الله جدّ العدوّ في إغراء السفهاء به، والله المستعان، وعليه التكلان (١). المطلب الثالث: مداخل المعاصي أولاً: النفس الأمارة يدخل عليها الشيطان وأعوانه وجنوده من مرادها، ومحبوباتها، وشهواتها، فإذا صارت النفس الأمّارة مع الشيطان وجنوده ملكوا ستة ثغور يدخلون منها على القلب؛ لإفساده، وهذه الثغرات على النحو الآتي: ١ - ثغر العين ، فيجعلون نظرها تفرّجاً وتلهّياً لا اعتباراً. ٢ - ثغر الأذن ، فَيُدْخِلون معها الباطل، ويمنعون دخول الحق. ٣ - ثغر اللسان ، فيجرون عليه من الكلام ما يضرّه ولا ينفعه، ويمنعونه مما ينفعه. ٤ - ثغر الفم ، فيدخلون معه إلى البطن أنواع المحرمات. ٥ - ثغر اليد ، فيجعلونها تبطش بالباطل، وتتوقف عن الحق. ٦ - ثغر الرجل ، فيجعلونها تمشي إلى الباطل (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀ يحكي عن الشيطان كلامه مع جنوده، وحثّهم على الاستيلاء على هذه الثغور: ((فرابطوا على هذه الثغور كلّ المرابطة، فمتى دخلتم منها إلى القلب فهو قتيل أسير، أو جريح مُثخن بالجراحات)) (٣).

стр. 44

ثانياً: أبواب الشيطان التي يُدخِل الناسَ معها إلى النار ثلاثة: ١ - باب شبهة أورثت شكّاً في دين الله . ٢ - باب شهوة أورثت تقديم الهوى على طاعة الله ومرضاته. ٣ - باب غضب أورث العدوان على خلق الله - (١). ثالثاً: طرق الشيطان على الإنسان من ثلاث جهات: الجهة الأولى: التزيّد والإسراف ، فيزيد على قدر الحاجة، فتصير فَضْلَةً، وهي حظُّ الشيطان ومدخله إلى القلب، وطريق الاحتراز منه عدم إعطاء النفس تمام مطلوبها: من غذاء، أو نوم، أو لذّة، أو راحة، فمتى أُغلِق هذا الباب حصل الأمان من دخول العدوِّ منه. الجهة الثانية: الغفلة ؛ فإن الذاكر في حصن الذكر، فمتى غفل فُتِحَ باب الحصن، فولجه العدوّ، فيعسر عليه أو يصعب إخراجه. الجهة الثالثة: تكلف ما لا يعنيه من جميع الأشياء (٢). رابعاً: المداخل التي من حفظها نجا من المهالك ، ولهذا قيل: ((من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات)) (٣). وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة: ١ - النظرة: فاللحظات رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ

стр. 45

الفرج، ومن أطلق بصره في ما حرَّم الله أورد نفسه موارد الهلاك، قال الله : ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (١)، ولا شك أن النظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، قال الشاعر: كل الحوادث مبدأها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة بلغت من قلب صاحبها ... كمبلغ السهم بين القوس والوتر والعبد مادام ذا طرف يقلبه ... في أعين الغير موقوف على الخطر يسر مُقلتَهُ ما ضرَّ مُهجتَهُ ... لا مرحباً بسرور عاد بالضرر (٢) ٢ - الخطرة: والخطرات شأنها أصعب؛ لأنها مبدأ الخير والشر، ومنها تولد الإرادات، والهمّ والعزائم، فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه، وقهر هواه، ومن استهان بالخطرات قادته إلى الهلكات. والخطرات المحمودة أقسام تدور على أربعة أصول: * خطرات يستجلب بها العبد منافع دنياه. * وخطرات يستدفع بها مضارّ دنياه. * وخطرات يستجلب بها مصالح آخرته. * وخطرات يستدفع بها مضارّ آخرته.

стр. 46

فليحصر العبد خطراته، وأفكاره، وهمومه في هذه الأقسام الأربعة (١). ٣ - اللفظة: واللفظات حفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة، فلا يتكلّم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، وإذا أراد أن يتكلّم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل تفوتُ بها كلمة هي أربح منها؟ فلا يضيّعها بهذه، وإذا أردت أن تستدلّ على ما في القلب فاستدلّ عليه بحركة اللسان؛ فإنه يطلعك على ما في القلب شاء صاحبه أم أبى؛ ولهذا قال يحيى بن معاذ ﵀: ((القلوب كالقدور في الصدور تغلي بما فيها، ومغارفها ألسنتها، فانتظر حتى يتكلم الرجل، فإن لسانه يغترف لك ما في قلبه من بين حلوٍ وحامضٍ، وعذبٍ وأجاجٍ يخبرك عن طعم قلبه اغتراف لسانه)) (٢)، والمعنى أنك كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقة ذلك، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه، فتذوق ما في قلبه من لسانه كما تذوق ما في القِدْر بلسانك (٣)، فيجب على المرء المسلم أن يحفظ لسانه؛ فإن أكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج، واللسان يكبّ الناس على مناخرهم في النار، وربما تكلّم الرجل بكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم أبعد ما بين المشرق والمغرب، أو يهوي بها في النار سبعين خريفاً، أو يتكلّم بكلمة من سخط الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه.

стр. 47

والمؤمن بالله واليوم الآخر يتكلّم بالخير أو يسكت، وإذا حَسُن إسلامه فإنه لا يتكلم إلا فيما يعنيه، واللسان أخوف ما خاف رسول الله ﷺ على المسلم، وكلّ كلام ابن آدم عليه لا له: إلا أمراً بمعروفٍ، أو نهياً عن منكرٍ، أو ذكراً لله ، والكلام أسيرك، فإذا خرج من فيك صرت أنت أسيره، والله لا يخفى عليه قول القائل، قال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١). واللسان فيه آفتان عظيمتان، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام، وآفة السكوت، فالمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاصٍ لله، والساكت عن الحق شيطان أخرس عاصٍ لله مراءٍ مداهنٌ إذا لم يخف على نفسه، وأهل الوسط من أهل الحق كفّوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه، وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به (٢). ٤ - الخطوة: والخطوات حفظها بأن لا ينقل العبد قدمه إلا فيما يرجو ثوابه، فإن لم يكن في خطاه مزيد ثواب فالقعود عنها خير له، ويمكنه أن يستخرج من كل مباح بخطوة إليه قُربةً ينويها لله، فتقع خطاه كلها قربة بالنية الصالحة (٣).

стр. 48

وقد وصف الله عباد الرحمن بالاستقامة في لفظاتهم وخطواتهم، فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (١)، كما جمع الله بين اللحظات والخطرات في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٢). المطلب الرابع: أصول المعاصي قال الإمام ابن القيم ﵀: ((أصول الخطايا كلها ثلاثة: ١ - الكِبْر: وهو الذي أصار إبليس إلى ما أصاره . ٢ - الحِرْص: وهو الذي أخرج آدم من الجنة . ٣ - الحَسَد: وهو الذي جرَّأَ أحد ابني آدم على أخيه . فمن وُقِيَ شر هذه الثلاثة فقد وُقِيَ الشر، فالكفر من الكِبْر، والمعاصي من الحِرص، والبغي والظلم من الحسَد)) (٣). وذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة: ١ - تعلق القلب بغير الله ، وهو الشرك، فغاية التعلّق بغير الله شرك، وأن يُدعى معه إله آخر. ٢ - طاعة القوة الغضبية ، وهي الظلم، وغاية ذلك القتل. ٣ - طاعة القوة الشهوانية ، وهي الفواحش، وغاية ذلك الزنا.

стр. 49

وقد جمع الله سبحانه بين هذه الثلاثة في قوله : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (١). وهذه الثلاثة يدعو بعضها إلى بعض: فالشرك يدعو إلى الظلم والفواحش، كما أن الإخلاص والتوحيد يصرفهما عن صاحبه، قال الله : ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢)، فالسوء: العشق، والفحشاء: الزنا، وكذلك الظلم يدعو إلى الشرك والفاحشة؛ فإن الشرك أظلم الظلم، كما أن أعدل العدل التوحيد، فالعدل قرين التوحيد، والظلم قرين الشرك، والفاحشة تدعو إلى الشرك والظلم. فهذه الثلاثة يجر بعضها إلى بعض، ويأمر بعضها ببعض (٣). وبيّن رحمه الله تعالى: أن أركان الكفر أربعة: ١ - الكبر ٢ - الحسد ٣ - الغضب ٤ - الشهوة . فالكبر يمنع العبد الانقياد، والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها، والغضب يمنعه العدل، والشهوة تمنعه التفرغ للعبادة، فإذا انهدم ركن الكبر سهل عليه الانقياد، وإذا انهدم ركن الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله، وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل والتواضع، وإذا انهدم

стр. 50

ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف والعبادة، وزوال الجبال عن أماكنها أيسر من زوال هذه الأربعة عمن ابتلي بها، ولاسيما إذا صارت هيئات راسخة، وملكات وصفات ثابتة؛ فإنه لا يستقيم له معها عمل البتة، ولا تزكو نفسه، وكلما اجتهد في العمل أفسدته عليه هذه الأربعة، وإذا استحكمت هذه الأربعة في القلب أرته الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، والمعروف في صورة المنكر، والمنكر في صورة المعروف، وقربت منه الدنيا، وبعّدت منه الآخرة (١). المطلب الخامس: أقسام المعاصي الذنوب تنقسم إلى أربعة أقسام هي على النحو الآتي: القسم الأول: الذنوب الملكية وهي أن يتعاطى الإنسان ما لا يصلح له من صفات الربوبية: كالعظمة، والكبرياء، والجبروت، والقهر، والعلو، واستعباد الخلق، ونحو ذلك. القسم الثاني: الذنوب الشيطانية ، وهي الذنوب التي يتشبه الإنسان بالشيطان في عملها، فالتشبه بالشيطان: في الحسد، والبغي، والغش، والغل، والخداع، والمكر، والأمر بمعاصي الله، وتحسينها، والنهي عن طاعة الله، وتهجينها، والابتداع في الدين، والدعوة إلى البدع والضلال، وهذا القسم يلي القسم الأول في المفسدة، وإن كانت مفسدته دونه. القسم الثالث: الذنوب السبعية ، وهي التي يشبه الإنسان في فعلها السباع، وهي ذنوب العدوان، والغضب، وسفك الدماء، والتوثّب على

стр. 51

الضعفاء والعاجزين، ويتولّد من هذا القسم أنواع أذى النوع الإنساني، والجرأة على الظلم والعدوان. القسم الرابع: الذنوب البهيمية ، وهي الذنوب التي يشبه الإنسان في فعلها البهائم، مثل: الشره، والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، ومنها يتولّد الزنا، والسرقة، وأكل أموال اليتامى، والبخل، والشحّ، والجبن، والهلع، والجزع، وغير ذلك، وهذا القسم أكثر ذنوب الخلق؛ لعجزهم عن الذنوب الملكية، والسبعية، ومن هذا القسم يدخلون إلى سائر الأقسام، فهو يجرّهم إليها بالزّمام (١). المطلب السادس: أنواع المعاصي المعاصي نوعان: كبائر وصغائر ، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وقد دلّ القرآن، والسنة، وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم، والأئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر)) (٢)، قال الله : ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا﴾ (٣)، وقال : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ﴾ (٤)، وعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أيّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: ((أن تجعل لله نِدّاً وهو خلقك))، قلت: إن ذلك لعظيم. قال قلت: ثم أيُّ؟ قال: ((ثم أن تقتل ولدَك مخافةَ أن يَطعمَ معك))، قال: قلت: ثم أيُّ؟ قال: ((ثم أن تزاني

стр. 52

حَليلةَ جارك)) (١). وعن أبي بكرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين))، وجلس وكان متكئاً فقال: ((ألا وقول الزور))، فمازال يكرّرها حتى قلنا: ليته سكت (٢). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مُكفِّرات لما بينهن إذا اجتُنِبَتِ الكبائر))، وفي رواية: ((ما لم تُغْشَ الكبائر)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات))، قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) (٤).

стр. 53

واختُلِفَ في حدِّ الكبيرة وفي عدد الكبائر فقيل: إنها أربع، وقيل: سبع، وقيل: تسع، وقيل: إحدى عشرة، وقيل: سبعون، وقيل: إن رجلاً قال لابن عباس ﵄: كم الكبائر أسبع هي؟ قال: إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار (١). والصواب: أن الكبائر لم تُضبطْ بعدٍّ، وأنها كل ذنب ترتّب عليه حدٌّ في الدنيا، أو تُوعِّد عليه بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، أو العقوبة، أو نفي إيمان، وما لم يترتّب عليه حدٌّ في الدنيا، ولا وعيدٌ في الآخرة، فهو صغيرة (٢)، ولكن قد تكون الصغائر من الكبائر لأسباب، منها: ١ - الإصرار والمداومة عليها ، كما في قول ابن عباس ﵄: ((لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار)) (٣). ٢ - استصغار المعصية واحتقارها ، فعن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ((يا عائشة إيَّاكِ ومُحقرَاتِ الأعمال فإن لها من الله طالباً)) (٤). وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إياكم ومحقرات

стр. 54

الذنوب، كقوم نزلوا في بطن وادٍ فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه)) (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا))، قال أبو شهاب: بيده فوق أنفه (٢). ٣ - الفرح بالصغيرة والافتخار بها ، كأن يقول ما رأيتني كيف مَزَّقت عِرض فلان، وذكرت مساويه حتى خجَّلته، أو خدعته، أو غبنته. ٤ - أن يكون عالماً يُقتدى به ، فإذا فعل العالم الصغيرة، وظهرت أمام الناس كبر ذنبه. ٥ - إذا فعل الذنب ثم جاهر به ؛ لأن المجاهر غير معافى (٣)، فينبغي لكل مسلم أن يبتعد عن جميع الذنوب صغيرها وكبيرها؛ ليكون من الفائزين في الدنيا والآخرة. المطلب السابع: آثار المعاصي على الفرد والمجتمع أولاً: آثار المعاصي على الفرد: أنواع، منها: النوع الأول: آثارها على القلب: ١ - ضرر المعاصي على القلب كضرر السموم على الأبدان ، على

стр. 55

اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرٌّ وداءٌ إلا سببه الذنوب والمعاصي؟ (١). ٢ - حرمان العلم ؛ فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تُطفئ ذلك النور، وتُعمي بصيرة القلب، وتسدُّ طرق العلم، وتحجب موارد الهداية، قال الله : ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢)، ولما جلس الشافعي بين يدي مالك، وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقّد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: ((إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بظلمة المعصية)) (٣)، وقال الشافعي ﵀: شكوتُ إلى وكيعٍ سُوءَ حِفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نورٌ ... ونورُ الله لا يُهدَى لعاصي (٤) ٣ - الوحشة في القلب بأنواعها: وحشة بين العاصي وبين ربه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين الخلق، وكلّما كثرت الذنوب اشتدّت الوحشة، والوحشة التي بين العاصي وبين ربه لا توازنها، ولا تقارنها لذة أصلاً، ولو اجتمعت له لذّات الدنيا بأسرها لم تفِ بتلك الوحشة، ولو لم تُترك الذنوب إلا حذراً من الوقوع في تلك الوحشة لكان العاقل حريّاً بتركها.

стр. 56

وأما الوحشة التي بين العاصي وبين الناس، ولاسيما أهل الخير منهم؛ فإنه يجد وحشة بينه وبينهم، وكلّما قويت تلك الوحشة بَعُد منهم ومن مجالستهم، وحُرم بركة الانتفاع بهم، وقرب من حزب الشيطان، بقدر ما بَعُدَ من حزب الرحمن، وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقع بينه وبين امرأته وولده وأقاربه، وبينه وبين نفسه فتراه مستوحشاً بنفسه، قال بعض السلف: ((إني لأعصي الله فأرى ذلك في خلقِ دابتي وامرأتي)) (١)، وقال الفضيل بين عياض ﵀: ((إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي)) (٢). وسر المسألة أن الطاعة توجب القرب من الربِّ سبحانه، فكلّما قوي القرب قوي الأنس، والمعصية توجب البعد من الربّ، وكلما ازداد البعد قويت الوحشة، والوحشة سببها الحجاب، وكلما غلظ الحجاب زادت الوحشة، فالغفلة تُوجب الوحشة، وأشد منها وحشة المعصية، وأشد منها وحشة الشرك والكفر، ولا تجد أحداً ملابساً شيئاً من ذلك إلا ويعلوه من الوحشة بحسب ما لابسه منه، فتعلو الوحشة وجهه، وقلبه، فيستوحِشُ، ويُستوحشُ منه (٣). ٤ - الظلمة في القلب ؛ فإن العاصي يجد ظلمة في قلبه حقيقة يُحسّ بها كما يُحسّ بظلمة الليل البهيم، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسِّية

стр. 57

لبصره؛ فإن الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته، حتى يقع في البدع، والضلالات، والأمور المهلكة، وهو لا يشعر، وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه، وتصير سواداً فيه يراه كل أحد (١)،قال عبد الله بن عباس ﵄: ((إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعةً في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمةً في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق)) (٢). ٥ - تُوهن القلب وتُضعفه: أما وهن القلب؛ فإن المعاصي لا تزال تُوهنه حتى تُزيل حياته بالكلية (٣). وأما ضعف القلب؛ فإن المعاصي تُضعفه من عدّة وجوه، هي: الوجه الأول: تُضعف في القلب تعظيم الربّ ﷻ ، وتُضعف وقاره في قلب العبد ولابدّ شاء أم أبى، ولو تمكّن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرّأ على معاصيه؛ فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماته ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ (٤)، وتعظيم حرمات الله في القلب تحول بين العبد وبين الذنوب (٥).

стр. 58

الوجه الثاني: تُضعف المعصية إرادة الخير في قلب العبد، وتُقوّي إرادة المعصية، فتُضعف في قلبه إرادة التوبة شيئاً فشيئاً إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكليّة، فلو مات نصفه لما تاب إلى الله، يأتي من الاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية، مصرّ عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنه، وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك (١). الوجه الثالث: تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه أو توقفه وتقطعه عن السير، فالذنب إما أن يُميت القلب، أو يُمرضه مرضاً مخوِّفاً، أو يُضعف قوته ولابد، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها النبي ﷺ ، فقال: ((اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزَن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَعِ الدين، وغَلَبةِ الرجال)) (٢)، والمقصود أن الذنوب من أقوى الأسباب الجالبة لهذه الثمانية، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة لـ: ((جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء)) (٣)، ومن أقوى الأسباب الجالبة لـ: ((زوال نعمة الله،

стр. 59

وتحول عافيته، وفجأة نقمته، وجميع سخطه)) (١). ٦ - تحجب القلب عن الربّ في الدنيا، والحجاب الأكبر يوم القيامة، كما قال الله : ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ (٢)، فكانت الذنوب حجاباً بينهم وبين قلوبهم، وحجاباً بينهم وبين ربهم وخالقهم (٣). ٧ - يألف المعصية، فينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة ، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه، وهذا عند أصحاب الفسوق هو غاية التهتّك، وتمام الّلذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية، ويحدِّث بها من لم يعلم أنه علمها، وهذا الضرب من الناس لا يعافون ويُسدّ عليهم طريق التوبة، وتُغلق عنهم أبوابها في الغالب، فعن أبي هريرة ﵁، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كلُّ أمتي معافىً إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه)) (٤). ٨ - هوان المعاصي على المصرّين عليها ، فلا يزال العبد يرتكب المعاصي حتى تهون عليه، وتصغر في قلبه وعينه، وذلك علامة الهلاك؛ لأن الذنب كلما

стр. 60

صغر في قلب العبد وعينه عَظُم عند الله؛ ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: ((إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مَرّ على أنفه فقال به هكذا)) (١). فالمؤمن قلبه فيه نور، فهو على يقين من الذنب الصغير، وليس على يقين من المغفرة، فيخاف الذنب الصغير أن يهلكه كالجبل، والفاجر قليل المعرفة بالله، ولذلك قلّ خوفه من الله، واستهان بالمعصية (٢). ٩ - تُورث الذلّ، فإنّ العزّ كلّ العزّ في طاعة الله ،والذلّ كلّ الذلّ في معصية الله ،قال الله : ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلله الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (٣)، وقال : ﴿وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال، قال رسول الله ﷺ : ((بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجُعِل رزقي تحت ظلِّ رمحي، وجُعِل الذّلُّ والصَّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبّه بقوم فهو منهم)) (٥). فمن أراد العزّة فليطلبها بطاعة الله؛ فإنه لا يجدها إلا في طاعته، وكان من دعاء بعض السلف: ((اللهم أعزّني بطاعتك ولا تذلّني بمعصيتك))،

стр. 61

وقال الحسن البصري ﵀: ((إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، إن ذلّ المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يُذِلَّ من عصاه)) (١). وقال عبد الله بن المبارك ﵀: رأيت الذنوب تُميتُ القلوب ... وقد يورثُ الذلَّ إدمانُها وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوب ... وخيرٌ لنفسك عصيانُها وهل أفسد الدِّينَ إلا الملوكُ ... وأحبارُ سوءٍ ورهبانُها (٢) ١٠ - تُفسد العقل وتُؤثر فيه ؛ فإن للعقل نوراً، والمعصية تُطفئ نور العقل، فإذا طفئ نورُه ضعف ونقص، وغاب، وما عصى الله أحد حتى يغيب عقله؛ لأن واعظ القرآن ينهاه، وواعظ الإيمان ينهاه، وواعظ الموت ينهاه، وواعظ النار ينهاه، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها، فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله ذو عقل سليم؟ ولا شك أن المعصية إن لم تُفسد العقل فهي تُنقص من كماله، فلا تجد عاقلين أحدهما مطيع لله والآخر عاصٍ إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل، وفكره أصحّ، ورأيه أسدّ، والصواب قرينه (٣). ١١ - تطبع على القلب ، فإذا تكاثرت طبعت على قلب صاحبها

стр. 62

فكان من الغافلين؛ لأن القلب يصدأ من المعصية، فإذا ازدادت غلب الصدأ حتى يصير راناً، ثم يغلب حتى يصير طبعاً وختماً، وقفلاً، فيصير في غشاوة وغلاف (١)، قال الله : ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢). ١٢ - الذنوب تطفئ غيرة القلب ؛ فإنّ أشرف الناس وأعلاهم همّةً أشدّهم غيرةً على نفسه وخاصته، وعموم الناس؛ ولهذا كان النبي ﷺ أغير الخلق على الأمة، والله أشد غيرة منه؛ ولهذا قال ﷺ : ((أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحبّ إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث الله المرسلين مُبشّرين ومُنذِرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة)) (٣). وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((يا أُمة محمد ما أحد أغير من الله أن يرى عبده أو أمته يزني، يا أُمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)) (٤). وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يغار، وإن

стр. 63

المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرَّم [الله] عليه)) (١). وعن جابر بن عتيك مرفوعاً: ((إن من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يُبغض الله، ومن الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يُبغض الله، فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في ريبة، وأما التي يُبغض الله فالغيرة في غير الريبة، والاختيال الذي يحب الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة، والاختيال الذي يبغض الله الخيلاء في الباطل)) (٢)، والمقصود بالغيرة في الريبة: الغيرة في مواضع التهمة والتردّد، فتظهر فائدتها، وهي الرهبة والانزجار، وإن كانت الغيرة بدون ريبة فإنها تورث البغض والفتن (٣)، والاختيال في الصدقة أن يكون سخياً، فيعطي طيبة بها نفسه، فلا يستكثر كثيراً، ولا يعطي منها شيئاً إلا وهو مستقلّ، وأما الحرب: فأن يتقدم فيها بنشاط وقوة وعدم جبن (٤). والمقصود أن المعاصي كلما اشتدّت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه، وأهله، وعموم الناس، وقد تضعف في القلب جداً حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه، ولا من غيره، وإذا وصل

стр. 64

إلى هذا الحدّ، فقد دخل في باب الهلاك؛ ولهذا كان الدّيوث من أخبث الخلق، والجنة حرام عليه؛ لأنه لا غيرة له؛ ولهذا رضي بالسوء في أهله، وهذا يدلّ على أن أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له، فالغيرة تحمي القلب وتحمي له الجوارح، وتدفع السوء والفواحش، وعدم الغيرة تميت القلب، فتموت له الجوارح فلا يبقى عندها دفع البتة، وهذا يبين أهمية الغيرة ومكانتها (١). ١٣ - الذنوب تذهب الحياء من القلب ، وهو أصل كلّ خير، وذهابه ذهاب الخير كله، فعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الحياءُ خير كله))، أو قال: ((الحياءُ كله خير)) (٢). وعنه ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) (٣). والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء عند العبد حتى ربما انسلخ منه بالكليّة، فلا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله، ولا باطلاعهم عليه، بل كثير من أهل المعاصي يخبر عن حاله وقبح ما يفعل، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء، وإذا وصل العبد إلى هذه الحال لم يبق في صلاحه مطمع (٤)، وهذا ينطبق عليه أحد المعنيين لحديث أبي مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنعْ ما

стр. 65

شئت)) (١)، وهذا الحديث له تفسيران: التفسير الأول: أنه للتهديد والوعيد، والمعنى من لم يستح فإنه يصنع ما شاء من القبائح؛ لأن الحامل على تركها الحياء، فإذا لم يكن هناك حياء يردعه عن القبائح وقع فيها، وهذا المعنى هو المشهور. التفسير الثاني: أن الفعل إذا لم تستح من الله من فعله فافعله وإنما ينبغي تركه هو ما يستحي منه من الله، فالمعنى الأول تهديداً كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢)، والمعنى الثاني: يكون إذناً وإباحة (٣). ١٤ - المعاصي تلقي الخوف والرعب في القلوب ، فلا ترى العاصي دائماً إلا خائفاً مرعوباً؛ فإن الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة، ومن خرج منه أحاطت به المخاوف من كل جانب، فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقّه أمناً، ومن عصاه انقلبت مآمنه منه مخاوف، فمن خاف الله أمَّنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء (٤). ١٥ - تُمْرِضُ القلب، وتَصْرِفُهُ عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، وتأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب، ولا دواء لها إلا تركها، وكما أن من نهى نفسه

стр. 66

عن الهوى كانت الجنة مأواه، فكذا يكون قلبه في هذا الدار في جنة عاجلة لا يشبه نعيم أهلها نعيماً البتة، ولا تحسبن أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (١) مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة: دار الدنيا، والبرزخ، والقرار، فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب، وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ ولهذا قال بعض الصالحين: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. ويقول آخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف (٢). ١٦ - المعاصي تُصغّر النفوس ، وتقمعها، وتدسِّيها، وتحقِّرها حتى تصير أصغر شيء وأحقره، كما أن الطاعة تنميها وتزكيها، وتكبِّرها، قال الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (٣)، والمعنى قد أفلح من كبَّرها وأعلاها بطاعة الله، وأظهرها، وقد خاب وخسر من أخفاها، وحقَّرها وصغَّرها بمعصية الله، فالطاعة تُكبر النفوس وتُعزّها وتُعليها حتى تصير أشرف شيء وأكبره وأزكاه وأعلاه، فما كبَّر النفوس وشرّفها، ورفعها، وأعزّها مثل طاعة الله، وما صغّر النفوس وأذلّها، وحقّرها مثل معصية الله (٤). ١٧ - خسف القلب ومسخه ، وعلامة خسف القلب أنه لا يزال

стр. 67

جوّالاً حول السفليات والقاذورات والرذائل، كما أن القلب الذي رفعه الله وقرَّبه إليه لا يزال جوالاً حول العرش، وأما مسخ القلب، فإن من القلوب ما يمسخ بسبب المعاصي كما تمسخ الصورة فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه، وأعماله، وطبيعته، فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير، لشدة شبه صاحبه به، ومنها ما يمسخ على قلب كلب، أو حمار، أو حية، أو عقرب، ومن الناس من يكون على أخلاق السباع العادية، ومنهم من يتطوس في ثيابه كما يتطوس الطاووس في ريشه، ومنهم من يكون بليداً كالحمار، وغير ذلك (١). ١٨ - المعاصي تُنكّس القلب حتى يرى الباطل حقاً والحق باطلاً، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً، ويفسد ويرى أنه يصلح، ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على الهدى، وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلب (٢). ١٩ - تُضَيِّق الصدر ، فالذي يقع في الجرائم، ويُعرض عن طاعة الله يضيق صدره بحسب إعراضه، قال الله : ﴿فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣)، فمِنْ أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله تعالى، وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبة ما سواه؛ فإن من أحبّ شيئاً غير الله عُذِّب به،

стр. 68

وسجن قلبه في محبته (١). النوع الثاني: آثار المعاصي على الدين: ٢٠ [١] تزرع المعاصي أمثالها ، ويولد بعضها بعضاً، حتى يصعب على العبد التخلص منها، كما قال بعض السلف: ((إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها)). وهكذا حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة، وصفات لازمة، فلو عطَّل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت حتى يعود إلى الطاعة، ولو عطل المجرم المعصية، وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاق صدره حتى يعاود المعصية (٢)، فعلى المسلم أن يُقبل على الطاعة، ويترك المعصية، ويسأل الله أن يُحبِّب إليه الإيمان، ويزيّنه في قلبه، ويكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، ويجعله من الراشدين. ٢١ [٢] تَحْرِمُ الطاعة وتُثَبِّطُ عنها ، فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصدّ عن طاعة، وتكون بدله، ويقطع طريق طاعة أخرى، لكان كافياً في ضرره، فالمعاصي تحرم الطاعات، وتقطع طرق الأعمال الصالحة (٣). ٢٢ [٣] المعصية سبب لهوان العبد العاصي على الله وسقوطه من عينه، قال الحسن البصري ﵀: ((هانوا عليه فعصوه، ولو عزّوا عليه

стр. 69

لعصمهم)) (١)، وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال الله : ﴿وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ (٢)، ولو عظَّمهم الناس في الظاهر خوفاً من شرهم، أو لحاجتهم إليهم، فإنهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه (٣). ٢٣ [٤] تُدخل الذنوب العبد تحت لعنة رسول الله ﷺ -، فإنه لعن على معاصٍ وغيرها أكبر منها، فهي أولى بدخول فاعلها تحت اللعنة، فلعن: الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة (٤). ولعن النامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله تعالى (٥). ولعن آكل الربا وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء (٦). ومرَّ على حمار قد وُسِمَ في وجهه فقال: ((لعن الله الذي وسمه)) (٧). ولعن السارق يسرق البيضة فتُقطع يده، ويسرق الحبل فتُقطع يده (٨). ولعن من ذبح لغير الله، ومن آوى مُحدِثاً، ومن لعن والديه، ومن غيّر منار الأرض (٩).

стр. 70

ولعن المتشبّهات بالرجال من النساء، والمتشبّهين بالنساء من الرجال (١). ولعن الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه [وآكل ثمنها] (٢). ولعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً يرميه (٣). ولعن المصور (٤). ولعن من سبَّ أباه، ومن سبَّ أمه، ومن كمه أعمى عن الطريق، ومن وقع على بهيمة، ومن عمل بعمل قوم لوط (٥). ولعن الراشي والمرتشي (٦). ولعن زوّارات القبور والمتّخذين عليها المساجد والسُّرُج (٧). ولعن من أتى امرأة في دبرها (٨).

стр. 71

وأخبر أن من باتت مهاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح (١). وأخبر أن من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه (٢). وقد لعن الله في كتابه من آذاه وآذى رسوله ﷺ (٣). ولعن من أفسد في الأرض، ونقض عهد الله وقطع ما أمر الله به أن يوصل (٤). ولعن من كتم ما أنزل الله من البينات والهدى (٥). ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة (٦). ولعن من جعل سبيل الكافرين أهدى من سبيل المؤمنين (٧). ولعن الله ورسوله على أشياء غير هذه، فلو لم يكن في فعل ذلك إلا رضاء فاعله بأن يكون ممن يلعنه الله ورسوله وملائكته لكان في ذلك ما يدعو إلى تركه، فليبتعد العاقل عن كل معصية حتى ينجو، والله المستعان (٨). ٢٤ [٥] حرمان دعوة الرسول ﷺ والملائكة ، فإن الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وبيّن سبحانه أن الملائكة يستغفرون

стр. 72

لهم، قال الله : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١)، فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التائبين المتّبعين لكتابه وسنة رسوله الذين لا سبيل لهم غيرها، فلا يطمع غير هؤلاء بإجابة هذه الدعوة (٢). ٢٥ [٦] المعاصي تُسبّب نسيان الله لعبده ونسيان العبد نفسه ، فإذا نسي الله العبد فهناك الهلاك الذي لا يُرجى معه نجاة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣)، فقد أخبر الله أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه: أي أنساه مصالحها وما ينجيها من عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية، وكمال لذتها وسرورها، ونعيمها، فأنساه الله ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمة الله وخوفه، والقيام بأمره، فترى العاصي مهملاً لمصالح نفسه، مضيِّعاً لها، قد أغفل الله قلبه عن ذكره، واتَّبع هواه، وانفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته، وفرَّط في سعادته الأبدية، واستبدل بها أدنى

стр. 73

ما يكون من لذة، وإنما ذلك متاع زائل لا خير فيه، كما قيل: أحلام نوم أو كظلٍّ زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يُخدعُ وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه وإهماله لها، وإضاعة حظها، ونصيرها من الله، وبيعها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن، فضيع ما لا غنى له عنه ولا عوض له منه: من كل شيء إذا ضيعته عوضٌ ... وما من الله إن ضيعته عوضُ فالله يعوِّض عن كل ما سواه ولا يعوِّض عنه شيء (١). ٢٦ [٧] تخرج صاحبها من دائرة الإحسان ، فإن من عقوبات المعاصي أن تمنع العاصي ثواب المحسنين؛ فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي؛ لأن المحسن يعبد الله كأنه يراه، وذلك يحول بينه وبين إرادة المعصية فضلاً عن الوقوع فيها (٢). ٢٧ [٨] تفوِّت ثواب المؤمنين ، ومن فاته ثواب المؤمنين وحسن دفاع الله عنهم فاته كل خير رتبه الله في كتابه على الإيمان، وهو نحو مائة خصلة كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها، ومنها: أ - الأجر العظيم: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ الله الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣). ب - الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤).

стр. 74

ج - موالاة الله لهم، ولا يذلّ من والاه: ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ (١). د - ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢). هـ - معية الله لهم: ﴿وَأَنَّ الله مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). و الرفعة في الدنيا والآخرة: ﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٤). ز - العزة: ﴿وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥). ح - إعطاؤهم نصيبين من رحمته، وإعطاؤهم نوراً يمشون به ومغفرة ذنوبهم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦). ط - أمانهم من الخوف يوم يشتد الخوف: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٧). ي - القرآن هدى لهم وشفاء: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن

стр. 75

مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (١). والمقصود أن الإيمان سبب جالب لكل خير في الدنيا والآخرة، وكل شر في الدنيا والآخرة فسببه عدم الإيمان، فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئاً يسبب له الخسارة في الدنيا والآخرة، فإن الإصرار على الذنوب يسبب الرين على القلوب، فيخاف أن يستمرّ على ذلك فيسبّب له ارتكاب ما يخرجه عن الإيمان بالكليّة، ومن هنا اشتدّ خوف السلف فقال بعضهم: ((أنتم تخافون الذنوب، وأنا أخاف الكفر)) (٢). ٢٨ [٩] توجب القطيعة بين العبد والرب ، وإذا وقعت القطيعة بين العبد وربه انقطعت عنه أسباب الخير، واتصلت به أسباب الشر، فأيّ فلاح، وأيُّ رجاء، وأيُّ عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه وبين وليّه ومولاه الذي لا غنى له عنه طرفة عين (٣). ٢٩ [١٠] المعاصي تجعل صاحبها أسيراً للشيطان ، وفي سجن شهواته وقيود هواه، فهو أسير مسجون مُقيَّد، ولا أسير أسوأ حالاً من أسيرٍ أسَرَهُ أعدى عدوٍّ له، ولا سجن أضيق من سجن الهوى، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة، فكيف يسير إلى الله والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ والله المستعان (٤). ٣٠ [١١] المعاصي تجعل صاحبها من السفلة ؛ فإن الله خلق خلقه
следующие страницы →