← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96537

نور التقوى وظلمات المعاصي في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (98 стр.). Показаны 71–98 · переход к 76.

стр. 71

وأخبر أن من باتت مهاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح (١). وأخبر أن من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه (٢). وقد لعن الله في كتابه من آذاه وآذى رسوله ﷺ (٣). ولعن من أفسد في الأرض، ونقض عهد الله وقطع ما أمر الله به أن يوصل (٤). ولعن من كتم ما أنزل الله من البينات والهدى (٥). ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة (٦). ولعن من جعل سبيل الكافرين أهدى من سبيل المؤمنين (٧). ولعن الله ورسوله على أشياء غير هذه، فلو لم يكن في فعل ذلك إلا رضاء فاعله بأن يكون ممن يلعنه الله ورسوله وملائكته لكان في ذلك ما يدعو إلى تركه، فليبتعد العاقل عن كل معصية حتى ينجو، والله المستعان (٨). ٢٤ [٥] حرمان دعوة الرسول ﷺ والملائكة ، فإن الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وبيّن سبحانه أن الملائكة يستغفرون

стр. 72

لهم، قال الله : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١)، فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التائبين المتّبعين لكتابه وسنة رسوله الذين لا سبيل لهم غيرها، فلا يطمع غير هؤلاء بإجابة هذه الدعوة (٢). ٢٥ [٦] المعاصي تُسبّب نسيان الله لعبده ونسيان العبد نفسه ، فإذا نسي الله العبد فهناك الهلاك الذي لا يُرجى معه نجاة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣)، فقد أخبر الله أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه: أي أنساه مصالحها وما ينجيها من عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية، وكمال لذتها وسرورها، ونعيمها، فأنساه الله ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمة الله وخوفه، والقيام بأمره، فترى العاصي مهملاً لمصالح نفسه، مضيِّعاً لها، قد أغفل الله قلبه عن ذكره، واتَّبع هواه، وانفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته، وفرَّط في سعادته الأبدية، واستبدل بها أدنى

стр. 73

ما يكون من لذة، وإنما ذلك متاع زائل لا خير فيه، كما قيل: أحلام نوم أو كظلٍّ زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يُخدعُ وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه وإهماله لها، وإضاعة حظها، ونصيرها من الله، وبيعها ذلك بالغبن والهوان وأبخس الثمن، فضيع ما لا غنى له عنه ولا عوض له منه: من كل شيء إذا ضيعته عوضٌ ... وما من الله إن ضيعته عوضُ فالله يعوِّض عن كل ما سواه ولا يعوِّض عنه شيء (١). ٢٦ [٧] تخرج صاحبها من دائرة الإحسان ، فإن من عقوبات المعاصي أن تمنع العاصي ثواب المحسنين؛ فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي؛ لأن المحسن يعبد الله كأنه يراه، وذلك يحول بينه وبين إرادة المعصية فضلاً عن الوقوع فيها (٢). ٢٧ [٨] تفوِّت ثواب المؤمنين ، ومن فاته ثواب المؤمنين وحسن دفاع الله عنهم فاته كل خير رتبه الله في كتابه على الإيمان، وهو نحو مائة خصلة كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها، ومنها: أ - الأجر العظيم: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ الله الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣). ب - الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤).

стр. 74

ج - موالاة الله لهم، ولا يذلّ من والاه: ﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ (١). د - ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢). هـ - معية الله لهم: ﴿وَأَنَّ الله مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). و الرفعة في الدنيا والآخرة: ﴿يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٤). ز - العزة: ﴿وَلله الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥). ح - إعطاؤهم نصيبين من رحمته، وإعطاؤهم نوراً يمشون به ومغفرة ذنوبهم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦). ط - أمانهم من الخوف يوم يشتد الخوف: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٧). ي - القرآن هدى لهم وشفاء: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن

стр. 75

مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (١). والمقصود أن الإيمان سبب جالب لكل خير في الدنيا والآخرة، وكل شر في الدنيا والآخرة فسببه عدم الإيمان، فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئاً يسبب له الخسارة في الدنيا والآخرة، فإن الإصرار على الذنوب يسبب الرين على القلوب، فيخاف أن يستمرّ على ذلك فيسبّب له ارتكاب ما يخرجه عن الإيمان بالكليّة، ومن هنا اشتدّ خوف السلف فقال بعضهم: ((أنتم تخافون الذنوب، وأنا أخاف الكفر)) (٢). ٢٨ [٩] توجب القطيعة بين العبد والرب ، وإذا وقعت القطيعة بين العبد وربه انقطعت عنه أسباب الخير، واتصلت به أسباب الشر، فأيّ فلاح، وأيُّ رجاء، وأيُّ عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه وبين وليّه ومولاه الذي لا غنى له عنه طرفة عين (٣). ٢٩ [١٠] المعاصي تجعل صاحبها أسيراً للشيطان ، وفي سجن شهواته وقيود هواه، فهو أسير مسجون مُقيَّد، ولا أسير أسوأ حالاً من أسيرٍ أسَرَهُ أعدى عدوٍّ له، ولا سجن أضيق من سجن الهوى، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة، فكيف يسير إلى الله والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ والله المستعان (٤). ٣٠ [١١] المعاصي تجعل صاحبها من السفلة ؛ فإن الله خلق خلقه

стр. 76

قسمين: عُلية، وسفلة، وجعل عليين مستقرّ العلية، وأسفل سافلين مستقر السفلة، وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة (١). ٣١ [١٢] تُسْقِط الكرامة ، من عقوبات المعاصي: سقوط الجاه، والمنزلة والكرامة عند الله ؛ فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم (٢)، وأقربهم منه منزلة أطوعهم له، وعلى قدر طاعة العبد له تكون منزلته عنده، فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه، فأسقطه من قلوب عباده، وإذا لم يبق له جاه عند الخلق، وهان عليهم عاملوه على حسب ذلك، فعاش بينهم أسوأ عيش: خامل الذكر، ساقط القدر، رزيّ الحال، لا حرمة له، ولا فرح له، ولا سرور؛ فإن خمول الذكر، وسقوط القدر والجاه جالب لكل غمٍّ وهمٍّ وحزن، ولا سرور معه، ومن أعظم نعم الله على العبد الطائع أن يرفع له بين العالمين ذكره، ويُعلي قدره (٣). ٣٢ [١٣] كراهية الله للعاصي ، قال الله : ﴿وَالله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٤)، وقال : ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ (٥). النوع الثالث: آثار المعاصي على البدن: للمعاصي آثار على بدن العاصي، منها على سبيل المثال ما يأتي:

стр. 77

٣٣ [١] العقوبات الشرعية ، إذا لم تَرُع العاصي العقوبات السابقة ولم يجد لها تأثيراً في قلبه، فلينظر إلى العقوبات الشرعية التي شرعها الله ورسوله ﷺ على الجرائم، وهي: الحدود، والكفّارات، والتعزيرات. أما الحدود فهي: قتل المرتدّ، وحدّ الزنا، وحدّ السرقة، وحدّ القذف، وحدّ شرب الخمر، وهذه تحفظ الضرورات الخمس: ((حفظ الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال))، وما شرع الله هذه الحدود والقصاص إلا لحفظ هذه الضرورات الخمس. وأما الكفّارات: فمنها: كفّارة قتل الخطأ، وكفّارة الظهار، وكفّارة الجماع في نهار رمضان، وكفارة الوطء في الإحرام، وفي الحيض، والنفاس، وكفّارة اليمين. وأما التعزيرات: فهي حسب ما يراه الحاكم المسلم، وأنه يردع ويزجر (١)، ولا يصل التعزير إلى الحد، إلا إذا كان الجرم عظيماً، فقد يصل التعزير إلى القتل، وذلك حسب القواعد الشرعية، لا على حسب هواه (٢). ٣٤ [٢] العقوبات القدريّة ، وهي نوعان: نوع على القلوب والنفوس، ونوع على الأبدان والأموال، فالعقوبات القدرية على القلوب: آلام وجودية يضرب بها القلب، وقطع المواد التي بها حياته وصلاحه عنه، وإذا قطعت عنه حصل له أضدادها.

стр. 78

والعقوبات على الأبدان نوعان: نوع في الدنيا، ونوع في الآخرة، والمقصود أن عقوبات السيئات تتنوّع إلى عقوبات شرعية، وعقوبات قدريّة، وهي إمّا في القلب، وإمّا في البدن، وإمّا فيهما، وعقوبات في دار البرزخ بعد الموت، وعقوبات يوم حشر الأجساد مع الأرواح (١). والخلاصة أن العقوبات القدريّة: هي ما يصيب الإنسان في دينه، أو دنياه، أو كليهما: من الفتن، والمحن، والابتلاء، بسائر المصائب على اختلاف أشكالها، وهي على ثلاثة أنواع: منها ما يكون لرفع الدرجات. ومنها ما يكون لتكفير السيئات. ومنها ما يكون عقاباً للإنسان على ظلمه وعدوانه، وعصيانه لربه، وهذه الدرجة الأخيرة عامة للمسلم والكافر، كلٌّ على حسب ذنبه وجرمه (٢). ٣٥ [٣] والمعاصي تُوهن البدن ؛ فإن المؤمن قوته من قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنُه، وأما الفاجر فإنه وإن كان قويَّ البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم)) (٣).

стр. 79

النوع الرابع: آثار المعاصي على الرزق: ٣٦ [١] المعاصي تحرم الرزق ، ولا شك أن الرجل قد يُحرم الرزق بالذنب يُصيبه، وكما أن تقوى الله مجبلة للرزق كما قال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (١)، فكذلك ترك تقوى الله مجلبة للفقر، وهذا مفهوم الآية؛ فإن من لم يتق الله لا يجعل الله له مخرجاً، ولا يرزقه من حيث لا يحتسب، وما استجلب رزق بمثل ترك المعاصي (٢). ٣٧ [٢] تُزيل النعم ، فالمعاصي تُزيل النعم، وتحلّ النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلّت به نقمة إلا بذنب، كما ذُكر عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ((ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة)) (٣)، قال الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٤)، وقال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (٥)، فلا يغيّر الله تعالى نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غيَّر غُيِّر عليه جزاءً وفاقاً، وما ربك بظلام للعبيد.

стр. 80

فإن غيّر المعصية بالطاعة غيَّر الله عليه العقوبة بالعافية، والذلّ بالعزّ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ الله بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (١). ولقد أحسن القائل: إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تُزيلُ النِّعَم وحطها بطاعة ربِّ العباد ... فربُّ العباد سريع النقم (٢) ٣٨ [٣] تزيل البركة في المال، وقد تُتلفه ، ومن ذلك أن من كذب في بيعه وشرائه، وكتم العيوب في السلعة، عُوقب بمحق البركة، فعن حكيم بن حزام ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدقا وبيّنا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما)) (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)) (٤)، والمعنى أن من أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله يفتح عليه في الدنيا، فييسّر له أداءه، أو يتكفّل الله به عنه يوم القيامة، ومن أخذها يريد إتلافها وقع له الإتلاف في معاشه وماله، وقيل: المراد بذلك عذاب الآخرة (٥).

стр. 81

النوع الخامس: آثار المعاصي العامة على الفرد: ٣٩ [١] تمحق البركات: بركة العمر، وبركة الرزق، وبركة العلم، وبركة العمل، وبركة الطاعة، وبالجملة تمحق بركات الدين والدنيا، فلا تجد أقلّ بركة في عمره، ودينه، ودنياه ممن عصى الله، قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (١)، فالمعاصي سبب لمحق البركات في كل شيء، فينبغي للمسلم أن يهرب من المعاصي حتى تحصل البركة في دينه ودنياه وآخرته (٢). ٤٠ [٢] المعاصي مجلبة للذمّ ، فإن من عقوباتها أن تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف، وتكسوه أسماء الذمّ والصَّغار، فتسلبه اسم المؤمن، والبَرّ، والمحسن، والمتَقي، والمطيع، والمنيب، والولي، والوَرِع، والصالح والعابد، والطيِّب، ونحو ذلك. وتكسوه اسم الفاجر، والعاصي، والمخالف، والمسيء، والمفسد، والخبيث، والكاذب، والخائن، وقاطع الرحم، والغادر، والفاجر، وأمثالها، فلو لم يكن في عقوبة المعصية إلا استحقاق تلك الأسماء القبيحة وموجباتها، لكان في العقل ناهٍ عنها. والله المستعان (٣). ٤١ [٣] المعاصي تجرِّئ على الإنسان أعداءه ، وهذا من عقوباتها على فاعلها، فتجرِّئ عليه الشياطين بالأذى والإغواء، والوسوسة،

стр. 82

والتخويف، والتحزين، وإنسائه ما فيه مصلحته. وتجرئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره. وتجرئ عليه أهله، وخدمه وأولاده، وجيرانه، وهذا يكفي في قبح المعاصي. والله المستعان (١). ٤٢ [٤] تضعف العبد أمام نفسه ، وهذا من أعظم عقوبات المعاصي، فإنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه، فإن كل أحد يحتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده، وأعلم الناس أعرفهم بذلك على التفصيل، والمعاصي تخون العبد في تحصيل هذا العلم وإيثار الحظ العالي الدائم على الحظ الخسيس المنقطع، فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم، وعن الاشتغال بما هو أولى به وأنفع له في الدارين، فإذا وقع في مكروه واحتاج إلى التخلص منه خانه قلبه ونفسه وجوارحه، وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الصدأ، ولزمه في غمده بحيث لا ينجذب إذا جذبه، فعرض له عدوّ يريد قتله، فوضع يده على قائم سيفه واجتهد ليخرجه فلم يخرج معه، فدهمه العدو وظفر به، فكذلك القلب يصدأ بالذنوب، ويصير مثخناً بالمرض، إذا احتاج إلى محاربة العدو لم يجد معه منه شيئاً، والعبد إنما يُحارب ويُصاول ويُقدم بقلبه، والجوارح تبع للقلب. والمقصود أن العبد إذا وقع في شدّة أو كربة أو بليِّة خانه قلبه، ولسانه، وجوارحه عما هو أنفع شيء له، فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله تعالى والإنابة إليه، والتذلّل والانكسار بين يديه، ولا يطاوعه لسانه لذكره،

стр. 83

وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه، فحينئذٍ يذكره بقلب لاهٍ ساهٍ غافل، ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له، ولم تطاوعه، هذا كله أثر الذنوب والمعاصي. وهناك أمر أخوف من ذلك وأدهى منه، وهو أن يخون العاصي قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله، فربما تعذّر عليه النطق بالشهادة، كما شهد الناس كثيراً من المحتضرين أصابهم ذلك، وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ كثيراً من هذه الوقائع، منها: أن رجلاً شحَّاذاً قال عند موته: ((فلس لله، فِلْسٌ لله)) حتى خرجت روحه. وقيل لتاجر عند موته: قل لا إله إلا الله، فقال: ((هذه القطعة رخيصة هذا مُشترَى جيد))، حتى قضى. ولُقِّن آخر ((لا إله إلا الله))، فقال: ((كلما أردت أن أقولها ولساني يمسك عنها)). وغير ذلك من القصص كثير (١). نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. ٤٣ [٥] مكر الله بالماكر، ومُخادعته للمُخادع ، واستهزاؤه بالمستهزئ، وإزاغته لقلب الزائغ عن الحق، وكل ذلك من عقوبات المعاصي، وأضرارها، نسأل الله العفو والعافية (٢).

стр. 84

٤٤ [٦] المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ، والعذاب في الآخرة ، كلّ ذلك من عقوبات المعاصي، قال الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (١)، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله ﷺ : في دنياه، وفي البرزخ، ويوم معاده، ولا تقرّ العين، ولا يهدأ القلب، ولا تطمئن النفس إلا بإلهها، ومعبودها الذي هو الحقّ، وكل معبود سواه باطل، فمن قرّت عينه بالله قرَّت به كل عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله تقطَعت نفسه على الدنيا حسرات)) (٢). ٤٥ [٧] تعسير أموره عليه ، وهذا من أعظم ما يصيب العاصي، فلا يتوجَّهُ لأمر إلا يجده مُغلقاً دونه، أو متعسّراً عليه، وهذا كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسراً، فمن عطّل التقوى جعل له من أمره عسراً، ويا لله العجب كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه وطرقها معسرة عليه وهو لا يعلم من أين أُتي؟ (٣). ٤٦ [٨] تُقصِّر المعاصي العمر، وتمحق بركته ولابدّ؛ فإن البر كما يزيد في العمر فالفجور يقصّر العمر، وقد اختلف العلماء في ذلك فقالت طائفة: نقصان عمر العاصي هو ذهاب بركة عمره ومحقها عليه، وهذا حق وهو بعض تأثير المعاصي.

стр. 85

وقالت طائفة بل تنقصه حقيقة كما تنقص الرزق، فجعل الله سبحانه للبركة في الرزق أسباباً كثيرة تكثره وتزيده، وللبركة في العمر أسباباً تكثره وتزيده. ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب كما ينقص بأسباب، فالأرزاق والآجال، والصحة والمرض، والغنى والفقر، وإن كانت بقضاء الرب فهو يقضي ما يشاء بأسباب جعلها لمسبباتها مقتضية لها. وقالت طائفة أخرى: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن حقيقة الحياة هي حياة القلب، وعمر الإنسان مدة حياته، فليس عمره إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره، فالبر والتقوى والطاعة تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها، فإذا أعرض العبد عن الله واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقية (١). ٤٧ [٩] يرفع الله مهابة العاصي من قلوب الخلق ، وهذا من بعض عقوبات المعاصي، فلاشك أنه يهون عليهم، ويستخفون به، كما هان عليه أمره واستخفّ به، فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق، وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته يعظّمه الناس، وكيف ينتهك عبد حرمات الله، ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس، أم كيف يستخفّ بمعاصي الله ولا يستخفّ به الخلق؟ (٢) قال الله : ﴿وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ (٣).

стр. 86

النوع السادس: آثار المعاصي على الأعمال: لاشك أن الأعمال تتأثر في بعض الأحوال بالمعاصي، ومن ذلك ما يأتي: ٤٨ [١] عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لأعلمنَّ أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة، بيضاً فيجعلها الله هباءً منثوراً))، قال ثوبان ﵁: يا رسول الله صفهم لنا، جَلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: ((أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)) (١)، قلت: ولعل هؤلاء استحلّوا هذه المحارم، أو عملوا عملاً يخرجهم عن الإسلام، أو لهم غرماء أُعطوا هذه الحسنات كلها، والله أعلم. ٤٩ [٢] وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون ما المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: ((إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة: بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طُرح في النار)) (٢). ثانياً: آثار المعاصي على المجتمع: المعاصي لها تأثير عظيم على المجتمعات والأمم، ومن ذلك على سبيل

стр. 87

المثال ما يأتي: ٥٠ [١] إهلاك الأمم بسبب المعاصي ، لاشك أن جميع الأضرار في الدنيا والآخرة تحصل بسبب المعاصي. فما الذي أخرج الأبوين من الجنة، دار اللذة، والنعيم، والبهجة، والسرور، إلى دار الآلام، والأحزان، والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده، ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّل بالقرب بُعداً، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحاً، وبالجنة ناراً تلظّى، وبالإيمان كفراً؟ وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماءُ فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلّط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمّرت ما مرّت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابّهم، حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطّعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعاً، ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم، ولإخوانهم أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد؟

стр. 88

وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم ناراً تلظّى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نُقلت أرواحهم إلى جهنم: فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون، وداره، وماله، وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرَّها تدميراً؟ وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ (١) لاشك أن الذي أصاب هؤلاء جميعاً وأهلكهم هي ذنوبهم. ٥١ [٢] إزالة النعم ، فالمعاصي تزيل النعم بأنواعها؛ فإن شكر الله على نعمه يزيدها، قال الله : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد﴾ (٢)، ونعم الله على عباده كثيرة لا تُحصى، كما قال : ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣)، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (٤). ومن النعم على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي: النوع الأول: نعمة الإيمان ، وهي أعظم النعم على الإطلاق. النوع الثاني: نعمة المال والرزق الحلال.

стр. 89

النوع الثالث: نعمة الأولاد . النوع الرابع: نعمة الأمن في الأوطان . النوع الخامس: نعمة العافية في الأبدان (١). وهذه النعم وغيرها تزيد بالشكر، وتزول أو تنقص، أو لا يبارك فيها للعبد بالذنوب والمعاصي، والإعراض عن الله . قال الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٢). ٥٢ [٣] نزول العقوبات العامة المهلكة ، ومنها ما يأتي: أ - ظهور الطاعون . ب - نزول الأوجاع التي لم تكن في الأسلاف الذين مضوا. ج - الأخذ بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان. د - منع القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يُمطروا. هـ- تسليط الأعداء. ويجعل الله بأسهم بينهم. فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: ((يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة

стр. 90

أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)) (١). وهذا من أعلام نبوة نبينا محمد ﷺ ، فقد وقع ذلك كله بمن وقع في هذه المعاصي، ومن الأدلة المحسوسة على ذلك مرض الإيدز الذي وقع بمن أعلنوا بالفواحش، نسأل الله العفو والعافية (٢). ٥٣ [٤] حلول الهزائم ، فإن ذلك بأسباب المعاصي والإعراض عن دين الله ، كما أن من أسباب النصر الطاعة والإقبال على الله ، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ الله كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَالله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (٤)، وقال الله : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥)، وقال

стр. 91

سبحانه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١)، وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٢)، فالأخذ بهذه الأسباب من أعظم أسباب النصر، وتركها من أعظم أسباب حلول الهزائم والخسارة في الدنيا والآخرة (٣). ٥٤ [٥] المعاصي مواريث الأمم الظالمة ، فليحذر المسلم أن يرث المعاصي عن الظالمين، فإن اللوطية: ميراث عن قوم لوط، وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص: ميراث عن قوم شعيب، والعلو في الأرض بالفساد: ميراث عن قوم فرعون، والتكبر والتجبر: ميراث عن قوم هود، وغير ذلك، فالعاصي لابس ثياب هذه الأمم، وهم أعداء الله (٤). ٥٥ [٦] المعاصي تؤثر حتى على الدوابّ ، والأشجار، والأرض وعلى المخلوقات. ٥٦ [٧] تسبب عذاب القبر ، وعذاب يوم القيامة، وعذاب النار، نعوذ بالله من ذلك (٥).

стр. 92

المطلب الثامن: العلاج إن العباد لهم منجيات تنجيهم من المهالك والجرائم، والمصائب إذا حلت بهم، وتنجيهم من حلول العقوبات قبل نزولها، وتسبّب لهم السعادة في الدنيا والآخرة، ومن هذه الأمور ما يأتي: أولاً: التوبة النصوح والاستغفار من جميع الذنوب كبيرها وصغيرها، قال الله : ﴿وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ (٢)، وقال : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣)، وقد مدح الله المسارعين إلى التوبة فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤)، وقال الله : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٥). والتوبة لها فضائل عظيمة يجنيها التائب، ومنها على سبيل المثال ما يأتي: ١ - محبّة الله للتوّابين، قال الله : ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ

стр. 93

الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١). ٢ - فرح الله بتوبة عبده إليه، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدّة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدّة الفرح)) (٢). ٣ - تبديل الله السيئات حسنات، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٣). ٤ - التوبة الخالصة الصادقة من جميع الذنوب يدخل الله صاحبها الجنة، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي الله النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا

стр. 94

أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١). والتوبة لها شروط وأركان لا تُقبل إلا بها، وهي: أ- الإقلاع عن المعصية وتركها. ب - العزيمة على عدم العودة إليها أبداً. ج - الندم على فعلها. د - إن كانت المعصية في حق آدمي فلها شرط أو ركن رابع، وهو التحلّل من صاحب ذلك الحق، وردّ الحقوق. ولا تنفع التوبة عند الغرغرة، أو بعد طلوع الشمس من مغربها (٢). ثانياً: تقوى الله ، في السر والعلن ، وهي أن يعمل العبد بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله، ويترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله. ويجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه ومن غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك. ثالثاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال الله : ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣). وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف

стр. 95

ولتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعُنُّه فلا يستجيب لكم)) (١)، وقال الله : ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ (٢). رابعاً: الاقتداء بالنبي ﷺ -، في جميع الاعتقادات، والأقوال والأفعال (٣). خامساً: الدعاء والالتجاء إلى الله -: ١ - الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلَّف عنه أثره: إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله؛ لما فيه من العدوان. وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله . وإما لحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام، والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو. وإما لعدم توافر شروط الدعاء المستجاب (٤). ٢ - الدعاء من أنفع الأدوية ، وهو عدو البلاء: يدافعه ويعالجه، ويمنع

стр. 96

نزوله، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن (١). ٣ - مقامات الدعاء مع البلاء ثلاثة: المقام الأول: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه . المقام الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفاً. المقام الثالث: أن يتقاوما، ويمنع كل واحد منهما صاحبه (٢). فعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء)) (٣)، وعن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يردُّ القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العُمرِ إلا البر)) (٤). ٤ - الإلحاح في الدعاء من أنفع الأدوية، فالمسلم الصادق يُقبل على الدعاء، ويلزمه، ويُواظب عليه، ويُكرره في أوقات الإجابة، وهذا من أعظم ما يُطلب به إجابة الدعاء (٥).

стр. 97

٥ - آفات الدعاء: إن من آفات الدعاء التي تمنع ترتّب أثره، أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة، فيستحسر ويترك الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذراً أو غرس غرساً فجعل يتعهّده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله (١). ٦ - أوقات إجابة الدعاء مهمة ينبغي أن يعتني الداعي في دعائه بها، ومن أعظمها: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تُقضى صلاة الجمعة، وآخر ساعة بعد عصر يوم الجمعة، فإذا حضر القلب في هذه الأوقات، وصادف خشوعاً وانكساراً بين يدي الرب، وذلاً له وتضرّعاً ورقّة، واستقبل الداعي القبلة؛ وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنَّى بالصلاة على محمد عبده ورسوله ﷺ ، ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة، وتوسّل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته، وتوحيده، وقدّم بين يدي دعائه صدقة؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يُردّ أبداً (٢). ٧ - أهم ما يسأل العبد ربه، لا شك أن العبد يسأل الله كلّ شيء يحتاجه في أمر دينه ودنياه؛ لأن الخزائن كلها بيده ، وهو لا مانع لما

стр. 98

أعطى، ولا مُعطي لما منع، ويحب أن يُسأل، فليسألْه العبدُ كلّ شيء يحتاجه، حتى شِسعَ نعله، ويهتم العبد اهتماماً بالغاً بالأمور المهمّة العظيمة التي فيها السعادة الحقيقية، ومن أهمّ ذلك تسعة أمور، هي: ممم ف المصور منفض للأمر الأول حتى الرابع الأمر الأول: سؤال الله الهداية والسداد. الأمر الثاني: سؤال الله: المغفرة لجميع الذنوب. الأمر الثالث: سؤال الله : الجنة والاستعاذة به من النار. الأمر الرابع: سؤال الله سبحانه: العفو والعافية في الدنيا والآخرة. الأمر الخامس: سؤال الله : الثبات على دينه. الأمر السادس: سؤال الله سبحانه: حسن العاقبة في الدنيا والآخرة. الأمر السابع: سؤال الله تعالى: دوام النعمة والاستعاذة به من زوالها. الأمر الثامن: الاستعاذة بالله: من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعدا. الأمر التاسع: سؤال الله: صلاح الدين والدنيا والآخرة (١). والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي وبعد مماتي، وينفع به كل من انتهى إليه، فإنه تعالى خير مسؤول وأكرم مأمول وهو حسبي ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه: نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.