سلسلة مؤلفات سعيد بن وهف القحطاني
٩٥
وداع الرسول ﷺ لأمته
دروس، ووصايا، وعبرٌ، وعظات
تأليف الفقير إلى اللَّه تعالى
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى اللَّه عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة في "وداع النبي الكريم، والرسول العظيم ﷺ لأمته"، بينت فيه باختصار: خلاصة نسب النبي ﷺ ، وولادته، ووظيفته، واجتهاده، وجهاده، وخير أعماله، ووداعه لأمته في عرفات، ومنى، والمدينة، ووداعه للأحياء والأموات، ووصاياه في تلك المواضع، ثم بداية مرضه، واشتداده، ووصاياه لأمته، ووداعه لهم عند احتضاره، واختياره الرفيق الأعلى، وأنه مات شهيداً، ومصيبة المسلمين بموته، وميراثه، ثم حقوقه على أمته، وذكرت الدروس، والفوائد، والعبر، والعظات المستنبطة في آخر كل مبحث من هذه المباحث.
واللَّه أسأل أن يجعله عملاً مقبولاً نافعًا لي، ولإخواني المسلمين؛ فإنه وليُّ ذلك، والقادر عليه, وأن يعلّمنا جميعًا ما ينفعنا, ويوفّق
стр. 3
جميع المسلمين إلى الاهتداء بهدي سيد المرسلين. وصلى اللَّه وسلّم، وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه؛ نبيِّنا، وإمامنا، وقدوتنا، وحبيبنا محمد بن عبد اللَّه، وعلى آله وأصحابه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.
المؤلف
حرر في ليلة الخميس ٢١/ ٣/١٤١٦هـ
стр. 4
المبحث الأول: خلاصة نسبه ووظيفته ﷺ -
هو محمد بن عبد اللَّه، بن عبد المطلب، بن هاشم، بن عبد
مناف، بن قصي، بن كِلاَب، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن
غالب، بن فِهْر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مُضر، بن نزار، بن معدّ، بن عدنان (١)، فهو ﵊ من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام (٢).
ولد ﷺ عام الفيل بمكة في شهر ربيع الأول (٣) يوم الإثنين (٤)
الموافق ٥٧١م (٥)، وتوفي ﷺ وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها:
стр. 5
أربعون قبل النبوة، وثلاثة وعشرون نبيّاً رسولاً، نُبِّئَ بإقرأ، وأُرسل بالمدثر، وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة، بعثه اللَّه بالنذارة عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد، أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عُرج به إلى السماء، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وصلّى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أُمِر بالهجرة إلى المدينة، فلما استقر بالمدينة (١) أُمِر ببقية شرائع الإسلام، مثل: الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، أخذ على هذا عشر سنين، وبعدها توفي ﷺ ، ودينه باقٍ، وهذا دينه، لا خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شرَّ إلا حذَّرها منه، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، لا نبي بعده، وقد بعثه اللَّه إلى الناس كافة، وافترض اللَّه طاعته على الجن والإنس، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار (٢).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر والعظات في هذا المبحث كثيرة، منها:
стр. 6
١ - أن النبي ﷺ خيار من خيار من خيار، فهو أحسن الناس ، وخيرهم نسباً، وأرجح العالمين عقلاً، وأفضل الخلق منزلة في الدنيا والآخرة، وأرفع الناس ذكراً، وأكثر الأنبياء أتباعاً يوم القيامة.
٢ - أن إقامة الاحتفالات بمولد النبي ﷺ كل عام في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول بدعة منكرة ؛ لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك في حياته، ولم يفعله الصحابة من بعده ﵃، ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، ومع ذلك؛ فإن تحديد ميلاد النبي باليوم الثاني عشر من ربيع الأول لم يُجْزَم به، وإنما فيه خلاف، وحتى ولو ثبت فالاحتفال به بدعة لما تقدم؛ ولقوله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) (١)، وفي رواية لمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٢).
٣ - أن وظيفة النبي ﷺ هي الدعوة إلى التوحيد، وإنقاذ الناس من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد ، ومن ظلمات المعاصي والسيئات إلى نور الطاعات والأعمال الصالحات، ومن الجهل إلى المعرفة والعلم، فلا خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شر إلا حذَّرها منه ﷺ .
стр. 7
المبحث الثاني: جهاده واجتهاده وأخلاقه
١ - كان ﷺ أسوة وقدوة وإماماً يُقتدى به ؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١)؛ ولهذا كان ﷺ يصلي حتى تفطَّرت قدماه، وانتفخت وورمت، فقيل له: أتصنع هذا وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) (٢).
٢ - وكان يصلّي من الليل إحدى عشرة ركعة ، وربما صلّى ثلاث عشرة ركعة (٣)، وكان يصلّي الرواتب اثنتي عشرة ركعة (٤)، وربما صلاّها عشر ركعات (٥)، وكان يصلّي الضحى أربع ركعات، ويزيد ما شاء اللَّه (٦)، وكان يطيل صلاة الليل، فربما صلّى فقرأ بما يقرب من خمسة أجزاء في الركعة الواحدة (٧)، فكان ورده من الصلاة كل يوم
стр. 8
وليلة أكثر من أربعين ركعة، منها الفرائض سبع عشرة ركعة (١).
٣ - وكان يصوم غير رمضان ثلاثة أيام من كل شهر (٢)، ويتحرَّى صيام الإثنين والخميس (٣)، وكان يصوم شعبان إلا قليلاً، بل كان يصومه كله (٤)، ورغَّب في صيام ست من شوال (٥)، وكان ﷺ يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم (٦)، وما استكمل شهراً غير رمضان إلا ما كان منه في شعبان، وكان يصوم يوم عاشوراء (٧)، وروي عنه صوم تسع ذي الحجة (٨)، وكان يواصل الصيام اليومين والثلاثة، وينهى عن الوصال، وبيَّن أنه ﷺ ليس كأمته؛ فإنه يبيت عند ربه يُطعمه ويسقيه (٩)، وهذا على الصحيح: ما يجد من لذّة العبادة والأنس والراحة وقرة العين
بمناجاة اللَّه تعالى؛
стр. 9
ولهذا قال: ((يا بلال أرحنا بالصلاة)) (١)، وقال: ((وجُعِلَتْ قُرّة عيني في الصلاة)) (٢).
٤ - وكان يُكثر الصدقة ، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة حينما يلقاه جبريل ﵊ (٣)؛ فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة؛ ولهذا أعطى رجلاً غنماً بين جبلين، فرجع الرجل إلى قومه وقال: يا قومي، أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة (٤)، فكان ﷺ أكرم الناس، وأشجع الناس (٥)، وأرحم الناس، وأعظمهم تواضعاً، وعدلاً، وصبراً، ورفقاً، وأناةً، وعفواً، وحلماً، وحياءً، وثباتاً على الحق.
٥ - وجاهد ﷺ في جميع ميادين الجهاد: جهاد النفس، وله أربع مراتب: جهادها على تعلّم أمور الدين، والعمل به، والدعوة إليه على بصيرة، والصبر على مشاقّ الدعوة، وجهاد الشيطان، وله مرتبتان: جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات، ودفع ما يُلقي من الشهوات، وجهاد الكفار، وله أربع مراتب: بالقلب، واللسان،
стр. 10
والمال، واليد، وجهاد أصحاب الظلم، وله ثلاث مراتب: باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب. فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد، وأكمل الناس فيها محمد ﷺ ؛ لأنه كمّل مراتب الجهاد كلها، فكانت ساعاته موقوفة على الجهاد: بقلبه، ولسانه، ويده، وماله؛ ولهذا كان أرفع العالمين ذكراً، وأعظمهم عند اللَّه قدراً (١)، وقد دارت المعارك الحربية بينه وبين أعداء التوحيد، فكان عددَ غزواته التي قادها بنفسه سبع وعشرون غزوة، وقاتل في تسع منها، أما المعارك التي أرسل جيشها، ولم يقدها، فيقال لها سرايا، فقد بلغت ستاً وخمسين سرية (٢).
٦ - وكان ﷺ أحسن الناس معاملة، فإذا استسلف سلفًا قضى خيراً منه؛ ولهذا جاء رجل إلى النبي ﷺ يتقاضاه بعيراً، فأغلظ له في القول، فهم به أصحابه فقال النبي ﷺ : ((دعوه، فإنّ لصاحب الحقّ مقالاً))، فقالوا: يا رسول اللَّه: لا نجد إلا سنًّا هو خير من سنّه فقال ﷺ : ((أعطوه))، فقال الرجل: أوفيتني أوفاك اللَّه، فقال ﷺ : ((إنّ خير عباد اللَّه أحسنهم قضاءً)) (٣)، واشترى من جابر بن عبد اللَّه ﵁ بعيراً، فلما جاء جابر بالبعير قال له ﷺ : ((أتراني ماكستك))؟ قال: لا يا
стр. 11
رسول اللَّه، فقال: ((خذ الجمل، والثمن)) (١).
٧ - وكان ﷺ أحسن الناس خلقاً؛ لأن خلقه القرآن؛ لقول عائشة ﵂: ((كان خلقه القرآن)) (٢)؛ ولهذا قال ﷺ : ((إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) (٣).
٨ - وكان ﷺ أزهد الناس في الدنيا، فقد ثبت عنه ﷺ أنه اضطجع على الحصير فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر بن الخطاب ﵁، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه، فقال: يا رسول اللَّه لو اتخذت فراشاً أوثر من هذا؟ فقال ﷺ : ((ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظلّ تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها)) (٤)، وقال: ((لو كان لي مثلُ أُحُدٍ ذهباً ما يَسُرُّني أن لا يمرّ عليَّ ثلاثٌ، وعندي منه شيء، إلا شيءٌ أرصُدُهُ لدين)) (٥).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((ما شبع آل محمد من طعام ثلاثة أيام
стр. 12
حتى قُبض)) (١)، والمقصود أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيام بلياليها متوالية، والظاهر أن سبب عدم شبعهم غالباً كان بسبب قلّة الشيء عندهم، على أنهم قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم (٢)؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: ((خرج النبي ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير)) (٣)، وقالت: ((ما أكل آل محمد ﷺ أُكلتين في يوم إلا إحداهما تمر)) (٤)، وقالت: ((إنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، وما أُوقدت في أبيات رسول اللَّه ﷺ نار، فقال عروة: ما كان يقيتكم؟ قالت: الأسودان: التمر، والماء)) (٥)، والمقصود بالهلال الثالث: وهو يُرى عند انقضاء الشهرين.
وعن عائشة ﵂ قالت: ((كان فراشُ رسول اللَّه ﷺ من أدَم، وحشوُهُ ليفٌ)) (٦)، ومع هذا كان يقول ﷺ : ((اللَّهم اجعل رِزْقَ آل محمدٍ قوتاً)) (٧).
стр. 13
٩ - وكان ﷺ أورع الناس؛ ولهذا قال: ((إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي، أو في بيتي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون من الصدقة، فألقيها)) (١)، وأخذ الحسن بن علي تمرةً من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((كَخْ، ِكَخْ، ارمِ بها، أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة))؟ (٢).
١٠ - ومع هذه الأعمال المباركة العظيمة ، فقد كان ﷺ يقول: ((خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن اللَّه لا يملُّ حتى تملُّوا، وأحبّ العمل إلى اللَّه ما داوم عليه صاحبه، وإن قلَّ))، وكان آلُ محمد ﷺ إذا عَمِلُوا عملاً أثبتوه (٣)، ((وكان ﷺ إذا صلى صلاة داوم عليها)) (٤)، وقد تقالَّ عبادةَ النبيِّ ﷺ نفرٌ من أصحابه ﷺ ، وقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ وقد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال بعضهم: أمَّا أنا، فأنا أصلّي الليل أبدًا، وقال بعضهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال بعضهم: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبداً، [وقال بعضهم: لا
стр. 14
آكل اللحم]، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فجاء إليهم فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) (١)، والمراد بالسنة الهدي والطريقة؛ لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، ومع هذه الأعمال الجليلة، فقد كان يقول ﵊: ((سدِّدوا وقاربوا، واعلموا أنه لن ينجو أحدٌ منكم بعمله)) قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: ((ولا أنا، إلاَّ أن يتغمَّدنيَ اللَّهُ برحمةٍ منه وفضلٍ))، وفي رواية: ((سدِّدوا وقاربوا، واغدوا، وروحوا، وشيءٌ من الدُّلجة، والقَصْدَ القَصْدَ تبلغوا)) (٢)، وكان يقول: ((يا مقلّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك)) (٣)، ويقول: ((اللَّهم مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك)) (٤).
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر والعظات في هذا المبحث كثيرة منها:
١ - أن النبي ﷺ قدوة كل مسلم صادق مع اللَّه تعالى في كل
стр. 15
الأمور؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١).
٢ - أن النبي ﷺ أحسن الناس خَلْقاً، وخُلُقاً ، وألينهم كفّاً، وأطيبهم ريحاً، وأكملهم عقلاً، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم باللَّه، وأشدهم له خشية (٢)، وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهاداً في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمّلاً، وأشدّهم حياءً، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها، ولكنه إذا انتُهِكت حرمات اللَّه، فإنه ينتقم للَّه تعالى، وإذا غضب للَّه لم يقم لغضبه أحد، والقوي، والضعيف، والقريب، والبعيد، والشريف، وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعاماً قطُّ إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من الطعام المباح ما تيسَّر، ولا يتكلَّف في ذلك، ويقبل الهدية، ويكافئ عليها، ويخصف نعليه، ويرقّع ثوبه, ويخدم في مهنة أهله, ويحلِبُ شاته, ويخدِمُ نفسه، وكان أشدَّ الناس تواضعاً، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين، ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم، ولا
يحقر
стр. 16
فقير لفقره, ولا يهاب مَلكاً لملكه, وكان يركب الفرس, والبعير, والحمار, والبغلة, ويُردف خلفه, ولا يدع أحداً يمشي خلفه (١)، وخاتمه فضة، وفصه منه, يلبسه في خنصره الأيمن، وربما يلبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه اللَّه مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة، وكان يُكثر الذكر، دائم الفكر، ويُقلّ اللغو، ويُطيل الصلاة، ويُقصر الخطبة، ويُحبّ الطيب، ولا يردّه، ويكره الروائح الكريهة، وكان أكثر الناس تبسماً، وضحك في أوقات حتى بدت نواجذه (٢)، ويمزح ولا يقول إلا حقّاً، ولا يجفو أحداً، ويقبل عذر المعتذر إليه، وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، ويتنفس في الشرب ثلاثاً خارج الإناء، ويتكلّم بجوامع الكلم، وإذا تكلّم تكلَّم بكلام بيِّنٍ فَصْلٍ، يحفظه من جلس إليه، ويعيد الكلمة ثلاثاً إذا لم تفهم حتى تُفهم عنه، ولا يتكلم من غير حاجة، وقد جمع اللَّه له مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، فكانت معاتبته تعريضاً، وكان يأمر بالرفق، ويحثّ عليه، وينهى عن العنف، ويحثّ على العفو والصّفح، والحلم، والأناة، وحسن الخلق، ومكارم الأخلاق، وكان يحب
стр. 17
التيمّن في طهوره، وتنعُّله، وترجُّله، وفي شأنه كله، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى، وإذا اضطجع اضطجع على جنبه الأيمن، ووضع كفه اليمنى تحته خده الأيمن، وإذا عرَّس (١) قُبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه، وكان مجلسه: مجلس علم، وحلم، وحياء، وأمانة , وصيانة, وصبر, وسكينة, ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك فيه الحرمات، يتفاضلون في مجلسه بالتقوى، ويتواضعون، ويُوقِّرون الكبار، ويرحَمُون الصغار، ويُؤثرون المحتاج، ويخرجون دعاة إلى الخير، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يمشي مع الأرملة والمسكين، والعبد، حتى يقضي له حاجته. ومر على الصبيان يلعبون، فسلَّم عليهم، وكان لا يصافح النساء غير المحارم، وكان يتألّف أصحابه، ويتفقدهم، ويُكرم كريم كلّ قومٍ، ويُقبل بوجهه وحديثه على من يُحدثه، حتى على أشرِّ القوم يتألّفهم بذلك، ولم يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا صخَّاباً (٢)، ولا يجزي بالسيئة
السيئة؛ بل يعفو، ويصفح، ويحلم, ولم يضرب خادماً، ولا امرأة، ولا شيئاً قط, إلا أن يجاهد
стр. 18
في سبيل اللَّه تعالى, وما خُيِّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً, فإن كان إثماً، كان أبعد الناس عنه.
وقد جمع اللَّه له كمال الأخلاق، ومحاسن الشيم، وآتاه من العلم والفضل، وما فيه النجاة، والفوز، والسعادة في الدنيا والآخرة، ما لم يُؤتِ أحداً من العالمين, وهو أمّيٌّ لا يقرأ، ولا يكتب, ولا معلِّمَ له من البشر، واختاره اللَّه على جميع الأولين والآخرين، وجعل دينه للجن والناس أجمعين إلى يوم الدين، فصلوات اللَّه، وسلامه عليه، صلاةً وسلاماً دائمين إلى يوم الدين؛ فإن خلقه كان القرآن.
فينبغي الاقتداء به ﷺ ، والتأسّي به في جميع أعماله، وأقواله، وجدِّه واجتهاده، وجهاده، وزهده، وورعه، وصدقه وإخلاصه، إلا في ما كان خاصّاً به، أو ما لا يُقدر على فعله؛ لقوله ﷺ : ((خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإنّ اللَّه لا يملّ حتى تملّوا (١)) (٢)؛ ولقوله ﷺ : ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)) (٣).
стр. 19
المبحث الثالث: خير أعماله خواتمها
كان ﷺ إذا عمل عملاً أثبته، وداوم عليه؛ ولهذا قال: ((إن أحب الأعمال إلى اللَّه تعالى ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ)) (١)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوماً، وكان يُعرض عليه القرآن في كل عام مرة، فلما كان العام الذي قُبض فيه عرض القرآن مرتين)) (٢).
وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: ((سبحانك اللَّهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك))، قالت: قلت: يا رسول اللَّه، ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها تقولها؟ قال: ((جُعِلت لي علامةٌ في أمتي إذا رأيتها قلتها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٣)، وقد قال ابن عباس ﵄ لعمر عن هذه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إنها: أجل رسول اللَّه ﷺ أعلمه إياه, فقال: ما أعلم منها إلا ما تعلم)) (٤)، وقيل: نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يوم
стр. 20
النحر، والنبي ﷺ في منى بحجة الوداع (١)، وقيل: نزلت أيام التشريق (٢)، وعند الطبراني أنها لما نزلت هذه السورة أخذ رسول اللَّه ﷺ أشدَّ ما كان اجتهاداً في أمر الآخرة (٣)؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: كان رسول اللَّه ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: ((سبحانك اللَّهم ربنا وبحمدك، اللَّهم اغفر لي)) يتأول القرآن (٤)، ومعنى ذلك أنه يفعل ما أمر به فيه، وهو قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٥).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر المستنبطة من هذا المبحث كثيرة، ومنها:
١ - الحث على المداومة على العمل الصالح ، وأن قليلاً دائماً خير من كثير منقطع؛ لأن بدوام العمل الصالح القليل تدوم الطاعة والذكر، والمراقبة، والنية، والإخلاص, والإقبال على الخالق، والقليل الدائم يثمر؛ لأنه يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً
كثيرة (٦).
стр. 21
٢ - من أجهد نفسه في شيء من العبادات لا يطيق العمل به خُشِيَ عليه أن يمل فيفضي به ذلك إلى تركه (١).
٣ - الإنسان المسلم كلما تقدم في العمر اجتهد في العمل على حسب القدرة والطاقة، ليلقى اللَّه على خير أحواله؛ ولأن الأعمال بالخواتيم، وخير الأعمال الصالحة خواتيمها (٢).
стр. 22
المبحث الرابع: وداعه لأمته، ووصاياه في حجة الوداع
١ - أذانه في الناس بالحج:
١ - بعد أن بلَّغ ﷺ البلاغ المبين، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في اللَّه حقَّ جهاده، أعلن في الناس، وأذَّن فيهم، وأعلمهم أنه حاجٌّ في السنة العاشرة - بعد أن مكث في المدينة تسع سنين، كلها معمورة بالجهاد والدعوة والتعليم - وبعد هذا النداء العظيم الذي قصد به ﷺ إبلاغ الناس فريضة الحج، ليتعلموا المناسك منه ﷺ ؛ وليشهدوا أقواله، وأفعاله، ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب، وتشيع دعوة الإسلام، وتبلغ الرسالة القريب والبعيد (١)، قال جابر ﵁: إن رسول اللَّه ﷺ مكث تسع سنين لم يحجَّ، ثم أذَّن في الناس في العاشرة أن رسول اللَّه ﷺ حاجٌّ، فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتمَّ برسول اللَّه ﷺ ، ويعمل مثل عمله ... وساق الحديث، وفيه: حتى إذا استوت به ناقته على البيداء (٢)، نظرت إلى مدِّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك (٣) , ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرنا،
وعليه
стр. 23
ينزل القرآن، وهو يعلم تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به ... وساق الحديث، وقال: حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة قد ضُرِبت له بنمرة، فنزل بها.
٢ - وداعه، ووصيته لأمته في عرفات:
قال جابر ﵁: حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس، وقال: ((إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع (١)، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دمٍ أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا؛ ربا عباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله (٢)، فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه (٣)، ولكم عليهن أن لا يوطئن
стр. 24
فراشكم (١) أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرِّح (٢)، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب اللَّه (٣) , وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟)) قالوا: نشهد أنك قد بلّغت، وأدَّيت, ونصحت، فقال بإصبعه السبَّابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس: ((اللَّهمّ اشهد، اللَّهمّ اشهد)) ثلاث مرات (٤)، وقد كان في الموقف جمٌّ غفير، لا يُحصي عددهم إلاَّ اللَّه تعالى (٥).
وأُنزل على النبي ﷺ في يوم عرفة يوم الجمعة قوله تعالى:
стр. 25
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (١)، وهذه أكبر نعم اللَّه تعالى على هذه الأمة؛ حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره, ولا إلى نبي غير نبيهم ﷺ ؛ ولهذا جعله اللَّه خاتم الأنبياء, وبعثه إلى الجن والإنس، فلا حلال إلا ما أحلَّه، ولا حرام إلا ما حرَّمه، ولا دين إلا ما شرعه, وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق, لا كذب فيه ولا خلف, ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ (٢)، أي صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي, فلما أكمل اللَّه لهم الدين تمت عليهم النعمة (٣).
وقد ذُكر أن عمر بكى عندما نزلت هذه الآية في يوم عرفة, فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا, فأما إذا أُكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص (٤) , وكأنه ﵁ توقع موت النبي ﷺ قريباً.
٣ - وداعه ووصيته لأمّته عند الجمرات:
قال جابر ﵁: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر،
стр. 26
ويقول: ((لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلِّي لا أحُجُّ بعد حجتي هذه)) (١).
وعن أم الحصين ﵂ قالت: حججت مع رسول اللَّه ﷺ ، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة ... فقال رسول اللَّه ﷺ قولاً كثيراً، ثم سمعته يقول: ((إن أُمِّر عليكم عبد مجدَّع أسود يقودكم بكتاب اللَّه تعالى فاسمعوا له وأطيعوا)) (٢).
٤ - وصيته ووداعه لأمته يوم النحر:
عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قعد على بعيره، وأمسك إنسان بخطامه - أو بزمامه - وخطب الناس، فقال: ((أتدرون أيُّ يوم هذا))؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، [فسكت] حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه, فقال: ((أليس بيوم النحر))؟ قلنا: بلى يا رسول اللَّه! قال: ((فأي شهر هذا))؟ قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، [فسكت] حتى ظننا أنه سيميه بغير اسمه, فقال: ((أليس بذي الحجة))؟ قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: ((فأي بلد هذا))؟ قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، [فسكت] حتى ظننا أنه سيسميه
بغير اسمه، قال: ((أليست البلدة الحرام))؟ قلنا: بلى يا رسول اللَّه , قال: ((فإن دماءكم, وأموالكم, وأعراضكم, وأبشاركم عليكم حرام
стр. 27
كحرمة يومكم هذا, في شهركم هذا, في بلدكم هذا [وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم, فلا ترجعوا بعدي كفاراً [أو ضُلاَّلاً يضرب بعضكم رقاب بعض, ألا ليبلغ الشاهد [منكم] الغائب، [فَرُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع]، ألا هل بلَّغت [ثم انكفأ (١) إلى كبشين أملحين فذبحهما .. )) (٢) قال ابن عباس ﵄: فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب (٣).
وسكوته ﷺ بعد كل سؤال من هذه الأسئلة الثلاثة كان لاستحضار فهومهم, وليقبلوا عليه بكليتهم, وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه (٤).
وعن ابن عمر ﵁ قال: ((وقف النبي ﷺ يوم النحر بين الجمرات ... وقال: ((هذا يوم الحج الأكبر))، وطَفِق (٥) النبي يقول:
((اللَّهم اشهد))، وودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع)) (٦).
وقد فتح اللَّه أسماع جميع الحجاج بمنى حتى سمعوا خطبة النبي -
стр. 28
صلى الله عليه وسلم - يوم النحر, وهذا من معجزاته أن بارك في أسماعهم وقوَّاها حتى سمعها القاصي والداني، حتى كانوا يسمعون وهم في منازلهم (١)، فعن عبد الرحمن بن معاذ التيمي ﵁ قال: ((خطبنا رسول اللَّه ﷺ ونحن بمنى، فَفُتِحت أسماعُنا حتى كنا نسمع ما يقول، ونحن في منازلنا .. )) (٢).
٥ - وصيته ﷺ لأمته في أوسط أيام التشريق:
وخطب ﷺ الناس في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، وهو ثاني أيام التشريق، ويقال له: يوم الرؤوس؛ لأن أهل مكة يسمونه بذلك؛ لأكلهم رؤوس الأضاحي فيه, وهو أوسط أيام التشريق (٣) , فعن أبي نجيح، عن رجلين من أصحاب النبي ﷺ , وهما من بني بكر, قالا: رأينا رسول اللَّه ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق, ونحن عند
راحلته, وهي خطبة رسول اللَّه ﷺ التي خطب (٤) بمنى (٥) , وعن أبي
стр. 29
نضرة قال: حدثني من سمع خطبة النبي ﷺ وسْطَ أيام التشريق، فقال: ((يا أيها الناس إن ربكم واحد, وإن أباكم واحد, ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود, ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى, أبلغت))؟ قالوا: بلَّغ رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: ((أي يوم هذا))؟ قالوا: يوم حرام، ثم قال: ((أيُّ شهر هذا))؟ قالوا: شهر حرام، ثم قال: ((أي بلد هذا))؟ قالوا: بلد حرام، قال: ((فإن اللَّه قد حرَّم بينكم دماءكم, وأموالكم, وأعراضكم, كحرمة يومكم هذا, في شهركم هذا, في بلدكم هذا، أبلغت؟)) قالوا بلَّغ رسول اللَّه ﷺ ، قال: ((ليبلغ الشاهد الغائب)) (١).
وهناك جمل من خطبه ﷺ في حجة الوداع في الأماكن المقدسة، منها حديث ابن عباس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ خطب الناس في حجة
الوداع، فقال: ((إن الشيطان قد يئس أن يُعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا, إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً, كتاب اللَّه وسنة
стр. 30
نبيه ... )) الحديث (١). وحديث أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول وهو يخطب الناس على ناقته الجدعاء في حجة الوداع يقول: ((يا أيها الناس أطيعوا ربكم, وصلّوا خمسكم, وأدّوا زكاة أموالكم، وصوموا شهركم, وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم)) (٢).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر المستنبطة من هذا المبحث كثيرة, ومنها:
١ - أن كل من قدم المدينة إجابة لأذان النبي ﷺ بالحج، فقد حج مع النبي ﷺ -؛ لقول جابر ﵁: ((فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتمَّ برسول اللَّه ﷺ ، ويعمل مثل عمله)) (٣).
٢ - استحباب نزول الحاج إلى عرفات بعد زوال الشمس إن تيسر ذلك .
٣ - استحباب خطبة الإمام بالحجاج بعرفات , يُبَيِّنُ فيها للناس ما يحتاجون إليه، ويعتني ببيان التوحيد, وأصول الدين, ويحذّر فيها من الشرك، والبدع، والمعاصي, ويوصي الناس بالعمل بالكتاب والسنة.
стр. 31
وقد ثبت أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع ثلاث خطب: خطبة يوم عرفة, والخطبة الثانية يوم النحر في منى, والخطبة الثالثة في منى يوم الثاني عشر من ذي الحجة، ومذهب الشافعي أن الإمام يخطب يوم السابع من ذي الحجة كذلك (١) , ويعلم الإمام الناس في كل خطبة ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى.
٤ - تأكيد غلظ تحريم الدماء, والأعراض, والأموال, والأبشار الجلدية .
٥ - استخدام ضرب الأمثال، وإلحاق النظير بالنظير ؛ لقوله ﷺ : ((كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا)).
٦ - إبطال أفعال الجاهلية, وربا الجاهلية, وأنه لا قصاص في قتلى الجاهلية .
٧ - أن الإمام ومن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يجب أن يبدأ بنفسه وأهله؛ لأنه أقرب لقبول قوله, وطيب نفس من قرب عهده بالإسلام.
٨ - الموضوع من الربا هو الزائد على رأس المال, أما رأس المال فلصاحبه .
٩ - مراعاة حق النساء, ومعاشرتهن بالمعروف , وقد جاءت أحاديث كثيرة بذلك، جمعها النووي أو معظمها في رياض الصالحين.
стр. 32
١٠ - وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وجواز تأديبها إذا أتت بما يقتضي التأديب، لكن بالشروط والضوابط التي جاءت بالكتاب والسنة، وأن لا يحصل منكر من أجل ذلك التأديب.
١١ - الوصية بكتاب اللَّه تعالى، وسنة نبيه ﷺ -.
١٢ - قوله: ((لتأخذوا عني مناسككم ، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه))، ففي ذلك لام الأمر, والمعنى: خذوا مناسككم, وهكذا وقع في رواية غير مسلم, وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال، والأفعال، والهيئات هي أمور الحج، وصفته، وهي مناسككم، فخذوها عني واقبلوها, واحفظوها، واعملوا بها، وعلموها الناس, وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج, فهو كقوله ﷺ : ((صلّوا كما رأيتموني أصلّي)) (١).
١٣ - وفي قوله ﷺ : ((لعلّي لا أحجّ بعد حجّتي هذه)) إشارة إلى توديعهم, وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ , وحثّهم على الأخذ عنه, وانتهاز الفرصة وملازمته, وبهذا سميت حجة الوداع.
١٤ - الحث على تبليغ العلم، ونشره , وأن الفهم ليس شرطاً في الأداء, وأنه قد يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدم، ولكن بقلّة, وأن الأفضل أن يكون الخطيب على مكان مرتفع؛ ليكون أبلغ في سماع الناس، ورؤيتهم له.
стр. 33
١٥ - استخدام السؤال، ثم السكوت، والتفسير يدل على التفخيم , والتقرير، والتنبيه.
١٦ - الأمر بطاعة ولي الأمر مادام يقود الناس بكتاب اللَّه تعالى , وإذا ظهرت منه بعض المعاصي والمنكرات, وُعِظَ، وَذُكِّر باللَّه، وخُوِّف به؛ لكن بالحكمة، والأسلوب الحسن.
١٧ - الوصية بطاعة اللَّه, والصلاة, والزكاة, والصيام , وأنه لا فرق بين أصناف الناس إلا بالتقوى.
١٨ - معجزة النبي ﷺ الظاهرة الدالة على صدقه , وذلك بسماع الناس لخطبته يوم النحر، وهم في منازلهم (١)، فقد فتح اللَّه أسماعهم كلهم لها.
١٩ - الضحية سنه مؤكدة على الصحيح من أقوال أهل العلم , وهي في حق الحاجّ وغير الحاجّ، فلا يجزئ عنها الهدي, وإنما هي سنة مستقلة؛ لأنه ﷺ بعد أن خطب الناس بمنى انقلب فذبح كبشين
أملحين (٢)، وهذا غير الهدايا التي نحرها بيده، وأشرك عليّاً في الهدي، وأمره بنحر الباقي من البدن.
стр. 34
المبحث الخامس: توديعه للأحياء والأموات
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ كلما كان ليلتها من رسول اللَّه ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: ((السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين, وآتاكم ما توعدون, غداً مؤجلون، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون, اللَّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)) (١)، وفي رواية أنه قال ﷺ : ((فإن جبريل أتاني .. فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفر لهم))، قالت عائشة: يا رسول اللَّه, كيف أقول لهم؟ قال: ((قولي: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم اللَّه المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون)) (٢).
وقد ذكر الإمام الأبي رحمه اللَّه تعالى أن خروجه هذا كان في آخر عمره ﷺ (٣)، وهذا -واللَّه أعلم- يدل على توديعه للأموات، كما فعل مع شهداء أحد؛ ولهذا -واللَّه أعلم- كان يخرج في الليل، ويقف في البقيع يدعو لهم، كما قالت عائشة ﵂: ((ثم انطلقت على إثره، حتى جاء البقيع فقام، فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات
стр. 35
ثم انحرف ... )) (١).
وعن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ خرج يوماً فصلى على قتلى أُحد صلاة الميت (٢) بعد ثماني سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع على المنبر، فقال: ((إني بين أيديكم فرط لكم, وأنا شهيد عليكم, وإن موعدكم الحوض, وإني واللَّه لأنظر إلى حوضي الآن مقامي هذا, وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض, أو مفاتيح الأرض، وإني واللَّه ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي (٣) , ولكني أخاف عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، [وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم]، قال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول اللَّه ﷺ [على المنبر])) (٤).
فتوديعه ﷺ للأحياء ظاهر؛ لأن سياق الأحاديث يُشعر أن ذلك كان آخر حياته ﷺ , وأما توديعه للأموات، فباستغفاره لأهل البقيع،
стр. 36
ودعائه لأهل أحد, وانقطاعه بجسده عن زيارتهم (١).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر المستنبطة من هذا المبحث كثيرة, منها:
١ - حرص النبي ﷺ على نفع أمته, والنصح لهم في الحياة, وبعد الممات ؛ ولهذا صلّى على شهداء أحد بعد ثمان سنوات، وزار أهل البقيع، ودعا لهم, وأوصى الأحياء، ونصحهم, ووعظهم، وأمرهم، ونهاهم، فما ترك خيراً إلا دلَّهم عليه, ولا شرًّا إلاَّ حذَّرهم منه.
٢ - التحذير من فتنة زهرة الدنيا لمن فتحت عليه, فينبغي له أن يحذر سوء عاقبتها , ولا يطمئن إلى زخارفها, ولا ينافس غيره فيها, ويستخدم ما عنده منها في طاعة اللَّه تعالى (٢).
стр. 37
المبحث السادس: بداية مرضه ﷺ وأمره لأبي بكر أن يصلي بالناس
رجع ﷺ من حجة الوداع في ذي الحجة، فأقام بالمدينة بقية الشهر, والمحرم, وصفراً, وجهز جيش أسامة بن زيد ﵁ , فبينما الناس على ذلك ابتدأ رسول اللَّه ﷺ بشكواه في ليال بقين من صفر: قيل في الثاني والعشرين منه, وقيل: في التاسع والعشرين , وقيل: بل في أول شهر ربيع الأول, وقد صلى على شهداء أحد، فدعا لهم كما تقدم, وذهب إلى أهل البقيع، وسلّم عليهم، ودعا لهم مودعاً لهم, ثم رجع مرة من البقيع، فوجد عائشة وهي تشتكي من صداع برأسها، وهي تقول: وارأساه. فقال: ((بل أنا واللَّه يا عائشة وارأساه))، قالت عائشة ﵂: ثم قال: ((وما ضرَّكِ لو متِّ قبلي، فقمت عليك وكفنتك, وصلّيت عليك, ودفنتك)) قالت: قلت: واللَّه لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي، فأعرست ببعض نسائك، قالت: ((فتبسَّم رسول اللَّه ﷺ )) (١)، وتتامّ به وجعه حتى استعزبه (٢)، وهو في بيت ميمونة, فدعا نساءه فاستأذنهنّ أن يمرض في بيتي (٣).
стр. 38
وأول ما اشتدَّ برسول اللَّه ﷺ وجعه في بيت ميمونة ﵂، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة ﵂ (١) , فعن عائشة ﵂ قالت: لما ثقل رسول اللَّه ﷺ ، واشتدَّ به وجعه، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذنَّ له، فخرج وهو بين رجلين تخطُّ رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر (٢)، وكانت عائشة ﵂ تحدث أن رسول اللَّه ﷺ لما دخل بيتي واشتدّ به وجعه، قال: ((هَرِيقوا (٣) عليَّ من سبع قرب (٤) لم تُحْلَلْ أوكيتهن لعلي أعهد (٥) إلى الناس, فأجلسناه في مِخضَب (٦) لحفصة زوج النبي
ﷺ ، ثم طفقنا (٧) نصبُّ عليه من تلك القرب, حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن, ثم
стр. 39
خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم)) (١).
وعنها ﵂ قالت: ((ثقل رسول اللَّه ﷺ فقال: ((أصلى الناس؟)) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! قال: ((ضعوا لي ماء في المخضب))، قالت: ففعلنا، فاغتسل فذهب لينوءَ (٢) فأُغمي عليه, ثم أفاق فقال ﷺ : ((أصلى الناس؟)) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! فقال: ((ضعوا لي ماء في المخضب)) قالت: ففعلنا [فقعد] فاغتسل. ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه، ثم أفاق فقال: ((أصلى الناس))؟ فقلنا: لا , هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! فقال: ((ضعوا لي ماء في المخضب))، ففعلنا [فقعد] فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه, ثم أفاق فقال: ((أصلى الناس؟)) فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة, قالت: فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى أبي بكر؛ ليصلي بالناس, فأتاه الرسول (٣) فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر - وكان رجلاً رقيقاً - يا عمر! صلِّ بالناس، فقال له عمر: أنت أحقُّ بذلك، قالت: فصلَّى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول اللَّه ﷺ
стр. 40
وجد من نفسه خِفَّة فخرج بين رجلين - أحدهما العباس (١) - لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس, فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر, فأومأ إليه النبي ﷺ بأن لا يتأخر, وقال لهما: ((أجلساني إلى جنبه))، فأجلساه إلى جنب أبي بكر, فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم يأتم بصلاة النبي ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعد)) (٢)، وهذا صريح في أن هذه الصلاة هي صلاة الظهر (٣)، وقد كان ﷺ حريصاً على أن يكون أبو بكر هو الإمام، وردد الأمر بذلك مراراً, فعن عائشة ﵂ قالت: لما ثَقُل
رسول اللَّه ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة, فقال: ((مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس))، فقلت: يا رسول اللَّه