ودعائه لأهل أحد, وانقطاعه بجسده عن زيارتهم (١).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر المستنبطة من هذا المبحث كثيرة, منها:
١ - حرص النبي ﷺ على نفع أمته, والنصح لهم في الحياة, وبعد الممات ؛ ولهذا صلّى على شهداء أحد بعد ثمان سنوات، وزار أهل البقيع، ودعا لهم, وأوصى الأحياء، ونصحهم, ووعظهم، وأمرهم، ونهاهم، فما ترك خيراً إلا دلَّهم عليه, ولا شرًّا إلاَّ حذَّرهم منه.
٢ - التحذير من فتنة زهرة الدنيا لمن فتحت عليه, فينبغي له أن يحذر سوء عاقبتها , ولا يطمئن إلى زخارفها, ولا ينافس غيره فيها, ويستخدم ما عنده منها في طاعة اللَّه تعالى (٢).
стр. 37
المبحث السادس: بداية مرضه ﷺ وأمره لأبي بكر أن يصلي بالناس
رجع ﷺ من حجة الوداع في ذي الحجة، فأقام بالمدينة بقية الشهر, والمحرم, وصفراً, وجهز جيش أسامة بن زيد ﵁ , فبينما الناس على ذلك ابتدأ رسول اللَّه ﷺ بشكواه في ليال بقين من صفر: قيل في الثاني والعشرين منه, وقيل: في التاسع والعشرين , وقيل: بل في أول شهر ربيع الأول, وقد صلى على شهداء أحد، فدعا لهم كما تقدم, وذهب إلى أهل البقيع، وسلّم عليهم، ودعا لهم مودعاً لهم, ثم رجع مرة من البقيع، فوجد عائشة وهي تشتكي من صداع برأسها، وهي تقول: وارأساه. فقال: ((بل أنا واللَّه يا عائشة وارأساه))، قالت عائشة ﵂: ثم قال: ((وما ضرَّكِ لو متِّ قبلي، فقمت عليك وكفنتك, وصلّيت عليك, ودفنتك)) قالت: قلت: واللَّه لكأني بك لو قد فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي، فأعرست ببعض نسائك، قالت: ((فتبسَّم رسول اللَّه ﷺ )) (١)، وتتامّ به وجعه حتى استعزبه (٢)، وهو في بيت ميمونة, فدعا نساءه فاستأذنهنّ أن يمرض في بيتي (٣).
стр. 38
وأول ما اشتدَّ برسول اللَّه ﷺ وجعه في بيت ميمونة ﵂، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة ﵂ (١) , فعن عائشة ﵂ قالت: لما ثقل رسول اللَّه ﷺ ، واشتدَّ به وجعه، استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذنَّ له، فخرج وهو بين رجلين تخطُّ رجلاه في الأرض بين عباس بن عبد المطلب وبين رجل آخر (٢)، وكانت عائشة ﵂ تحدث أن رسول اللَّه ﷺ لما دخل بيتي واشتدّ به وجعه، قال: ((هَرِيقوا (٣) عليَّ من سبع قرب (٤) لم تُحْلَلْ أوكيتهن لعلي أعهد (٥) إلى الناس, فأجلسناه في مِخضَب (٦) لحفصة زوج النبي
ﷺ ، ثم طفقنا (٧) نصبُّ عليه من تلك القرب, حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن, ثم
стр. 39
خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم)) (١).
وعنها ﵂ قالت: ((ثقل رسول اللَّه ﷺ فقال: ((أصلى الناس؟)) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! قال: ((ضعوا لي ماء في المخضب))، قالت: ففعلنا، فاغتسل فذهب لينوءَ (٢) فأُغمي عليه, ثم أفاق فقال ﷺ : ((أصلى الناس؟)) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! فقال: ((ضعوا لي ماء في المخضب)) قالت: ففعلنا [فقعد] فاغتسل. ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه، ثم أفاق فقال: ((أصلى الناس))؟ فقلنا: لا , هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! فقال: ((ضعوا لي ماء في المخضب))، ففعلنا [فقعد] فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه, ثم أفاق فقال: ((أصلى الناس؟)) فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول اللَّه! قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﷺ لصلاة العشاء الآخرة, قالت: فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى أبي بكر؛ ليصلي بالناس, فأتاه الرسول (٣) فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر - وكان رجلاً رقيقاً - يا عمر! صلِّ بالناس، فقال له عمر: أنت أحقُّ بذلك، قالت: فصلَّى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول اللَّه ﷺ
стр. 40
وجد من نفسه خِفَّة فخرج بين رجلين - أحدهما العباس (١) - لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس, فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر, فأومأ إليه النبي ﷺ بأن لا يتأخر, وقال لهما: ((أجلساني إلى جنبه))، فأجلساه إلى جنب أبي بكر, فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم يأتم بصلاة النبي ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعد)) (٢)، وهذا صريح في أن هذه الصلاة هي صلاة الظهر (٣)، وقد كان ﷺ حريصاً على أن يكون أبو بكر هو الإمام، وردد الأمر بذلك مراراً, فعن عائشة ﵂ قالت: لما ثَقُل
رسول اللَّه ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة, فقال: ((مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس))، فقلت: يا رسول اللَّه
стр. 41
إن أبا بكر رجل أسيف (١)، وإنه متى يقم مقامك لا يُسمع الناس، فلو أمرت عمر؟ فقال: ((مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس))، قالت: فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يُسمع الناس، فلو أمرت عمر, فقالت له: فقال رسول اللَّه ﷺ : ((إنكنَّ لأنتنَّ صواحبُ يوسف، مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس))، فقالت حفصة لعائشة: [ما كنت لأصيب منك خيراً]، قالت عائشة: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما دخل في الصلاة وجد رسول اللَّه ﷺ من نفسه خِفَّة, فقام يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطّان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسّه ذهب يتأخر, فأومأ إليه رسول اللَّه ﷺ : ((قم مكانك))، فجاء رسول اللَّه ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر, فكان رسول اللَّه ﷺ يصلي بالناس جالساً، وأبو بكر قائماً يقتدي أبو بكر بصلاة النبي ﷺ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر)) (٢).
والسبب الذي جعل عائشة ﵂ تراجع النبي ﷺ في إمامة أبي بكر بالصلاة هو ما بيَّنَتْه في رواية أخرى، قالت ﵂: ((لقد راجعت رسول
اللَّه ﷺ في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في
стр. 42
قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبداً, ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به, فأردت أن يعدل ذلك رسول اللَّه ﷺ عن أبي بكر)) (١)؛ ولهذا قال ﷺ لها ولحفصة: ((إنكن لأنتن صواحب يوسف)) (٢).
قال ابن كثير رحمه اللَّه تعالى: ((وتقديمه ﷺ لأبي بكر معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة, وأقرؤهم لما ثبت في الصحيح: ((يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه .. )) (٣) الحديث. نعم قد اجتمعت في أبي بكر هذه الصفات ﵁ ... (٤).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة, ومنها:
١ - استحباب زيارة قبور الشهداء بأحُدٍ، وقبور أهل البقيع ،
والدعاء لهم بشرط عدم شد الرحال, وعدم إحداث البدع.
стр. 43
٢ - جواز تغسيل الرجل زوجته، وتجهيزها، والزوجة كذلك .
٣ - جواز استئذان الرجل زوجاته أن يُمرَّض في بيت إحداهن إذا كان الانتقال يشقُّ عليه, وإذا لم يأذنَّ، فحينئذ يقرع بينهن.
٤ - جواز المرض والإغماء على الأنبياء، بخلاف الجنون ؛ فإنه لا يجوز عليهم؛ لأنه نقص, والحكمة من مرض الأنبياء؛ لتكثير أجرهم، ورفع درجاتهم, وتسلية الناس بهم؛ ولئلا يفتتن الناس بهم فيعبدونهم؛ لما يظهر على أيديهم من المعجزات والآيات البينات, وهم مع ذلك لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً إلا ما شاء اللَّه.
٥ - استحباب الغسل من الإغماء؛ لأنه ينشط ويزيل أو يخفف الحرارة .
٦ - إذا تأخر الإمام تأخراً يسيراً ينتظر, فإذا شق الانتظار صلى أعلم الحاضرين .
٧ - فضل أبي بكر، وترجيحه على جميع الصحابة ﵃ - , وتنبيهه وتنبيه الناس أنه أحق بالخلافة من غيره؛ لأن الصلاة بالناس للخليفة؛ ولأن الصحابة ﵃ قالوا: ((رضينا لدنيانا من رضيه رسول اللَّه ﷺ لديننا)).
٨ - إذا عرض للإمام عارض، أو شُغل بأمرٍ لا بدّ منه منعه من حضور الجماعة ؛ فإنه يستخلف من يصلي بهم، ويكون أفضلهم.
٩ - فضل عمر ﵁؛ لأن أبا بكر وثق به, ولهذا أمره أن يصلي ،
стр. 44
ولم يعدل إلى غيره.
١٠ - جواز الثناء والمدح في الوجه لمن أُمِنَ عليه الإعجاب والفتنة ؛ لقول عمر ﵁: ((أنت أحق بذلك)).
١١ - دفع الفضلاء الأمور العظيمة عن أنفسهم ، إذا كان هناك من يقوم بها على وجه مقبول.
١٢ - يجوز للمُسْتَخْلَفِ في الصلاة ونحوها أن يستخلف غيره من الثقات ، لقول أبي بكر: ((صلِّ يا عمر)).
١٣ - الصلاة من أهم ما يسأل عنه .
١٤ - فضل عائشة ﵂ على جميع أزواج النبي ﷺ الموجودات ذلك الوقت ، وهن تسع، إحداهنّ عائشة ﵅ ... .
١٥ - جواز مراجعة ولي الأمر على سبيل العرض والمشاورة والاستشارة بما يظهر أنه مصلحة, لكن بعبارة لطيفة تحمل الحكمة وحسن الأسلوب.
١٦ - جواز وقوف المأموم بجنب الإمام لحاجة أو مصلحة: كإسماع المأمومين التكبير في الجم الغفير الذين لا يسمعون الصوت, أو ضيق المكان, أو علة أخرى، كصلاة المرأة بالنساء, أو المنفرد مع الإمام، أو إمام العراة.
١٧ - جواز رفع الصوت بالتكبير ، فينقل المبلغ للناس صوت
الإمام
стр. 45
إذا لم يسمع الناس تكبير الإمام.
١٨ - التنبيه على الحرص على حضور الصلاة مع الجماعة ، إلا عند العجز التام عن ذلك.
١٩ - الأعلم والأفضل أحق بالإمامة من العالم والفاضل .
٢٠ - إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به ، فإذا صلّى جالساً صلى الناس جلوساً, وإذا صلَّى قائماً صلوا قياماً.
٢١ - البكاء في الصلاة من خشية اللَّه لا حرج فيه ؛ لكن لا يتكلف ذلك ولا يطلبه, فإذا غلبه البكاء في الصلاة بدون اختياره فلا حرج (١).
стр. 46
المبحث السابع: خطبته العظيمة، ووصيته للناس
خطب ﵊ أصحابه في يوم الخميس قبل أن يموت بخمسة أيام خطبة عظيمة بيَّن فيها فضل الصدِّيق من سائر الصحابة, مع ما قد كان نص عليه أن يؤم الصحابة أجمعين, ولعل خطبته هذه كانت عوضاً أراد أن يكتبه في الكتاب, وقد اغتسل ﵊ بين يدي هذه الخطبة العظيمة, فصبوا عليه من سبع قرب لم تُحلل أوكيتهن, وهذا من باب الاستشفاء بعدد السبع كما وردت به الأحاديث (١)، والمقصود أنه ﷺ اغتسل، ثم خرج وصلى بالناس ثم خطبهم، قال جندب ﵁: سمعت رسول اللَّه ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ((إني أبرأ إلى اللَّه أن يكون لي منكم خليل (٢)؛ فإن اللَّه تعالى قد اتخذني خليلاً, كما اتخذ إبراهيم خليلاً, ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً, ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد, ألا فلا
стр. 47
تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك)) (١)، وعن أبي
سعيد الخدري ﵁ قال: خطب النبي ﷺ فقال: ((إن اللَّه خيَّر عبداً بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عند اللَّه)) , فبكى أبو بكر ﵁ وقال: فديناك بآبائنا وأُمهاتنا, فعجبنا له, وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول اللَّه ﷺ عن عبدٍ خيَّرَه اللَّه بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عند اللَّه، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا, فكان رسول اللَّه ﷺ هو [العبد] المخيَّر, وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : (([يا أبا بكر لا تبكِ]، إن من أمنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله (٢) أبو بكر, ولو كنت متخذاً خليلاً من أمتي لاتخذت أبا بكر, ولكن أُخوَّةُ الإسلام, ومودته, لا يَبْقَينَّ في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر)) (٣).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة, ومنها:
١ - أمر النبي ﷺ بسد الأبواب إلا باب أبي بكر من جملة الإشارات التي تدل على أنه هو الخليفة.
стр. 48
٢ - فضل أبي بكر ﵁ وأنه أعلم الصحابة ﵃ - , ومن كان أرفع في الفهم استحق أن يطلق عليه أعلم, وأنه أحب الصحابة إلى رسول
اللَّه ﷺ .
٣ - الترغيب في اختيار ما في الآخرة على ما في الدنيا , وأن الرغبة في البقاء في الدنيا وقتاً من الزمن إنما هي للرغبة في رفع الدرجات في الآخرة، وذلك بالازدياد من الحسنات لرفع الدرجات.
٤ - شكر المحسن والتنويه بفضله وإحسانه والثناء عليه ؛ لأن من لم يشكر الناس لا يشكر اللَّه تعالى.
٥ - التحذير من اتخاذ المساجد على القبور، وإدخال القبور في المساجد ، أو وضع الصور فيها, ولعن من فعل ذلك, وأنه من شرار الخلق عند اللَّه كائناً من كان (١).
٦ - حبّ الصحابة لرسول اللَّه ﷺ أكثر من النفس والولد والوالد والناس أجمعين ؛ ولهذا يفدونه بآبائهم وأمهاتهم.
стр. 49
المبحث الثامن: اشتداد مرضه ﷺ ووصيته في تلك الشدة
عن عائشة ﵂ "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات (١)، وينفث، فلمّا اشتدّ وجعه [الذي توفي فيه] كنت أقرأ، [وفي رواية أنفث] عليه بهن، وأمسح بيده نفسه رجاء بركتها"، قال ابن شهاب: ((ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه)) (٢). وفي صحيح مسلم قالت: ((كان رسول اللَّه ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه، جَعلْتُ أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدي)) (٣)، وعن عائشة ﵂ قالت: اجتمع نساء النبي ﷺ فلم يغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول اللَّه ﷺ ، فقال: ((مرحباً بابنتي))، فأجلسها عن يمينه أو عن شماله, ثم إنه أسرَّ إليها حديثاً فبكت فاطمة، ثم إنه سارّها فضحكت أيضاً, فقلتُ لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما كنتُ لأفشي سرَّ رسول اللَّه ﷺ ، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حُزْنٍ، فقلت حين بكت: أخصَّك
رسول اللَّه ﷺ بحديثه
стр. 50
دوننا ثم تبكين؟ وسألتها عما قال: فقالت: ما كنت لأفشي سرَّ رسول اللَّه ﷺ , فلما توفي رسول اللَّه ﷺ قلت: عزمتُ عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتيني ما قال لك رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالت: أما الآن فنعم: أما حين سارَّني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن كل عام مرة، وإنه عارضه به في العام مرتين ولا أُراني (١) إلا قد حضر أجلي، فاتقي اللَّه واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك, قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت, فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: ((يا فاطمة، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين, أو سيدة نساء هذه الأمة))؟ قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت)) (٢)، وفي رواية: ((فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله فضحكت)) (٣).
وسبب ضحكها ﵂ أنها سيدة نساء المؤمنين, وأول من يلحق به من أهله, وسبب الكباء أنه أخبرها بموته ﷺ , قال ابن حجر رحمه اللَّه تعالى: ((وروى النسائي في سبب الضحك الأمرين)) (٤)، أي بشارتها بأنها سيدة نساء هذه الأمة, وكونها أول من يلحق به من أهله. وقد اتفقوا على أن فاطمة ﵂ أول من مات من أهل بيت
стр. 51
النبي ﷺ بعده، حتى من أزواجه (١).
وعن عائشة ﵂ قالت: ((ما رأيتُ أحداً أشدَّ عليه الوجع (٢) من رسول اللَّه ﷺ )) (٣).
وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: دخلت على رسول اللَّه ﷺ وهو يوعك (٤)، فمسسته بيدي فقلت: يا رسول اللَّه إنك توعك وعكاً شديداً, فقال رسول اللَّه ﷺ : ((أجلْ، إني أُوعك كما يوعك رَجُلان منكم))، قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : ((أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه [شوكة فما فوقها] إلا حطَّ اللَّه بها سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها)) (٥).
وعن عائشة، وعبد اللَّه بن عباس ﵃ قالا: لمَّا نُزِلَ (٦) برسول
اللَّه
стр. 52
- ﷺ طفق (١) يطرح خميصة (٢) له على وجهه، فإذا اغتم (٣) كشفها عن وجهه، وهو كذلك يقول: ((لعنة اللَّه على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) يُحذِّرُ ما صنعوا (٤).
وعن عائشة ﵂ أنهم تذاكروا عند رسول اللَّه ﷺ في مرضه، فذكرت أمُّ سلمة، وأمُّ حبيبة كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند اللَّه يوم القيامة)) (٥).
وعن عائشة ﵂ أيضاً قالت: ((قال رسول اللَّه ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) قالت: فلولا ذلك لأبرزوا قبره, غير أني أخشى أن يُتخذ مسجداً)) (٦).
стр. 53
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً, ولا تجعلوا قبري عيداً, وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) (١).
وعن أنس ﵁ قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه (٢) , فقالت فاطمة ﵂: واكرب أباه (٣)، فقال لها: ((ليس على أبيك كرب بعد اليوم))، فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربّاً دعاه, يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه, يا أبتاه إلى جبريل ننعاه (٤)، فلما دُفن قالت فاطمة ﵂: يا أنس! أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول اللَّه ﷺ التراب))؟ (٥).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها:
١ - استحباب الرقية بالقرآن, وبالأذكار , وإنما جاءت الرقية بالمعوذات؛ لأنها جامعة للاستعاذة من كل المكروهات جملة
وتفصيلاً, ففيها الاستعاذة من شر ما خلق اللَّه , فيدخل في ذلك
стр. 54
كل شيء, ومن شر النفاثات في العقد, ومن شر السواحر, ومن شر الحاسدين, ومن شر الوسواس الخناس (١).
٢ - عناية النبي ﷺ ببنته فاطمة، ومحبته لها ؛ ولهذا قال: ((مرحباً بابنتي))، وقد جاءت الأخبار أنها كانت إذا دخلت عليه قام إليها وقبَّلها, وأجلسها في مجلسه, وإذا دخل عليها فعلت ذلك ﵂, فلما مرض دخلت عليه، وأكبت عليه تقبله (٢).
٣ - يؤخذ من قصة فاطمة ﵂ أنه ينبغي العناية بالبنات, والعطف عليهن , والإحسان إليهن, ورحمتهن, وتربيتهن التربية الإسلامية, اقتداء بالنبي ﷺ , وأن يختار لها الزوج الصالح المناسب.
٤ - عناية الولد بالوالد كما فعلت فاطمة ﵂ - , فيجب على الولد أن يحسن إلى والديه, ويعتني ببرهما, ولا يعقهما, فيتعرض لعقوبة اللَّه تعالى.
٥ - معجزة النبي ﷺ التي تدل على صدقه وأنه رسول اللَّه ﷺ - , ومن ذلك أنه أخبر أن فاطمة أول من يلحقه من أهله, فكانت أول من مات من أهله بالاتفاق.
٦ - سرور أهل الإيمان بالانتقال إلى الآخرة , وإيثارهم حب
الآخرة على الدنيا لحبهم للقاء اللَّه تعالى, ولكنهم لا يتمنون الموت
стр. 55
لضر نزل بهم؛ لرغبتهم في الإكثار من الأعمال الصالحة؛ لأن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث كما بين النبي ﵊.
٧ - المريض إذا قرب أجله ينبغي له أن يوصي أهله بالصبر ؛ لقوله ﷺ لفاطمة: ((فاتقي اللَّه واصبري)).
٨ - فضل فاطمة ﵂ وأنها سيدة نساء المؤمنين .
٩ - المرض إذا احتسب المسلم ثوابه؛ فإنه يكفر الخطايا , ويرفع الدرجات, وتزاد به الحسنات, وذلك عام في الأسقام, والأمراض ومصائب الدنيا, وهمومها وإن قلّت مشقتها, والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أشدّ الناس بلاء, ثم الأمثل فالأمثل؛ لأنهم مخصوصون بكمال الصبر والاحتساب، ومعرفة أن ذلك نعمة من اللَّه تعالى ليتم لهم الخير، ويضاعف لهم الأجر, ويظهر صبرهم ورضاهم, ويُلحق بالأنبياء الأمثل فالأمثل من أتباعهم؛ لقربهم منهم، وإن كانت درجتهم أقل, والسر في ذلك -واللَّه أعلم- أن البلاء في مقابلة النعمة, فمن كانت نعمة اللَّه عليه أكثر، كان بلاؤه أشدّ؛ ولهذا ضوعف حدّ الحرّ على حدّ العبد, وقال اللَّه تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (١)،
стр. 56
والقوي يُحمَّل ما حمل, والضعيف يرفق به, إلا أنه كلما قويت المعرفة هان البلاء, ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء، فيهوِّن عليه البلاء, وأعلى من ذلك من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكه، فيسلم ويرضى ولا يعترض (١).
١٠ - التحذير من بناء المساجد على القبور، ومن إدخال القبور والصور في المساجد , ولعن من فعل ذلك, وأنه من شرار الخلق عند اللَّه تعالى يوم القيامة, وهذا من أعظم الوصايا التي أوصى بها رسول اللَّه ﷺ قبل موته بخمسة أيام (٢).
стр. 57
المبحث التاسع: وصايا النبي ﷺ عند موته
عن ابن عباس ﵁ قال: <يوم الخميس، وما يوم الخميس (١)، اشتدّ برسول اللَّه ﷺ وجعه، فقال: ((ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً))، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي التنازع، [فقال بعضهم: إن رسول اللَّه ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللَّه,] [فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرِّبوا يكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده, ومنهم من يقول غير ذلك, فلما أكثروا
اللغو والاختلاف، قال رسول اللَّه ﷺ :)) [قوموا]، وفي رواية: ((دعوني، فالذي أنا فيه خير (٢) مما تدعونني إليه]، أوصيكم
بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب, وأجيزوا الوفد
بنحو ما كنت أجيزهم به)) (٣)، وسكت عن الثالثة، أو قال
стр. 58
فأنسيتها)) (١)، قال ابن حجر ﵀: ((وأوصاهم بثلاث)) أي في تلك الحالة, وهذا يدل على أن الذي أراد أن يكتبه ﷺ لم يكن أمراً متحتماً؛ لأنه لو كان مما أُمر بتبليغه لم يتركه لوقوع اختلافهم، ولعاقب اللَّه من حال بينه وبين تبليغه, ولبلَّغه لهم لفظاً، كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك، وقد عاش بعد هذه المقالة أياماً، وحفظوا عنه أشياء لفظاً، فيحتمل أن يكون مجموعها ما أراد أن يكتبه، واللَّه أعلم (٢).
والوصية الثالثة في هذا الحديث يحتمل أن تكون الوصية بالقرآن, أو الوصية بتنفيذ جيش أسامة ﵁، أو الوصية بالصلاة وما ملكت الأيمان، أو الوصية بأن لا يتخذ قبره ﷺ وثناً يُعبد من دون اللَّه, وقد ثبتت هذه الوصايا عنه ﷺ (٣).
وعن عبد اللَّه بن أبي أوْفَى ﵁ أنه سئل: هل أوصى رسول اللَّه ﷺ ؟ ... قال: ((أوصى بكتاب اللَّه )) (٤)، والمراد بالوصية بكتاب اللَّه: حفظه حسّاً ومعنى, فيُكرم ويُصان, ويُتّبع ما فيه: فيُعمل بأوامره,
стр. 59
ويجتنب نواهيه, ويداوم على تلاوته وتعلمه وتعليمه ونحو
ذلك (١).
وقد أوصى ﷺ بكتاب اللَّه تعالى في مناسبات كثيرة، منها: أنه ﷺ أوصى به في خطبتيه في عرفات (٢)، وفي خطبته في منى (٣)، وعندما رجع من مكة في غدير خم، قال: < ... وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله في الهدى والنور، [هو حبل اللَّه، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة]، فخذوا بكتاب اللَّه، واستمسكوا به"، فحث على كتاب اللَّه، ورغب فيه، ثم قال: <وأهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي ... < ثلاث مرات (٤)، وأوصى بكتاب اللَّه تعالى عند موته ﷺ (٥).
وأمر ﵊ وأوصى بإنفاذ جيش أسامة ﵁ , وقد ذكر ابن حجر رحمه اللَّه تعالى: أن تجهيز جيش أسامة كان يوم
стр. 60
السبت قبل موت النبي ﷺ بيومين, وكان ابتداء ذلك قبل مرض
النبي ﷺ , فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر, ودعا أسامة وقال: ((سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل, فقد وليتك هذا الجيش ... ))، فبدأ برسول اللَّه ﷺ وجعه في اليوم الثالث، فعقد لأسامة لواء بيده، فأخذه أسامة, وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والأنصار, ثم اشتدّ برسول اللَّه ﷺ وجعه، فقال: ((أنفذوا جيش أسامة))، فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف، فسار عشرين ليلة إلى الجهة التي أمر بها, وقتل قاتل أبيه، ورجع الجيش سالماً، وقد غنموا ... )) (١).
وعن عبد اللَّه بن عمر ﵁ قال: بعث النبي ﷺ بعثاً، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته، فقال النبي ﷺ : ((إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل, وايم اللَّه إن كان لخليقاً للإمارة (٢)، وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ, وإنَّ هذا لمن أحبّ الناس إليَّ بعده)) (٣)، وقد كان عُمْرُ أسامة ﵁ حين توفي النبي ﷺ ثمان عشرة سنة (٤).
стр. 61
وأوصى ﷺ بالصلاة وما مكلت الأيمان, فعن أنس ﵁ قال:
كانت عامة وصية رسول اللَّه ﷺ حين حضره الموت: ((الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم))، حتى جعل رسول اللَّه ﷺ يغرغر بها صدره، ولا يكاد يفيض بها لسانه)) (١).
وعن علي ﵁ قال: كان آخر كلام النبي ﷺ : ((الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)) (٢).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها:
١ - وجوب إخراج المشركين من جزيرة العرب ؛ لأن النبي ﷺ أوصى بذلك عند موته, وقد أخرجهم عمر ﵁ في بداية خلافته, أما أبو بكر فقد انشغل بحروب الردة.
٢ - إكرام الوفود، وإعطاؤهم ضيافتهم ، كما كان النبي ﵊ يفعل؛ لأن النبي ﷺ أوصى بذلك.
٣ - وجوب العناية بكتاب اللَّه حسّاً ومعنى: فيكرم, ويصان , ويتبع ما فيه، فيعمل بأوامره ويجتنب نواهيه, ويداوم على تلاوته, وتعلمه وتعليمه، ونحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ أوصى به في عدة
стр. 62
مناسبات, فدل ذلك على أهميته أهمية بالغة مع سنة النبي ﷺ .
٤ - أهمية الصلاة ؛ لأنها أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ ولهذا أوصى بها النبي ﷺ عند موته أثناء الغرغرة.
٥ - القيام بحقوق المماليك والخدم ومن كان تحت الولاية ؛ لأن النبي ﷺ أوصى بذلك، فقال: ((الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)).
٦ - فضل أسامة بن زيد ؛ حيث أمَّره النبي ﷺ على جيش عظيم فيه الكثير من المهاجرين والأنصار, وأوصى بإنفاذ جيشه (١).
٧ - فضل أبي بكر حيث أنفذ وصية رسول اللَّه ﷺ في جيش أسامة فبعثه ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).
٨ - فضل عمر بن الخطاب ﵁ - حيث أنفذ وصية رسول اللَّه ﷺ في إخراج المشركين من جزيرة العرب.
стр. 63
المبحث العاشر: اختياره ﷺ الرفيق الأعلى
عن عائشة ﵂ قالت: كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخيَّر بين الدنيا والآخرة, فسمعت النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بُحَّةٌ (١) [شديدة] يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢)، قالت فظننته خُيِّرَ حينئذٍ (٣).
وفي رواية عنها ﵂ أنها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ وهو صحيح يقول: ((إنه لم يقبض نبي قط حتى يُرى مقعده من الجنة ثم يُخيَّر))، قالت: فلما نزل برسول اللَّه ﷺ (٤) ورأسه على فخذي، غُشِيَ عليه ساعة، ثم أفاق فأشخص بصرهُ إلى السقف، ثم قال: ((اللَّهم في الرفيق الأعلى))، فقلت: إذاً لا يختارنا, وعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح, قالت: فكان آخر كلمة تكلَّم بها رسول اللَّه ﷺ : ((اللَّهم مع الرفيق الأعلى)) (٥)، وقالت ﵂: سمعت النبي ﷺ وهو
стр. 64
مسند إليَّ ظهره يقول: ((اللَّهم اغفر لي وارحمني, وألحقني بالرفيق الأعلى)) (١)، وكان ﷺ متصلاً بربه، وراغباً فيما عنده, ومحبّاً للقائه, ومحبّاً لما يحبه سبحانه, ومن ذلك السواك؛ لأنه مطهرة للفم، مرضاة للربِّ، فعن عائشة ﵂ قالت: ((إن من نعم اللَّه عليَّ أن رسول اللَّه ﷺ توفي في بيتي, وفي يومي, وبين سحري (٢) , ونحري (٣)، وأن اللَّه جمع بين ريقي وريقه عند موته, دخل عليَّ عبد الرحمن [بن أبي بكر]، وبيده السواك، وأنا مسندة رسول اللَّه ﷺ [إلى صدري] (٤)، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك, فقلت: آخذه لك؟ ((فأشار برأسه أن نعم))، فتناولته فاشتدَّ عليه, وقلتُ: أُليّنه لك؟ ((فأشار برأسه أن نعم))، فلَيَّنْتُه، [وفي رواية: فقصمته, ثم مضغته (٥)، [وفي رواية فقضمته، ونفضته، وطيّبته (٦)، ثم دفعته إلى النبي ﷺ ، فاستنَّ به (٧)، فما رأيت رسول اللَّه ﷺ استنَّ استناناً قَطُّ أحسنَ
стр. 65
منه] (١) وبين يديه ركوة (٢)، أو علبة (٣) فيها ماء, فجعل يدخل يده في الماء، فيمسح بها وجهه، ويقول: ((لا إله إلا اللَّه، إن للموت سكرات))، ثم نصب يده فجعل يقول: ((في الرفيق الأعلى)) حتى قُبض، ومالت يده)) (٤) ﷺ .
وقالت عائشة ﵂: مات النبي ﷺ وإنه لبين حاقنتي (٥) وذاقنتي (٦) , فلا أكره شدّة الموت لأحد أبداً بعد النبي ﷺ < (٧).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة, ومنها:
١ - أن الرفيق الأعلى: هم الجماعة المذكورون في قوله تعالى:
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ
стр. 66
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١)، فالصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم أن المراد بالرفيق الأعلى هم الأنبياء الساكنون أعلى عليين. ولفظة رفيق تطلق على الواحد والجمع؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢).
٢ - أن النبي ﷺ اختار الرفيق الأعلى حين خُيِّر حبّاً للقاء اللَّه تعالى , ثم حبّاً للرفيق الأعلى، وهو الذي يقول ﷺ : ((من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه)) (٣).
٣ - فضل عائشة ﵂ حيث نقلت العلم الكثير عنه ﷺ - , وقامت بخدمته حتى مات بين سحرها ونحرها؛ ولهذا قالت: ((إن من نعم اللَّه عليَّ أن رسول اللَّه ﷺ توفي في بيتي، وفي يومي, وبين سحري ونحري)).
٤ - عناية النبي ﷺ بالسواك، حتى وهو في أشدّ سكرات الموت , وهذا يدل على تأكد
стр. 67
استحباب السواك؛ لأنه مطهرة للفم، مرضاة للرب.
٥ - قول النبي ﷺ في سكرات الموت: ((لا إله إلاَّ اللَّه، إن للموت
سكرات))، وهو الذي قد حقق لا إله إلا اللَّه, يدل على تأكُّدِ استحبابها، والعناية بها، والإكثار من قولها، وخاصة في مرض الموت؛ لأن ((من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة)).
٦ - حرص النبي ﷺ على مرافقة الأنبياء ، ودعاؤه بذلك يدل على أن المسلم ينبغي له أن يسأل اللَّه تعالى أن يجمعه بهؤلاء بعد الموت في جنات النعيم, اللَّهم اجعلنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
٧ - شدة الموت وسكراته العظيمة للنبي ﷺ -، وقد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, فما بالنا بغيره.
стр. 68
المبحث الحادي عشر: موت النبي ﷺ شهيداً
عن عائشة ﵂ قالت: ((كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: ((يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام (١) الذي أكلت بخيبر (٢) , فهذا أوان وجدت انقطاع أبْهَري (٣) من ذلك السم)) (٤).
وقد عاش ﷺ بعد أكله من الشاة المسمومة بخيبر ثلاث سنين، حتى كان وجعه الذي قُبض فيه (٥)، وقد ذُكِرَ أن المرأة التي أعطته الشاة المسمومة أسلمت حينما قالت: من أخبرك؛ فأخبر ﷺ أن الشاة المسمومة أخبرته, وأسلمت وعفا عنها رسول اللَّه ﷺ أولاً، ثم قتلها
بعد ذلك قصاصاً ببشر بن البراء بعد أن مات ﵁ (٦)، وقد ثبت
стр. 69
الحديث متصلاً أن سبب موته ﷺ هو السم, فعن أبي سلمة قال: كان رسول اللَّه ﷺ يقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فأهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية سمَّتها (١) , فأكل رسول اللَّه ﷺ منها، وأكل القوم، فقال: ((ارفعوا أيديكم، فإنها أخبرتني أنها مسمومة))، فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري, فأرسل إلى اليهودية: ((ما حملك على الذي صنعت))؟ قالت: إن كنت نبيّاً لم يضرّك الذي صنعت, وإن كنت ملكاً أرحت الناس منك ((فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فقتلت))، ثم قال في وجعه الذي مات فيه: ((ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري)) (٢)، وقالت أم بشر للنبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه: ما يتهم بك يا رسول اللَّه؟ فإني لا أتهم بابني إلا الشاة المسمومة التي أكل معك بخيبر، وقال النبي ﷺ : ((وأنا لا أتهم بنفسي إلا ذلك، فهذا أوان انقطاع أبهري)) (٣).
وقد جزم ابن كثير رحمه اللَّه تعالى أن النبي ﷺ مات شهيداً (٤) , ونقل: ((وإن كان المسلمون ليرون أن رسول اللَّه ﷺ مات شهيداً مع
стр. 70
ما أكرمه اللَّه به من النبوة)) (١)، وقال ابن مسعود ﵁: ((لئن أحلف تسعاً أن رسول اللَّه ﷺ قتل قتلاً أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل, وذلك؛ لأن اللَّه اتخذه نبيّاً، واتخذه شهيداً)) (٢).
وعن أنس ﵁ أن أبا بكر ﵁ كان يصلي بهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف [في صلاة الفجر]، ففجأهم النبي ﷺ وقد كشف سِترَ حجرةِ عائشة ﵂[وهم في صفوف الصلاة]، وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف (٣)، ثم تبسَّم رسول اللَّه ﷺ يضحك، [وهمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحاً] [برؤية رسول اللَّه ﷺ ]، [فنكص (٤) أبو بكر ﵁ على عقبيه ليصل الصف, وظنَّ أن رسول اللَّه ﷺ خارج إلى الصلاة]، [فأشار إليهم رسول اللَّه ﷺ [بيده] أن أتموا صلاتكم، [ثم دخل رسول اللَّه
ﷺ ] [الحجرة]، وأرخى الستر، فتوفي رسول اللَّه ﷺ من يومه ذلك<.
وفي رواية: [وتوفي من آخر ذلك اليوم] (٥)، وفي رواية: [لم
стр. 71
يخرج النبي ﷺ ثلاثاً] (١)، فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدَّم, فقال نبي اللَّه ﷺ بالحجاب فرفعه، فلمّا وضح وجه النبي ﷺ ما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا, فأومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدَّم، وأرخى النبي ﷺ الحجاب فلم يُقدر عليه حتى مات (٢).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة, ومنها:
١ - موت النبي ﷺ وانتقاله إلى الرفيق الأعلى شهيداً ؛ لأن اللَّه اتخذه نبيّاً، واتخذه شهيداً ﷺ .
٢ - عداوة اليهود للإسلام وأهله ظاهرة من قديم الزمان ، فهم
أعداء اللَّه ورسله.
٣ - عدم انتقام النبي ﷺ لنفسه, بل يعفو ويصفح ؛ ولهذا لم يعاقب من سمَّت الشاة المصلية, ولكنها قُتِلتْ بعد ذلك قصاصاً
стр. 72
ببشر بن البراء بعد أن مات بِصُنعها.
٤ - معجزة من معجزاته ﷺ وهي أن لحم الشاة المصلية نطق ، وأخبر النبي ﷺ أنه مسموم.
٥ - فضل اللَّه تعالى على عباده أنه لم يقبض نبيهم إلا بعد أن أكمل به الدين ، وترك أمته على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
٦ - محبة الصحابة ﵃ لنبيهم ﷺ -، حتى أنهم فرحوا فرحاً عظيماً عندما كشف الستر في صباح يوم الإثنين وهو ينظر إليهم وصلاتهم، فأدخل اللَّه بذلك السرور في قلبه ﷺ ؛ لأنه ناصح لأمته يحب لهم الخير؛ ولهذا ابتسم وهو في شدة المرض فرحاً وسروراً بعملهم المبارك.
стр. 73
المبحث الثاني عشر: من كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حي لا يموت
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (١)، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٢)، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣)، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٤).
مات محمد بن عبد اللَّه أفضل الأنبياء والمرسلين ﷺ وكان آخر كلمة تكلم بها عند الغرغرة كما قالت عائشة ﵂: أنه كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء, فجعل يدخل يده ﷺ في الماء فيمسح بها وجهه، ويقول: ((لا إله إلا اللَّه إن للموت سكرات))، ثم نصب يده فجعل يقول: ((في الرفيق الأعلى)) حتى قُبِضَ ومالت يده (٥)، فكان آخر كلمة تكلم بها: ((اللَّهم في الرفيق الأعلى)) (٦).
وعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن رسول اللَّه ﷺ مات وأبو بكر
стр. 74
بالسُّنح (١)، فقام عمر يقول: واللَّه ما مات رسول اللَّه ﷺ ، قالت: وقال: واللَّه ما كان يقع في نفسي إلا ذاك, وليبعثنَّه اللَّه فليقطع أيدي رجال وأرجلهم (٢) , فجاء أبو بكر ﵁[على فرسه من مسكنه بالسُّنْح حتى نزل، فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂، فتيمم (٣) رسول اللَّه ﷺ وهو مغشَّى بثوب حِبرة (٤)، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبَّله (٥)، [ثم بكى] فقال: بأبي أنت وأمي [يا نبي اللَّه]، [طبت حيّاً وميتًا والذي نفسي بيده]، [لا يجمع اللَّه عليك موتتين] (٦) [أبداً]، [أما الموتة التي كُتبت عليك قد مُتَّها]، [ثم] [خرج وعمر ﵁
стр. 75
يكلم الناس فقال: [أيها الحالف على رسلك] [اجلس]، [فأبى فقال: اجلس، فأبى]، [فتشهد أبو بكر]، [فلما تكلم أبو بكر جلس عمر]، [ومال إليه الناس، وتركوا عمر]، [فحمد اللَّه أبو بكر، وأثنى عليه]، وقال: [أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً قد مات, ومن كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حيٌّ لا يموت, قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢)، [فوا للَّه لكأن الناس لم يعلموا أن اللَّه أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر ﵁، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها، [وأخبر سعيد بن المسيب] [أن عمر قال: واللَّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقِرت (٣)، حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي ﷺ قد مات]، [قال: ونشج الناس (٤) يبكون, واجتمعت
الأنصار إلى سعد بن عبادة