يخرج النبي ﷺ ثلاثاً] (١)، فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدَّم, فقال نبي اللَّه ﷺ بالحجاب فرفعه، فلمّا وضح وجه النبي ﷺ ما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا, فأومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدَّم، وأرخى النبي ﷺ الحجاب فلم يُقدر عليه حتى مات (٢).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة, ومنها:
١ - موت النبي ﷺ وانتقاله إلى الرفيق الأعلى شهيداً ؛ لأن اللَّه اتخذه نبيّاً، واتخذه شهيداً ﷺ .
٢ - عداوة اليهود للإسلام وأهله ظاهرة من قديم الزمان ، فهم
أعداء اللَّه ورسله.
٣ - عدم انتقام النبي ﷺ لنفسه, بل يعفو ويصفح ؛ ولهذا لم يعاقب من سمَّت الشاة المصلية, ولكنها قُتِلتْ بعد ذلك قصاصاً
стр. 72
ببشر بن البراء بعد أن مات بِصُنعها.
٤ - معجزة من معجزاته ﷺ وهي أن لحم الشاة المصلية نطق ، وأخبر النبي ﷺ أنه مسموم.
٥ - فضل اللَّه تعالى على عباده أنه لم يقبض نبيهم إلا بعد أن أكمل به الدين ، وترك أمته على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
٦ - محبة الصحابة ﵃ لنبيهم ﷺ -، حتى أنهم فرحوا فرحاً عظيماً عندما كشف الستر في صباح يوم الإثنين وهو ينظر إليهم وصلاتهم، فأدخل اللَّه بذلك السرور في قلبه ﷺ ؛ لأنه ناصح لأمته يحب لهم الخير؛ ولهذا ابتسم وهو في شدة المرض فرحاً وسروراً بعملهم المبارك.
стр. 73
المبحث الثاني عشر: من كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حي لا يموت
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (١)، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٢)، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٣)، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ *وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ (٤).
مات محمد بن عبد اللَّه أفضل الأنبياء والمرسلين ﷺ وكان آخر كلمة تكلم بها عند الغرغرة كما قالت عائشة ﵂: أنه كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء, فجعل يدخل يده ﷺ في الماء فيمسح بها وجهه، ويقول: ((لا إله إلا اللَّه إن للموت سكرات))، ثم نصب يده فجعل يقول: ((في الرفيق الأعلى)) حتى قُبِضَ ومالت يده (٥)، فكان آخر كلمة تكلم بها: ((اللَّهم في الرفيق الأعلى)) (٦).
وعن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أن رسول اللَّه ﷺ مات وأبو بكر
стр. 74
بالسُّنح (١)، فقام عمر يقول: واللَّه ما مات رسول اللَّه ﷺ ، قالت: وقال: واللَّه ما كان يقع في نفسي إلا ذاك, وليبعثنَّه اللَّه فليقطع أيدي رجال وأرجلهم (٢) , فجاء أبو بكر ﵁[على فرسه من مسكنه بالسُّنْح حتى نزل، فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة ﵂، فتيمم (٣) رسول اللَّه ﷺ وهو مغشَّى بثوب حِبرة (٤)، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبَّله (٥)، [ثم بكى] فقال: بأبي أنت وأمي [يا نبي اللَّه]، [طبت حيّاً وميتًا والذي نفسي بيده]، [لا يجمع اللَّه عليك موتتين] (٦) [أبداً]، [أما الموتة التي كُتبت عليك قد مُتَّها]، [ثم] [خرج وعمر ﵁
стр. 75
يكلم الناس فقال: [أيها الحالف على رسلك] [اجلس]، [فأبى فقال: اجلس، فأبى]، [فتشهد أبو بكر]، [فلما تكلم أبو بكر جلس عمر]، [ومال إليه الناس، وتركوا عمر]، [فحمد اللَّه أبو بكر، وأثنى عليه]، وقال: [أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمداً ﷺ فإن محمداً قد مات, ومن كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حيٌّ لا يموت, قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢)، [فوا للَّه لكأن الناس لم يعلموا أن اللَّه أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر ﵁، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها، [وأخبر سعيد بن المسيب] [أن عمر قال: واللَّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقِرت (٣)، حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي ﷺ قد مات]، [قال: ونشج الناس (٤) يبكون, واجتمعت
الأنصار إلى سعد بن عبادة
стр. 76
في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منَّا أمير، ومنكم أمير (١) , فذهب إليهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح, فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر , وكان عمر يقول: واللَّه ما أردت بذلك إلا أني قد هيَّأت كلاماً قد أعجبني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء, فقال حباب بن المنذر: لا واللَّه لا نفعل، منَّا أمير، ومنكم أمير, فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء, هم أوسط العرب داراً، وأعربهم أحساباً (٢)، فبايعوا عمر، أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول اللَّه ﷺ , فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس, فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة, فقال عمر: قتله اللَّه (٣).
قالت عائشة ﵂: في شأن خطبة أبي بكر وعمر في يوم موت النبي ﷺ : فما كان من خطبتهما من خطبة إلا نفع اللَّه بها, فلقد خوَّف عمر الناس، وإن فيهم لنفاقاً، فردّهم اللَّه بذلك, ثم لقد بصَّر
стр. 77
أبو بكر الناس الهُدى، وعرَّفهم الحق الذي عليهم، وخرجوا به يتلون ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١)، وخطب عمر، ثم أبو بكر يوم الثلاثاء خطبة عظيمة مفيدة، نفع اللَّه بها، والحمد للَّه.
قال أنس بن مالك ﵁: لما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر, وقام عمر فتكلم قبل أبي بكر, فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله, ثم قال: أيها الناس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة (٢)، ما كانت، وما وجدتها في كتاب اللَّه, ولا كانت عهداً عهدها إليَّ رسول اللَّه ﷺ , ولكني كنت أرى أن رسول اللَّه سيدبر أمرنا - يقول: يكون آخرنا - وإن اللَّه قد أبقى فيكم كتابه الذي هدى به رسول اللَّه, فإن اعتصمتم به هداكم اللَّه لما كان هداه اللَّه له, وإن اللَّه قد جمع أمركم على خيركم؛ صاحب رسول اللَّه ﷺ , وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه, فبايع الناس أبا بكر ﵁ البيعة العامة بعد بيعة السقيفة، ثم تكلم أبو بكر, فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((أما بعد, أيها الناس، فإني وليت عليكم،
стр. 78
ولست بخيركم (١)، فإن أحسنت فأعينوني, وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة, والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علته (٢) إن شاء اللَّه, والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء اللَّه, لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللَّه إلا ضربهم اللَّه بالذل, ولا يشيع قومٌ قط الفاحشة إلا عمَّهم اللَّه بالبلاء, أطيعوني ما أطعت اللَّه ورسوله, فإذا عصيت اللَّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم, قوموا إلى صلاتكم يرحمكم اللَّه)) (٣)، ثم استمر الأمر لأبي بكر والحمد للَّه.
وقد بُعِثَ ﷺ فبقي بمكة يدعو إلى التوحيد ثلاث عشرة سنة يُوحى إليه, ثم هاجر إلى المدينة، وبقي بها عشر سنين, وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة ﵌ (٤).
ورجح الإمام ابن كثير رحمه اللَّه تعالى أن آخر صلاة صلاها ﷺ مع أصحابه ﵃ هي صلاة الظهر يوم الخميس, وقد انقطع عنهم ﵊ يوم الجمعة, والسبت, والأحد، وهذه ثلاثة
стр. 79
أيام كوامل (١).
وبعد موته ﷺ وخطبة أبي بكر ﵁ دارت مشاورات-كما تقدم -، وبايع الصحابة ﵃ أبا بكر في سقيفة بني ساعدة, وانشغل الصحابة ببيعة الصديق بقية يوم الإثنين, ويوم الثلاثاء, ثم شرعوا في تجهيز رسول اللَّه ﷺ (٢)، وغُسل من أعلى ثيابه, وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة, ثم صلى عليه الناس فرادى، لم يؤمّهم أحد, وهذا أمر مجمع عليه: صلى عليه الرجال, ثم الصبيان, ثم النساء, والعبيد والإماء, وتوفي يوم الإثنين على المشهور (٣) , ودفن ليلة الأربعاء, أُلحد لحداً ﷺ ، ونصب عليه اللبن نصباً (٤) , ورُفع قبره من الأرض نحواً من شبر (٥) , وكان
قبره ﷺ
стр. 80
مسنماً (١) , وقد تواترت الأخبار أنه دفن في حجرة عائشة ﵂ شرقي مسجده ﷺ في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة, ووسع المسجد النبوي الوليد بن عبد الملك عام ٨٦هـ، وقد كان نائبه بالمدينة عمر بن عبد العزيز فأمره بالتوسعة فوسعه حتى من ناحية الشرق فدخلت الحجرة النبوية فيه (٢).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها:
١ - أن الأنبياء والرسل أحب الخلق إلى اللَّه تعالى ، وقد ماتوا؛ لأنه لا يبقى على وجه الكون أحد من المخلوقات, وهذا يدل على أن الدنيا متاع زائل, ومتاع الغرور الذي لا يدوم, ولا يبقى للإنسان من تعبه وماله إلا ما كان يبتغي به وجه اللَّه تعالى, وما عدا ذلك يكون هباءً منثوراً.
٢ - حرص النبي ﷺ أن يكون مع الرفيق الأعلى ؛ ولهذا سأل اللَّه تعالى ذلك مرات متعددة، وهذا يدل على عظم هذه المنازل لأنبيائه وأهل طاعته.
٣ - استحباب تغطية الميت بعد تغميض عينيه, وشد لحييه ؛ ولهذا سجِّي وغطي النبي ﷺ بثوب حبرة.
стр. 81
٤ - الدعاء للميت بعد موته؛ لأن الملائكة يؤمنون على ذلك ؛ ولهذا قال أبو بكر ﵁ للنبي ﷺ : ((طبت حيّاً وميتاً)).
٥ - إذا أصيب المسلم بمصيبة فليقل: ((إنا للَّه وإنا إليه راجعون , اللَّهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها)).
٦ - جواز البكاء بالدمع، والحزن بالقلب .
٧ - النهي عن النياحة، وشق الجيوب، وحلق الشعر، ونتفه، والدعاء بدعوى الجاهلية ، وكل ذلك معلوم تحريمه بالأدلة الصحيحة.
٨ - أن الرجل -وإن كان عظيماً - قد يفوته بعض الشيء ، ويكون الصواب مع غيره, وقد يخطئ سهواً ونسياناً.
٩ - فضل أبي بكر وعلمه وفقهه ؛ ولهذا قال: ((من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات, ومن كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حي لا يموت)).
١٠ - أدب عمر ﵁ وأرضاه وحسن خلقه ؛ ولهذا سكت عندما قام أبو بكر يخطب، ولم يعارضه، بل جلس يستمع مع الصحابة رضي اللَّه عن الجميع.
١١ - حكمة عمر العظيمة في فض النزاع في سقيفة بني ساعدة , وذلك أنه بادر فأخذ بيد أبي بكر فبايعه فانصب الناس وتتابعوا في مبايعة أبي بكر, وانفض النزاع والحمد للَّه تعالى.
стр. 82
١٢ - بلاغة أبي بكر ، فقد تكلّم في السقيفة فأجاد وأفاد حتى قال عمر عنه: ((فتكلم أبلغ الناس)).
١٣ - قد نفع اللَّه بخطبة عمر يوم موت النبي ﷺ - قبل دخول أبي بكر فخاف المنافقون، ثم نفع اللَّه بخطبة أبي بكر فعرف الناس الحق.
١٤ - ظهرت حكمة أبي بكر، وحسن سياسته في خطبته يوم الثلاثاء بعد الوفاة النبوية , وبين أن الصدق أمانة، والكذب خيانة, وأن الضعيف قوي عنده حتى يأخذ له الحق, والقوي ضعيف عنده حتى يأخذ منه الحق, وطالب الناس بالطاعة له إذا أطاع اللَّه ورسوله, فإذا عصى اللَّه ورسوله فلا طاعة لهم عليه.
١٥ - حكمة عمر ﵁، وشجاعته العقلية والقلبية ؛ حيث خطب الناس قبل أبي بكر، ورجع عن قوله بالأمس واعتذر, وشد من أزر أبي بكر، وبين أن أبا بكر صاحب رسول اللَّه، وأحب الناس إليه, وثاني اثنين إذ هما في الغار.
١٦ - استحباب بياض الكفن للميت , وأن يكون ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة, وأن يلحد لحداً, وأن ينصب عليه اللبن نصباً, وأن يكون مسنماً بقدر شبر فقط.
стр. 83
المبحث الثالث عشر: مصيبة المسلمين بموته ﷺ -
من المعلوم يقيناً أن محبة النبي ﷺ محبة كاملة من أعظم درجات الإيمان الصادق؛ ولهذا قال ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده, ووالده, والناس أجمعين)) (١)، فإذا فقد الإنسان أهله, أو والده, أو ولده, لا شك أن هذه مصيبة عظيمة من مصائب الدنيا, فكيف إذا فقدهم كلَّهم جميعاً في وقت واحد؟
ولا شك أن مصيبة موت النبي ﷺ أعظم المصائب على المسلمين؛ ولهذا جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك, فعن عائشة ﵂ قالت: فتح رسول اللَّه ﷺ باباً بينه وبين الناس, أو كشف ستراً فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر, فحمد اللَّه على ما رآه من حسن حالهم, ورجاء أن يخلفه اللَّه فيهم بالذي رآهم, فقال: ((يا أيها الناس، أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أُصيب بمصيبة فلْيتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري؛ فإن أحداً من أُمتي لن يُصاب بمصيبة أشدَّ عليه من مُصيبتي)) (٢).
وعن أنس ﵁ قال: ((لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول اللَّه ﷺ
стр. 84
المدينة أضاء منها كل شيء (١) , فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء, وما نفضنا عن رسول اللَّه ﷺ الأيدي (٢)، وإنا لفي دفنه (٣) حتى أنكرنا (٤) قلوبنا)) (٥).
وعن أنس ﵁ قال: قال أبو بكر ﵁ - بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ - لعمر: انطلق بنا إلى أمِّ أيمن نزورها كما كان رسول اللَّه ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ فما عند اللَّه خير لرسوله ﷺ ، قالت: إني لأعلم أن ما عند اللَّه خير لرسوله ﷺ , ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء, فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها (٦).
стр. 85
وما أحسن ما قال القائل:
اصبر لكلِّ مصيبة وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلَّد
فإذا ذكرت مصيبة تسلو بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر المستفادة هذا المبحث كثيرة, ومنها:
١ - موت النبي ﷺ أعظم مصيبة أصيب بها المسلمون .
٢ - إنكار الصحابة قلوبهم بعد موت النبي ﷺ -؛ لفراقهم نزول الوحي، وانقطاعه من السماء.
٣ - النبي ﷺ أحب إلى المسلمين من النفس, والولد, والوالد, والناس أجمعين , وقد ظهر ذلك عند موته بين القريب والبعيد من أصحاب النبي ﷺ , بل وجميع المسلمين.
٤ - محبة الصحابة للإقتداء والتأسي برسول اللَّه ﷺ في كل شيء من أمور الدين حتى في زيارة النساء كبار السن, كما فعل أبو بكر وعمر ﵄.
стр. 86
المبحث الرابع عشر: ميراثه ﷺ -
عن عمرو بن الحارث ﵁ قال: ((ما ترك رسول اللَّه ﷺ عند موته: دِرْهماً, ولا ديناراً, ولا عبداً, ولا أمَةً, ولا شيئاً, إلا بغلته البيضاء [التي كان يركبها]، وسلاحه, [وأرضاً بخيبر] جعلها [لابن السبيل] صدقة)) (١)، وعن عائشة ﵂ قالت: ((ما ترك رسول اللَّه ﷺ ديناراً، ولا درهماً، ولا شاة، ولا بعيراً، ولا أوصى بشيء (٢)) (٣).
وقال ﷺ : ((لا نورث ما تركنا فهو صدقة)) (٤)، وذلك لأنه لم يبعث ﷺ جابياً للأموال، وخازناً، إنما بعث هادياً, ومبشراً، ونذيراً, وداعياً إلى اللَّه بإذنه, وسراجاً منيراً, وهذا هو شأن أنبياء اللَّه ورسله عليهم الصلاة والسلام؛ ولهذا قال ﷺ : ((إن العلماء ورثة الأنبياء, إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ
بحظٍّ
стр. 87
وافر)) (١).
وقد فهم الصحابة ﵃ ذلك, فعن سليمان بن مهران: بينما ابن مسعود ﵁ يوماً معه نفر من أصحابه، إذ مرّ أعرابي فقال: على ما اجتمع هؤلاء؟ قال ابن مسعود ﵁: ((على ميراث محمد ﷺ يقسّمونه)) (٢).
فميراث النبي ﷺ هو الكتاب والسنة، والعلم والاهتداء بهديه ﷺ ؛ ولهذا توفي ﷺ ولم يترك درهماً, ولا ديناراً, ولا عبداً, ولا أمة, ولا بعيراً, ولا شاة, ولا شيئاً, إلا بغلته، وأرضاً جعلها صدقة لابن السبيل.
وعن عائشة ﵂ قالت: ((توفي النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير)) (٣)، وهذا يبين أن النبي ﷺ كان يتقلَّل من الدنيا, ويستغني عن الناس؛ ولهذا لم يسأل الصحابة أموالهم، أو يقترض منهم؛ لأن الصحابة لا يقبلون رهنه، وربما لا يقبضون منه الثمن, فعدل إلى معاملة اليهودي؛ لئلا يضيِّق على أحد
من أصحابه -
стр. 88
صلى الله عليه وسلم - (١)، وقد كان ﷺ يصيبه الجوع وهو حي؛ ولهذا يمر ويمضي الشهر والشهران، وما أُوقدت في أبيات رسول اللَّه ﷺ نار, قال عروة لعائشة رضي اللَّه عن الجميع: ما كان يقيتكم؟ قالت: ((الأسودان: التمر والماء ... )) (٢)، ومع هذا كان يقول ﷺ : ((مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها)) (٣).
وخلاصة القول: إن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة, ومنها:
١ - الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يبعثوا لجمع الأموال ، وإنما بعثوا لهداية الناس، وإخراجهم من الظلمات إلى النور؛ ولهذا لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
٢ - زهد النبي ﷺ في الدنيا وحطامها الفاني ؛ وإنما هو كالراكب الذي استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها.
٣ - استغناء النبي ﷺ عن سؤال الناس ، فهو يقترض ويرهن حتى
стр. 89
لا يكلف على أصحابه؛ ولهذا مات ودرعه مرهونة في ثلاثين صاعاً من شعير.
٤ - شدة الحال، وقلة ما في اليد عند النبي ﷺ -؛ ولهذا يمضي الشهر والشهران ولم توقد في أبياته نار, وإنما كان يقيتهم الأسودان.
فصلوات اللَّه وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار, وأسأل اللَّه العلي العظيم أن يجعلنا من أتباعه المخلصين, وأن يحشرنا في زمرته يوم الدين.
стр. 90
المبحث الخامس عشر: حقوقه ﷺ على أمته
للنبي الكريم ﷺ حقوق على أمته، وهي كثيرة, منها: الإيمان الصادق به ﷺ قولاً وفعلاً، وتصديقه في كل ما جاء به ﷺ , ووجوب طاعته، والحذر من معصيته ﷺ ، ووجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه, وإنزاله منزلته ﷺ بلا غلوٍّ ولا تقصير, واتباعه واتخاذه قدوة وأسوة في جميع الأمور, ومحبته أكثر من النفس, والأهل والمال والولد والناس جميعاً, واحترامه وتوقيره ونصر دينه والذب عن سنته ﷺ , والصلاة عليه؛ لقوله ﷺ : ((إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه: خلق آدم, وفيه النفخة, وفيه الصعقة, فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ))، فقال رجل: يا رسول اللَّه! كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني بليت. قال: ((إن اللَّه حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) (١).
وإليك هذه الحقوق بالتفصيل والإيجاز كالآتي:
١ - الإيمان الصادق به ﷺ وتصديقه فيما أتى به قال اللَّه تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢) , ﴿فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ
стр. 91
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١) , ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢) , ﴿وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ (٣) , وقال ﷺ : ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه ويؤمنوا بي وبما جئت به)) (٤).
والإيمان به ﷺ هو تصديق نبوته, وأن اللَّه أرسله للجن والإنس, وتصديقه في جميع ما جاء به وقاله, ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان, بأنه رسول اللَّه, فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة باللسان، ثم تطبيق ذلك بالعمل بما جاء به تمَّ الإيمان به ﷺ (٥).
٢ - وجوب طاعته ﷺ والحذر من معصيته , فإذا وجب الإيمان به، وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته؛ لأن ذلك مما أتى به, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ
стр. 92
تَسْمَعُونَ﴾ (١) , ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٢) , ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٣) , ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) , ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٥) , ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا﴾ (٦) , ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (٧).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه)) (٨) , وعنه ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((كل الناس يدخل الجنة إلا من أبى, قالوا: يا رسول
اللَّه!
стр. 93
ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)) (١).
وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد اللَّه وحده لا شريك له, وجُعِلَ رزقي تحت ظلِّ رمحي, وجُعِلَ الذِّلُّ والصَّغارُ على من خالف أمري, ومن تشبه بقوم فهو منهم)) (٢).
٣ - اتباعه ﷺ ، واتخاذه قدوة في جميع الأمور ، والاقتداء بهديه, قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣) , ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٤) , وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٥)، فيجب السير على هديه والتزام سنته، والحذر من مخالفته, قال ﷺ : ((فمن رغب عن سنتي فليس مني)) (٦).
٤ - محبته ﷺ أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين ,
стр. 94
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١) , وعن أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) (٢)، وقد ثبت في الحديث أن من ثواب محبته الاجتماع معه في الجنة، وذلك عندما سأله رجل عن الساعة فقال: ((ما أعددت لها))؟ قال: يا رسول اللَّه، ما أعددت لها كبير صيام, ولا صلاة, ولا صدقة, ولكني أحب اللَّه ورسوله، قال: ((فأنت مع من أحببت)) (٣)، قال أنس فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي ﷺ : ((فإنك مع من أحببت)) , فأنا أحب اللَّه ورسوله, وأبا بكر, وعمر، فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم (٤).
ولما قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول اللَّه لأنت أحب إليَّ من
كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : ((لا والذي نفسي بيده حتى
стр. 95
أكون أحب إليك من نفسك)) , فقال له عمر: فإنه الآن واللَّه لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال النبي ﷺ : ((الآن يا عمر)) (١) , وعن ابن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق بهم؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : ((المرء مع من أحب)) (٢).
وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: ((ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمد رسولاً)) (٣).
وقال ﷺ : ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان اللَّه ورسولهُ أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلا للَّه, وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللَّه منه، كما يكره أن يقذف في النار)) (٤).
ولاشك أن من وفَّقه اللَّه تعالى لذلك ذاق طعم الإيمان ووجد حلاوته, فيستلذ الطاعة، ويتحمل المشاقة في رضى اللَّه ورسوله
ﷺ , ولا يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد ﷺ ؛ لأنه رضي به رسولاً,
стр. 96
وأحبه، ومن أحبه من قلبه صدقاً أطاعه ﷺ ؛ ولهذا قال القائل:
تعصي الإله وأنت تُظْهر حُبَّهُ ... هذا لعمري في القياسِ بديعُ
لو كان حُبَّكَ صادقاً لأطعته ... إن المُحبَّ لمن يُحِبُّ مُطيعُ (١)
وعلامات محبته ﷺ تظهر في الاقتداء به ﷺ , واتباع سنته, وامتثال أوامره, واجتناب نواهيه, والتأدب بآدابه, في الشدة والرخاء, وفي العسر واليسر, ولا شك أن من أحب شيئاً آثره, وآثر موافقته, وإلا لم يكن صادقاً في حبه، ويكون مدّعياً (٢).
ولا شك أن من علامات محبته: النصيحة له؛ لقوله ﷺ : ((الدين النصيحة))، قلنا لمن؟ قال: ((للَّه, ولكتابه, ولرسوله, ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (٣) , والنصيحة لرسوله ﷺ : التصديق بنبوته, وطاعته فيما أمر به, واجتناب ما نهى عنه, ومُؤازرته, ونصرته وحمايته حياً وميتاً, وإحياء سنته، والعمل بها، وتعلمها, وتعليمها، والذب عنها, ونشرها, والتخلق بأخلاقه الكريمة, وآدابه الجميلة (٤).
٥ - احترامه وتوقيره ونصرته كما قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ
стр. 97
وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ (١) , ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) , ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ (٣).
وحرمة النبي ﷺ بعد موته, وتوقيره لازم كحال حياته، وذلك عند ذكر حديثه, وسنته, وسماع اسمه وسيرته, وتعلم سنته, والدعوة إليها, ونصرتها (٤).
٦ - الصلاة عليه ﷺ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥) , وقال ﷺ : (( .. من صلَّى عليّ صلاة صلَّى اللَّه عليه بها عشراً)) (٦) , وقال ﷺ : ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً, ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) (٧) , وقال ﷺ : ((البخيل من ذكرت عنده
стр. 98
فلم يصلِّ عليّ)) (١) , وقال ﷺ : ((ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا اللَّه فيه, ولم يصلّوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة, فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم)) (٢) , وقال ﷺ : ((إن للَّه ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام)) (٣) , وقال جبريل ﵇ للنبي ﷺ : ((رغم أنف عبد - أو بَعُد - ذُكِرتَ عنده فلم يصلّ عليك))، فقال ﷺ : ((آمين)) (٤) , وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول اللَّه ﷺ : ((ما من أحد يسلّم عليَّ إلا ردّ اللَّه عليَّ روحي حتى أردّ ﵇) (٥).
* وللصلاة على النبي ﷺ مواطن كثيرة ذكر منها الإمام ابن القيم ﵁ واحداً وأربعين موطناً منها على سبيل المثال: الصلاة عليه ﷺ عند دخول المسجد, وعند الخروج منه, وبعد إجابة المؤذن, وعند الإقامة, وعند الدعاء, وفي التشهد في الصلاة، وفي صلاة الجنازة، وفي الصباح والمساء، وفي يوم الجمعة, وعند اجتماع القوم قبل
تفرقهم, وفي الخطب: كخطبتي صلاة الجمعة, وعند كتابة اسمه, وفي أثناء صلاة العيدين بين التكبيرات, وآخر دعاء القنوت, وعلى
стр. 99
الصفا والمروة, وعند الوقوف على قبره, وعند الهم والشدائد، وطلب المغفرة, وعقب الذنب إذا أراد أن يكفر عنه, وغير ذلك من المواطن التي ذكرها ﵀ في كتابه (١).
ولو لم يرد في فضل الصلاة على النبي ﷺ إلا حديث أنس ﵁ لكفى ((من صلَّى عليَّ صلاة واحدة صلَّى اللَّه عليه عشر صلوات (٢). [كتب اللَّه له بها عشرة حسنات] (٣)، وحطَّ عنه بها عشر سيئات, ورفعه بها عشر درجات)) (٤).
٧ - وجوب التحاكم إليه والرضى بحكمه ﷺ -، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٥) , ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (٦)، ويكون التحاكم إلى سنته وشريعته بعده ﷺ .
стр. 100
٨ - إنزاله مكانته ﷺ بلا غلو ولا تقصير ، فهو عبد للَّه ورسوله, وهو أفضل الأنبياء والمرسلين, وهو سيد الأولين والآخرين, وهو صاحب المقام المحمود، والحوض المورود, ولكنه مع ذلك بشر لا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء اللَّه، كما قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (١) , وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) , ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٣) , وقد مات ﷺ كغيره من الأنبياء، ولكن دينه باقٍ إلى يوم القيامة ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (٤) , ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ
الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٥) , وبهذا يعلم أنه لا يستحق العبادة إلا اللَّه وحده لا شريك له ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
стр. 101
وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١).
وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.