← Акыда

Акыда · id 96546

عقيدة المسلم في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (978 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

يسير الرياء، أعاذنا الله منه، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (١)، ومنه الحلف بغير الله؛ لقوله ﷺ : ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)) (٢)، ومنه قول الرجل: لولا الله وأنت، أو ما شاء الله وشئت. النوع الثالث: من أنواع الشرك: شرك خفي: ((الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء على صفاة سوداء في ظلمة الليل)) (٣)، وكفارته هي أن يقول العبد: ((اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك من الذنب الذي لا أعلم)) (٤). قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لله أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٥)، قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتِك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللُّصوص البارحة، ولولا البطّ في الدّار

стр. 842

لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان (١). وقال النبي ﷺ : ((من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)) (٢)، قال الترمذي: فُسِّرَ عند بعض أهل العلم أن قوله: ((فقد كفر أو أشرك)) على التَّغليظ، والحجة في ذلك حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ ، سمع عمر يقول: وأبي وأبي، فقال ﷺ : ((ألا إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)) (٣). وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من قال في حلفه باللاّت والعُزَّى فليقل: لا إله إلاّ الله)) (٤). ولعلَّ الشرك الخفيّ يدخل في الشرك الأصغر، فيكون الشرك على نوعين: شرك أكبر، وشرك أصغر، وهذا الذي أشار إليه ابن القيم رحمه الله تعالى (٥). الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويسألهم الشفاعة،

стр. 843

ويتوكل عليهم، فقد كفر إجماعاً. الثالث: من لم يكفِّر المشركين، أو شكّ في كفرهم ، أو صحّح مذهبهم كفر. الرابع: من اعتقد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه ، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه - كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه - فهو كافر. ويدخل في هذا الناقض: من اعتقد أن الأنظمة والقوانين التي يسنُّها الناس أفضل من شريعة الإسلام، أو أنها مساوية لها، أو أنه يجوز التحاكم إليها ولو اعتقد أن الحكم بالشريعة أفضل، أو أن نظام الإسلام لا يصلح تطبيقه في القرن العشرين، أو أنه كان سبباً في تخلّف المسلمين، أو أنه يُحصر في علاقة المرء بربه دون أن يتدخّل في شؤون الحياة الأخرى، ويدخل فيه أيضاً من يرى أن إنفاذ حكم الله في قطع يد السارق، أو رجم الزاني المحصن لا يناسب العصر الحاضر، ويدخل في ذلك أيضاً كلّ من اعتقد أنه يجوز الحكم بغير شريعة الله في المعاملات أو الحدود أو غيرهما، وإن لم يعتقد أن ذلك أفضل من حكم الشريعة؛ لأنه بذلك يكون قد استباح ما حرّم الله إجماعاً، وكل مَنِ استباح ما حرّم الله مما هو معلوم تحريمه من الدين بالضرورة: كالزنا، والخمر، والربا، والحكم بغير شريعة الله، فهو كافر بإجماع المسلمين. نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه (١). والخلاصة أن الحكم بغير ما أنزل الله فيه تفصيل، وإليك الصواب في

стр. 844

ذلك إن شاء الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْظَّالِمُونَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣)، قال طاووس وعطاء: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق (٤)، وقال ابن عباس ﵄: ((هي به كفر، وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله)) (٥)، وقال ﵁: ((من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم: فهو ظالم فاسق)) (٦). والصواب أن من حكم بغير ما أنزل الله قد يكون مرتدّاً، وقد يكون مسلماً عاصياً مرتكباً لكبيرة من كبائر الذنوب؛ فلهذا نجد أن أهل العلم قد قسموا الكلمات الآتية إلى قسمين، وهي كلمة: كافر، وفاسق، وظالم، ومنافق، ومشرك. فكفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسوق دون فسوق، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك. فالأكبر يُخرج من الملّة لمنافاته أصل الدين بالكليّة، والأصغر يُنقص الإيمان وينافي كماله، ولا يُخرج صاحبه من الملّة؛ ولهذا فصَّل العلماءُ القول

стр. 845

في حكم من حكم بغير ما أنزل الله تعالى. قال سماحة الإمام الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى: من حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أنواع: ١ - من قال: أنا أحكم بهذا لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية، فهو كافر كفراً أكبر. ٢ - ومن قال: أنا أحكم بهذا لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز وبالشريعة جائز، فهو كافر كفراً أكبر. ٣ - ومن قال: أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهو كافر كفراً أكبر. ٤ - ومن قال: أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله: لا يجوز، ويقول الحكم بالشريعة الإسلامية: أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمر صادر من حُكَّامه، فهو كافر كفراً أصغر لا يُخرج من الملّة، ويعتبر من أكبر الكبائر (١). ولا منافاة بين تسمية العمل فسقاً، أو عامله فاسقاً، وبين تسميته مسلماً، وجريان أحكام المسلمين عليه؛ لأنه ليس كل فسق يكون كفراً، ولا كل ما يُسمّى كفراً، وظلماً، يكون مُخرجاً من الملّة حتى ينظر إلى

стр. 846

لوازمه وملزوماته، وذلك لأنَّ كلاًّ من الكفر، والشرك، والظلم، والفسوق، والنفاق جاءت في النصوص على قسمين: (أ) أكبر يخرج من الملة لمنافاته أصل الدين بالكليَّة. (ب) أصغر ينقص الإيمان وينافي كماله، ولا يُخرج صاحبه منه، فكفر دون كفر، وشرك دون شرك، وظلم دون ظلم، وفسوق دون فسوق، ونفاق دون نفاق، والفاسق بالمعاصي التي لا توجب الكفر لا يُخلَّد في النار، بل أمره مردود إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة من أول وهلة برحمته وفضله، وإن شاء عاقبه بقدر الذنب الذي مات مصرّاً عليه ولا يخلده في النار، بل يخرجه برحمته ثم بشفاعة الشافعين إن كان مات على الإيمان (١). الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ -، ولو عمل به كفر إجماعاً؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ الله فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٢). السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول ﷺ - أو ثوابه، أو عقابه، كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٣). السابع: السحر، ومنه الصرف (٤)، والعطف (٥)، فمن فعله، أو رضي

стр. 847

به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ (١). الثامن: مظاهرة (٢) المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣). التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ - كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فهو كافر. العاشر: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٤)، ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل، والجاد، والخائف، إلا المكره، وكلها أعظم ما يكون خطراً وأكثر ما يكون وقوعاً، فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه. نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه (٥). المطلب الثالث: أنواع النفاق النفاق: كالكفر، نفاق دون نفاق، أو نفاق مُخرج من الملّة، ونفاق لا

стр. 848

يُخرج من الملّة (١): أولاً: النفاق الأكبر: وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، ويبطن ما يناقض ذلك كلّه أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار (٢). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعض صور النفاق الأكبر فقال: ((فمن النفاق ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أُبيّ وغيره، بأن يظهر: تكذيب الرسول ﷺ ، أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب طاعته، أو المسرّة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدوَّاً لله ورسوله، وهذا القدر كان موجوداً في زمن رسول الله ﷺ ، وما زال بعده، بل هو بعده أكثر منه على عهده ﷺ ... )) (٣). وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: (( ... فأما النفاق الاعتقادي فهو ستة أنواع: تكذيب الرسول ﷺ ، أو تكذيب بعض ما جاء به الرسول ﷺ ، أو بغض الرسول ﷺ ، أو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول، أو الكراهية بانتصار دين الرسول ﷺ ،

стр. 849

فهذه الأنواع الستة صاحبها من أهل الدرك الأسفل من النار)) (١). فيتحصّل مما ذكره هذان الإمامان أنواع أو صفات للنفاق الأكبر، وهي: ١ - تكذيب الرسول ﷺ . ٢ - تكذيب بعض ما جاء به الرسول ﷺ . ٣ - بغض الرسول ﷺ . ٤ - بغض بعض ما جاء به الرسول ﷺ . ٥ - المسرّة بانخفاض دين الرسول ﷺ . ٦ - الكراهية لانتصار دين الرسول ﷺ . ٧ - عدم اعتقاد وجوب تصديقه ﷺ فيما أخبر به. ٨ - عدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر به. وغير ذلك مما دلّ القرآن الكريم أو السنة المطهرة على أنه من النفاق الأكبر المُخرج من ملّة الإسلام (٢). ثانياً: النفاق الأصغر: وهو النفاق العملي: وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحةً ويبطن ما يُخالف ذلك، وأصول هذا النفاق ترجع إلى حديث عبد الله بن عمر، وعائشة ﵃، وهي خمسة أنواع:

стр. 850

١ - أن يحدث بحديثٍ لمن يصدّقه به وهو كاذب له. ٢ - إذا وعد أخلف، وهو على نوعين: (أ) أن يَعِدَ ومِنْ نيّته أن لا يفي بوعده، وهذا أشرُّ الخلف، ولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى، ومن نيته أن لا يفعل كان كذباً وخُلْفاً. قاله الأوزاعي. (ب) أن يَعِدَ ومن نيته أن يفي ثم يبدو له، فيخلف من غير عذر له في الخلف. ٣ - إذا خاصم فجر، ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمداً حتى يصير الحقُّ باطلاً، والباطل حقّاً، وهذا مما يدعو إلى الكذب. ٤ - إذا عاهد غدر ولم يفِ بالعهد، والغدر حرام في كل عهدٍ بين المسلمين وغيرهم، ولو كان المعاهَد كافراً. ٥ - الخيانة في الأمانة، فإذا اؤتمن المسلم أمانة، فالواجب عليه أن يؤدّيها. وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كُلّه يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية، واختلاف القلب واللسان، واختلاف الدخول والخروج، ولهذا قالت طائفة من السلف: خشوع النفاق: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع (١). وهذا النفاق لا يخرج من الملّة فهو (نفاق دون نفاق)؛لحديث عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقاً

стр. 851

خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر)) (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمن خان)) (٢). المطلب الرابع: أنواع الأمور المبتدعة عند القبور النوع الأول: من يسأل الميت حاجته (٣)، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، وقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (٤) الآية، فكل من دعا نبيّاً، أو وليّاً، أو صالحاً وجعل فيه نوعاً من الإلهية فقد تناولته هذه الآية، فإنها عامّة في كل من دعا من دون الله مدعواً، وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته، ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتاً، أو غائباً: من الأنبياء، والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة، أو غيرها فقد فعل الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من العبادة مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أعنّي، أو أغثني، أو ارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكلّ

стр. 852

هذا شرك وضلال يُستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قُتل، فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليُعبد وحده، ولا يُجعل معه إله آخر. النوع الثاني: أن يسأل الله تعالى بالميت ، وهو من البدع المحدثة في الإسلام، وهذا ليس كالذي قبله؛ فإنه لا يصل إلى الشرك الأكبر، والعامّة الذين يتوسَّلون في أدعيتهم بالأنبياء والصالحين كقول أحدهم: أتوسَّل إليك بنبيّك، أو بأنبيائك، أو بملائكتك، أو بالصالحين من عبادك، أو بحقّ الشيخ فلان، أو بحرمته، أو أتوسّل إليك باللوح والقلم، وغير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم، وهذه الأمور من البدع المحدثة المنكرة، والذي جاءت به السنة هو التوسّل والتوجّه بأسماء الله تعالى، وصفاته، وبالأعمال الصالحة، كما ثبت في الصحيحين في قصة الثلاثة (أصحاب الغار)، وبدعاء المسلم الحيّ الحاضر القادر لأخيه المسلم. النوع الثالث: أن يظن أن الدّعاء عند القبور مستجاب ، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد القبر لذلك فإن هذا من المنكرات إجماعاً، ولم نعلم في ذلك نزاعاً بين أئمة الدين ... وهذا أمر لم يشرعه الله، ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين ... وأصحاب رسول الله ﷺ قد أجدبوا مرات، ودهمتهم نوائب، ولم يجيئوا عند قبر النبي ﷺ ، بل خرج عمر بالعباس فاستسقى بدعائه، وقد كان السلف ينهون عن الدعاء عند القبور، فقد رأى علي بن الحسين ﵄ رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فيها، فقال: ألا أُحدِّثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ -

стр. 853

قال: ((لا تجعلوا قبري عيداً ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً وصلُّوا عليَّ وسلَّموا حيثما كنتم فسيبلغني سلامكم وصلاتكم)) (١)، ووجه الدّلالة أن قبر النبي ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيداً، فغيره أولى بالنهي كائناً ما كان (٢)، وعن أبي هريرة ﵁ عنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً وصلّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم)) (٣). المبحث الثالث: أصول المكفرات جميع المكفرات تدخل تحت نواقض أربعة: القول، أو الفعل، أو الاعتقاد، أو الشك والتوقف، قال سماحة العلامة إمام علماء هذا العصر، عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ ورفع درجاته: ((العقيدة الإسلامية لها قوادح، وهذه القوادح قسمان: قسم ينقض هذه العقيدة ويبطلها، ويكون صاحبه كافراً نعوذ بالله، وقسم ينقص هذه العقيدة ويضعفها: القسم الأول: القوادح المكفّرة: نواقض الإسلام هي الموجبة للرِّدَّة هذه تسمى نواقض، والناقض يكون قولاً، ويكون عملاً، ويكون اعتقاداً، ويكون شَكَّاً. فقد يرتدُّ الإنسان بقولٍ يقوله، أو بعملٍ يعمله، أو باعتقاد يعتقده، أو

стр. 854

بشكٍّ يطرؤ عليه، هذه الأمور الأربعة كلُّها يأتي منها الناقض الذي يقدح في العقيدة ويبطلها، وقد ذَكَرَها أهل العلم في كتبهم وسَمَّوا بابها: ((باب حكم المرتدّ))، فكلُّ مذهب من مذاهب العلماء، وكلُّ فقيهٍ من الفقهاء ألَّف كُتُباً - في الغالب - عندما يذكر الحدود - يذكر باب حكم المرتد، وهو الذي يكفر بعد الإسلام، هذا مرتد، يعني أنَّه رَجَع عن دين الله وارتدَّ عنه، قال فيه النبي ﷺ : ((من بدَّل دينَهُ فاقتلوه))، خرَّجه البخاري في ((الصحيح)) (١). وفي ((الصحيحين)) (٢) أن النبي ﷺ بعث أبا موسى الأشعري إلى اليمن، ثم أتْبَعَهُ معاذ بن جبل، فلما قَدِمَ عليه قال: انزل، وألقى له وسادة، وإذا رجلٌ عنده مُوثَق، قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديّاً فأسلم ثم راجع دينه - دين السَّوء - فتهوَّد، قال: لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله، فقال: اجلس، نعم، قال: لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات، فأمر به فَقُتِل. فدلَّ ذلك على أن المرتد عن الإسلام يُقتل، إذا لم يتب، يُستتاب فإن تاب ورجع فالحمد لله، وإن لم يرجع وأصرَّ على كفره وضلاله يُقتَل، ويُعجَّل به إلى النار؛ لقوله ﷺ : ((من بدَّل دينه فاقتلوه)) (٣).

стр. 855

١ - الرّدّة بالقول: النواقض التي تنقض الإسلام كثيرة، منها قولٌ، مثل: سبِّ الله: هذا قولٌ ينقض الدين، سبّ الرسول ﷺ ، يعني: اللعن والسبّ لله ولرسوله، أو العيب، مثل أن يقول: إنَّ الله ظالم، إنَّ الله بخيل، إنَّ الله فقير، إنَّ الله - جل وعلا - لا يعلم بعض الأمور، أو لا يقدر على بعض الأمور، كُلُّ هذه الأقوال رِدَّةٌ عن الإسلام. منِ انْتقص الله أو سبَّه أو عابه بشيء فهو كافر مرتدٌّ عن الإسلام - نعوذ بالله - هذه ردّةٌ قولية، إذا سبَّ الله أو استهزأ به أو تنقَّصه أو وصفه بأمرٍ لا يَليق، كما تقول اليهود: إن الله بخيل، إن الله فقير ونحن أغنياء وهكذا لو قال: إن الله لا يعلم بعض الأمور، أو لا يقدر على بعض الأمور، أو نفى صفات الله ولم يؤمن بها، فهذا يكون مرتداً بأقواله السيئة. أو قال مثلاً: إنَّ الله لم يوجب علينا الصلاة، هذه ردّة عن الإسلام، من قال إن الله لم يوجب الصلاة فقد ارتدَّ عن الإسلام بإجماع المسلمين، إلا إذا كان جاهلاً بعيداً عن المسلمين لا يعرف، فيُعلَّم، فإن أصرَّ كَفَر. وأما إذا كان بين المسلمين، ويعرف أمور الدِّين، فإن قال: ليست الصلاة بواجبة، فهذه رِدَّة، يُستتاب فإن تاب وإلا قُتِل. أو قال: الزكاة غير واجبة على الناس، أو قال: صوم رمضان غير واجب على الناس، أو الحج مع الاستطاعة غير واجب على الناس، من قال هذه المقالات كفر إجماعاً، ويُستتاب فإن تاب وإلا قُتِل - نعوذ بالله

стр. 856

-. وهذه الأمور رِدَّةٌ قولية. ٢ - الرّدّة بالفعل: والرّدّة الفعليّة: مثل: ترك الصلاة، فكونه لا يصلِّي، وإن قال: إنها واجبة - لكن لا يصلي - هذه ردَّة على الأصحّ من أقوال العلماء، لقول النبي ﷺ : ((العَهْدُ الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تَرَكَها فقد كفر)). رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح (١)، وقوله ﷺ : ((بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٢). وقال شَقِيقُ بن عبد الله العُقَيليّ التابعي المتّفق على جلالته ﵀: ((كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفرٌ غير الصلاة)) رواه الترمذي (٣)، وإسناده صحيح. وهذه ردّةٌ فعلية، وهي ترك الصلاة عمداً. ومن ذلك: لو استهان بالمصحف الشريف وقعد عليه مستهيناً به، أو

стр. 857

لطَّخه بالنجاسة عمداً، أو وطأه بقدمه يستهين به، فإنه يرتدّ بذلك عن الإسلام. ومن الرّدّة الفعلية: كونه يطوف بالقبور يتقرّب لأهلها بذلك، أو يصلي لهم أو للجن، وهذه رِدَّةٌ فعلية. أما دعاؤه إيَّاهم، والاستعانة بهم، والنذر لهم: فردَّة قولية. أما من طاف بالقبور يقصد بذلك عبادة الله فهو بدعةٌ قادحةٌ في الدِّين، لا يكون رِدَّة إنما يكون بدعة قادحة في الدين، إذا لم يقصد التقرّب إليه بذلك، وإنما فعل ذلك تقرّباً إلى الله سبحانه جهلاً منه. ومن الكفر الفعلي: كونه يذبح لغير الله، ويتقرب لغيره سبحانه بالذبائح، يذبح البعير أو الشاة أو الدجاجة أو البقرة لأصحاب القبور تقرّباً إليهم يعبُدُهم بها، أو للجِنِّ يعبدهم بها، أو للكواكب يتقرّب إليها بذلك، وهذا ما أُهِلَّ به لغير الله، فيكون ميتةً، ويكون كفراً أكبر - نسأل الله العافية -. هذه كلُّها من أنواع الرّدّة عن الإسلام والنواقض الفعلية. ٣ - الرّدّة بالاعتقاد: ومن أنواع الرّدّة العقدية: التي يعتقدُها بقلبه، وإن لم يتكلّم ولم يفعل - بل بقلبه يعتقد - إذا اعتقد بقلبه أنَّ الله - جل وعلا - فقيرٌ أو أنه بخيل أو أنه ظالم، ولو أنه ما تكلّم، ولو لم يفعل شيئاً هذا كفر بمجرّد هذه العقيدة بإجماع المسلمين. أو اعتقد بقلبه أنه لا يُوجد بعثٌ ولا نشور، وأنّ كلَّ ما جاء هذا ليس

стр. 858

له حقيقة، أو اعتقد بقلبه أنه لا يوجد جَنَّة أو نار، ولا حياة أخرى، إذا اعتقد ذلك بقلبه، ولو لم يتكلم بشيء، هذا كفرٌ ورِدَّةٌ عن الإسلام - نعوذ بالله - وتكون أعمالُهُ باطلة، ويكون مصيره إلى النار بسبب هذه العقيدة. وهكذا لو اعتقد بقلبه - ولو لم يتكلم - أنَّ محمداً ﷺ ليس بصادق، أو أنَّه ليس بخاتم الأنبياء، وأنَّ بعده أنبياء، أو اعتقد أنَّ مُسيلمة الكذَّاب نبيٌّ صادق، فإنه يكون كافراً بهذه العقيدة. أو اعتقد - بقلبه - أنَّ نوحاً أو موسى أو عيسى أو غيرهم من الأنبياء ﵈ أنهم كاذبون أو أحداً منهم، فهذا ردَّةٌ عن الإسلام. أو اعتقد أنَّه لا بأس أنْ يُدعى مع الله غيره، كالأنبياء أو غيرهم من الناس، أو الشمس أو الكواكب أو غيرها، إذا اعتقد بقلبه ذلك صار مُرتدّاً عن الإسلام [لأن الله تعالى] يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ﴾ (٤). وقال: ﴿فَادْعُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى

стр. 859

الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) والآيات في هذا المعنى كثيرة. فمن زَعَم أو اعتقد أنَّهُ يجوزُ أن يُعبَدَ مع الله غيرُهُ من مَلَكٍ، أو نبيٍّ، أو شجرٍ، أو جِنٍّ، أو غير ذلك فهو كافر، وإذا نطق وقال بلسانه ذلك صار كافراً بالقول والعقيدة جميعاً، وإنْ فعل ذلك، ودعا غير الله واستغاث بغير الله صار كافراً بالقول والعمل والعقيدة جميعاً، نسأل الله العافية. ومما يدخل في هذا ما يفعله عُبَّاد القبور اليوم في كثير من الأمصار من دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، وطلب المدَدِ منهم، فيقول بعضهم: يا سيدي المَدَدَ المَدَدَ، يا سيدي الغوثَ الغوثَ، أنا بجوارك، اشفِ مريضي، ورُدَّ غائبي وأصلح قلبي. يخاطبون الأموات الذين يسمونهم الأولياء، ويسألونهم هذا السؤال، نَسُوا الله وأشركوا معه غيره - تعالى الله عن ذلك -. فهذا كفرٌ قوليٌّ، وعقديٌّ، وفعليّ. وبعضُهم ينادي من مكانٍ بعيد وفي أمصار متباعدة: يا رسول الله انصرني .. ونحو هذا، وبعضهم يقول عند قبره: يا رسول الله اشفِ مريضي، يا رسول الله المدد المدد، انصرنا على أعدائنا، أنت تعلم ما نحن فيه انصُرنا على أعدائنا. والرسول ﷺ لا يعلم الغيب، لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه، هذا من

стр. 860

الشرك القوليِّ العمليّ، وإذا اعتقد مع ذلك أن هذا جائز، وأنه لا بأس به صار شركاً قوليّاً وفعليّاً وعقديّاً، نسأل الله العافية. ٤ - الرّدّة بالشّكّ: عَرَضنا للرّدّة التي تكون بالقول، والرّدّة في العمل، والرّدّة في العقيدة، أمّا الرّدّة بالشّكّ فمثل الذي يقول: أنا لا أدري هل الله حقٌّ أم لا؟ ... أنا شاكٌّ، هذا كافرٌ كُفْرَ شكٍّ، أو قال: أنا لا أعلم هل البعث حقٌّ أم لا؟ أو قال: أنا لا أدري هل الجنة والنار حقٌّ أم لا؟ ... أنا لا أدري، أنا شاكٌّ؟ فمثلُ هذا يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل كافراً لشكِّه فيما هو معلومٌ من الدِّين بالضرورة وبالنَّصِّ والإجماع. فالذي يشكّ في دينه ويقول: أنا لا أدري هل الله حقٌّ، أو هل الرسول حقٌّ، وهل هو صادقٌ أم كاذب؟ أو قال: لا أدري هل هو خاتم النبيين، أو قال: لا أدري مسيلمة كاذب أم لا؟ أو قال: ما أدري هل الأسود العنسي - الذي ادَّعى النبوة في اليمن - كاذبٌ أم لا؟ هذه الشكوك كلُّها ردَّةٌ عن الإسلام، يُستتاب صاحبها ويُبيَّن له الحقّ، فإن تاب وإلا قُتِل. ومثل لو قال: أشك في الصلاة هل هي واجبةٌ أم لا؟ وصيام رمضان هل هو واجبٌ أم لا؟ أو شكّ في الحجّ مع الاستطاعة هل هو واجبٌ في العُمُرِ مَرَّةً أم لا؟ فهذه الشكوك كلّها كفر أكبر يُستتاب صاحبها، فإن تاب وآمن وإلا قُتِلَ لقول النبي ﷺ : ((من بدَّل دينه فاقتلوه)) رواه

стр. 861

البخاري في ((الصحيح)) (١). فلا بُدَّ من الإيمان بأنَّ هذه الأمور - أعني الصلاة والزكاة والصيام والحج - كلها حقّ، وواجبة على المسلمين بشروطها الشرعية (٢). أما الوسوسة العارضة والخطرات، فإنها لا تضرّ إذا دفعها المؤمن ولم يسكن إليها، ولم تستقر في قلبه؛ لقول النبي ﷺ : ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به)) (٣). وعليه أن يعمل الآتي: ١ - يستعيذ بالله من الشيطان (٤). ٢ - ينتهي عما يدور في نفسه (٥). ٣ - يقول: آمنت بالله ورسله (٦). القسم الثاني: قوادح دون الكفر: تُضعف الإيمان وتنقصه، وتجعل صاحبه معرضاً للنار وغضب الله،

стр. 862

لكن لا يكون صاحبها كافراً، مثل: أكل الربا، وارتكاب المحرمات: كالزنا، والبدع، إذا آمن بأن ذلك حرام، ولم يستحله، أما إذا اعتقد أن ذلك حلالٌ صار كافراً، وغير ذلك مثل الاحتفال بالمولد، وهو ما أحدثه الناس في القرن الرابع وما بعده من الاحتفال بمولد الرسول ﷺ ، فيكون ذلك إضعافاً للعقيدة، إلا إذا كان هناك في المولد استغاثة بالرسول ﷺ ، فإن هذه البدعة تكون من النوع الأول المخرج عن الإسلام، ومن النوع الثاني كذلك التّطيّر كما يفعل أهل الجاهلية، وقد ردَّ الله عليهم: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ الله بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ (١)، فالطيرة شرك دون كفر .. وكذلك الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، قال النبي ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ)) (٢). انتهى ملخّصاً (٣).

стр. 863

الباب الثالث: مذاهب الناس في تكفير أهل القبلة ومناقشتها الفصل الأول: مذاهب الناس في التكفير المبحث الأول: الخوارج ورأيهم الخوارج يقال لهم: (الحَرورية) نسبة إلى قرية خرجوا منها يقال لها: حروراء، وكل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه [وكفر بالمعاصي] يسمى خارجيّاً (١)، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين، أو كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمة في كل زمان (٢)، ولما اختلفت الخوارج صارت عشرين فرقة (٣)، وكبار الفرق منهم: المحكِّمة، والأزارقة، والنجدات، والبيهسية، والعجاردة، والثعالبة، والإباضية، والصفرية، والباقون فروعهم، ويجمعهم القول بالتبرؤ من عثمان وعلي ﵄، ويقدّمون ذلك على كل طاعة، ولا يصحّحون المناكحات إلا على ذلك، ويكفّرون أصحاب الكبائر (٤)، ويستحلّون دماءهم، وأموالهم، وقالوا: بخلود العصاة في النار، ويرون اتّباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب وإن كانت متواترة، ويكفّرون من خالفهم، ويستحلّون منه - لارتداده عندهم - ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي (٥)، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف

стр. 864

السنة حقّاً واجباً (١)، ويجمع الخوارج على اختلاف مذاهبهم تكفير علي، وعثمان، وأصحاب الجمل، والحكمين، ومن رضي بالتحكيم، أو صوّب الحكمين، أو أحدهما، والخروج على السلطان الجائر ... ولم يُرضَ ما حكاه الكعبي من إجماعهم على تكفير مرتكبي الذنوب، والصواب ما حكاه أبو الحسن عنهم وقد أخطأ الكعبي في دعواه إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب منهم، وذلك أن النجدات من الخوارج لا يكفّرون أصحاب الحدود من موافقيهم، وقالت النجدات: إن صاحب الكبيرة من موافقيهم كافرٌ بنعمة وليس فيه كفرُ دين (٢). قال عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي: إن المُحَكِّمة الأولى من الخوارج قالوا: بتكفير علي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة، وأصحاب الجمل، وبتكفير معاوية، والحكمين، وأصحاب الذنوب من هذه الأمة وما زادوا على ذلك، حتى ظهرت الأزارقة منهم، فزعموا أن مخالفيهم مشركون، وكذلك أهل الكبائر من موافقيهم، واستحلّوا قتل النساء والأطفال من مخالفيهم، وزعموا أنهم مخلّدون في النار (٣). وما تمسَّك به الخوارج والمعتزلة وأمثالهم، من التشبّث بنصوص الكفر والفسوق الأصغر، واستدلالهم به على الأكبر فذلك مما جنته أفهامهم الفاسدة، وأذهانهم البعيدة، وقلوبهم الغلف، فضربوا نصوص الوحي بعضها ببعض، واتّبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.

стр. 865

فقالت الخوارج: المُصِرُّ على كبيرة من زنا، أو شرب خمر، أو رباً، كافر مرتدّ خارج من الدين بالكلية، لا يُصلّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولو أقرّ لله تعالى بالتوحيد، وللرسول ﷺ بالبلاغ، ولو صلى وصام، وزكّى، وحجّ، وجاهد، وهو مخلّد في النار أبداً مع إبليس، وجنوده، ومع فرعون، وهامان، وقارون (١). وفسرّوا الآيات القرآنية بما يؤيّد قولهم في تكفير من يرتكب الكبائر مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (٣). قالوا: فلم يجعل الله منزلة ثالثة تقع وسطاً بين الكفر والإيمان، ومن كفر وحبط عمله فهو مشرك، والإيمان رأس الأعمال، وأول الفرائض ... ومن ترك ما أمره الله به فقد حبط عمله، وإيمانه، ومن حبط عمله فهو بلا إيمان، والذي لا إيمان له مشرك كافر (٤). ومما تمسّك به الخوارج قوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) (٥)، ويأتي الرّدّ عليهم إن شاء الله في فصل مناقشة الآراء (٦).

стр. 866

المبحث الثاني: المعتزلة ورأيهم وأما القدرية المعتزلة عن الحق، فقد افترقت عشرين فرقة كل فرقة منها تُكَفَّر سائرها، يجمعها كلها في بدعتها أمور: منها اتفاقهم على دعواهم في أن الفاسق من أمة الإسلام يكون في منزلة بين المنزلتين (١). وسبب تسمية المعتزلة أنه دخل واحد على الحسن البصري (٢) فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يُخرج به عن الملة - وهم وعيدية الخوارج - وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان. ولا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة - وهم مرجئة الأمة - فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟ فتفكّر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول: إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن،

стр. 867

فقال الحسن: اعتزلنا واصل، فسُمّي هو وأصحابه معتزلة (١). والمعتزلة هم: نُفاة الصفات، قالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته ... إلخ، ويتفق مذهبهم مع مذهب الخوارج في حكم العصاة في الآخرة، وهو القول بخلود العصاة في النار، أما في الدنيا فلا يستحلّون شيئاً من دماء وأموال الفسقة - كما تفعل الخوارج - لكنهم اتفقوا مع الخوارج في إخراجهم من الإيمان واختلفوا معهم في دخولهم في الكفر، فقالت المعتزلة: خرجوا من الإيمان، ولم يدخلوا في الكفر، فهم في منزلة بين المنزلتين. أما الخوارج فيُخرجون الفساق من الإيمان، ويُدخلونهم في الكفر بمجرد الكبيرة (٢)، أما المعتزلة فيقولون: العصاة ليسوا مؤمنين ولا كافرين، ولكن نُسمّيهم فاسقين، فجعلوا الفسق منزلة بين المنزلتين، ولكنهم لم يحكموا للفاسق بمنزلة في الآخرة بين المنزلتين، بل قضوا بتخليده في النار أبداً كالخوارج، فوافقوا الخوارج مآلاً، وخالفوهم مقالاً، وكان الكلّ مخطئين ضلالاً (٣). فالمعتزلة قرّروا أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، ومخلّد في النار يوم القيامة ما لم يتب (٤). ومن أدلّة المعتزلة على أنّ مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ

стр. 868

بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). فلا يجوز - على ملحظ القاضي عبد الجبار - أن يكون الرسول ﷺ رؤوفاً رحيما ً بمن يقيم عليه الحدّ من أهل الكبائر، وبمن يلعنه، وكذلك يحتجّ المعتزلة ... بجملة من الأحاديث منها قوله ﷺ : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) (٢). وقوله ﷺ : ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) (٣). أمّا أدلّة المعتزلة فيما ذهبوا إليه من تأبيد العقاب في النار لأصحاب المعاصي فمنها قول الرسول ﷺ : ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سمّاً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)) (٤). وقوله ﷺ : ((يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذّن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل

стр. 869

خالد فيما هو فيه)) (١)، ويأتي الرّدّ على المعتزلة فيما ذهبوا إليه إن شاء الله في فصل المناقشة لمذهبهم ومذهب غيرهم (٢). المبحث الثالث: الشيعة ورأيهم وهم خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية، وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال، وبعضهم إلى السنة، وبعضهم إلى التشبيه (٣). وهم الذين شايعوا عليّاً ﵁ على الخصوص وقالوا: إنّ عليّاً أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ وأحقّهم بالإمامة وولده من بعده (٤). وقالوا بإمامته وخلافته، نصّاً ووصاية، واعتقدوا أنّ الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا: وليست الإمامة قضية مصلحية، تناط باختيار العامّة، وينتصب

стр. 870

الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، هو ركن الدين لا يجوز للرسول ﵇ إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة ... ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأئمة وجوباً عن الكبائر، والصغائر، والقول بالتولّي، والتبرّؤ قولاً، وفعلاً، وعقداً، إلا في حالة التقية، ويخالفهم بعض الزيدية (١). وكان مبدأ مذهب الشيعة على يد زعيمهم - الخبيث - عبد الله بن سبأ اليهودي المتظاهر بالإسلام، وهو منافق حاقد، حيث كان أول من أظهر الطعن في أبي بكر، وعمر، وعثمان صهر رسول الله ﷺ ، ومن ذلك اليوم إلى يومنا هذا والشيعة بهذه العقيدة وتمسكوا بها، والتفّوا حولها، فالذي لا يبغض خلفاء رسول الله ﷺ الثلاثة ليس عندهم بشيعي، أي لا يحب عليّاً عندهم. وخلاصة القول في مذهب الشيعة: هو الطعن في أصحاب النبي ﷺ ، بل في كبار الصحابة ﵃، وإليك أمثلة لذلك من كتبهم: ١ - الطّعن في أبي بكر ﵁: روى الكشي عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر أن محمد بن أبي بكر بايع عليّاً ﵇ على البراءة من أبيه (٢). ومن الشيعة الذين رفضوا زيد بن علي بن الحسين لما سألوه عن أبي بكر وعمر فأثنى عليهما خيراً، فرفضوه عند ذلك، فسمّوا رافضة، وهم يسبون

стр. 871

الصحابة ويلعنونهم، وقد يغلو البعض في علي بن أبي طالب ﵁ (١). ٢ - الطعن في عمر: ومن طعن الشيعة في عمر الفاروق ﵁ يكذب ابن بابويه القمي الشيعي على الفاروق ويقول: ((قال عمر حين حضره الموت: أتوب إلى الله من ثلاث: اغتصابي هذا الأمر، أنا وأبو بكر من دون الناس، واستخلافه عليهم، وتفضيل المسلمين بعضهم على بعض، ويذكر علي بن إبراهيم القمي الذي هو عندهم ثقة في الحديث، معتمد صحيح المذهب في تفسيره تحت قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ (٢)، قال أبو جعفر: الأول (يعني أبا بكر) يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول عليّاً وليّاً، ((يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً)) يعني الثاني (عمر) (٣). روى الكليني عن أبي عبد الله في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ (٤)، قال: نزلت في فلان وفلان .. آمنوا بالنبي ﷺ في أول الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبي ﷺ : ((من كنت مولاه فعليٌّ مولاه))، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين ﵇، ثم كفروا حيث قضى رسول الله ﷺ فلم يقرّوا بالبيعة، ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء! وبيّن شارح الكافي أن

стр. 872

المراد من فلان وفلان ... أبو بكر، وعمر، وعثمان، وكذبوا قاتلهم الله! ٣ - طعنهم في بقية أصحاب النبي ﷺ وأزواجه أمهات المؤمنين، فلم يكتفِ الشيعة بالطعن والتعريض في رحماء رسول الله ﷺ ، بل تطرقوا إلى أعراض آل النبي ورفقته الكبار، وخاصة الذين هاجروا في سبيل الله وجاهدوا في الله حقّ جهاده، ونشروا دينه الذي ارتضى لهم، ناقمين، وحاسدين جهودهم المشكورة، فهاهم يسبّون حتى عمّ النبي ﷺ العباس ... وابنه عبد الله بن العباس، حبر الأمة، وترجمان القرآن ... وطعنوا في سيف الله خالد بن الوليد، وطعنوا في عبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة ﵃ (أجمعين) وطعنوا كذلك في طلحة والزبير، اللذين هما من العشرة المبشرين بالجنة، وقد قال النبي ﷺ : ((أوجب طلحة)) (١)، يعني الجنة. وقال النبي ﷺ في الزبير: ((إن لكل نبي حوارياً وحواريِّ الزبير)) (٢)، وطعنوا في أنس بن مالك والبراء بن عازب ﵃. وطعنوا في أزواج النبي ﷺ ، وخاصة أم المؤمنين عائشة ﵂، وهي المبرأة من فوق سبع سموات، وأخيراً كفَّروا جميع الصحابة عامّة. هذه هي عقيدة القوم من أولهم إلى آخرهم كما رسمها اليهود لهم، حتى صار دينهم الذي يدينون به دين الشتائم والسّباب، ولكنهم لم يكتفوا بالسّباب والشتائم على عدد

стр. 873

كبير من أصحاب رسول الله ﷺ ، بل هوت بهم الهاوية حتى كفَّروا جميع أصحاب رسول الله ﷺ إلا النادر منهم، فهذا هو الكشي أحد صناديدهم يروي عن أبي جعفر أنه قال: كان الناس أهل ردّة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة، فقلت ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي. وذلك قول الله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئاً وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ) (١)، ويروى عن أبي جعفر أيضاً أنه قال: ((المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا وأشار بيده إلا ثلاثة)) (٢). فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ومما افتراه عليه الظالمون من تحريف لآياته، والاستدلال بها على تكفير أوليائه الذين قال فيهم سبحانه: ﴿رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤). وأصل قول الرافضة: إن النبي ﷺ نصّ على علي نصّاً قاطعاً للعذر، وإنه إمام معصوم ومن خالفه كفر، وإن المهاجرين والأنصار كتموا النصّ، وكفروا بالإمام المعصوم، واتبعوا أهواءهم وبدّلوا الدين،

стр. 874

وغيّروا الشريعة، وظلموا واعتدوا، بل كفروا إلا نفراً قليلاً، إما بضعة عشر أو أكثر، ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر، ونحوهما ما زالا منافقين، وقد يقولون: بل آمنوا ثم كفروا، وأكثرهم يكفرون من خالف قولهم، ويسمّون أنفسهم المؤمنين، ومن خالفهم كفاراً، ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تظهر فيها أقوالهم دار ردّة أسوأ حالاً من مدائن المشركين والنصارى؛ ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين ... ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق، كزندقة القرامطة الباطنية وأمثالهم، ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة؛ ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضدّ السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني، فإنما معناهُ لست رافضياً (١)، وسيأتي الرّدّ عليهم إن شاء الله في فصل المناقشة (٢). المبحث الرابع: المرجئة ورأيهم الإرجاء على معنيين: أحدهما بمعنى التأخير كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاه﴾ (٣) أي أمهله وأخّره. والثاني إعطاء الرجاء: أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأوّل فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخّرون العمل عن النّيّة والعقد، أي يؤخرون العمل عن مُسمّى الإيمان، وأما المعنى الثاني فظاهر؛ فإنهم كانوا

стр. 875

يقولون: لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة (١). والمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة وهم فرق (٢). وهم قوم يقولون: لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقالوا: لا يدخل النار أحد دون الكفر بالكلية. ولا تفاضل عندهم بين إيمان الفاسق الموحد، وبين إيمان أبي بكر وعمر، ولا فرق عندهم بين المؤمنين والمنافقين إذ الكلّ ينطق بالشّهادتين نسأل الله العافية

стр. 876

فهؤلاء في طرف والخوارج في طرف آخر (١). فالمرجئة قالوا: لا نُكفّر من أهل القبلة أحداً، فنفوا التكفير نفياً عامّاً، مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى، بالكتاب، والسنة، والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين، فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتدّاً (٢)، ومذهب المرجئة موافق لمذهب الجهمية بأن الدين واحد لا يزيد ولا ينقص، فإيمان أفسق الناس كإيمان أطوعهم لله، والإيمان في مذهب المرجئة هو مجرد التصديق (٣)، وسيأتي الرّدّ عليهم إن شاء الله في فصل المناقشة (٤). الفصل الثاني: مناقشة الآراء السابقة وتقرير الحق بالدليل المبحث الأول: مناقشة الخوارج ١ - الرّدّ على الخوارج: وقد ردّ النّسفي بردود يستمدّها من نصّ الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ (٥)، فالتوبة النصوح لا تكون إلا من الكبيرة، كما يستمدّ حججاً أخرى من أحاديث

стр. 877

الرسول ﷺ ، أما تفسير الحديث: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) (١)، فقال النووي ﵀: ((القول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله، ومختاره كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة)) (٢). ومن أخطاء الخوارج عدم التفرقة بين الكبائر والصغائر من الأفعال بينما فرق الله تعالى بقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ (٠ (٣). فالخوارج إذن، إن حاولوا حجة في تكفير الأمة لم يجدوا، وإن جعلوا الذنوب كلها كبائر، لم يجدوا إلى الحجة سبيلاً من عقل ولا سمع (٤). ولا بد أن يُفرّق بين الكبائر والصغائر: الكبائر: اختلف في حدّ الكبيرة على أقوال، أمثلها: أنها ما يترتب عليها حدّ في الدنيا، أو توعّد عليها بالنار، أو اللعنة، أو الغضب. الصغائر: قيل: الصغيرة، ما ليس فيها حدّ في الدنيا، ولا وعيد في

стр. 878

الآخرة، والمراد بالوعيد: الخاص بالنار، أو اللعنة أو الغضب (١). ويردّ على الخوارج ومن وافقهم الذين يسلبون عن أهل الكبائر الإيمان من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢)، فلم يخرج ﵎ القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد أخوّة الدين بلا ريب. ٢ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله﴾ (٣). ٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٤). ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدلّ على أن الزاني، والسارق، والقاذف، لا يقتل، بل يُقام عليه الحدّ، فدلّ على أنه ليس بمرتدّ (٥). أما الردّ على الخوارج ومن وافقهم في قولهم بتخليد أهل الكبائر في النار فهو كما قال الطحاوي ﵀: ((وأهل الكبائر ... في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحّدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمته، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم، بفضله

стр. 879

كما ذكره في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى الجنة (٢). وقال النبي ﷺ : ((من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قالوا وإن سرق وإن زنى؟ قال: وإن سرق وإن زنى)) (٣)، وقد تواترت بذلك الأحاديث .. قال النبي ﷺ : ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) (٤). وهذه الشفاعة تتكرر منه ﷺ أربع مرات. المرة الأولى: يخرج من النار بشفاعته - بعد إذن ربه له كما صرَّح بذلك القرآن - من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان (( .. فأَُخرجْ منها من كان في قلبه مثقال حبة من بُرّة أو شعيرة من إيمان)). والمرة الثانية: يخرج من كان في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان. والمرة الثالثة: يخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان. والمرة الرابعة: يخرج منها من قال لا إله إلا الله. فيقول الله : ((وعزّتي

стр. 880

وجلالي، وكبريائي، وعظمتي، لأُخرجَنَّ منها من قال: لا إله إلا الله)) (١). اعتراض على عقيدة أهل السنة والجماعة ومناقشة هذا الاعتراض ١ - قد يقال: إنّ الشارع قد سَمَّى بعض الذنوب كفراً كما قال النبي ﷺ : ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)) (٢). ٢ - وقوله ﷺ : ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)) (٣). ٣ - وقوله ﷺ : ((من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها ... فقد كفر بما أُنزل على محمد)) (٤)، ونظائر ذلك كثيرة، والجواب: إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة، لا يُكفَّر كفراً ينقل عن الملة بالكلّيّة كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتدّاً يُقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تُجرى الحدود في الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وهذا قول معلوم بطلانه، وفساده بالضرورة من دين الإسلام. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع
следующие страницы →