فهؤلاء في طرف والخوارج في طرف آخر (١).
فالمرجئة قالوا: لا نُكفّر من أهل القبلة أحداً، فنفوا التكفير نفياً عامّاً، مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى، بالكتاب، والسنة، والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين، فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتدّاً (٢)، ومذهب المرجئة موافق لمذهب الجهمية بأن الدين واحد لا يزيد ولا ينقص، فإيمان أفسق الناس كإيمان أطوعهم لله، والإيمان في مذهب المرجئة هو مجرد التصديق (٣)، وسيأتي الرّدّ عليهم إن شاء الله في فصل المناقشة (٤).
الفصل الثاني: مناقشة الآراء السابقة وتقرير الحق بالدليل
المبحث الأول: مناقشة الخوارج
١ - الرّدّ على الخوارج: وقد ردّ النّسفي بردود يستمدّها من نصّ الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ (٥)، فالتوبة النصوح لا تكون إلا من الكبيرة، كما يستمدّ حججاً أخرى من أحاديث
стр. 877
الرسول ﷺ ، أما تفسير الحديث: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)) (١)، فقال النووي ﵀: ((القول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله، ومختاره كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة)) (٢).
ومن أخطاء الخوارج عدم التفرقة بين الكبائر والصغائر من الأفعال بينما فرق الله تعالى بقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ (٠ (٣). فالخوارج إذن، إن حاولوا حجة في تكفير الأمة لم يجدوا، وإن جعلوا الذنوب كلها كبائر، لم يجدوا إلى الحجة سبيلاً من عقل ولا سمع (٤).
ولا بد أن يُفرّق بين الكبائر والصغائر:
الكبائر: اختلف في حدّ الكبيرة على أقوال، أمثلها: أنها ما يترتب عليها حدّ في الدنيا، أو توعّد عليها بالنار، أو اللعنة، أو الغضب.
الصغائر: قيل: الصغيرة، ما ليس فيها حدّ في الدنيا، ولا وعيد في
стр. 878
الآخرة، والمراد بالوعيد: الخاص بالنار، أو اللعنة أو الغضب (١).
ويردّ على الخوارج ومن وافقهم الذين يسلبون عن أهل الكبائر الإيمان من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢)، فلم يخرج ﵎ القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد أخوّة الدين بلا ريب.
٢ - قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله﴾ (٣).
٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٤). ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدلّ على أن الزاني، والسارق، والقاذف، لا يقتل، بل يُقام عليه الحدّ، فدلّ على أنه ليس بمرتدّ (٥).
أما الردّ على الخوارج ومن وافقهم في قولهم بتخليد أهل الكبائر في النار فهو كما قال الطحاوي ﵀: ((وأهل الكبائر ... في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحّدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمته، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم، بفضله
стр. 879
كما ذكره في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى الجنة (٢). وقال النبي ﷺ : ((من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قالوا وإن سرق وإن زنى؟ قال: وإن سرق وإن زنى)) (٣)، وقد تواترت بذلك الأحاديث .. قال النبي ﷺ : ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) (٤).
وهذه الشفاعة تتكرر منه ﷺ أربع مرات.
المرة الأولى: يخرج من النار بشفاعته - بعد إذن ربه له كما صرَّح بذلك القرآن - من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان (( .. فأَُخرجْ منها من كان في قلبه مثقال حبة من بُرّة أو شعيرة من إيمان)).
والمرة الثانية: يخرج من كان في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان.
والمرة الثالثة: يخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان.
والمرة الرابعة: يخرج منها من قال لا إله إلا الله. فيقول الله : ((وعزّتي
стр. 880
وجلالي، وكبريائي، وعظمتي، لأُخرجَنَّ منها من قال: لا إله إلا الله)) (١).
اعتراض على عقيدة أهل السنة والجماعة ومناقشة هذا الاعتراض
١ - قد يقال: إنّ الشارع قد سَمَّى بعض الذنوب كفراً كما قال النبي ﷺ : ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)) (٢).
٢ - وقوله ﷺ : ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)) (٣).
٣ - وقوله ﷺ : ((من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها ... فقد كفر بما أُنزل على محمد)) (٤)، ونظائر ذلك كثيرة، والجواب:
إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة، لا يُكفَّر كفراً ينقل عن الملة بالكلّيّة كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتدّاً يُقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تُجرى الحدود في الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وهذا قول معلوم بطلانه، وفساده بالضرورة من دين الإسلام. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع
стр. 881
الكافرين؛ فإنَّ قولهم باطل أيضاً، إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (١)، فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد: أخوّة الدين لا ريب (٢).
المبحث الثاني: مناقشة المعتزلة
قد تصدّى أهل الحديث للرّدّ على ضلالات المعتزلة، مستندين إلى
ما صحّ في السنة النبوية من الأحاديث، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودُّوا فَيُلقون في نهر الحيا أو الحياة - شك مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية)) (٣).
وإذا اعتبرت إقامة الحدّ كفارة لصاحبها، ومجزية عن إعلان التوبة، فإن غفران ذنب من لم يقم عليه حدّ ولم يتب يبقى رهن إرادة الله، وذلك مصداقاً لقوله ﷺ في عصابة من صحابته: ((تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا
стр. 882
بهتاناً تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا، فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً، فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه)). قال الراوي: فبايعناه على ذلك. رواه البخاري عن عبادة بن الصامت ﵁ (١).
والمعتزلة القدرية بتشدّدهم في تخليد مرتكب الذنب في النار ما لم يتب، ينطبق عليهم المثل السائر - ولله المثل الأعلى -: (السيدُ يُعطي، والعبد يمنع)؛ لأن الله تعالى يصرّح بالمغفرة للمصرّ على الكبائر إن شاء، وهم يدفعون في وجه هذا التصريح، ويُحيلون المغفرة بناء على قاعدة الأصلح والصلاح التي هي بالفساد أجدر وأحق (٢).
أما الرّدّ على المعتزلة في قولهم بأن صاحب الكبائر يكون في المنزلة بين المنزلتين فهو على النحو الآتي:
١ - قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣)، فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا وجعله أخاً لوليّ القصاص، والمراد أُخوّة الدين بلا ريب.
стр. 883
٢ - قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (١).
٣ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانا﴾ (٢)، وهذا ردّ على المعتزلة فإن الفاسق يدخل في اسم الإيمان.
ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدلّ على أن الزاني، والقاذف، والسارق، لا يُقتل بل يُقام عليه الحدّ، فدلّ على أنه ليس بمرتدّ (٣).
وقد تقدمت الأدلّة القطعية من الكتاب والسنة - في مناقشة مذهب الخوارج - على أن أصحاب الكبائر من أهل القبلة لا تُخرجهم هذه الكبائر من الإسلام إن لم يستحلّوها، فإن تابوا قبل الموت تاب الله عليهم، وإن ماتوا بإصرارهم على هذه الكبائر فأمرهم إلى الله إن شاء أدخلهم الجنة من أول وهلة، وإن شاء عذبهم، ثم يخرجهم برحمته، ثم بشفاعة الشافعين من أهل طاعته.
المبحث الثالث: مناقشة الشيعة
لقد قال الشيعة في أصحاب رسول الله ﷺ ما لم ينزل الله به من
стр. 884
سلطان، بل قد جاء في فضائل صحابة رسول الله ﷺ ما يدحر ويُخزي هؤلاء الذين قالوا على الله بغير علم، فهم في قولهم هذا خالفوا الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة ومن بعدهم، فقد قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبُّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه)) (١).
وصحابة رسول الله ﷺ قد مدحهم الله في كتابه الكريم، وأثنى عليهم في مواضع كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٣).
وورد في فضائل الصحابة ما لا يُحصى من الآثار والأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه بسنده قال رسول الله ﷺ : ((النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)) (٤).
стр. 885
٢ - وسئل النبي ﷺ من أحبّ الناس إليك؟ قال: ((عائشة))، قلت: من الرجال؟ قال: ((أبوها))، قلت: ثم من؟ قال: ((ثم عمر بن الخطاب))، فعدّ رجالاً (١).
٣ - وقال ﵊: ((إن عبد الله رجل صالح)) (٢)، يعني عبد الله بن عمر ﵄.
فهؤلاء الصحابة وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ الذين مدحهم الله في كتابه، ومدحهم ودعا لهم بالمغفرة رسول الله ﷺ الناطق بالوحي، واحداً واحداً، وجماعةً جماعةً، ويمدحهم ويُثني عليهم كل من سلك مسلكه، واتبع سبيله من المؤمنين غير المنافقين من أبناء اليهود، والمجوس، الذين أكلت قلوبهم البغضاء والشحناء، والحسد عليهم لأعمالهم الجبَّارة في سبيل الله، وفي سبيل نشر هذا الدين الميمون المبارك، وكان هذا هو السبب الحقيقي لحنق الكفرة على هؤلاء المجاهدين، العاملين بالكتاب والسنة، وخاصة على أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃، الذين قادوا جيوش الظفر، وجهزوا عساكر النصر، وكان سبب احتراق
стр. 886
اليهود على المسلمين خاصة أنهم هدموا أساسهم وقطعوا جذورهم، واستأصلوهم استئصالاً، تحت راية النبي ﷺ ، حين كان أسلافهم من بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، يقطنون المدينة، ومن بعد النبي الكريم ﵊ في زمن عمر الفاروق ﵁؛ حيث نفَّذ فيهم وصية رسول الله ﷺ : ((أخرجوا اليهود من جزيرة العرب)) (١)، وطهَّر جزيرة العرب من نجاستهم ودسائسهم، ولم يترك أحداً من اليهود في الجزيرة طبقاً لأمر رسول الله ﷺ (٢).
٤ - وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم من بعد ذلك تسبق أيمانهم شهاداتهم، وشهاداتهم أيمانهم)) (٣).
٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه)) (٤).
стр. 887
٦ - وقال النبي ﷺ : ((لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي)) (١).
٧ - وقد شهد الله لأصحاب نبيه ﷺ ومن تبعهم بإحسان بالإيمان، فَعُلِمَ قطعاً أنهم المراد بالآية الكريمة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ (٢).
٨ - وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (٣).
٩ - وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ
مَصِيراً﴾ (٤)، فقد تقرر أن من اتبع غير سبيلهم ولاَّه الله ما تولَّى وأصلاه جهنم (٥).
نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
стр. 888
المبحث الرابع: الرّدّ على المرجئة
الذين يقولون: لا يضرّ مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة. يُقال لهم: إن في أهل القبلة المنافقين الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب، والسنة، والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين، فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، أو المحرّمات الظاهرة، المتواترة، ونحو ذلك فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل كافراً مرتدّاً (١).
قال ابن حجر العسقلاني ﵀ (٢): ((إن البخاري أورد الحديث الآتي، وأراد به الرّدّ على المرجئة لِمَا فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان، وعلى المعتزلة في قولهم: ((إن المعاصي موجبة للخلود في النار))، فلا يلزم من إطلاق دخول النار التخليد فيها (٣)، والحديث هو: عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله ﵎: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان، فيُخرجون منها قد اسودّوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة - شكّ مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية)) (٤).
стр. 889
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (١)، فالتوبة من الشرك جعلها الله قولاً وعملاً بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة .. والناس يتفاضلون بالأعمال وقال تعالى:
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٢) الآية، وقد بيّن النبي ﷺ أن الأعمال تدخل في مُسمّى الإيمان، فقال ﷺ : ((الإيمان بضعٌ وسبعون، أو بضعٌ وستون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلا الله وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) (٣).
فمن قال: إن فرائض الله ليست من الإيمان فقد أعظم الفرية، ولو كان الأمر كما يقولون: كان من عصى الله وارتكب المعاصي والمحارم لم يكن عليه سبيل فكان إقراره يكفيه من العمل فما أسوأ هذا القول وأقبحه فإنا لله وإنا إليه راجعون (٤).
стр. 890
الخاتمة: نتائج وثمرات البحث
تمّت بحمد الله تعالى هذه الرسالة بعد التّحرّي والتّدقيق قدر الإمكان، والموضوع جدير بالعناية والاهتمام؛ لِمَا له من الأهمية الكبيرة؛ ولخطورته على من قال فيه بغير علم.
أما أهم النتائج والثمرات لقضية التكفير فهي كثيرة، ومنها الثمرات الآتية:
١ - إن الخروج على أئمة المسلمين حرام بالكتاب والسنة.
٢ - إن طاعة ولاة أمر المسلمين: من الولاة، والعلماء، والأمراء، في غير معصية الله: واجبة وجوباً لا شك فيه على الرعية بالمعروف.
٣ - إن كل من خرج على الإمام الذي اتفقت عليه الجماعة المسلمة، وكفَّر بالكبائر يسمى خارجيّاً، ويجب أن يطبق في حقّه الحكم الشرعي.
٤ - إنه ينبغي أن يعلم أن هناك أصولاً في التكفير لا بد من إتقانها، ومعرفتها حتى يكون طالب العلم على بصيرة من أمره.
٥ - إن معرفة ضوابط التكفير أمر مهمّ لطالب العلم الشرعي.
٦ - إن التكفير له موانع لا بدّ من معرفتها والعلم بها، فلا يكفّر المسلم عند أهل السنة إلا بعد تحقق الشروط، وانتفاء الموانع.
٧ - إن أهل السنة والجماعة وسط بين الفرق الأخرى؛ سواء في قضية التكفير أم في غيرها، وقد قال الله تعالى في هذه الأمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ
стр. 891
أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (١).
٨ - إنَّ قضية التكفير هي حقّ الله ورسوله، فلا كافر إلا من كفّره الله ورسوله.
٩ - إنَّ الذي يُريد أن يحكم على أحد بالكفر لا بدّ له من التريث والتأني مرّات ومرّات خوفاً من القول على الله بغير علم؛ لأنه إذا حكم على إنسان بالكفر فلا بد أن تطبّق عليه أحكام المرتد (في الشريعة الإسلامية).
١٠ - إنَّ معتمد أهل السنة والجماعة في قضية التكفير: الكتاب، والسنة، والإجماع.
١١ - إنَّ الفِرق الأخرى المخالفة لأهل السنة والجماعة يختلفون بحسب أحوالهم ومقاصدهم، فمنهم من يكون كافرًا، ومنهم من يكون فاسقاً، ظالماً، ضالاً، ومنهم من يكون مخطئاً، وربما كان مغفوراً له، وقد بيّن ذلك فيما تقدّم ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمة الله عليهم.
١٢ - إنَّ الشريعة الإسلامية لا تحكم على أحد من أهل القبلة بالكفر إلا بعد أن يُبيَّن له، ويوجه إلى الحق بالدليل وبالتبيين وإزالة الشبه العالقة بالأذهان الفاسدة، فإذا أصرّ على ما هو عليه من الكفر والنفاق فعند ذلك لابدّ من العلاج النّاجع، وهو ما ورد في الشريعة من أحكام المرتدّ،
стр. 892
يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل كافراً مرتدّاً.
١٣ - معرفة الحقّ بدليله، وأنّ الفرقة النّاجية هم أهل السنة والجماعة لِمَا تقدّم من الأدلّة، وأنّ ما عداهم ليسوا على الحقّ، بل هم على حسب أحوالهم كما تقدّم.
١٤ - العلم بأن الحق والباطل دائماً بينهما صراع مستمر، ولكن - ولله الحمد - الغلبة في النهاية للحقّ، أمّا الباطل فيذهب ويتلاشى، بينما الحق ثابت لا يتزعزع.
١٥ - التمييز بين الكلمات الآتية:
* الكفر، * النفاق، * الفسوق
* الظلم، * الشرك، * البدعة.
فإن كلاً من هذه الأمور ينقسم إلى قسمين:
(أ) أكبر يُخرج من الملّة، ويخلد صاحبه في النار.
(ب) أصغر لا يخرج من الملّة، وصاحبه تحت مشيئة الله تعالى إن شاء غفر له وأدخله الجنة ابتداءً، وإن شاء عاقبه مدّة لا يعلمها إلا هو سبحانه، ثم يخرجه من النار، ويدخله الجنة برحمته، ثم بشفاعة الشافعين من أهل طاعته.
١٦ - معرفة خطورة الانحراف عن المنهج الشرعي وما يترتب على ذلك من أحكام.
стр. 893
هذا وأسأل الله ﵎ أن يجعل عملي هذا متقبلاً خالصاً لوجهه الكريم، نافعاً، مباركاً، إنه وليّ ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 894
الرسالة الثالثة عشرة: تبريد حرارة المصيبة
عند موت الأحباب وفقد ثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد
تمهيد:
كتبتُ أصل هذه الرسالة في يوم ٢١/ ٧/١٤١٧هـ عندما فقد بعض الإخوة الأحباب بعض أولاده، أعظم الله أجره على مصابه، ولا حرمه جزيل ثوابه، وألهمه التسليم لأمره، والرضى بالقضاء: حلوه، ومرّه، وأخلف عليه من مصابه أحسن الخلف بمنِّه وكرمه، وقد جمعت فيها بعض الآيات والأحاديث وأرسلتها إليه؛ لتبرِّد حرّ مصيبته، ويحتسب ويصبر، ثم كنت بعد ذلك أرسلها إلى كل من بلغني أنه مات له أحد من أولاده في مناسبات عديدة ولله الحمد، ثم تكررت المناسبات العظام في الابتلاء والمحن، والمصائب الجسيمة، لكثير من الأحباب، جبر الله مصيبة كلّ مسلمٍ مُصابٍ، فرأيت أن أضيف إليها بعض الآيات والأحاديث؛ ليبرِّد بها كلُّ مسلمٍ مصابٍ حرارة مصيبته، وخاصة من أصيب بثمرات الأفئدة وفلذات الأكباد (١).
وأرجو الله أن يفتح قلوب الأحباب لاقتناء هذه الرسالة ثم إهدائها لمن أصابته مصيبة بفقد فلذات الأكباد، وثمرات الأفئدة، أو
стр. 895
موت الأحباب تعزيةً لهم وتبريدًا لحرارة مصيبتهم، ويبشّر بالأجر؛ لحديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من مؤمن يُعزِّي أخاه بمصيبةٍ إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة)) (١).
ولا شك أن المسلم المصاب إذا قرأ هذه الآيات والأحاديث انشرح صدره، وبردت حرارة مصيبته، وفُرِّج كربه، وقد قال النبي ﷺ : ((من نفَّس عن مُؤمنٍ كربة من كُربِ الدنيا نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة)) (٢).
ولله دَرُّ القائل:
الصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل
وإليك بيان ما أردت بيانه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من سعيد بن علي بن وهف القحطاني إلى كُلِّ مسلمٍ مُصابٍ بمصيبةِ موت الأحباب، أو فقد فلذات الأكباد، وثمرات الأفئدة، جبر الله مصيبتهم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فالله أسأل أن يُحسن عزاءكم، وأن يجمعكم ومن فقدتم في الفردوس
стр. 896
الأعلى من الجنة، واعلموا ((أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فاصبروا واحتسبوا)) (١)، و أبشروا بما وعد الله عباده المؤمنين الصابرين ، وإليكم ما تطمئنُّ به قلوبكم، ويُبرِّد حرّ مصيبتكم العظيمة، ويشرح صدوركم، ويذهب همومكم وغمومكم من كلام ربكم الكريم، الحكيم، الرؤوف، الرحيم، الذي هو أرحم بالعباد من والديهم، ومن كلام نبيكم وقدوتكم وحبيبكم محمد ﷺ :
١ - صلوات الله ورحمته وهدايته للصابرين: قال الله تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٢).
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أي: بشرهم بأنهم يُوفَّوْن أجورهم بغير حساب، فالصابرون هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾، وهي كلّ ما يُؤلم القلب أو البدن، أو كليهما، كما تقدم في الآيات، ومن ذلك موت الأحباب، والأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد، أو بدن من يحبه، ﴿قَالُواْ إِنَّا لله﴾ أي مملوكون لله، مُدَبَّرون تحت أمره، وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأولادنا، وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء
стр. 897
فقد تصرَّف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم، فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد: علمه بأن وقوع البلِيَّة من المالك الحكيم الذي هو أرحم بعبده من نفسه ووالدته، فيوجب له ذلك الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره؛ لِمَا هو خير لعبده وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفرًا عنده، وإن جزعنا وسخطنا لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله وراجع إليه من أقوى أسباب الصبر ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصبر المذكور ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي ثناء من الله عليهم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عظيمة، ومن رحمته إياهم أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به، وهو هنا: صبرهم لله (١).
قال أمير المؤمنين عمر ﵁: ((نعم العدلان ونعمة العلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، فهذان العدلان، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا)) (٢).
٢ - الاستعانة بالصبر من أسباب السعادة ، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ
стр. 898
بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (١).
٣ - محبّة الله للصابرين ، قال : ﴿وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٢).
٤ - معيَّة الله مع الصابرين: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣).
٥ - استحقاق دخول الجنة لمن صبر ، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ (٤).
٦ - الصابرون يُوفَّون أجرهم بغير حساب ، فلا يُوزن لهم، ولا يُكال لهم، إنما يُغرف لهم غرفًا، وبدون عدٍّ ولا حدٍّ، ولا مقدار (٥)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٦).
٧ - جميع المصائب مكتوبة في اللوح المحفوظ ، من قبل أن يخلق الله الخليقة ويبرأ النسمة، وهذا أمر عظيم لا تُحيط به العقول؛ بل تذهل عنده أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير (٧)، قال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِير *، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَالله لا
стр. 899
يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١).
٨ - ما أصاب من مصيبة في النفس، والمال، والولد، والأحباب، ونحوهم إلا بقضاء الله وقدره ، قد سبق بذلك علمه، وجرى به قلمه، ونفذت به مشيئته، واقتضته حكمته، فإذا آمن العبد أنها من عند الله فرضي بذلك وسلَّم لأمره، فله الثواب الجزيل، والأجر الجميل، في الدنيا والآخرة، ويهدي الله قلبه فيطمئن ولا ينزعج عند المصائب، ويرزقه الله الثبات عند ورودها، والقيام بموجب الصبر فيحصل له بذلك ثواب عاجل، مع ما يدَّخره الله له يوم الجزاء من الثواب (٢)، قال الله تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ الله وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣)، قال علقمة عن عبد الله: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِالله يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ هو الرجل الذي إذا أصابته مصيبة رضي بها وعرف أنها من الله)) (٤).
وما أحسن ما قال ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى:
سبحان من يبتلي أناسًا ... أحبَّهم والبلاءُ عطاءُ
فاصبرْ لبلْوى وكن راضيًا ... فإن هذا هو الدواءُ
سلِّمْ إلى الله ما قضاه ... ويفعل الله ما يشاء (٥)
стр. 900
٩ - الله تعالى يجزي الصابرين بأحسن ما كانوا يعملون ، قال تعالى:
﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ قَسَمٌ من الرب تعالى مؤكَّد باللام أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة؛ فإن الله لا يضيع أجر مَنْ أحسن عملاً، أي ويتجاوز عن سيئاتهم (١)، ولله دَرُّ أبي يعلى الموصلي القائل:
إني رأيت وفي الأيام تجربةٌ ... للصبر عاقبةٌ محمودةُ الأثر
وقلّ من جدَّ في أمر يحاولُه ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر (٢)
١٠ - ما يُقال عند المصيبة والجزاء والثواب والأجر العظيم على ذلك، فعن أم المؤمنين أم سلمة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((ما من عبدٍ تُصيبه مصيبةٌ فيقول: إنَّا لله، وإنَّا إليه راجعون، اللهم أْجُرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها، إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها)) قالت أم سلمة، فلما توفي أبو سلمة ﵁ قلت كما أمرني رسول الله ﷺ ، فأخلف الله لي خيرًا منه رسولَ الله ﷺ ، وفي لفظ: ((ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: ((إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم أجُرْني في مصيبتي واخلِفْ لي خيرًا منها ... )) الحديث)) (٣). وفي لفظ ابن ماجه: ((إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي، فأجُرْني فيها،
стр. 901
وعوِّضني خيرًا منها)) (١).
وحديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسمّوه بيت الحمد)) (٢).
قال ابن ناصر الدين رحمه الله تعالى:
يجري القضاء وفيه الخير نافلة ... لمؤمن واثق بالله لا لاهي
إن جاءه فرحٌ أو نابه ترحٌ ... في الحالتين يقول الحمد لله (٣)
١١ - الأجر العظيم والثواب الكثير والفوز بالجنة لمن مات حبيبه المصافي فصبر، وطلب الأجر من الله تعالى، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: ((ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) (٤)، قوله: ((جزاء)) أي ثواب وقوله: ((إذا قبضت صَفِيَّه)) وهو الحبيب المصافي: كالولد، والأخ، وكل ما يحبه الإنسان، والمراد بالقبض قبض روحه وهو الموت .. وقوله: ((ثم احتسبه إلا الجنة))، والمراد: صَبَر على فقده راجيًا من الله الأجر والثواب على ذلك. والاحتساب: طلب الأجر من الله تعالى خالصًا.
стр. 902
ووجه الدلالة من هذا الحديث ((أن الصفيَّ أعمّ من أن يكون ولدًا أم غيره، وقد أفرد ورتّب الثواب بالجنة لمن مات له فاحتسبه)) (١).
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((صفيه: حبيبه: كولده، أو أبيه، أو أمه، أو زوجته)) (٢).
١٢ - أشدّ الناس بلاءً: الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل؛ لحديث مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل: يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقةً ابتُلِيَ على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)) (٣).
أكثر وأصعب بلاء: أي محنة ومصيبة؛ لأنهم لو لم يُبتلوا لتُوهِّم فيهم الألوهية؛ وليتوهن على الأمة الصبر على البلية؛ ولأن من كان أشد بلاء كان أشد تضرُّعًا، والتجاءً إلى الله تعالى ((ثم الأمثل فالأمثل)) أي الفضلاء، والأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة، فكل من كان أقرب إلى الله يكون بلاؤه أشد؛ ليكون ثوابه أكثر ((فإن كان في دينه صلبًا)) أي قويًا شديدًا ((اشتد بلاؤه)) أي كميَّة وكيفيَّة ((فما يبرح البلاء))
стр. 903
أي ما يفارق (١).
ومما يزيد ذلك وضوحًا وتفسيرًا، حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلِّغه إياها)) (٢).
١٣ - من كان بلاؤه أكثر فثوابه وجزاؤه أعظم وأكمل ؛ لحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)) (٣).
والمقصود الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه لا الترغيب في طلبه للنهي عنه، فمن رضي بما ابتلاه الله به فله الرضى منه تعالى وجزيل الثواب، ومن سَخِطَ: أي كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه تعالى، فله السخط منه تعالى وأليم العذاب، ومن يعمل سوءًا يُجز به (٤).
ولا شك أن الصبر ضياء كما قال النبي ﷺ : ((والصبر ضياء)) (٥).
والضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس، بخلاف القمر، فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق، ولَمّا
стр. 904
كان الصبر شاقًّا على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس، وحبسها، وكفّها عما تهواه، كان ضياءً (١)؛ ولهذا - والله أعلم - يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، بفضل الله .
١٤ - ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وما عليه خطيئة؛ لأنها زالت بسبب البلاء (٢)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله
ﷺ : ((ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة: في نفسه، وماله، وولده، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة)) (٣).
١٥ - فضل من يموت له ولد فيحتسبه ، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (٤) إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)) (٥).
والولد يشمل الذكر والأنثى.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما تعدُّون الرّقوب (٦) فيكم))؟ قال: قلنا: الذي لا يُولد له. قال: ((ليس ذاك
стр. 905
بالرّقوب، ولكنه الرجل الذي لم يقدِّم من ولده شيئًا)) (١).
١٦ - من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجابًا من النار؛ ودخل الجنة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : ((من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كان له حجابًا من النار أو دخل الجنة)) (٢). وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال لامرأة مات لها ثلاثة من الولد: ((لقد احتظرت بحظار شديد (٣) من النار)) (٤)؛ ولحديث عتبة بن عبدٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث إلا تلقَّوْه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل)) (٥).
١٧ - من قدّم اثنين من أولاده دخل الجنة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لنسوة من الأنصار: ((لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة))، فقالت امرأة منهن: أو اثنين يا رسول الله؟ قال: ((أو اثنين)) (٦)، قال النووي ﵀: وقد جاء في غير مسلم
стр. 906
((وواحد)) (١).
وعن أبي صالح ذكوان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تُعلّمنا مما علّمك الله، قال: ((اجتمعن يوم كذا وكذا))، فاجتمعن فأتاهن رسول الله ﷺ ، فعلمهن مما علمه الله قال: ((ما منكن من امرأة تقدّم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كانوا لها حجابًا من النار))، فقالت امرأة: واثنين، واثنين، واثنين؟ فقال رسول الله ﷺ : ((واثنين، واثنين، واثنين)) (٢).
١٨ - من مات له واحد من أولاده فاحتسبه وصبر دخل الجنة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله تعالى: ((ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفّيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه وهو أصحّ ما ورد في ذلك، وقوله: ((فاحتسب)) أي صبر راضيًا بقضاء الله راجيًا فضله)) (٤)، وذكر ابن حجر ﵀ أنه يدخل في ذلك
стр. 907
حديث قرة بن إياس، وسيأتي في الحديث الآتي (١).
وسيأتي أيضًا حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الذي فيه قوله ﷺ : ((ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسمّوه بيت الحمد))، فهو يدلّ على أن من مات له ولد واحد دخل الجنة (٢).
١٩ - من مات له ولد فاحتسبه وجده ينتظره عند باب الجنة ، بفضل الله ورحمته؛ لحديث قرّة بن إياس ﵁ أن رجلاً كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابن له، فقال له النبي ﷺ : ((أتحبه))؟ فقال: يا رسول الله أحبك الله كما أحبه، ففقده النبي ﷺ ، فقال: ((ما فعل ابن فلان))؟ قالوا: يا رسول الله مات، فقال النبي ﷺ لأبيه: ((أما تحبّ أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟)) فقال رجل: يا رسول الله: أله خاصة أو لكُلِّنا؟ فقال: ((بل لِكُلِّكم))، ولفظ النسائي: ((ما يسرّك أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته عنده يسعى يفتح لك؟)) (٣).
٢٠ - المؤمن إذا مات ولده سواء كان ذكرًا أو أنثى وصبر واحتسب وحمد الله على تدبيره وقضائه بنى الله له بيتًا في الجنة وسماه بيت الحمد؛ لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا مات ولد
стр. 908
العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسمّوه بيت الحمد)) (١).
وعن أبي سلمى راعي رسول الله ﷺ يرفعه: ((بخٍ بخٍ - وأشار بيده لخمس - ما أثقلهن في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يُتوَفَّى للمرء المسلم فيحتسبه)) (٢).
٢١ - السِّقط يجرّ أمّه بِسُرِّهِ إلى الجنة ؛ لحديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ : قال: ((والذي نفسي بيده إن السقط ليجرُّ أُمَّهُ بسَرَرِه إلى الجنة إذا احتسبته)) (٣).
٢٢ - ومما يشرح صدر المسلم ويبرِّد حرَّ مصيبته أن أولاد المسلمين في الجنة، قال الإمام النووي ﵀ بعد أن ساق الأحاديث في فضل من يموت له ولد فيحتسبه: ((وفي هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين في الجنة، وقد نقل جماعة فيهم إجماع المسلمين))، ونقل عن المازري قوله: ((ونقل جماعة الإجماع في كونهم من أهل الجنة قطعًا؛ لقوله
стр. 909
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ (١)(٢).
ويدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ أن أولاد المسلمين في الجنة، ((وأن أحدهم يلقى أباه فيأخذ بثوبه أو بيده فلا يتركه حتى يدخله الله وأباه، أو قال: أبويه الجنة)) (٣).
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((أجمع المسلمون على أن أولاد المسلمين في الجنة، أما أولاد الكفار ففيهم خلاف، وأصح ماقيل فيهم أنهم يُمتحنون يوم القيامة، أو هم من أهل الجنة بدون امتحان، وهو أصحّ)) (٤). وهو الصواب (٥)؛ لحديث سمرة بن جندب ﵁ في الحديث الطويل وفيه: ((وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة))، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله: وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : ((وأولاد المشركين)) (٦).
٢٣ - من تصبّر ودرَّب نفسه على الصبر صبَّره الله وأعانه وسدّده ؛ لحديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ ، وفيه: ((ومن يستعفف يُعفّه
стр. 910
الله، ومن يستغنِ يُغْنِهِ الله، ومن يتصبَّر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر)) (١).
٢٤ - من أراد الله به خيرًا أصابه بالمصائب ؛ ليثيبه عليها (٢)؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من يُرد الله به خيرًا يُصب منه)) (٣).وسمعت شيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((أي بالمصائب بأنواعها، وحتى يتذكّر فيتوب، ويرجع إلى ربه)) (٤).
٢٥ - أمر المؤمن كله خير في السرّاء والضرّاء ، وفي الشدّة والرّخاء؛ لحديث صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له)) (٥).
٢٦ - المصيبة تحطّ الخطايا حطًّا كما تحطّ الشجرة ورقها؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه حتى الشوكة يُشاكها)) (٦).
стр. 911
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما من مسلم يُصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطَّ الله به سيئاته كما تحطُّ الشجرة ورقها)) (١).
وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ما يُصيب المؤمن من نَصَبٍ، ولا وَصَبٍ، ولا همّ، ولا حزن، ولا أذى، ولا غمّ حتى الشوكةُ يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه)) (٢)، وفي لفظ: ((ما يُصيب المؤمنَ من وَصَبٍ (٣)، ولا نَصَبٍ (٤)، ولا سَقَم ... )).
٢٧ - يجتهد المسلم في استكمال شروط الصبر التي إذا عمل بها المصاب المسلم حصل على الثواب العظيم، والأجر الجزيل، وتتلخص هذه الشروط في ثلاثة أمور:
الشرط الأول: الإخلاص لله في الصبر ؛ لقول الله : ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾، ولقوله في صفات أصحاب العقول السليمة: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٥)، وهذا هو الإخلاص في الصبر المبرّأ من شوائب الرياء وحظوظ النفس.
الشرط الثاني: عدم شكوى الله تعالى إلى العباد ؛ لأن ذلك ينافي الصبر
стр. 912
ويخرجه إلى السخط والجزع؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يشكني إلى عوّاده أطلقته من إساري، ثم أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ثم يستأنف العمل)) (١).
ولله دَرُّ الشاعر الحكيم حيث قال:
وإذا عرتك بليّةٌ فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بك أعلمُ
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم (٢)
الشرط الثالث: أن يكون الصبر في أوانه ، ولا يكون بعد انتهاء زمانه؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: مرَّ النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال: ((اتّقِ الله واصبري)) [فقالت]: إليك عنِّي فإنك لم تُصَبْ بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي، فأتت باب النبي ﷺ فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)) (٣). أي الصبر الكامل الذي يترتّب عليه الأجر الجزيل؛ لكثرة المشقة فيه، وأصل الصدم الضرب في شيء صلب، ثم استعمل مجازًا في كل مكروه حصل بغتة (٤).
стр. 913
٢٨ - أمور لا تنافي الصبر ولا بأس بها، منها ما يأتي:
الأمر الأول: الشكوى إلى الله تعالى ؛ فالتضرّع إليه، ودعاؤه في أوقات الشدّة عبادة عظيمة، فإن الله أخبر عن يعقوب بقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (١).
وقال تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
وأيوب ﵊ أخبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٤).
وقال الله تعالى عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٥)، فإذا أصاب العبدَ مصيبةٌ فأنزلها بالله، وطلب كشفها منه فلا ينافي الصبر (٦).
الأمر الثاني: الحزن ودمع العين ؛ فإن ذلك قد حصل لأكمل الخلق نبينا محمد بن عبد الله ﷺ ؛ لحديث أنس ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين (٧) - وكان ظئرًا (٨) لإبراهيم ﵇ فأخذ رسول الله ﷺ
стр. 914
إبراهيم فقبَّله وشمَّهُ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه (١)، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان (٢)، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله (٣)؟ فقال: ((يا ابن عوف إنها رحمة)) ثم أتبعها بأخرى (٤) فقال: ((إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)) (٥).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((ووقع في حديث عبد الرحمن بن عوف نفسه: فقلت يا رسول الله تبكي أَوَلَمْ تَنْهَ عن البكاء؟ وزاد فيه: ((إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة لهوٍ ولعبٍ ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه، وشق جيوب، ورنّة
شيطان)). قال: ((إنما هذا رحمة، ومن لا يَرحم لا يُرحم)) (٦).
стр. 915
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((هذا الحديث يفسر البكاء المباح، والحزن الجائز، وهو ما كان بدمع العين، ورقة القلب من غير سخط لأمر الله، وهو أبين شيء وقع في هذا المعنى، وفيه مشروعية تقبيل الولد وشمّه، ومشروعية الرضاع، وعيادة الصغير، والحضور عند المحتضر، ورحمة العيال، وجواز الإخبار عن الحزن، وإن كان الكتمان أولى، وفيه وقوع الخطاب للغير، وإرادة غيره بذلك، وكل منهما مأخوذ من مخاطبة النبي ﷺ ولده مع أنه في تلك الحالة لم يكن ممن يفهم الخطاب لوجهين: أحدهما: صغره، والثاني نزاعه. وإنما أراد بالخطاب غيره من الحاضرين إشارة إلى أن ذلك لم يدخل في نهيه السابق، وفيه جواز الاعتراض على من خالف فعله ظاهر قوله؛ ليظهر الفرق)) (١).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي [ ﷺ ] يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، ﵃، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله (٢) فقال: ((قد قضى))؟ قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بَكَوْا، فقال: ((ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذِّبُ بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذِّب بهذا (٣) - وأشار إلى لسانه - أو يرحم (٤)، وإن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه)) (٥)، وكان عمر ﵁