← Фикх общий

Фикх общий · id 96547

مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

من السبع ولو قليلاً لم يجزه؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، قال عن النبي ﷺ : ((قدم النبي ﷺ فطاف بالبيت سبعاً، وصلَّى خلف المقام ركعتين، ثم خرج ﵊ إلى الصفا، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١). فقد طاف النبي ﷺ سبعاً، فيكون تفسيراً لمجمل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (٢).فيكون ذلك هو الطواف المأمور به، وقد قال النبي ﷺ : (( ... لتأخذوا مناسككم)) (٣). الشرط الخامس: أن يكون الطواف بجميع البيت خارجه ، فإن طاف من داخل الحِجر، أو طاف على جداره، أو على شاذروان الكعبة (٤) لم يجزئه؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ (٥)، وهذا يقتضي الطواف بجميعه، والحِجْر منه (٦)؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: سألت النبي ﷺ عن الجَدْرِ أمِن البيت هو؟ قال: ((نعم)) قلت: فلما لم يدخلوه في

стр. 352

البيت؟ قال: ((إن قومك قصَّرت بهم النفقة)) قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟ قال: ((فعل ذلك قومُكِ ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولولا أن قومك حديثٌ عهدهم بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم، لنظرت أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألزق بابه بالأرض)) (١). وفي لفظ للبخاري: ((قال جرير فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها)) (٢). ولفظ النسائي: ((لولا أن الناس حديثٌ عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوِّى على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، وجعلت له باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه)) (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول اللَّه، ألا أدخل البيت؟ قال: ((ادخلي الحجر فإنه من البيت)) (٤). الشرط السادس: الترتيب، وهو أن يطوف على يمينه ، ويجعل البيت عن يساره، فإن نكَسَه فطاف وجعل البيت عن يمينه لم يجزئه ولا يصح طوافه؛ لحديث جابر ﵁ قال: لما قدم رسول اللَّه ﷺ مكة دخل المسجد فاستلم الحَجَر، ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً، ثم أتى المقام

стр. 353

فقال: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، ثم أتى البيت بعد الركعتين فاستلم الحجر ثم خرج إلى الصفا)) (١)، ولأنها عبادة تتعلق بالبيت فكان الترتيب فيها شرطاً كالصلاة (٢). الشرط السابع: أن يبتدئ بالحجر الأسود فيحاذيه ، وينتهي إليه في كل شوط؛ لحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ وفيه: (( ... حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً .... )) (٣). فدل على أن النبي ﷺ بدأ بالحجر الأسود، وقد قال عبد اللَّه بن عمر ﵄ في صفة طواف النبي ﷺ بالبيت: ((قدم رسول اللَّه ﷺ فطاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين، وسعى بين الصفا والمروة سبعاً، وقد كان لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة)) (٤). الشرط الثامن: الموالاة. فيوالي في طوافه ويستأنف الطواف من أوله إذا أحدث أثناء الطواف على الصحيح، وكذلك إذا قطع الطواف وطال الفصل بحيث يكون القطع طويلاً (٥)؛ لأن النبي ﷺ طاف كذلك، وقد قال: (( ... لتأخذوا مناسككم)) (٦).

стр. 354

إلا أن الطائف بالبيت إذا أُقيمت الصلاة، أو حضرت جنازة، فإنه يُصلِّي ثم يبني فيكمل الباقي من الأشواط (١)؛ لقول النبي ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (٢). قال الإمام البخاري ﵀: ((باب: إذا وقف في الطواف، وقال عطاء فيمن يطوف فتقام الصلاة أو يدفع عن مكانه: إذا سلم يرجع حيث قُطِع عليه (٣).ويذكر نحوه عن ابن عمر (٤)،وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃)) (٥) (٦).

стр. 355

وسمعت شيخنا العلامة الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ يقول: ((وهذا هو الصواب إذا أقيمت الصلاة وهو يطوف، فإنه يصلِّي وبعد نهاية الصلاة يقوم ويبدأ من محلِّه، وقال بعض الفقهاء: إنَّ هذا الشوط يضيع عليه، ويبدأ من الحَجَر، والصواب أنه لا يعود وإنما يبدأ من محلِّه؛ لأنه طواف قطعه بنيَّة شرعيَّة ثم رجع إليه، أما من أحدث، أو خرج بدون عذر شرعي وطال الزمن فإنه يعيده من أوله؛ لأن الطواف مثل الصلاة)) (١) (٢).

стр. 356

وقال شيخنا ابن باز ﵀: ((والطواف من جنس الصلاة في الجملة، لكن لو قطعه لحاجة مثلاً: كمن طاف ثلاثة أشواط ثم أقيمت الصلاة فإنه يصلي ثم يرجع فيبدأ من مكانه، ولا يلزمه الرجوع إلى الحجر الأسود، بل يبدأ من مكانه ويكمل، خلافاً لما قال بعض أهل العلم: إنه يبدأ من الحجر الأسود، والصواب لا يلزمه ذلك، كما قال جماعة من أهل العلم، وكذا لو حضرت جنازة وصلَّى عليها، أو أوقفه أحد يكلمه، أو زحام، فإنه يكمل طوافه ولا حرج عليه في ذلك واللَّه ولي التوفيق)) (١) (٢).

стр. 357

وقال الإمام أحمد: ((إذا أُعيي في الطواف لا بأس أن يستريح)) (١). الشرط التاسع: النية ؛ لقول النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٢). فإذا لم ينوِ الطواف وإنما جعل يدور حول الكعبة؛ ليتابع مديناً له، يطالبه بدين، أو لأي غرض من الأغراض، فإنه لا يصح طوافه؛ للحديث المذكور آنفاً، فهو لم ينوِ الطواف بل نوى متابعة غريم، أو متابعة إنسان يريد أن يتكلم معه، ويمشي معه حتى ينتهي من طوافه، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يصح طوافه (٣) (٤).

стр. 358

ثانياً: صفة الطواف بالبيت على النحو الآتي: ١ - يقطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف إن كان متمتعاً أو معتمراً (١)، ثم يقصد الحجر الأسود، فيحاذيه، ويستقبله ثم يستلمه بيمينه ويقبله إن تيسر ذلك (٢)، ولا يؤذي الناس بالزحام ويقول عند استلامه: ((اللَّه أكبر)) (٣)، ولو قال: ((بسم اللَّه واللَّه أكبر)) (٤) فحسن؛ لما ثبت عن ابن

стр. 359

عمر ﵄ أنه كان (( ... يدخل مكة ضحىً فيأتي البيت فيستلم الحجر ويقول: بسم اللَّه واللَّه أكبر)) (١). و للحجر الأسود سنن أربع كلها ثبتت عن النبي ﷺ وهي: السُّنَّة الأولى: يمسحه بيده، ويُقبِّله، ويكبر ، وهذا أكمل الحالات؛ لحديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه: ((قبل الحجر، وقال: لولا أني رأيت رسول اللَّه ﷺ قبَّلك ما قبلتك)).وفي لفظ لمسلم: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان ((يُقبل الحجر، ويقول: واللَّه إني لأقبلك، وإني أعلم أنك حجر، وأنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول اللَّه ﷺ قبلك ما قبلتك)) (٢). وسأل رجل ابن عمر ﵄ عن استلام الحجر فقال: ((رأيت رسول اللَّه ﷺ ، يستلمه ويقبله)) (٣).

стр. 360

وعن ابن عباس ﵄ قال: ((طاف النبي ﷺ على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه بشيء كان عنده، وكبَّر)) (١). السنة الثانية: فإن لم يتيسر له ذلك مسحَهُ بيده وقبّل يده ؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄، فعن نافع قال: ((رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبَّل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول اللَّه ﷺ يفعله)) (٢). السنة الثالثة: فإن لم يتيسر له ذلك استلمه بعصا وقبل ما استلمه به ؛ لحديث أبي الطفيل ﵁ قال: ((رأيت رسول اللَّه ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجنٍ معه، ويقبِّل المحجن)) (٣). السنة الرابعة: فإن لم يتيسر له ذلك أشار إليه بيده وكبر ولا يقبِّل ما يشير به؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: ((طاف النبي ﷺ على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه)) (٤).

стр. 361

قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((أورد فيه حديث ابن عباس: ((طاف النبي ﷺ على بعير كلما أتى الركن أشار إليه)) وقد تقدم قبل بابين بزيادة شرح فيه، قال ابن التين: تقدم أنه كان يستلمه بمحجن فيدل على قربه من البيت، لكن من طاف راكباً يستحب له أن يبقى إن خاف أن يؤذي أحداً، فيحمل فعله ﷺ على الأمن من ذلك، انتهى. ويحتمل أن يكون في حال استلامه قريباً حيث أمن ذلك، وأن يكون في حال إشارته بعيد حيث خاف ذلك)) (١). وهذه سنن من فعل منها ما تيسر فقد أصاب سنة النبي ﷺ والحمد لله (٢). ٢ - ثم يأخذ ذات اليمين ويجعل البيت عن يساره ، وإن قال في ابتداء طوافه: ((اللَّهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد ﷺ )) فحسن؛ لوروده عن علي، وابن عباس ﵄ (٣). ٣ - يرمل الرجل في طواف العمرة، وفي الطواف الأول من الحج ، في الثلاثة الأشواط الأُوَل من الحجر الأسود إلى أن يعود إليه؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ ((أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف

стр. 362

الأول خبَّ ثلاثاً (١)، ومشى أربعاً، وكان يسعى ببطن المسيل (٢) إذا طاف بين الصفا والمروة)). ((وكان ابن عمر يفعل ذلك)) وهذا لفظ مسلم، وفي لفظ للبخاري، ((كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة))، وفي لفظ للبخاري أن عبيد اللَّه بن عمر قال لنافع: أكان عبد اللَّه [أي ابن عمر] يمشي إذا بلغ الركن اليماني؟ قال: لا، إلا أن يزاحم على الركن؛ فإنه كان لا يدعه حتى يستلمه)) (٣). وعن ابن عمر ﵄ قال: ((رمل رسول اللَّه ﷺ من الحجر إلى الحجر ثلاثاً، ومشى أربعاً)) (٤). وعن جابر بن عبد اللَّه ﵄ أنه قال: ((رأيت رسول اللَّه ﷺ رمل من الحَجَر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف)). وفي لفظ: ((أن رسول اللَّه ﷺ رمل الثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر)) (٥). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول على ترجمة البخاري: ((باب الرمل في الحج والعمرة)) قال: ((يعني طواف القدوم في الحج والعمرة،

стр. 363

والرمل خاص بالرجال، والرمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، أما المشي بين الركنين فإنما كان ذلك في عمرة القضية فقط. والرسول ﷺ فعل الرمل حتى في طواف القدوم في حجة الوداع، فاستقرت السنة بالرمل [أي من الحجر إلى الحجر])) (١). ومما يدل على أن الرمل سنة دائمة في طواف العمرة أو طواف القدوم حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ قال ﵁: (( ... حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، ثم تقدَّم إلى مقام إبراهيم ... )) الحديث (٢). ومما يدل على أن الرمل إنما يكون في طواف العمرة، وطواف الحج الأول حديث ابن عباس ﵄: ((أن النبي ﷺ لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه)) (٣). والرمل يكون للرجال، أما النساء فلا رمل عليهن بالإجماع (٤). ٤ - يضطبع الرجل في جميع الطواف الأول دون غيره ، والاضطباع أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر: يبدي

стр. 364

منكبه الأيمن ويغطي الأيسر؛ لحديث يعلى بن أمية ﵁ قال: ((طاف النبي ﷺ مضطبعاً وعليه بردٌ)). وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود: ((طاف النبي ﷺ مضطبعاً ببرد أخضر))، ولفظ أحمد: ((لما قدم مكة طاف بالبيت وهو مضطبع ببرد له حضرمي)) (١). وعن ابن عباس ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه اعتمروا من جعرانة، فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم وقذفوها على عواتقهم اليسرى)) وهذا من ألفاظ أحمد، ولفظ أبي داود: ((أن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم)) (٢). ٥ - يطوف من وراء الحجر؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: ((الحِجر من البيت؛ لأن رسول اللَّه ﷺ طاف بالبيت من ورائه، وقال اللَّه تعالى: (ولِيَطَّوَّفُوا بالبَيْتِ العَتِيْق) (٣). قال الإمام ابن خزيمة ﵀: ((والنبي ﷺ أمر عائشة أن تصلِّي في

стр. 365

الحجر، وقال: ((الحِجر من البيت)) (١))). ٦ - فإذا وصل وحاذى الركن اليماني استلمه بيمينه ؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: ((إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطّاً)). وفي لفظ لأحمد أيضاً: ((إن استلامهما يحط الخطايا)). وفي لفظ له: ((إن استلام الركنين يحطان الذنوب)) (٢). وعن ابن عمر ﵄: ((أن رسول اللَّه ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني)). ولفظ ابن خزيمة في صحيحه: ((كان إذا طاف بالبيت مسح أو قال استلم الحجر والركن في كل طواف)) (٣). ولو قال إذا مسحه ((بسم اللَّه واللَّه أكبر)) فحسن (٤)، ولا يُقبِّله؛ فإن شق عليه مسحُهُ تركه ومضى في طوافه، ولا يُشير إليه، ولا يكبر عند محاذاته؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي

стр. 366

- ﷺ فيما أعلم، ويفعل ذلك في كل شوط من طوافه (١). فعُلِمَ مما تقدم من الأدلة: أنه لا يشرع استلام الركنين الآخرين الشاميين ؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم ﷺ ؛ ولأن النبي ﷺ لم يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني (٢). ٧ - يستحب له أن يقول بين الركنين اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا

стр. 367

آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ (١). لحديث عبد اللَّه بن السائب ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾. ولفظ ابن خزيمة: (( ... فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود)) (٢). ٨ - كلما مرَّ بالحجر الأسود استلمه وقبَّله، وقال ((اللَّه أكبر)) فإن لم يتيسر استلامه وتقبيله أشار إليه كلما حاذاه مرة واحدة بيده اليمنى وكبر مرة واحدة، وكلما حاذى اليماني استلمه بيده إن تيسر، وإن لم يتيسر سار بدون إشارة، ويكثر في طوافه من الذكر والدعاء والاستغفار، ويُسِرُّ بدعائه وقراءته إن قرأ شيئاً من القرآن، ولا يؤذي الطائفين وليس في الطواف أدعية محددة، ومن خصص لكل شوطٍ من الطواف أو السعي أدعية خاصة فلا أصل له. ولا يطوف من داخل الحِجْر؛ لأنه من البيت فلا بد أن يكون الطواف من ورائه. ٩ - فإذا كَمَّل سبعة أشواط وفرغ منها سوَّى رداءه فوضعه على كتفيه وتقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣). ثم يصلي ركعتين خلف المقام إن تيسر ذلك، ويجعله بينه وبين البيت ولو بَعُدَ عنه. وإن

стр. 368

لم يتيسر ذلك لزحام ونحوه صلاهما في أي موضع من المسجد، ولا يؤذي الناس ولا يصلِّي في طريقهم، ويستحب له أن يقرأ في الركعة الأولى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ بعد الفاتحة، وفي الثانية بعد الفاتحة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ (١). ١٠ - يستحب له أن يذهب إلى زمزم ويشرب منها ويصب على رأسه لفعله ﷺ ؛ لحديث جابر ﵁ ((أن النبي ﷺ رمل ثلاثة أطواف من الحَجر إلى الحَجر، وصلَّى ركعتين، ثم عاد إلى الحجر، ثم ذهب إلى زمزم فشرب منها، وصبَّ على رأسه، ثم رجع فاستلم الركن، ثم رجع إلى الصفا فقال: أبدأ بما بدأ اللَّه به)) (٢). ١١ - يستحب له أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر ؛ لحديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ ، وفيه قال: (( ... ثم تقدَّم إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، [و] (٣) كان يقرأ في الركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا .. )) (٤) (٥).

стр. 369

والنساء يَطُفْنَ مع الرجال، لكن لا يزاحمن الرجال ، ويلتزمن الستر، فعن ابن جُريج قال: أخبرني عطاء إذْ منع ابن هشامٍ النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهّنَّ وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال؟ قلتُ: أبعدَ الحجاب أو قبلُ؟ قال: إي لعمري لقد أدركتهُ بعد الحجاب، قلتُ كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكنَّ يخالطنَ، كانت عائشة ﵂ تطوف حَجْرةً (١) من الرجال، لا تُخالطهم، فقالت امرأةٌ انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت: انطلقي عنكِ، وأبتْ، يَخْرُجْنَ متنكِّرات (٢)، بالليل فيطُفْنَ مع الرجال، ولكنهنَّ كُنَّ إذا دخلن البيت قُمنَ حتى يدخُلْنَ، وأُخرج الرجال (٣)، وكنتُ آتي عائشة أنا وعُبيد بن عُميرٍ وهي مجاورة في جوف ثبير (٤) قلت: وما حجابها؟ قال: هي في قُبَّة تركية (٥) لها غشاءٌ، وما بيننا وبينها غير ذلك، ورأيت عليها درعاً مُورَّداً (٦))) (٧).

стр. 370

المبحث السادس والعشرون: السعي بين الصفا والمروة أولاً: مفهوم الصفا والمروة: لغة، واصطلاحاً: الصفا لغة: جمع صفاة، وهو الحجر العريض الأملس، أو الحجارة العريضة الملساء، أو العريض من الحجارة الملس (١). والصفا شرعاً: مكان مرتفع في أصل جبل أبي قبيس من شعائر اللَّه، يتم السعي منه إلى المروة (٢)، وهو في جهة البيت الجنوبية الشرقية (٣)، جعله اللَّه تعالى من أعلام دينه الظاهرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ (٤). وقد تعبَّد اللَّه تعالى عباده بهذه الشعيرة، وأمر بتعظيمه؛ لأنه من شعائر اللَّه: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّه فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب﴾ (٥) (٦).

стр. 371

المروة لغة: واحدة المرو، وهي الحجارة البيض البرَّاقة، وقيل: حجر أبيض برَّاق، وقيل: هي التي تقدح منها النار، وحجر المرو هو الأبيض الصلب، ومروة المسعى التي تذكر مع الصفا، وهي أحد رأسيه اللذين ينتهي السعي إليهما (١). والمروة شرعاً: مكان مرتفع في أصل جبل قعيقعان، من شعائر اللَّه، يتم السعي بينه وبين الصفا (٢)، وهو في جهة البيت العتيق الشرقية الشمالية، جعل اللَّه المروة من شعائر دينه الظاهرة، وتعبد اللَّه سبحانه عباده الحجاج والمعتمرين بالسعي بينها وبين الصفا (٣)، ولا يتم الحج ولا العمرة إلا بالسعي بينهما (٤).

стр. 372

ثانياً: سبب مشروعية السعي بين الصفا والمروة: عن ابن عباس ﵄ قال: أوَّل ما اتخذ النساء المِنْطَق (١)، من قِبلِ أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة (٢)، ثم جاء [وفي رواية: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج] (٣) بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى [قدم مكة، فـ] (٤) وضعهما عند البيت عند دوحةٍ (٥) فوق الزمزم في أعلى المسجد (٦) وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه [وفي رواية: شنَّة فيها] (٧)

стр. 373

ماء (١) [فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدرُّ لبنها على صبيِّها] (٢)، ثم قفَّى (٣) إبراهيم منطلقاً [إلى أهله] فتبعته أم إسماعيل [حتى لمَّا بلغوا كداء نادته من ورائه] (٤) فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها [وفي رواية: إلى من تتركنا؟ قال: إلى اللَّه]، فقالت له: اللَّه أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا، [وفي رواية: قالت: رضيت باللَّه]، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية (٥) حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت (٦)، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُون﴾ (٧). وجعلت أم إسماعيل تُرضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء [ويدرُّ لبنها] حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها فجعلت تنظر إليه يتلوَّى، أو قال: يتلبَّط (٨) [قالت: لو ذهبت فنظرت لعلِّي أحسُّ أحداً] فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها،

стр. 374

فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً، [ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل؟ (تعني الصبي) فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت، فلم تقرُّها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحسُّ أحداً فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس أحداً]، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : ((فذلك سعي الناس بينهما))، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صهٍ (١)، تريد نفسها، ثم تسمَّعت فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث (٢)، [وفي رواية: فقالت: أغث إن كان عندك خير] فإذا هي بالمَلَك [وفي رواية: فإذا جبريل] عند موضع زمزم فبحث بعقبه [هكذا، وغمز عقبه على الأرض] أو قال: بجناحه - حتى ظهر الماء [فدهشت أم إسماعيل] فجعلت تُحوِّضه (٣) وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : ((يرحم اللَّه أم إسماعيلَ لو تركت زمزم - أو قال: لوْ لم تغرفْ من زمزم [وفي رواية: لولا أنها عَجِلت] لكانت زمزم عيناً معيناً))، [وفي رواية: لو تركته

стр. 375

كان الماء ظاهراً] قال: فشربت [من الماء] وأرضعت ولدها [وفي رواية: ويدرُّ لبنها على صبيِّها] فقال لها الملَكُ: لا تخافوا الضَّيعة، فإن هاهنا بيت اللَّه يبني هذا الغلام وأبوه، وإن اللَّه لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرَّت بها رفقةٌ من جرهم - أو أهل بيت من جرهم - مقبلين من طريق كَدَاء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً (١) فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًّا أو جريَّتين (٢)، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء - فأقبلوا قال: وأم إسماعيل عند الماء - فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم، قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : ((فألفى (٣) ذلك أمَّ إسماعيل وهي تحبُّ الأنس)) فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشبَّ الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم (٤) وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوَّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل [ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله إني مطَّلع تركتي] فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته (٥) فلم يجد

стр. 376

إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي (١) [وفي رواية: يصيد] لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشَرٍّ، ونحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك اقرئي ﵇ وقولي له يغيِّر عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس (٢) شيئاً فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنَّا في جهد وشدة، قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غيِّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك فطلَّقها، وتزوج منهم امرأة أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللَّه ثم [إنه بدا لإبراهيم، فقال لأهله: إني مطَّلع تركتي، قال: فـ] أتاهم بعدُ فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي [وفي رواية: ذهب يصيد] لنا [فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟] قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بخير وسعةٍ، وأثنت على اللَّه ، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم، قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال: اللَّهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي ﷺ : [بركةٌ بدعوة إبراهيم ﷺ ] ((ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه)). قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ ومريه يُثَبِّت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة - وأثنت عليه - فسألني عنك؟ فأخبرته، فسألني

стр. 377

كيف عيشنا؟ فأخبرته أنَّا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تُثْبِت عتبة بابك، قال: ذاك أبي وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء اللَّه ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً (١) له تحت دوحةٍ قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل، إن اللَّه أمرني بأمر، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتُعينني؟ [وفي رواية: إنه قد أمرني أن تعينني عليه] قال: وأعينُك، قال: فإن اللَّه أمرني أن أبني [له] هاهنا بيتاً - وأشار إلى أكمةٍ (٢) مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء [وضعف الشيخ عن نقل الحجارة] جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ (٣). قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ (٤). ثالثاً: شروط صحة السعي بين الصفا والمروة: الشرط الأول: النية ، لقول النبي ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل

стр. 378

امرئ ما نوى)) (١)، فلا بد من أن يقصد أصل السعي، ولو نية مطلقة بدون تعيين، فلو دار بين الصفا والمروة؛ ليتابع مديناً، أو يبحث عن طفلٍ مفقود تائهاً ولم ينوِ السعي، أو دار لغرض آخر لم يجزئه، ومن أهل العلم من قال لا بد من تعيين نية السعي، فينوي بأن هذا سعي العمرة، أو سعي الحج، وهذا أحوط للخروج من الخلاف (٢) (٣).

стр. 379

الشرط الثاني: أن يبدأ بالصفا ويختم بالمروة ؛ وهذا هو الترتيب، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجملة ذلك: أن الترتيب شرط في السعي، وهو أن يبدأ بالصفا، فإن بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط، فإذا صار على الصفا اعتدَّ بما يأتي بعد ذلك؛ لأن النبي ﷺ بدأ بالصفا، وقال: ((أبدأ بما بدأ اللَّه به)) (١)، فبدأ بالصفا، وقد قال ﷺ : ((لتأخذوا مناسككم)) (٢)، وهذا قول الحسن، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي وأصحاب الرأي، وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهُ﴾ (٣). فبدأ بالصفا، وقال: ((اتبعوا القرآن، فما بدأ اللَّه به فابدأوا به)) (٤) (٥). الشرط الثالث: أن يكون السعي بعد طواف صحيح ، قال الإمام ابن

стр. 380

قدامة: ((والسعي تبع للطواف لا يصح إلا أن يتقدمه طواف، فإن سعى قبله لم يصح، وبذلك قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وقال عطاء يجزئه، وعن أحمد يجزئه إن كان ناسياً، وإن كان عمداً لم يجزئه سعيه؛ لأن النبي ﷺ لما سئل عن التقديم والتأخير في حال الجهل، والنسيان، قال: ((لا حرج)) (١) ووجه الأول: أن النبي ﷺ إنما سعى بعد طوافه، وقد قال: ((لتأخذوا مناسككم)) (٢) (٣) (٤)، واختار شيخنا العلامة

стр. 381

ابن باز ﵀: أن الأحوط للمسلم أن لا يسعى إلا بعد طواف، إلا إذا نسي، أو أخطأ فلا حرج (١) (٢). الشرط الرابع: أن يكون السعي سبعة أشواط ؛ لأن النبي ﷺ سعى سبعة أشواط من الصفا إلى المروة؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: (( ... قدم رسول اللَّه ﷺ فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعاً ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٣) (٤) وقد قال النبي ﷺ : ((لتأخذوا مناسككم ... )) (٥). الشرط الخامس: استيعاب ما بين الصفا والمروة ؛ ليتيقن الوصول إليهما في كل شوط؛ لأن النبي ﷺ قطع جميع المسافة بين الصفا والمروة (٦). قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((اعلم أن جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة: مالك، وأحمد، والشافعي، وأصحابهم، على أنه يشترط في صحة السعي أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة في كل شوط، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه ... )) ثم قال: ((وحجة الجمهور أن المسافة

стр. 382

للسعي محدودة من الشارع، فالنقص عن الحد مبطل كما هو ظاهر)) (١) (٢). الشرط السادس: أن يكون السعي في المسعى بين الصفا والمروة ؛ لأن النبي ﷺ سعى في هذا المكان، وهذا تشريع منه ﷺ ، والعبادات توقيفية لا يجوز الزيادة عليها ولا النقصان إلا في حدود ما شرعه اللَّه ورسوله ﷺ . قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((اعلم أنه لا يجوز السعي في غير موضع السعي، فلو كان يمر من وراء المسعى، حتى يصل إلى الصفا والمروة من جهة أخرى لم يصح سعيه، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه، وعن الشافعي في القديم: أنه لو انحرف عن موضع السعي انحرافاً يسيراً أنه يجزئه. والظاهر: أن التحقيق خلافه وأنه لا يصح السعي إلا في موضعه)) (٣). ومكان السعي من عهد إبراهيم ﵊، وسعي زوجته هاجر نقله الناس جيل عن جيل، إلى أن سعى النبي الخاتم محمد ﷺ بين الصفا والمروة، وشرع ذلك لأمته، ومعه من أصحابه في حجة الوداع أكثر من مائة ألف صحابي (٤) كلهم سعوا في الموضع الذي سعى فيه نبيهم

стр. 383

مقتدين به، وقد أمرهم وأمر مَن بعدهم إلى قيام الساعة بقوله ﷺ : ((لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)) (١)، ثم نقل هؤلاء الصحابة ما أخذوه عن نبيهم ﷺ إلى من بعدهم، ونقله المسلمون قرناً عن قرن بعضهم عن بعض إلى يومنا هذا (٢)، واللَّه ولي التوفيق (٣).

стр. 384

رابعاً: السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة: السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج، ومن أركان العمرة، والصفا والمروة من أعلام دين اللَّه الظاهرة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ (١). والصواب أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة، لا يصح واحد منهما بدونه، للأدلة الكثيرة الآتية: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ (٢). فتصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر اللَّه يدل على أن السعي بينهما أمر حتم لا بد منه؛ لأن شعائر اللَّه عظيمة لا يجوز التهاون بها، وقد أشار الإمام البخاري في صحيحه إلى أن كونهما من شعائر اللَّه يدل على ذلك، قال ﵀: ((بابٌ: وجوب الصفا والمروة، وجُعِلَ من شعائر اللَّه: أي وجوب السعي بينهما مستفاد من كونهما جُعِلا من شعائر اللَّه، قاله ابن المنير في الحاشية)) (٣).

стр. 385

٢ - أن النبي ﷺ طاف في حجه وعمرته بين الصفا والمروة سبعاً ، وقد دلَّ على أن ذلك لا بد منه دليلان: الدليل الأول: أن سعي النبي ﷺ بين الصفا والمروة بيان لما أجمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾، وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي ﷺ إذا كان لبيان نص مجمل من كتاب اللَّه أن ذلك الفعل يكون لازماً، والدليل على أن فعله بياناً للآية هو قوله ﷺ : ((نبدأ بما بدأ اللَّه به)) (١). يعني الصفا؛ لأن اللَّه بدأ به في قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية. وفي رواية: ((أبدأ)) (٢)، بهمزة المتكلم، وفي رواية عند النسائي: ((ابدأوا بما بدأ اللَّه به)) (٣) بصيغة الأمر. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ قال: ((لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)) (٤). ولفظ البيهقي: ((خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا)) (٥).

стр. 386

وقد طاف ﷺ بين الصفا والمروة سبعاً فيلزمنا أن نأخذ عنه ذلك من مناسكنا، ولو تركناه لكنا مخالفين أمره بأخذه عنه، واللَّه تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ (١). وطواف النبي ﷺ بين الصفا والمروة ثابت بالروايات الصحيحة الكثيرة المعروفة، ومنها حديث ابن عمر المتفق على صحته (٢). ٣ - حديث عائشة ﵂ ، قال عروة: سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فواللَّه ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أوَّلتها عليه كانت لا جُناح عليه أن لا يتطوَّف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل (٣)، فكان من أهلَّ يتحرَّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول اللَّه ﷺ عن ذلك، قالوا: يا رسول اللَّه إنَّا كنَّا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قالت عائشة ﵂: وقد سنَّ رسول اللَّه ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ثم أخبرتُ أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا لَعِلمٌ ما كنتُ سمعته، ولقد سمعت

стр. 387

رجالاً من أهل العلم يذكرون أن الناس - إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهلُّ بمناة - كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر اللَّه تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا رسول اللَّه، كنَّا نطوف بالصفا والمروة، وإن اللَّه أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوَّف بالصفا والمروة؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قال أبو بكر، فأسْمَع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرَّجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرَّجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام من أجل أن اللَّه تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت)) (١). وفي لفظ للبخاري: أن عائشة ﵂ قالت: ((ما أتم اللَّه حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة)) (٢). وفي رواية مسلم: عن عروة عن عائشة، قال: قلت لها: إني لا أظنّ رجلاً لو لم يطف بين الصفا والمروة ما ضره؟ قالت: لِمَ؟ قلت: لأن اللَّه يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ إلى آخره، فقالت: ما أتمَّ اللَّه حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، ولو كان كما تقول لكان: ((فلا جناح عليه أن لا يطوَّف بهما ... )) الحديث (٣) (٤).

стр. 388

وفي رواية لمسلم: (( ... فلعمري ما أتمَّ اللَّه حج من لم يطف بين الصفا والمروة)) (١). قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((فهذه الروايات في الصحيحين عن عائشة فيها الدلالة الواضحة على أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا بد منه، وفيها النص الصريح الصحيح على أن السعي لا بد منه، وأن من لم يسعَ لم يتم له حج ولا عمرة)) (٢). ٤ - حديث حبيبة بنت أبي تجزية ، وفيه: أن النبي ﷺ قال لأصحابه: ((اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي)) (٣). ٥ - حديث عائشة ﵂ وفيه أن النبي ﷺ قال لها: ((يُجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجتك وعمرتك)) (٤). فيفهم من هذا الحديث أنها لو لم تطف بين الصفا والمروة لم يحصل لها إجزاء عن حجها وعمرتها (٥). ٦ - حديث أبي موسى ﵁ -، قال: ((بعثني النبي ﷺ إلى قومي باليمن،

стр. 389

فجئت وهو بالبطحاء، فقال: ((بما أهللت؟)) قلت: أهللت كإهلال النبي ﷺ ، قال: ((هل معك من هدي؟)) قلت: لا، فأمرني فطفت بالصفا والمروة، ثم أمرني فأحللت ... )). وفي لفظ للبخاري: قال أبو موسى: قدمت على رسول اللَّه ﷺ وهو بالبطحاء، فقال: ((أحججت؟)) قلت: نعم، قال: ((بما أهللت؟) [قال] قلت: لبيك بإهلالٍ كإهلال النبي ﷺ ، قال: ((أحسنت، انطلق فطف بالبيت وبالصفا والمروة ... )). وفي لفظ للبخاري: ((أحسنت، طف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم أحلَّ)) فطفت بالبيت وبالصفا والمروة. وفي لفظ للبخاري، قال أبو موسى ﵁: ((بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى أرض قومي، فجئت ورسول اللَّه ﷺ منيخٌ بالأبطح ... )) (١) الحديث. فقول النبي ﷺ : ((طف بالبيت، وبالصفا والمروة)) أمر صريح منه ﷺ بلزوم السعي بين الصفا والمروة، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب ما لم يقم دليل صارف عن ذلك. وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((الطواف بالصفا والمروة أمر لازم، وفرض ... وهو ركن من أركان الحج ... )) (٢) (٣).

стр. 390

خامساً: صفة السعي بين الصفا والمروة: ١ - ثم بعد صلاته ركعتين خلف المقام ورجوعه إلى الحجر واستلامه، يخرج إلى المسعى فيتجه إلى الصفا، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ (١) ((أبدأ بما بدأ اللَّه به)) (٢). ٢ - ثم يرقى على الصفا حتى يرى البيت فيستقبل القبلة فيوحد اللَّه ويكبره [ويحمده] (٣) ويقول: (([اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، اللَّه أكبر] (٤) [لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد] [يحيي ويميت] (٥) وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا اللَّه وحده [لا شريك له] (٦) أنجز وعده، ونصر
следующие страницы →