← Фикх общий

Фикх общий · id 96547

مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر ولله الحمد)) (١). قال الإمام الصنعاني ﵀: ((وفي الشرح صفات كثيرة عن عدة من الأئمة وهو يدل على التوسعة في الأمر؛ وإطلاق الآية يقتضي ذلك)) (٢) واللَّه أعلم (٣). القسم الثاني التكبير المقيَّد: وهو الذي يُقيَّد بأدبار الصلوات في عيد الأضحى خاصة، ووقته، وصفته على النحو الآتي: أولاً: يبتدئ التكبير المقيَّد من عقب صلاة الفجر يوم عرفة، وينتهي بعد صلاة العصر في اليوم الثالث من أيام التشريق؛ لما ورد عن علي بن أبي طالب الخليفة الرابع من الخلفاء الراشدين ﵃: ((أنه كان يكبر من

стр. 37

صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، ويكبر بعد العصر)) (١)، ولما ورد عن عمر الخليفة الراشد ﵁: ((أنه كان يكبر من صلاة الغداة يوم عرفة إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق)) (٢)، ولما ورد عن ابن عباس ﵄ ((أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، لا يكبر في المغرب)) (٣).ولما ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه كان: ((يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق)) (٤).وفي الباب آثار كثيرة عن بعض أصحاب النبي ﷺ (٥) واللَّه أعلم (٦).قال الحاكم ﵀: ((فأما من فِعْلِ عمر، وعلي، وعبد اللَّه بن عباس،

стр. 38

وعبد اللَّه بن مسعود، فصحَّ عنهم التكبير، من غداة عرفة، إلى آخر أيام التشريق)) (١).وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وأصح ما ورد فيه عن الصحابة: قول علي، وابن مسعود، إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى. أخرجه ابن المنذر وغيره، واللَّه أعلم)) (٢).وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من

стр. 39

الصحابة والأئمة: أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق عقب كل صلاة. ويشرع لكل أحد أن يكبر عند الخروج إلى العيد وهذا باتفاق الأئمة الأربعة)) (١). وقال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀: ((وروي عن النبي ﷺ وعن جماعة من الصحابة ﵃: التكبير في أدبار الصلوات الخمس من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم الثالث عشر من ذي الحجة، وهذا في حق غير الحاج، أما الحاج فيشتغل في حال إحرامه بالتلبية حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، وبعد ذلك يشتغل بالتكبير عند أول حصاة من الجمرة المذكورة، وإن كبر مع التلبية فلا بأس، لقول أنس ﵁: ((كان يُلبِّي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه)) (٢)، ولكن الأفضل في حق المحرم هو التلبية وفي حق الحلال هو التكبير في الأيام المذكورة، وبهذا تعلم أن التكبير المطلق والمقيد يجتمعان في أصح أقوال العلماء في خمسة أيام، وهي: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، وأما اليوم الثامن وما قبله إلى أول الشهر فالتكبير فيه مطلق لا مقيد، لما تقدم من الآية والآثار)) (٣). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وأما المحرمون فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر ... لأنهم كانوا مشغولين قبل ذلك بالتلبية وغيرهم يبتدئ من

стр. 40

يوم عرفة لعدم المانع)) (١). ثانياً: صفة التكبير المقيد: هو مثل التكبير المطلق كما تقدم (٢): ((اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر اللَّه أكبر ولله الحمد)) (٣)،وهو قول الخليفتين الراشدين: عمر بن الخطاب، وعلي، وقول ابن مسعود ﵃، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق رحمهم اللَّه تعالى (٤). السابع والعشرون: ماء زمزم شفاء سُقمٍ وطعام طعمٍ ، وهو لما شرب له؛ لحديث أبي ذر ﵁، في قصته الطويلة، وفيها: أن النبي ﷺ قال له وهو في المسجد الحرام: ((متى كنت هاهنا؟))، قال: قد كنت هاهنا منذ ثلاثين ما بين ليلة ويومٍ قال: ((فمن كان يطعمك؟)) قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماءُ زمزم فسمنت حتى تكسّرت عُكنُ بطني، وما أجد على كَبدي سُخْفةَ جوعٍ، قال: ((إنها مباركةٌ، إنها طعامُ طُعمٍ)) (٥). ولفظ البيهقي: ((إنها مباركة، إنها طعام طُعمٍ، وشفاء سُقْمٍ)) (٦).

стр. 41

ولفظ البزار: ((زمزم طعام طُعم وشِفاء سُقم)) (١). وعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء من السُّقم، وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي بَرَهُوت بقية [بـ] حضرموت (عليه] كرجل الجراد من الهوامِّ يصبح يتدفق، ويمسي لا بلال بها)) (٢). وعن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((ماء زمزم لما شُرِب له)) (٣). وعن عائشة ﵂: أنها حَمَلَتْ ماء زمزم في القوارير، وقالت: ((حمله رسول اللَّه ﷺ في الأداوي والقرب، فكان يصبُّ على المرضى ويسقيهم)) (٤). قال ابن القيم ﵀: ((وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة، واستشفيت به من عِدَّة أمراضٍ فبرأْتُ بإذن اللَّه)) (٥)،

стр. 42

وقال ﵀: ((لقد مرَّ بي وقتٌ في مكة سقمتُ فيه ولا أجد طبيباً، ولا دواءً، فكنت أُعالج نفسي بالفاتحة فأرى لها تأثيراً عجيباً، آخذ شربةً من ماء زمزم وأقرؤها عليها مراراً، ثم أشربه فوجدت بذلك البُرْءَ التَّام، ثم صرتُ أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع به غاية الانتفاع، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألماً، فكان كثير منهم يبرأ سريعاً)) (١). الثامن والعشرون: إذا طاف الحاجُّ طواف الوداع خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁، وفيه: (( ... وأما طوافك بالبيت إذا ودَّعت فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك)) (٢). وفضائل الحج والعمرة لا تحصل إلا لمن أخلص عمله لله، وأدَّى حجه أو عمرته على هدي رسول اللَّه ﷺ ، فهذان شرطان لابد منهما في قبول كل قول وعمل: الشرط الأول: الإخلاص للمعبود ؛ لقوله ﷺ : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (٣). ولهذا حَرِصَ النبي ﷺ على الإخلاص والدعاء به، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: حجَّ النبي ﷺ على رَحْلٍ رثٍّ وقطيفة (٤) تسْوى أربعة دراهم، أو لا تسْوَى ثم قال: ((اللَّهم حِجةٌ لا رياءَ

стр. 43

فيها ولا سُمعة)) (١). الشرط الثاني: المتابعة للرسول ﷺ -؛ لقوله: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (٢)، فمن أخلص أعماله لله، مُتَّبعاً في ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فهذا الذي عمله مقبول، ومن فقد الأمرين أو أحدهما فعمله مردود داخل في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (٣)، ومن جمع الأمرين فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٤)، وقوله : ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٥)، فحديث عمر ﵁ ((إنما الأعمال بالنيات)) ميزان للأعمال الباطنة، وحديث عائشة ﵂ ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) ميزان للأعمال الظاهرة، فهما حديثان عظيمان يدخل فيهما الدين كله، أصوله، وفروعه، ظاهره وباطنه (٦).

стр. 44

المبحث الثالث: منافع الحج وفوائده ومقاصده والحكمة من مشروعيته: النفع: ضدُّ الضرِّ، نفعه ينفعه نفعاً ومنفعة، يقال: نفعه بكذا فانتفع به، والاسم المنفعة، [وجمعه: المنافع]، ويقال: نفّاعٌ: كثير النفع، فالمنفعة: اسم ما انتفع به (١). والنفع: الخير: وهو ما يتوصَّل به الإنسان إلى مطلوبه (٢). وقيل: النفع: ما يُستعان به في الوصول إلى الخيرات، وما يتوصَّل به إلى الخير فهو خير، فالنفع خير، وضدّه الضر (٣). ومنافع الحج، وفوائده، ومقاصده، والحكمة من مشروعيته كثيرة، لا تُحصر ولا تُعَدُّ، ولكن على وجه الاختصار منها ما يأتي: أولاً: تعظيم شعائر اللَّه وحرماته ، فمن أعظم المنافع للحج تعظيم شعائر اللَّه تعالى وحرماته، وهذه المنفعة من أعظم العبادات لله تعالى، قال اللَّه : ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب﴾ (٤)، وقال جل وعلا: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ (٥). قال ابن الأثير ﵀: ((قد تكرر في الحديث ذكر (الشعائر)

стр. 45

وشعائر الحج: آثاره، وعلاماته، جمع شعيرة، وقيل: هو كل ما كان من أعماله: كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي، والذبح، وغير ذلك، وقال الأزهري: الشعائر: المعالم التي ندب اللَّه إليها، وأمر بالقيام عليها، ومنه سُمِّي المشعر الحرام؛ لأنه معلم للعبادة وموضع، ومنه حديث [زيد بن خالد الجهني، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((جاءني جبريل، فقال: يا محمد، مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها من شعار الحج))] (١) .. ومنه: (إشعار البدن)، وهو أن يشقَّ أحد جَنْبَتَي سنام البدنة حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك لها علامة تعرف بها أنها هديٌ ... )) (٢)، والشعار: علامة القوم في الحرب، وهو ما ينادون به؛ ليعرف بعضهم بعضاً، والعيد شعار من شعائر الإسلام، .. والشعائر: أعلام الحج، وأفعاله .. والمشاعر: مواضع المناسك، والمشعر الحرام: جبل بآخر مزدلفة، واسمه قُزَح ... )) (٣). وقيل: شعائر اللَّه: يعني مناسك الحج، وقال الزجاج في شعائر اللَّه: يعني بها جميع متعبدات اللَّه التي أشعرها اللَّه: أي جعلها أعلاماً لنا، وهي كل ما كان من موقف، أو سعي، أو ذبح، وإنما قيل: شعائر اللَّه لكل علم مما تُعبِّد به؛ لأن قولهم: شعرت به: علمته؛ فلهذا سميت الأعلام التي هي مُتَعَبَّدات اللَّه تعالى شعائر، والمشاعر مواضع المناسك (٤).

стр. 46

وقال الراغب الاصفهاني ﵀: ((ومشاعر الحج: معالمه الظاهرة للحواس، والواحد مشعر، ويقال: شعائر الحج، الواحد: شعيرة، قال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (١) وقال: ﴿فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٢)، ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ (٣)،أي ما يُهدى إلى بيت اللَّه، وسُمِّي بذلك؛ لأنها تشعر: أي تُعلَّم بأن تُدْمَى بشعيرة: أي حديدة يشعر بها (٤). وقال الإمام الطبري رحمه اللَّه تعالى: ((﴿ذلك ومن يعظِّم شعائر اللَّهِ فإنها من تقوى القلوب﴾: يقول تعالى ذكره: هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس، وأمرتكم به، من اجتناب الرجس من الأوثان، واجتناب قول الزور حنفاء لله، وتعظيم شعائر اللَّه، وهو استحسان البدن، واستسمانها، وأداء مناسك الحج على ما أمر اللَّه جل ثناؤه من تقوى قلوبكم))، ثم قال: ((وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن اللَّه تعالى ذِكْرُهُ أخبر أن تعظيم شعائره: وهي ما جعله أعلاماً لخلقه فيما تعبَّدهم به من مناسك حجِّهم من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها، والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم من تقوى قلوبهم لم يخصص من ذلك شيئاً، فتعظيم ذلك من تقوى القلوب ... وحقٌّ على عباده المؤمنين تعظيم جميع ذلك ... فإن تلك التعظيمة: من اجتناب الرجس من الأوثان من تقوى القلوب: .. أي فإنها من وجل القلوب من خشية اللَّه،

стр. 47

وحقيقة معرفتها، وإخلاص توحيده)) (١). وقال الإمام القرطبي ﵀: ((﴿ومن يعظم شعائر اللَّه﴾: الشعائر جمع شعيرة، وهو كل شيء لله تعالى فيه أمرٌ أشعر به وأعلم، ومنه شعار القوم في الحرب: أي علاماتهم التي يتعارفون بها، ومنه إشعار البدنة، وهو الطعن في جانبها الأيمن حتى يسيل الدم، فيكون علامة، فتسمَّى شعيرة، بمعنى المشعورة، فشعائر اللَّه: أعلام دينه، لاسيما ما يتعلق بالمناسك .. وأضاف التقوى إلى القلوب؛ لأن حقيقة التقوى في القلب؛ ولهذا قال ﵊ في صحيح الحديث: ((التقوى ها هنا)) (٢)، وأشار إلى صدره (٣). وقال الإمام البغوي ﵀: ((قال ابن عباس: شعائر اللَّه: البُدْن، والهدي، وأصلها من الإشعار، وهو إعلامها، ليُعلم أنها هدي، وتعظيمها استسمانها واستحسانها، وقيل: شعائر اللَّه: أعلام دينه، فإنها من تقوى القلوب: أي: إن تعظيمها من تقوى القلوب)) (٤). وقال ابن كثير ﵀: ((﴿ومن يعظم شعائر اللَّه﴾: أي أوامره ﴿فإنها من تقوى القلوب﴾، ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم عن مقسم، عن ابن عباس: تعظيمها: استسمانها، واستحسانها)) (٥).

стр. 48

وقال العلامة السعدي ﵀: ((والمراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١)، ومنها الهدايا والقربان للبيت، وتقدّم أن معنى تعظيمها: إجلالها، والقيام بها، وتكميلها، على أكمل ما يقدر عليه العبد، ومنها الهدايا، فتعظيمها باستحسانها، واستسمانها، وأن تكون مكملة من كل وجه، فتعظيم شعائر اللَّه صادر من تقوى القلوب، فالمعظِّم لها يُبرهن على تقواه وصحة إيمانه، لأنّ تعظيمها تابع لإعظام اللَّه وإجلاله)) (٢). وقال ﵀: ((﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣): يخبر تعالى: أن الصفا والمروة ... من شعائر اللَّه: أي: أعلام دينه الظاهرة التي تعبَّد اللَّه بها عباده، وإذا كانا من شعائر اللَّه، فقد أمر اللَّه بتعظيم شعائره فقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٤)، فدلّ مجموع النصين أنهما من شعائر اللَّه، وأن تعظيم شعائره من تقوى القلوب، والتقوى واجبة على كل مكلَّف، وذلك يدلّ على أن السعي بهما فرض لازم للحج والعمرة كما عليه الجمهور، ودلّت عليه الأحاديث النبوية، وفعله النبي ﷺ وقال: ((خذوا عني مناسككم)) (٥))) (٦).

стр. 49

وقال العلامة الشنقيطي ﵀: ((﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ عام في جميع شعائر اللَّه، وقد نصَّ على أن البُدن فرد من أفراد هذا العموم داخل فيه قطعاً، وذلك في قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١)، فيدخل في الآية تعظيم البُدن، واستسمانها، واستحسانها، كما قدمنا عن البخاري: أنهم كانوا يستسمنون الأضاحي، وكانوا يرون أن ذلك من تعظيم شعائر اللَّه، وقد قدمنا أن اللَّه صرح بأن الصفا والمروة داخلان في هذا العموم بقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٢) الآية: وأن تعظيمهما المنصوص في هذه الآية: عدم التهاون بالسعي بين الصفا والمروة ... )) (٣). وأما حرمات اللَّه تعالى في قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (٤)، فقال الإمام ابن جرير ﵀: ((ومن يجتنب ما أمره اللَّه باجتنابه في حال إحرامه تعظيماً منه لحدود اللَّه أن يواقعها، وحُرَمهُ أن يستحلَّها فهو خير له عند ربه في الآخرة)) (٥). وقال الإمام البغوي ﵀: ((﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ أي معاصي اللَّه وما نهى عنه، وتعظيمها: ترك ملابستها ... وذهب قوم إلى أن الحرمات هنا: البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد

стр. 50

الحرام، والإحرام ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي تعظيم الحرمات خير له عند اللَّه في الآخرة)) (١). وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ أي ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيماً في نفسه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي فله على ذلك خير كثير، وثواب جزيل، فكما [أن] على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على ترك المحرمات والمحظورات)) (٢). وقال الإمام القرطبي ﵀: ((الحرمات: المقصود هنا هي: أفعال الحج المشار إليها في قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ويدخل في ذلك تعظيم المواضع، ... ويجمع ذلك أن تقول: الحرمات: امتثال الأمر: من فرائضه وسننه، وقوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها ... )) (٣). وقال العلامة السعدي ﵀: ((﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرنا لكم من تلكم الأحكام، وما فيها من تعظيم حرمات اللَّه، وإجلالها وتكريمها؛ لأن تعظيم حرمات اللَّه من الأمور المحبوبة المقربة إليه، التي من عظَّمها وأجلَّها أثابه اللَّه ثواباً جزيلاً، وكانت خيراً له في دينه ودنياه، وأخراه عند ربه. وحرمات اللَّه: كلُّ ما له حرمة، وأمر باحترامه بعبادة أو غيرها:

стр. 51

كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام، وكالهدايا، وكالعبادات التي أمر اللَّه العباد القيام بها: فتعظيمها: إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاونٍ ومتكاسلٍ، ولا متثاقلٍ)) (١). فيجب على العبد أن يعظِّم حرمات اللَّه: باجتنابها، سواء كان ذلك في الحج أو في غيره، ويعظم حرمات اللَّه كما تقدم، ويدلّ على عبودية العبد لله تعالى تعظيم شعائره كما تقدم. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه اللَّه تعالى: أن استقامة القلب بشيئين: الأول: أن تكون محبة اللَّه تتقدم عنده على جميع المحابّ . الثاني: تعظيم الأمر والنهي ؛ فإنه ذم من لا يعظمه، ولا يعظم أمره ونهيه قال سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ للَّهِ وَقَاراً﴾ (٢) ... وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام في تعظيم الأمر والنهي: هو أن لا يعارضا بترخيصٍ جافٍ، ولا يعارضا لتشديدٍ غالٍ، ولا يحملا على علةٍ توهن الانقياد)) (٣). وقد كان النبي ﷺ يربي أصحابه، بل وأمته على تعظيم شعائر اللَّه تعالى فكان يقول ﷺ : ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)) (٤). وكان ﷺ يقول: (( ... وصلوا كما رأيتموني أصلي)) (٥).

стр. 52

وقال ﷺ في حجة الوداع وهو يرمي جمرة العقبة: ((لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلِّي لا أحجُّ بعد حجتي هذه)) (١). فمن تعظيم شعائر اللَّه تعالى: الاقتداء بالنبي ﷺ في جميع مناسك الحج، وما يعمله الحاجّ في المشاعر، وإذا قصَّر في شيء من ذلك متعمِّداً راغباً عن سنته ﷺ فليس منه في شيء، وكذلك جميع العبادات التي شرعها ﷺ . ومن تتبّع أحوال النبي ﷺ ، وتأمّل في صفة حجة الوداع ظهر له تعظيم النبي ﷺ لشعائر اللَّه، وتعظيمه لحرمات اللَّه . ثانياً: مغفرة ذنوب الحاج ورضوان اللَّه عليه ، فيرجع إلى وطنه كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه، إذا كان متَّقياً ربه في حجِّه: بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وقد تقدم في فضائل الحج والعمرة قول النبي ﷺ : ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه)) (٢). وذكر الإمام الطبري رحمه اللَّه تعالى: أن معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٣) هو أن الحاج يخرج مغفوراً له كيوم ولدته أمه لا إثم عليه، فقد ذكر ستة أقوال لأهل العلم في معنى الآية، ثم قال ﵀: ((وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ من أيام

стр. 53

منى الثلاثة، فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه، لحطّ اللَّه ذنوبه إن كان قد اتّقى اللَّه في حجه، فاجتنب فيه ما أمره اللَّه باجتنابه، وفعل فيه ما أمره بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده، (وَمَنْ تَأَخَّرَ) إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غدٍ النفر الأول (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) لتكفير اللَّه له ما سلف: من آثامه وإجرامه إن كان اتقى اللَّه في حجه بأدائه بحدوده؛ وإنما قلنا إن ذلك أولى تأويلاته بالصحة؛ لتظاهر الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه)) (١)، وأنه قال: ((تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة)) (٢) ... وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب، مما ينبئ عن أن من حجّ فقضاه بحدوده على ما أمره اللَّه، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ اللَّه في حجه، فكان في ذلك من قول رسول اللَّه ﷺ ما يوضح أن معنى قوله جل وعز: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أنه خارج من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورة أجرامه، وأنه لا معنى لقول من تأول قوله: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) فلا حرج عليه في نفره في اليوم الثاني، ولا حرج عليه في مقامه إلى اليوم الثالث؛ لأن الحرج إنما يوضع عن العامل فيما كان عليه ترْك عمله، فيرخّص له في عمله بوضع الحرج عنه في عمله، أو فيما كان عليه عمله فيرخّص له في تركه بوضع الحرج عنه في

стр. 54

تركه ... )) (١)، وقد رجح اختيار الإمام ابن جرير العلامة الجهبذ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ (٢). ثالثاً: مضاعفة الصلوات في الحرم من المنافع العظيمة ؛ فإن الصلاة فيه أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه؛ لقول النبي ﷺ : (( ... وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف فيما سواه)) (٣)، وهذا ... ثوابه عظيم؛ فإن من صلّى يوماً واحداً خمس صلوات، كانت أفضل من خمسمائة ألف صلاة، فتكون أفضل من الصلاة في مائتين وإحدى وثمانين سنة وستة أشهر تقريباً؛ لأن المصلي إذا صلَّى خمس صلوات، كان ذلك عدد الصلوات في اليوم، فيكون بمائة ألف يوم تقسيم ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوماً، عدد أيام السنة القمرية، والناتج يكون عدد السنين هكذا ١٠٠٠٠٠ يوم ÷ ٣٥٥ يوماً = ٢٨١،٦٩ سنة، وهذا فضل عظيم، وثواب كبير جليل، لمن وفقه اللَّه تعالى للخير (٤).

стр. 55

وقد جعل اللَّه هذا المسجد أول بيت وُضِع للعبادة، وهو أفضل المساجد مطلقاً؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿ِإِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وعن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه: أيُّ مسجدٍ وضع في الأرض أول؟ قال: ((المسجد الحرام)) قال: قلت: ثم أيٌّ؟ قال: ((المسجد الأقصى))، قلت: كم كان بينهما؟ قال: ((أربعون سنة))، ثم قال: ((حيثما أدركت الصلاة فصلِّ، والأرض لك مسجد))، وفي لفظ مسلم: ((ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركت الصلاة فصل)) (٢).

стр. 56

فقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ يخبر تعالى عن شرف هذا البيت العظيم الحرام، وأنه أول بيت وضعه اللَّه للناس يتعبدون فيه لربهم ، ويطوفون به، ويُصلُّون إليه (١)، وقوله: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ بكة: من أسماء مكة، قال الإمام ابن كثير ﵀: ((بكة من اسماء مكة على المشهور، قيل: سُمِّيت بذلك؛ لأنها تبكّ أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يذلون بها، ويخضعون عندها، وقيل: لأن الناس يتباكّون فيها: أي يزدحمون)) (٢)، وقال ﵀: ((وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأم رحم، وأم القرى، وصلاح، والعَرَش على وزن بدر، والقادس؛ لأنها تطهِّر من الذنوب، والمقدّسة، والناسة - بالنون والباء أيضاً -، والنسَّاسة، والحاطمة، والرأس، وكوثا، والبلدة، والبنية، والكعبة)) (٣). وقوله تعالى: (مُبَارَكَاً):أي فيه البركة الكثيرة في المنافع الدينية والدنيوية)) (٤). وقوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ أي أدلة واضحة، ودلالات ظاهرة، وبراهين قاطعات على أن اللَّه تعالى عظَّمه وشرَّفه)) (٥).

стр. 57

وقوله تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ ومن الآيات البينات (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وكان أثر قدميه عليه، وكان ملصقاً بجدار الكعبة، حتى أخَّره عمر بن الخطاب في خلافته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكَّن الطائفون بالصلاة خلفه، ولا يشوِّشون على الطائفين بالبيت أثناء الصلاة (١). ومن الآيات البينات: الحجر الأسود، والحطيم (٢)، وزمزم، والمشاعر كلها، وقيل: مقام إبراهيم: جميع الحرم (٣). قال الإمام الطبري ﵀ بعد أن ذكر أقوال أهل العلم: ((وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: الآيات البينات: منهن مقام إبراهيم، وهو قول: قتادة ومجاهد الذي رواه معمر عنهما، فيكون الكلام مراداً فيه: (منهن) فترك ذكره اكتفاءً بدلالة الكلام عليها، فإن قال قائل: فهذا المقام من الآيات البينات، فما سائر الآيات التي من أجلها قيل: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ؟﴾، قيل: منهن المقام، ومنهن الحجر، ومنهن الحطيم)) (٤).

стр. 58

قال الإمام ابن كثير ﵀ عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) قال: الحرم كله مقام إبراهيم)) (١). وقال العلامة السعدي ﵀: ((ويحتمل أن المراد بمقام إبراهيم مفرد مضاف يراد به مقاماته في مواضع المناسك كلها، فيكون على هذا جميع أجزاء الحج ومفرداته آيات بينات: كالطواف، والسعي، ومواضعها، والوقوف بعرفة، ومزدلفة، والرمي، وسائر الشعائر والآيات في ذلك ما جعله اللَّه في القلوب من تعظيمها واحترامها، وبذل نفائس النفوس والأموال في الوصول إليها، وتحَمُّل كل مشقة لأجلها، وما في ضمنها من الأسرار البديعة، والمعاني الرفيعة، وما في أفعالها من الحكم والمصالح التي يعجز الخلق عن إحصاء بعضها ... )) (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ يعني حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في الجاهلية، حتى أن الواحد من أهل الجاهلية يجد قاتل أبيه فلا يهيجه في الحرم (٣). وأما في الإسلام فإن الحرم لا يمنع من إقامة حدود اللَّه، فمن فعل ما يوجب حداً أقيم عليه فيه، ومن فعل حداً خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم عائذاً به، فإنه يُخرَج من الحرم ثم يقام عليه الحدّ (٤).

стр. 59

وذلك بدعاء إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، حين قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١)، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (٢). وقال الإمام البغوي رحمه اللَّه تعالى: (((ومن دخله كان آمناً) قال: وقيل: هو خبر بمعنى الأمر، تقديره: ومن دخله فأمِّنوه، كقوله: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) أي لا ترفثوا ولا تفسقوا)) (٣). وقد ذكر اللَّه منَّته على عباده فقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (٥). وقد ثبت في الحديث الصحيح قول النبي ﷺ : ((إن إبراهيم حرّم مكة، ودعا لأهلها، وحرّمتُ المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة، ودعوت لأهلها في مدِّها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم [﵇] لمكة)) (٦). وثبتت أحاديث أخرى تدلّ على أن اللَّه الذي حرّم مكة، ففي الصحيحين

стр. 60

عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن هذا البلد حرّمه اللَّه يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، وإنه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلّ لي إلا ساعة من نهار ... )) (١). قال الإمام ابن كثير ﵀: ((فإذا عُلم هذا، فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالّة على أن اللَّه حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدّالّة على أن إبراهيم ﵇ حرّمها؛ لأن إبراهيم بلّغ عن اللَّه حكمه فيها، وتحريمه إياها ... )) (٢). ولعظمة هذا البيت توعّد اللَّه من أراد فيه بإلحاد بظلم بعذاب أليم فقال : ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣). رابعاً: ذكر اللَّه تعالى في الأيام المعلومات: وهي عشر ذي الحجة وأيام التشريق (٤) من جملة المنافع للحج، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَام﴾ ِ (٥). قال الإمام الشنقيطي رحمه اللَّه تعالى: ((اللام في قوله: (ليشهدوا) هي

стр. 61

لام التعليل، وهي متعلقة بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الآية: أي أن تؤذن فيهم يأتوك مشاة، وركباناً لأجل أن يشهدوا: أي يحضروا منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم)) (١). فقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّه فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ من المنافع الدينية، قال العلامة: الإمام شيخنا ابن باز ﵀: ((وعطفه على المنافع من باب عطف الخاص على العام)) (٢) يعني عطف الذكر على المنافع. وقال العلامة السعدي ﵀: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ وهذا من المنافع الدينية)) (٣). ولا شك أن الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والدعاء على الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، ومزدلفة، ورمي الجمار، كل هذه من ذكر اللَّه تعالى، ولهذا روي ((إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر اللَّه )) (٤)، وهذا المعنى صحيح حتى ولو لم يصحّ فيه الحديث. خامساً: دخول الجنة والنجاة من النار من أعظم منافع الحج ؛

стр. 62

لقوله ﷺ : ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس جزاء إلا الجنة)) (١)، وهذا أعظم المنافع التي تحصل لمن حج حجاً مبروراً؛ لأن من زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢). سادساً: السلامة من الفقر، لمن تابع بين الحج والعمرة ؛ لقول النبي ﷺ : ((تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ... )) الحديث (٣). وهذا من المنافع؛ فإن المتابعة بين الحج والعمرة يزيلان الفقر، قال العلامة المباركفوري ﵀: ((ينفيان الفقر: أي يزيلانه، وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد، والفقر الباطن بحصول غنى القلب)) (٤)، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (٥). سابعاً: أرباح التجارة، من المنافع المباحة الدنيوية التي تحصل للحاج إذا أراد البيع والشراء أرباح التجارة، وقد أباح اللَّه ذلك للحاج إذا لم تشغله عن حجه، قال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٦).

стр. 63

وعن ابن عباس ﵄ قال: ((كانت عكاظُ، ومَجنَّةُ، وذو المجازِ أسواقاً في الجاهلية، فتأثَّموا أن يتَّجروا في المواسم، فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج))، وفي لفظ: ((كان ذو المجاز وعكاظ متَّجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج)) (١). وعنه ﵁ أنه قرأ هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: ((كانوا لا يتَّجرون بمنى، فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات)) (٢). وروى الإمام الطبري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده)) (٣). وقال الإمام الشنقيطي ﵀: ((وقوله: (منافع) (٤) جمع منفعة، ولم يبيِّن هنا هذه المنافع ما هي، وقد جاء بيان بعضها في الآيات القرآنية، وأن منها ما هو دنيوي، وما هو أخروي، وأما الدنيوي فكأرباح التجارة، إذا خرج الحاج بمال تجارته معه؛ فإنه يحصل له الربح غالباً،

стр. 64

وذلك نفع دنيوي، وقد أطبق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) أنه ليس على الحاج إثم ولا حرج إذ ابتغى ربحاً بتجارة في أيام الحج إن كان ذلك لا يشغله عن شيء من أداء مناسكه ... ومن المنافع الدنيوية ما يصيبونه من البدن، والذبائح ... كقوله تعالى: (فكلوا منها) (٢) في الموضعين، وكل ذلك نفع دنيوي، وفي ذلك بيان أيضاً لبعض المنافع المذكورة في آية الحج هذه)) (٣). وقال الإمام الطبري ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾: ((اختلف أهل التأويل في معنى المنافع التي ذكرها اللَّه في هذا الموضع، فقال بعضهم: هي التجارة، ومنافع الدنيا ... وقال آخرون: هي الأجر في الآخرة، والتجارة في الدنيا، ... وقال آخرون: بل هي العفو والمغفرة، ... وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: عنى بذلك: ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي اللَّه والتجارة، وذلك أن اللَّه عمَّ لهم منافع جميع ما يَشْهَد له الموسم ويتأتى له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة، ولم يخصص من ذلك شيئاً من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك على العموم في المنافع التي وصفت)) (٤). وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان اللَّه تعالى، وأما منافع الدنيا، فما يصيبون من منافع

стр. 65

البُدن، والربح، والتجارات)) (١). وذكر الإمام البغوي ﵀ ما حاصله: العفو والمغفرة، وقيل: التجارة، وقيل: الأسواق، وقيل: التجارة وما يرضى اللَّه به من أمر الدنيا والآخرة (٢). والصواب في المنافع إن شاء اللَّه تعالى: هو مجموع هذه الأقوال كما قال الإمام الطبري رحمه اللَّه تعالى، وأن المنافع عامة شاملة لكل المنافع في الدنيا والآخرة، واللَّه تعالى أعلم، فيدخل فيها ما تقدم من المنافع، وما سيأتي ذكره إن شاء اللَّه تعالى. ثامناً: إظهار التذلل لله تعالى، والخضوع له سبحانه ؛ وذلك لأن الحاج والمعتمر يرفض أسباب الترف والتزين، والتطيب، ويلبس ثياب الإحرام مظهراً فقره لربه، متجرِّداً عن كل ما يشغله ويصرفه عن مولاه، فيتعرَّض بذلك لمغفرته سبحانه، ثم يقف الحاج في عرفة متضرّعاً، متذلِّلاً، حامداً شاكراً، لربه، ومستغفراً لذنوبه وعثراته، سائلاً ربه ما يحتاجه في دنياه وأخراه، وفي طوافه بالبيت العتيق يلوذ باللَّه ويلجأ إليه من ذنوبه، ومن هوى نفسه والشيطان ووساوسه (٣). تاسعاً: أداء الشكر لله تعالى؛ فإن في الحج يؤدي العبد بعض الشكر لسلامة البدن من العوارض المانعة من الحجِّ وغيره، وشكر نعمة المال، وشكر نعمة الفراغ، وشكر نعمة الحياة، وشكر نعمة القوة

стр. 66

والشباب، وهذه النعم من أعظم ما يتمتع به الإنسان من نعم الدنيا؛ لأن الإنسان بهذه النعم: يجهد نفسه، وينفق ماله؟، ويشغل وقته، ويغتنم حياته وقوته، في طاعة ربه، والتقرب إليه ، وقد قال النبي ﷺ : ((نعمتان مغبون فيها كثير من الناس: الصحة والفراغ)) (١)، وقال ﷺ : ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)) (٢). ومعلوم أن شكر اللَّه تعالى على نعمه من أعظم العبادات التي ينال بها العبد الثواب والزيادة من فضل اللَّه ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٣). عاشراً: الحج أعظم مؤتمر بشري تجتمع كلمة أصحابه الصادقين على البر والتقوى، فيجتمع المسلمون من أقطار الأرض في مركز اتجاه أرواحهم، ومَهْوَى قلوبهم، فيتعرّف بعضهم على بعض، ويألف بعضهم بعضاً، فتذوب الفوارق بين الناس: فوارق اللون والجنس، وفوارق اللسان واللغة، وفوارق الغنى والفقر، وفوارق الجاه والسلطان: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّه أَتْقَاكُمْ﴾ (٤).

стр. 67

وهذا كله يُبيِّن أن الحكمة لمشروعية الحج: إظهار العبودية لله تعالى، وأن الحج يشتمل على حِكم جليلة، كثيرة، وفوائد عديدة، تدركها العقول الصحيحة، والفطر السليمة، وتشمل حياة المسلم: الروحية، والمالية، والجسدية، ومصالح المسلمين: في الدين، والدنيا (١). الحادي عشر: الحج يذكّر المسلم بالموت والانتقال إلى الآخرة ، وذلك إذا تجرَّد الحاج من ثيابه، ولبس الإحرام الذي يشبه الأكفان، ورأى: بأن الرئيس والمرؤوس، والملك، والوزير، والغني، والفقير، والعربي، والأعجمي، والأسود، والأبيض، والصغير، والكبير، كلهم لباسهم واحد، ولا فرق بينهم في ذلك، وهذا يُذكِّر بخروج الإنسان من الدنيا، ولا يحمل معه إلا هذه الأكفان، التي تبلى بعد ذلك سريعاً، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ (٢). الثاني عشر: الحج يذكِر بيوم القيامة ؛ لأن الحاج إذا رأى جموع الحجاج قد جاؤوا من كل فجٍّ عميق، ومن كلِّ طريقٍ بعيدٍ، واجتمعوا للطواف بالبيت العتيق، وانصرفوا من اجتماعهم بعد الصلوات، يُذكِّر بهذا الاجتماع، وهذا الانصراف يوم القيامة، وانصراف الناس بعد ذلك كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (٣).

стр. 68

وكذلك الطواف بين الصفا والمروة، وزحام الناس في الدخول مع الأبواب والخروج يذكر بيوم القيامة. وكذلك اجتماع الحجاج في عرفة في صعيدٍ واحدٍ، في يومٍ واحدٍ، بلباسٍ واحدٍ، بأعدادٍ كثيرةٍ هائلةٍ، يذكِّر المسلم بيوم القيامة، واجتماع الناس جميعاً في عرصات القيامة، لا ينفعهم إ لا ما قدَّموا، في هذا اليوم العظيم الذي لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى اللَّه بقلب سليم. فإذا رأى المسلم العاقل هذه الجموع ذَكَّره بهذا اليوم العظيم، ولان قلبه، واستعدّ للقاء اللَّه تعالى. واللَّه المستعان. الثالث عشر: الحج امتثال لأمر اللَّه وإجابة لأمره لإبراهيم بالدعوة إليه؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (١)؛ ولقوله تعالى لإبراهيم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁، قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ فقال: ((أيها الناس قد فرض اللَّه عليكم الحج فحُجُّوا))،فقال رجل: أكل عام يا رسول اللَّه، (فسكت) حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((لو قلتُ: نعم لوجبت، ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم؛ فإنما هَلَكَ من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأْتُوا منه ما

стр. 69

استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)) (١). الرابع عشر: الصلة باللَّه تعالى، والتقرب إليه، ومفارقة الأهل ، والأوطان والعشيرة؛ لأداء الحج، وزيارة البيت العتيق، وهذا فيه فوائد عظيمة، ومنافع كثيرة، لا تحيط بها العبارة؛ لأنه في هذه العبادة: يركب الأخطار، ويقطع الطرق الطويلة، ويشق الأجواء يرجو رحمة ربه، ويخاف عقابه سبحانه، فما أحراه بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، من المولى الكريم . ولا شك أن هذه العبادة شرع اللَّه فيها: الإحرام، والتلبية، واجتناب كثير من العوائد، وكشف الرجل رأسه، وخلع ثيابه وإبدالها بالإزار والرداء، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، وحلق الرأس أو تقصيره، والتقرُّب إلى اللَّه تعالى بذبح الهدايا والقرابين، وغير ذلك مما شرع اللَّه في الحج، وكل ذلك تشهد العقول الصحيحة، والفطر السليمة المستقيمة بحسنه، وأنه لا حكمة فوق حكمة من شرعه (٢). الخامس عشر: اتصال المسلمين بعضهم ببعض، وتعاونهم في مصالحهم: لا شك أن من فوائد الحج اتصال المسلمين من جميع أقطار الأرض في مواسم الحج، فيحصل بذلك الخير الكثير، والتشاور في كثير من أمورهم، وتعاونهم في مصالحهم العاجلة والآجلة، واستفادة بعضهم من بعض، وتوحيد كلمتهم على الحق، وكل ذلك من جملة منافع الحج

стр. 70

التي أشار إليها تعالى بقوله (١): ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٢). السادس عشر: التعلم، والتعليم، ونشر الدعوة والخير بين الناس في المواسم: الحجاج جاؤوا من كل فج عميق؛ ليؤدُّوا هذا الواجب العظيم؛ وليستفيدوا من حجهم أنواعاً من الطاعات لله تعالى، والمشاعر المقدسة يلتقي فيها أولياء اللَّه، والعلماء من أقطار الأرض، فيستفيد العالم والمتعلم: يستفيد العالم بنشر علم الكتاب والسنة في هؤلاء الجموع الكثيرة، وتعليمهم ما يجب عليهم، وتحذيرهم مما يضرّهم، وترسيخ العقيدة الصحيحة في نفوسهم. ويستفيد الراغب في الخير: من العلماء والدعاة إلى اللَّه ، من حلقات العلم في المسجد الحرام، وفي المشاعر المقدسة (٣). ولا شك أن هذا من التزود بالتقوى التي هي خير زاد، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٤)، فيدخل في ذلك الاستفادة من العلماء الربانيين، ويدخل في ذلك تعليم الناس الخير، والدعوة إلى اللَّه تعالى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بالأسلوب الحسن، والحكمة والموعظة الحسنة (٥)،كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ

стр. 71

وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١). قال شيخنا ابن باز ﵀: ((وكل ما يفعله الحاج: من طاعة اللَّه ونفع لعباده، مما ذكر ومما لم يُذكر، كله داخل في المنافع، وهذا من حكمة (٢) اللَّه في إبهامها حتى يدخل فيها كل ما يفعله المؤمن والمؤمنة، من طاعة لله، ومن نفع لعباده، فالصدقة على الفقير منفعة، وتعليم الجاهل منفعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منفعة، وفي الدعوة إلى اللَّه منافع عظيمة، والصلاة في المسجد الحرام منفعة، ... وكل ما تفعله مما ينفع الناس من قولٍ، أو فعلٍ، أو صدقةٍ، أو غيرها مما شرعه اللَّه أيضاً داخل في المنافع، فينبغي للحاج أن يستغل هذه الفرصة العظيمة ... )) (٣). السابع عشر: أعظم المنافع تحقيق التوحيد ونبذ الشرك ؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ : حجة الوداع، وفيه: أن النبي ﷺ كان معه جمع غفير عند إحرامه من ذي الحليفة، قال جابر ﵁، فنظرت إلى مدِّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه ﷺ بين

стр. 72

أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد: ((لبَّيْك اللَّهمّ لبَّيْك، لبَّيْك لا شريك لك لبَّيْك، إنَّ الحمدَ، والنِّعْمَةَ لك والمُلْكَ، لا شريك لك)) (١). وقد جاءت هذه التلبية بلفظها من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن تلبية رسول اللَّه ﷺ : ((لبّيك اللَّهمّ لبَّيك، لبيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) (٢)، وفي لفظ للبخاري ومسلم قال ابن عمر: ((لا يزيد على هؤلاء الكلمات)) (٣)، وكان ابن عمر ﵄ يزيد فيها: ((لبَّيك، لبَّيك، وسعديك، والخير بيديك، لبَّيك والرغباء إليك والعمل)) (٤)، ولفظ ابن ماجه وأبي داود: وكان ابن عمر يزيد في تلبيته: لبيك، لبيك، وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل (٥). وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: كان عمر بن الخطاب يهلُّ بإهلال رسول اللَّه ﷺ من هؤلاء الكلمات (٦)، ويقول: لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك، لبَّيك، وسَعْدَيْكَ، والخيرُ في يديك، لبَّيك والرغباءُ إليك والعمل (٧).

стр. 73

وعن عائشة ﵂ قالت: إني لأعلم كيف كان النبي ﷺ يلبِّي: ((لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك)) (١). وجاء لفظ حديث عائشة ﵂ عن ابن مسعود ﵁ قال: كان من تلبية النبي ﷺ : ((لبَّيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك)) (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول اللَّه ﷺ : ((ويلكم: قد قد (٣)))،فيقولون: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت (٤). وعن أبي هريرة ﵁، قال: كان من تلبية النبي ﷺ : ((لبَّيْك إلهَ الحقّ))، ولفظ ابن ماجه: أن رسول اللَّه ﷺ قال في تلبيته: ((لبَّيْك إله الحق لبيك)) (٥)،وقد اشتملت تلبية النبي ﷺ على إثبات التوحيد، والبراءة من الشرك. فمن حج أو اعتمر فقد شرعت له هذه التلبية، وهذا من أعظم تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك، وهذا كله من أعظم المنافع. وقوله ﷺ : ((لبَّيك اللَّهمّ لبَّيك)) من التلبية، وهي إجابة المنادي: أي إجابتي لك

стр. 74

يا ربِّ، وهو مأخوذ من لبَّ المكان، وألبَّ به إذا أقام به، وألبَّ على كذا: إذا لم يفارقه، ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير: أي إجابة لك بعد إجابة. وقيل معناه: اتجاهي وقصدي يا ربِّ إليك، من قولهم: داري تلبُّ دارك: أي تواجهها. وقيل: معناه: إخلاصي لك، من قولهم: حسبٌ لُباب، إذا كان خالصاً محضاً، ومنه لبُّ الطعام ولبابه. وقيل: معناها: محبتي لك يا ربِّ، من قول العرب: امرأةٌ لبَّةٌ، إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه (١). ولعظم التلبية وعلوِّ شأنها تعدَّدت معانيها عند العلماء، وكل هذه المعاني تدلُّ على توحيد اللَّه تعالى، والنهي عن ضده، وهو: الشرك باللَّه ، وقد نقل الإمام ابن القيم ﵀ ثمانية أقوال في معانيها، وهي على النحو الآتي: ١ - إجابة لك بعد إجابة ؛ ولهذا المعنى كررت التلبية إيذاناً بتكرير الإجابة. ٢ - انقياد لك بعد انقياد ، من قولهم: لبب الرجل إذا قبضت على تلابيبه، ومنه لببته بردائه: فالمعنى: انقدتُ لك، وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة، كما يفعل بمن لبب بردائه، وقبض على تلابيبه. ٣ - أنه من لبّ بالمكان إذا قام ولزمه ، والمعنى: أنا مقيم على طاعتك

стр. 75

ملازم لها. ٤ - أنه من قولهم: داري تلبّ دارك: أي تواجهها وتقابلها: أي مواجهة بما تحبّ. ٥ - معناه: حباً لك بعد حُبٍّ من قولهم: امرأة لبة: إذا كانت محبة لولدها. ٦ - مأخوذ من لبّ الشيء: وهو خالصه، ومنه لبُّ الطعام، ولبُّ الرجل عقله وقلبه، ومعناه: أخلصت لُبِّي وقلبي لك، وجعلت لك لبِّي وخالصتي. ٧ - أنه من قولهم: فلان رخي اللبب ، وفي لبب رضي: أي في حال واسعة منشرح الصدر، ومعناه: بوجد المحبّ إلى محبوبه، لا بكرهٍ ولا تكلف. ٨ - أنه من الإلباب: وهو الاقتراب: أي اقتراب إليك بعد اقتراب، لما يقترب المحب من محبوبه، ومعنى: ((وسعديك)) من المساعدة، وهي المطاوعة: أي مساعدة في طاعتك، وما تحب بعد مساعدة. ومعنى: ((والرغباء إليك)): أي الطلب والمسألة والرغبة (١). ولا شك أن التلبية فيها الإعلان بإجابة دعوة اللَّه تعالى وطاعته، والإعلان بالتوحيد والبراءة من الشرك وأهله، وهذا من أعظم المنافع.
следующие страницы →