← Фикх общий

Фикх общий · id 96547

مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١). قال شيخنا ابن باز ﵀: ((وكل ما يفعله الحاج: من طاعة اللَّه ونفع لعباده، مما ذكر ومما لم يُذكر، كله داخل في المنافع، وهذا من حكمة (٢) اللَّه في إبهامها حتى يدخل فيها كل ما يفعله المؤمن والمؤمنة، من طاعة لله، ومن نفع لعباده، فالصدقة على الفقير منفعة، وتعليم الجاهل منفعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منفعة، وفي الدعوة إلى اللَّه منافع عظيمة، والصلاة في المسجد الحرام منفعة، ... وكل ما تفعله مما ينفع الناس من قولٍ، أو فعلٍ، أو صدقةٍ، أو غيرها مما شرعه اللَّه أيضاً داخل في المنافع، فينبغي للحاج أن يستغل هذه الفرصة العظيمة ... )) (٣). السابع عشر: أعظم المنافع تحقيق التوحيد ونبذ الشرك ؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ : حجة الوداع، وفيه: أن النبي ﷺ كان معه جمع غفير عند إحرامه من ذي الحليفة، قال جابر ﵁، فنظرت إلى مدِّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه ﷺ بين

стр. 72

أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلَّ بالتوحيد: ((لبَّيْك اللَّهمّ لبَّيْك، لبَّيْك لا شريك لك لبَّيْك، إنَّ الحمدَ، والنِّعْمَةَ لك والمُلْكَ، لا شريك لك)) (١). وقد جاءت هذه التلبية بلفظها من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن تلبية رسول اللَّه ﷺ : ((لبّيك اللَّهمّ لبَّيك، لبيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)) (٢)، وفي لفظ للبخاري ومسلم قال ابن عمر: ((لا يزيد على هؤلاء الكلمات)) (٣)، وكان ابن عمر ﵄ يزيد فيها: ((لبَّيك، لبَّيك، وسعديك، والخير بيديك، لبَّيك والرغباء إليك والعمل)) (٤)، ولفظ ابن ماجه وأبي داود: وكان ابن عمر يزيد في تلبيته: لبيك، لبيك، وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل (٥). وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: كان عمر بن الخطاب يهلُّ بإهلال رسول اللَّه ﷺ من هؤلاء الكلمات (٦)، ويقول: لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك، لبَّيك، وسَعْدَيْكَ، والخيرُ في يديك، لبَّيك والرغباءُ إليك والعمل (٧).

стр. 73

وعن عائشة ﵂ قالت: إني لأعلم كيف كان النبي ﷺ يلبِّي: ((لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك)) (١). وجاء لفظ حديث عائشة ﵂ عن ابن مسعود ﵁ قال: كان من تلبية النبي ﷺ : ((لبَّيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمد والنعمة لك)) (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول اللَّه ﷺ : ((ويلكم: قد قد (٣)))،فيقولون: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت (٤). وعن أبي هريرة ﵁، قال: كان من تلبية النبي ﷺ : ((لبَّيْك إلهَ الحقّ))، ولفظ ابن ماجه: أن رسول اللَّه ﷺ قال في تلبيته: ((لبَّيْك إله الحق لبيك)) (٥)،وقد اشتملت تلبية النبي ﷺ على إثبات التوحيد، والبراءة من الشرك. فمن حج أو اعتمر فقد شرعت له هذه التلبية، وهذا من أعظم تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك، وهذا كله من أعظم المنافع. وقوله ﷺ : ((لبَّيك اللَّهمّ لبَّيك)) من التلبية، وهي إجابة المنادي: أي إجابتي لك

стр. 74

يا ربِّ، وهو مأخوذ من لبَّ المكان، وألبَّ به إذا أقام به، وألبَّ على كذا: إذا لم يفارقه، ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير: أي إجابة لك بعد إجابة. وقيل معناه: اتجاهي وقصدي يا ربِّ إليك، من قولهم: داري تلبُّ دارك: أي تواجهها. وقيل: معناه: إخلاصي لك، من قولهم: حسبٌ لُباب، إذا كان خالصاً محضاً، ومنه لبُّ الطعام ولبابه. وقيل: معناها: محبتي لك يا ربِّ، من قول العرب: امرأةٌ لبَّةٌ، إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه (١). ولعظم التلبية وعلوِّ شأنها تعدَّدت معانيها عند العلماء، وكل هذه المعاني تدلُّ على توحيد اللَّه تعالى، والنهي عن ضده، وهو: الشرك باللَّه ، وقد نقل الإمام ابن القيم ﵀ ثمانية أقوال في معانيها، وهي على النحو الآتي: ١ - إجابة لك بعد إجابة ؛ ولهذا المعنى كررت التلبية إيذاناً بتكرير الإجابة. ٢ - انقياد لك بعد انقياد ، من قولهم: لبب الرجل إذا قبضت على تلابيبه، ومنه لببته بردائه: فالمعنى: انقدتُ لك، وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة، كما يفعل بمن لبب بردائه، وقبض على تلابيبه. ٣ - أنه من لبّ بالمكان إذا قام ولزمه ، والمعنى: أنا مقيم على طاعتك

стр. 75

ملازم لها. ٤ - أنه من قولهم: داري تلبّ دارك: أي تواجهها وتقابلها: أي مواجهة بما تحبّ. ٥ - معناه: حباً لك بعد حُبٍّ من قولهم: امرأة لبة: إذا كانت محبة لولدها. ٦ - مأخوذ من لبّ الشيء: وهو خالصه، ومنه لبُّ الطعام، ولبُّ الرجل عقله وقلبه، ومعناه: أخلصت لُبِّي وقلبي لك، وجعلت لك لبِّي وخالصتي. ٧ - أنه من قولهم: فلان رخي اللبب ، وفي لبب رضي: أي في حال واسعة منشرح الصدر، ومعناه: بوجد المحبّ إلى محبوبه، لا بكرهٍ ولا تكلف. ٨ - أنه من الإلباب: وهو الاقتراب: أي اقتراب إليك بعد اقتراب، لما يقترب المحب من محبوبه، ومعنى: ((وسعديك)) من المساعدة، وهي المطاوعة: أي مساعدة في طاعتك، وما تحب بعد مساعدة. ومعنى: ((والرغباء إليك)): أي الطلب والمسألة والرغبة (١). ولا شك أن التلبية فيها الإعلان بإجابة دعوة اللَّه تعالى وطاعته، والإعلان بالتوحيد والبراءة من الشرك وأهله، وهذا من أعظم المنافع.

стр. 76

وقد اشتملت التلبية على قواعد عظيمة، وفوائد جليلة، كثيرة نافعة (١). ولا شك أن الاهتمام بمعرفة معنى التلبية، ومعرفة هذه الفوائد التي تضمنتها يعين العبد المسلم على القيام بعبادة الحج والعمرة، والتقرب لله تعالى بقول هذه الكلمات على أحسن وجه وأكمله.

стр. 77

المبحث الرابع: حكم الحج ومنزلته في الإسلام أولاً: حكم الحج في الإسلام: الأصل في وجوب الحج الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقول اللَّه تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١)، وحرف عَلى: يدلُّ على الإيجاب، لا سيما إذا ذُكر المستحق، فقيل: لفلان على فلان كذا، وقد أتبعه بقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾؛ ليبيَّن أن من لم يعتقد وجوبه فهو كافر، وأنه إنما وضع البيت، وأوجب حجه؛ ليشهدوا منافع لهم، لا لحاجةٍ إلى الحجاج، كما يحتاج المخلوق إلى من يقصده، ويعظِّمه؛ لأن اللَّه غني عن العالمين. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ﴾ (٢) على أحد التأويلين (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٤)، فأذَّن فيه إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة، وأتم التسليم: ((إن لربكم بيتاً فحجّوه)) (٥). وقال الإمام ابن كثير رحمه اللَّه تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى

стр. 78

النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾: ((هذه آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل: بل هي قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للَّهِ﴾، والأول أظهر)) (١). وقال الإمام الطبري ﵀ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال بعد أن ذكر أقوال أهل العلم: ((وأولى التأويلات بالصواب في ذلك: قول من قال: ((ومن كفر)) ومن جحد فرض ذلك، وأنكر وجوبه، فإن اللَّه غنيٌّ عنه وعن حجه، وعن العالمين جميعاً)) (٢)؛ ولهذا قال ﵀: ((ومن جحد ما ألزمه اللَّه من فرض حج بيته، فأنكره، وكفر به؛ فإن اللَّه غنيٌّ عنه، وعن حجِّه وعمله، وعن سائر خلقه: من الجن والإنس ... )) (٣). وأما السنة ؛ فلإحاديث كثيرة، منها الأحاديث الآتية: ١ - حديث أنس بن مالك ﵁ - قال: نُهينا أن نسأل رسول اللَّه ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية، العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن اللَّه أرسلك؟ قال: ((صدق))، قال: فمن خلق السماء؟ قال: ((اللَّه))، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: ((اللَّه))، قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: ((اللَّه))، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب الجبال، اللَّه أرسلك؟ قال: ((نعم))، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، فقال: ((صدق))، قال: فبالذي أرسلك اللَّه أمرك بهذا؟ قال: ((نعم))، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: ((صدق)، قال: فبالذي أرسلك اللَّه أمرك بهذا؟ قال: ((نعم))، قال: وزعم رسولك أنَّ علينا صومَ شهر رمضان في سنتنا، قال ((صدق))، قال: فبالذي أرسلك: اللَّه أمرك بهذا؟ قال: ((نعم))،

стр. 79

قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، قال: ((صدق))، قال: ثم ولَّى، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنَّ ولا أنقص منهنَّ، فقال النبي ﷺ : ((لئن صدق ليدخلن الجنة)) (١). ٢ - حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((بُني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)) (٢). ٣ - حديث جبريل في رواية عمر بن الخطاب ﵁، وفيه أنه قال: بينا نحن عند رسول اللَّه ﷺ ذات يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمداً رسول اللَّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصومَ رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعت إليه

стр. 80

سبيلاً ... )) (١). ٤ - حديث أبي هريرة ﵁ -، وفيه: أنه قال: خطبنا رسول اللَّه ﷺ ، فقال: ((أيها الناس قد فرض اللَّه عليكم الحج فحجّوا ... )) (٢). ٥ - حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄ ، قال: بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، وَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّه ﷺ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَ ضِمَامٌ رَجُلًا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ (٣)، فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : ((أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ)) قَال: َ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) فَقَالَ: ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنِّي سَائِلُكَ وَمُغَلِّظٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ. قَالَ: ((لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي، فَسَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ)). قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّه إِلَهَكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، اللَّه بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا؟ فَقَالَ: ((اللَّهمَّ نَعَمْ)). قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّه إِلَهَكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ، اللَّه أَمَرَكَ أَنْ تَأْمُرَنَا أَنْ نَعْبُدَهُ وَحْدَهُ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الَّتِي كَانَتْ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ؟ قَال: َ ((اللَّهمَّ نَعَمْ)). قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَهَكَ، وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكَ اللَّه أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟ قَالَ: ((اللَّهمَّ نَعَمْ)).

стр. 81

قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً: الزَّكَاةَ، وَالصِّيَامَ، وَالْحَجَّ، وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ كُلَّهَا، يُنَاشِدُهُ عِنْدَ كُلِّ فَرِيضَةٍ كَمَا يُنَاشِدُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، وَسَأُؤَدِّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، ثُمَّ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ حِينَ وَلَّى: ((إِنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ (١) يَدْخُلْ الْجَنَّة)). قَالَ: فَأَتَى إِلَى بَعِيرِهِ، فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى. قَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ، اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ. قَالَ: وَيْلَكُمْ، إِنَّهُمَا وَاللَّه لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وإِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ. قَالَ: فَوَاللَّه مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا. قَالَ: يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ (٢).

стр. 82

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((فتكون بنو بكر بن سعد بن بكر قد أوفدت ضماماً في سنة تسعٍ، وفيها أسلمت ثقيف أيضاً، وهذه السنة هي سنة الوفود)) (١). وأما الإجماع: فأجمعت الأمة على وجوب الحج على المستطيع في العمر مرة واحدة (٢). قال الإمام ابن المنذر: ((وأجمعوا على أن على المرء في عمره حجة واحدة: حجة الإسلام إلا أن ينذر نذراً فيجب عليه الوفاء به)) (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وقد أجمع المسلمون في الجملة على أن الحجَّ فرضٌ لازمٌ)) (٤). ثانياً: منزلة الحج في الإسلام: ١ - الحج أحد الأركان والدعائم العظام التي يقوم عليها الإسلام، فمن

стр. 83

تركه بعد الاستطاعة متعمداً بدون عذر فقد ترك ركناً عظيماً من أركان الإسلام، فلا يتمُّ إسلامه إلا بأداء هذه الفريضة العظيمة؛ فهو الركن الخامس من أركان الإسلام؛ لقول النبي ﷺ : ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)) (١). ٢ - لعظم منزلة الحج في الإسلام أن من تركه متعمداً جاحداً لوجوبه كفر باللَّه تعالى، لقوله تعالى: ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، فمن تركه؛ لأنه لم يعتقد وجوبه كفر (٣)، ومن تركه جاحداً لوجوبه كفر كذلك (٤). الحج سهم من أسهم الإسلام، فمن تركه بدون عذرٍ فقد خاب؛ لحديث حذيفة ﵁ يرفعه: ((الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والصوم سهم، وحج بيت اللَّه سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل اللَّه سهم، وقد خاب من لا سهم له)) (٥).

стр. 84

٤ - الحرمان لمن وسَّعَ اللَّه عليه ثم لم يزر البيت العتيق ؛ لحديث أبي سعيد ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: ((قال اللَّه: إن عبداً صَحَّحْتُ له جسمه، ووسَّعْتُ عليه في المعيشة يمضي عليه خمسة أعوام ولا يفِدُ إليَّ لمحروم)) (١). قال الإمام المنذري رحمه اللَّه تعالى: ((رواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي، وقال: قال علي بن المنذر (٢): أخبرني بعض أصحابنا قال: كان حسن بن حُيَيٍّ (٣) يعجبه هذا الحديث وبه يأخذ، ويحبُّ للرجل الموسِرِ الصحيح أن لا يَتْرَكَ الحج خمس سنين)) (٤)، وهذا من باب الاستحباب؛

стр. 85

لأن اللَّه لم يوجب الحج إلا مرة واحدة في العمر، إذا اكتملت شروط وجوب الحج، وهذا من رحمته بعباده، فما زاد على ذلك فهو تطوع، ولله الحمد. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال لنسائه عام حجة الوداع: ((هذه ثُمَّ ظهور الحُصُر))، قال: فكنَّ كلهنَّ يحججن إلا زينب بنت جحش، وسودة بنت زمعة، وكانتا تقولان: واللَّه لا تُحرِّكنا دابةٌ بعد أن سمعنا ذلك من النبي ﷺ ، قال إسحاق بن سليمان في حديثه: قالتا: واللَّه لا تحرِّكنا دابة بعد قول رسول اللَّه ﷺ : ((هذه ثم ظُهُور الحُصُر))، وقال يزيد: بعد أن سمعنا ذلك من رسول اللَّه ﷺ (١). وعن أبي واقد الليثي عن أبيه ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لأزواجه في حجة الوداع: ((هذه ثم ظُهُورَ الحُصُْرِ)) (٢). وعن أمِّ سلمة ﵂، قالت: قال لنا رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع: ((إنما هي هذه الحجة، ثم الجلوسَُ على ظُهُور الحُصَُر في البيوت)) (٣).

стр. 86

قال الإمام البيهقي ﵀: ((في حج عائشة ﵂ وغيرها من أمهات المؤمنين ﵅ ... بعد رسول اللَّه ﷺ دلالة على أن المراد من هذا الخبر وجوب الحج عليهنَّ مرةً واحدةً كما بين وجوبه على الرجال مرة، لا المنع من الزيادة عليه واللَّه أعلم)) (١) (٢). وقال السندي ﵀: ((قوله: ((هذه)) أي حجتكن هذه ((ثم ظهور الحصر)) ثم الأولى لكنَّ لزوم البيت والحُصُر - بضمتين، وتسكَّن الصاد تخفيفاً -: جمع حصير يبسط في البيوت، ولعلَّ المراد تطييب أنفسهن بترك الحج، بعد أن لم يتيسر، أو جواز الترك لهن، على المعنى الذي ذكرنا، لا النهي عن الحج، واللَّه أعلم)) (٣).

стр. 87

المبحث الخامس: حكم العمرة العمرة لغة: الزيارة، وشرعاً: زيارة البيت العتيق على وجه مخصوص، بإحرام، وطواف وسعي، وحلق أو تقصير، ثم تحلل. والصحيح أن العمرة تجب على من يجب عليه الحج للأحاديث الثابتة الآتية: ١ - جواب النبي ﷺ لسؤال جبريل من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: بينا نحن جلوس عند رسول اللَّه ﷺ في أناسٍ إذ جاء رجل ليس عليه شحناء سفر، وليس من أهل البلد، يتخطَّى حتى ورك فجلس بين يدي رسول اللَّه ﷺ ،كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي رسول اللَّه ﷺ فقال: يا محمد، ما الإسلام؟ قال: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان))، قال: فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال: ((نعم))،قال: صدقت))،وذكر باقي الحديث ... (١). ٢ - حديث عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : يا رسول اللَّه! على النساء جهاد؟ قال: ((نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة)) (٢).

стр. 88

٣ - حديث أبي رَزِين أنه قال: يا رسول اللَّه! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن قال: ((حجَّ عن أبيك واعتمر)) (١). ٤ - حديث الصُّبيِّ بن مَعْبَدٍ ، في قصته الطويلة، وفيه: أنه أتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: (( ... يا أمير المؤمنين، إني كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا، وَإني أَسْلَمْتُ وأنا حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ، وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ، فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، فَقَالَ لِي: اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ، وَإِنِّي أَهْلَلْتُ بِهِمَا مَعًا، فَقَالَ لِي عُمَرُ ﵁:هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ )) (٢).

стр. 89

٥ - قول ابن عمر ﵄: ((ليس أحد إلا وعليه حج وعمرة)) (١). ٦ - قول ابن عمر ﵄: ((الحج والعمرة فريضتان)) (٢). ٧ - قول ابن عباس ﵄ عن العمرة: ((إنها لقرينتها في كتاب اللَّه : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾)) (٣). وهذا هو الصواب الذي دلت عليه الأدلة الشرعية أن العمرة فريضة كالحج تجب في العمر مرة واحدة على من وجب عليه الحج، سواء كان من أهل مكة أو غيرهم (٤) وهذا معنى كلام عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن عمر، وجابر بن عبد اللَّه وغيرهم من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم (٥) (٦).

стр. 90

وتجزئ عمرة المتمتع، وعمرة القارن، والعمرة من أدنى الحل عن عمرة الإسلام الواجبة (١). ولا يجب الحج والعمرة في العمر إلا مرة واحدة؛ لحديث ابن عباس ﵄: أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: ((يا رسول اللَّه، الحجُّ في كل سنة أو مرة واحدة؟ قال: ((بل مرة واحدة فمن زاد فهو تطوع)) ولفظ النسائي: ((لو قلت: نعم لوجبت، ثم إذاً لا تسمعون ولا تطيعون، ولكنها حجةٌ واحدة)) (٢).

стр. 91

قال الإمام ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن على المرء في عمره حجةً واحدة، حجة الإسلام إلا أن ينذر نذراً فيجب عليه الوفاء به)) (١). وقال المرداوي ﵀: ((وجوب الحج في العمر مرة واحدة إجماع، والعمرة إذا قلنا تجب فمرة واحدة بلا خلاف)) (٢). وإذا دخل المسلم بالإحرام في حج التطوع، أو عمرة التطوع وجب عليه الإتمام، وكان ذلك فريضة عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)، قال الإمام ابن عبد البر ﵀: (( ... الإتمام يجب في العمرة كما يجب في الحج لمن دخل في واحدٍ منهما بإجماع)) (٤).

стр. 92

المبحث السادس: شروط وجوب الحج والعمرة أولاً: مفهوم الشرط لغة واصطلاحاً: الشرط لغة: العلامة، واصطلاحاً: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته. ثانياً: شروط وجوب الحج والعمرة: يجب الحج والعمرة بخمسة شروط (١) على النحو الآتي: الشرط الأول: الإسلام ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢)؛ ولأنه لا يصح منهم ذلك، ومحال أن يجب ما لا يصح؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: ((بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمَّره عليها رسول اللَّه ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان))، هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: ((لا يحجُّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان)) (٣). وعن زيد بن أثيع، قال: سألت علياً: بأي شئ بُعِثْتَ؟ قال: بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عُريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهدٌ

стр. 93

فعهده إلى مُدَّتِهِ، ومن لا مُدَّة له، فأربعة أشهر)) (١). الشرط الثاني: العقل ، فلا حج ولا عمرة على مجنون كسائر العبادات إلا أن يفيق؛ لحديث علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ, وعن الصبي حتى يحتلم)) (٢). الشرط الثالث: البلوغ ، فلا يجب الحج على الصبي حتى يحتلم؛ للحديث السابق، ولكن لو حج الصبي صح حجه ولا يجزئه عن حجة الإسلام؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن امرأة رفعت إلى النبي ﷺ صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: ((نعم ولك أجر)) (٣). وعن السائب بن يزيد ﵁، قال: ((حُجَّ بي مع رسول اللَّه ﷺ وأنا ابن سبع سنين)) (٤). وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : ((أيما صَبِيٍّ حجَّ، ثم بلغ

стр. 94

فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى)) (١). الشرط الرابع: كمال الحرية ، فلا يجب الحج على المملوك، ولكنه لو حج فحجه صحيح ولا يجزئه عن حجة الإسلام؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عباس ﵄ السابق: (( ... وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى)). الشرط الخامس: الاستطاعة ؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٢). وقد فسَّر هذه الآية كثير من أهل العلم بما روي مرفوعاً: أن رجلاً سأل عما يوجب الحج، فقيل له: ((الزاد والراحلة)) (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((الحج إنما يجب على من استطاع إليه سبيلاً بنصِّ القرآن والسنة المستفيضة، وإجماع المسلمين، ومعنى قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ واستطاعة السبيل عند أبي عبد اللَّه وأصحابه: ملك الزاد والراحلة، فمناط الوجوب وجود المال، فمن وجد المال وجب عليه الحج بنفسه أو بنائبه، ومن لم يجد المال لم يجب عليه

стр. 95

الحج وإن كان قادراً ببدنه ... )) (١). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((والاستطاعة المشترطة: ملك الزاد والراحلة، وبه قال الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشافعي، وإسحاق، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وقال عكرمة: هي الصحة ... )) (٢). قال الشنقيطي رحمه اللَّه تعالى: (( ... أما الأكثرون الذين فسَّروا الاستطاعة بالزاد والراحلة، فحجتهم الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ بتفسير الاستطاعة في الآية: بالزاد والراحلة ... ، وقد روي عنه ذلك من حديث: ابن عمر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث أنس، ومن حديث عائشة، ومن حديث جابر، ومن حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، ومن حديث ابن مسعود ... ))، ثم تكلم الشنقيطي ﵀ عن هذه الأحاديث ثم قال: (( ... وبما ذكرنا تعلم أن حديث ابن عباس هذا عند ابن ماجه لا يقلّ عن درجة الحسن، مع أنه معتضد بما تقدم)) (٣)، وقال في موضع آخر: ((الذي يظهر لي واللَّه تعالى أعلم: أن حديث الزاد والراحلة المذكور ثابت لا يقل عن درجة الاحتجاج؛ لأن الطريقين اللتين أخرجهما به الحاكم في المستدرك عن أنسٍ قال: كلتاهما صحيحة الإسناد، وأقر تصحيحها الحافظ الذهبي، ولم يتعقبه بشيء ... )) (٤)، ولكن

стр. 96

لو حج غير المستطيع كان حجه مجزئاً (١). ويختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة القصر، فأما القريب الذي يمكنه المشي فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه؛ لأنها مسافة قريبة يمكنه المشي إليها)) (٢). وشرط خاص بالمرأة: وهو وجود المحرم؛ لحديث ابن عباس ﵄، أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((لا يخلُوَنَّ رجل بامرأة إلا معها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم))، فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتُتِبتُ في غزوة كذا وكذا: قال: ((انطلق فحج مع امرأتك)) (٣). فلا يجب على المرأة أن تسافر للحج، ولا يجوز لها ذلك إلا مع زوج أو ذي محرم (٤)، لكن لو حجت المرأة بغير محرم أجزأتها الحجة عن حجة الفرض مع معصيتها، وعظيم الإثم عليها (٥). والأحاديث في تحريم سفر المرأة بدون محرم كثيرة، منها الأحاديث

стр. 97

الآتية: الحديث الأول: حديث ابن عباس المتقدم. الحديث الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ -، قال: قال النبي ﷺ : ((لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمةٌ)) (١)، وفي لفظ لمسلم: ((لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو محرم منها)). وفي لفظ له: ((لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم)). الحديث الثالث: حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم))، وفي لفظ: ((لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم)). وفي لفظ لمسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم)) (٢). الحديث الرابع: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ - قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها)) (٣). الحديث الخامس: حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : ((لا يخلونَّ

стр. 98

رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم)) (١). قال الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى: ((فإن حُمل اليوم المطلق أو الليلة المطلقة على الكامل: أي يوم بليلته، أو ليلة بيومها قل الاختلاف واندرج في الثلاث فيكون أقل المسافة يومًا وليلة)) (٢). وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ من قوله: ((لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان (٣)،والطائف، وجدة، فإذا قدمت على أهلٍ أو ماشية فأتمَّ)) (٤). وهذه الأحاديث نصوص من النبي ﷺ في تحريم سفر المرأة بغير محرم، ولم يخصِّص سفراً من سفر، مع أن سفر الحج من أشهرها وأكثرها، فلا يجوز أن يغفله، ويهمله، ويستثنيه بالنيّة من غير لفظ، بل قد فهم الصحابة ﵃ دخول سفر الحج في ذلك، لمّا سأله ذلك الرجل عن سفر الحج، وأقرّه على ذلك، وأمره أن يسافر مع امرأته، ويترك الجهاد الذي قد تعيّن عليه بالاستنفار فيه، ولولا وجوب ذلك لم يجز أن يخرج سفر الحج من هذا الكلام، وهو أغلب أسفار النساء؛ فإن المرأة لا تسافر في الجهاد، ولا في التجارة غالباً، وإنما تسافر في الحج، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز لها السفر إلا على وجه يُؤمَن فيه البلاء، ثم بعض الفقهاء ذكر كل منهم ما اعتقده حافظاً لها، وصايناً، كنسوةٍ ثقات، ورجال

стр. 99

مأمونين، ومنعها أن تسافر بدون ذلك، فاشتراط ما اشترطه اللَّه ورسوله أحق، وأوثق، وحكمته ظاهرة؛ فإن النساء لحمٌ على وضم (١) إلا ما ذبَّ عنه، والمرأة في السفر معرضة للصعود، والنزول، والبروز، محتاجة إلى من يعالجها ويمس بدنها، وتحتاج هي ومن معها من النساء إلى قيِّمٍ يقوم عليهنّ، وغير المَحرَم لا يؤمَن، ولو كان أتقى الناس؛ فإن القلوب سريعة التقلب، والشيطان بالمرصاد (٢)، وقد قال النبي ﷺ : (( ... ألا لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة، وإيَّاكم والفُرقَة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرّته حسنتُهُ وساءته سيئتُهُ فذلكم المؤمن)) (٣)، ولفظ أحمد: (( ... ولا يخلونَّ رجل بامرأةٍ فإن ثالثهما الشيطان)) (٤). ولا يجوز للمرأة أن تسافر بغير محرم إلا في الهجرة؛ لأن الذي تهرب منه شر من الذي تخافه على نفسها، وقد خرجت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وغيرها من المهاجرات بغير محرم ... (٥). وقال الإمام النووي رحمه اللَّه تعالى بعد أن ساق روايات الأحاديث التي تنهى عن سفر المرأة بغير محرم: (( .. وفي رواية أبي داود: ((ولا تسافر

стр. 100

بريداً)) (١)، والبريد مسيرة نصف يوم، قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ؛ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة، أو البريد، قال البيهقي: كأنه ﷺ سُئل عن المرأة تسافر ثلاثاً بغير محرم؟ فقال: لا، وسُئل عن سفرها يومين بغير محرم؟ فقال: لا، وسئل عن سفرها يوماً؟ فقال: لا، وكذلك البريد، فأدَّى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفاً عن رواية واحدٍ فسمعه في مواطن فروى تارةً هذا، وتارةً هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كلِّه تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد ﷺ تحديد أقل ما يسمَّى سفراً، فالحاصل أن كل ما يُسمَّى سفراً تُنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يوماً، أو بريداً، أو غير ذلك؛ لرواية بن عباس المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة: ((لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم))،وهذا يتناول جميع ما يسمَّى سفراً، واللَّه أعلم)) (٢). ومحرم المرأة: هو زوجها، ومن تحرم عليه على التأبيد: بنسب، أو سبب مباح: ١ - من تحرم عليه من النسب: كآبائها وإن علوا، وأبنائها وإن نزلوا، وإخوانها: الأخ الشقيق، أو لأب، أو لأم، وبني إخوتها، وأعمامها وإن علوا، وأخوالها فكلهم محارم لها. ٢ - أما محارمها بالسبب ، فقسمان: صهر، ورضاع:

стр. 101

أما الصهر فأربعة: زوج أمها، وزوج ابنتها، وأبو زوجها، وابن زوجها. وأما الرضاع، فإنه يحرم منه ما يحرم من النسب (١). ثالثاً: أقسام شروط وجوب الحج والعمرة: شروط وجوب الحج والعمرة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: شرطان للوجوب والصحة ، وهما: الإسلام، والعقل، فلا تجب على كافر، ولا مجنون، ولا يصح منهما؛ لأنهما ليسا من أهل العبادات. القسم الثاني: شرطان للوجوب والإجزاء ، وهما: البلوغ، والحرية، وليسا شرطاً للصحة، فلو حج الصبي والعبد صَحَّ حجهما، ولم يجزئهما عن حجة الإسلام إن بلغ الصبي، أو عتق العبد. القسم الثالث: شرط للوجوب فقط ، وهو الاستطاعة، بملك الزاد والراحلة، ووجود المحرم للمرأة، فلا يجب الحج ولا العمرة على غير المستطيع، ولا على امرأة ليس لها محرم، ولو تجشَّم غير المستطيع المشقة، وسار بغير زادٍ وراحلةٍ، فحَجَّ كان حجه صحيحاً مجزئاً، كما لو تكلَّف القيام في الصلاة والصيام من يسقط عنه أجزأه. والمرأة التي ليس لها محرم لو حجت فحجها صحيح مجزئٌ، لكنها تأثم؛ لسفرها بدون محرم (٢) (٣).

стр. 102

المبحث السابع: وجوب الحج على الفور من كملت له شروط وجوب الحج وجب عليه أن يحج على الفور ولم يجز له تأخيره، ويأثم إن أخَّره بلا عُذرٍ؛ لحديث ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له))، وهذا لفظ أحمد، ولفظ أبي داود: ((من أراد الحجّ فليتعجّل))، ولفظ ابن ماجه: ((من أراد الحجَّ فليتعجَّل، فإنه قد يمرض المريض، وتضلُّ الدّابّة، وتعرض الحاجة)) (١). فأمر بالتعجيل والأمر يقتضي الإيجاب (٢)؛ ولهذا ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ((لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فينظروا كل من له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين)) (٣)، وفي رواية أنه قال: ليمت يهودياً أو نصرانياً - يقولها ثلاث مرات - رجل مات ولم يحج، ووجد لذلك سَعَة، وخُلِّيت سبيله (٤)، فإذا وجدت هذه الشروط في شخص فقد وجب عليه الحج (٥).

стр. 103

* فإن كان قادراً على الحج بنفسه وجب عليه أن يحج . * وإن كان عاجزاً عن الحج بنفسه فعلى نوعين: النوع الأول: إن كان يرجو زوال عجزه وبرءه كالمريض الذي مرضه طارئ ويرجو الشفاء، فإنه يؤخر الحج حتى يستطيع الحج بنفسه فإن مات قبل ذلك حُجَّ عنه من تركته ولا يأثم. النوع الثاني: وإن كان الذي وجب عليه الحج عاجزاً عجزاً مستمراً لا يرجو زواله ولا يرجو بُرءَه، كالكبير، والمريض المقعد الميئوس منه، ومن لا يستطيع الركوب، فإنه يُوكِّل من يحج عنه ويعتمر (١).

стр. 104

المبحث الثامن: النيابة في الحج والعمرة من لا يستطيع الحج والعمرة بنفسه وقد اكتملت له الشروط كمن لا يستطيع الركوب، ولا يقدر عليه ولا يثبت على المركوب، ولا يُرجى برؤه فإنه يلزمه أن يُنيب من يحجَّ عنه ويعتمرُ (١)؛لحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول اللَّه إن فريضة اللَّه على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: ((نعم))،وذلك في حجة الوداع. وفي رواية لمسلم: ((فحجي عنه)) (٢). وحديث أبي رَزِين أنه قال: يا رسول اللَّه إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: ((فحج عن أبيك واعتمر)) (٣). فإن توفِّي من وجب عليه الحجُّ ولم يحج أُخرج عنه من ماله ما يُحجُّ به عنه، ويُعتمر (٤)؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: أمرت امرأة سنان بن

стр. 105

عبد اللَّه الجهني أن يسأل رسول اللَّه ﷺ أن أمها ماتت ولم تحجّ أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: ((نعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها أكان يجزئ عنها؟)) قال: نعم، قال: ((فلتحجَّ عن أمها)) (١). وحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: ((نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟)) قالت: نعم. قال: ((اقضوا اللَّه فاللَّه أحق بالوفاء)) (٢). وفي رواية: ((فاقضوا اللَّه الذي له؛ فإن اللَّه أحق بالوفاء)) (٣). وفي رواية: أن رجلاً قال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت, فقال: ((فاقض اللَّه, فهو أحق بالقضاء)) (٤). وحديث ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. قال رسول اللَّه ﷺ : ((من شبرمة؟)) قال: أخٌ لي أو قريبٌ لي، قال: ((حججت عن نفسك؟)) قال: لا. قال: ((حجّ عن نفسك ثم عن شبرمة)) (٥).

стр. 106

وحديث عبد اللَّه بن عمرو: ((أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يُعتِق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول اللَّه ﷺ ، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه إن أبي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، وإن هشاماً أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : ((إنه لو كان مسلماً فأعتقتم أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك))، (وفي رواية): ((فلو كان أقرَّ بالتوحيد فصُمت وتصدقت عنه نفعه ذلك)) (١) (٢). ووجه الدلالة من هذه الأحاديث على النحو الآتي: الوجه الأول: أن النبي ﷺ أمر بفعل حجة الإسلام ، والحجة المنذورة عن الميت، وبيّن أنها تُجزئ عنه، وهذا يدل على بقائها في ذمته، وأنها لم تسقط بالموت. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ بيَّن أن الحج دَيْنٌ في الذمة ، وكل من عليه دين وجب أن يُقضى عنه من تركته. الوجه الثالث: قوله ﷺ : ((اقضوا اللَّه فاللَّه أحق بالوفاء)): إما أن يكون

стр. 107

معناه: أن قضاء دين اللَّه أوجب من قضاء دين الآدمي، كما فسره بذلك القاضي وغيره؛ لأن وجوبه أوكد وأثبت، وإما أن يكون معناه: إذا كان قضاء دين الآدمي يجزئ عنه بعد الموت، فدين اللَّه أحق أن يجزئ؛ لأن اللَّه تعالى كريم جواد، ومن يكون أحرى بقبول القضاء فحقه أولى أن يُقضى. الوجه الرابع: أن هذه الأحاديث تقتضي جواز فعل الحج المفروض عن الميت ؛ سواء أوصى بذلك أم لم يوصِ، وسواء كان له تركة أم لم يكن له شيء؛ لأن النبي ﷺ لم يسألهم عن تركة خلَّفوها، وتقتضي أن ذلك يجزئ عنه، ويُؤدَّى عنه ما وجب عليه. الوجه الخامس: أن النبي ﷺ أمر الولي أن يحج عنه ، والأمر يقتضي الوجوب، لا سيما وقد شبهه بالدين الذي يجب قضاؤه من تركته (١). * ولا يجوز أن يحج النائب عن غيره إلا بعد أن يحج عن نفسه؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال رسول اللَّه ﷺ : ((من شبرمة؟)) قال: أخٌ لي، أوقريبٌ لي، قال: ((حججت عن نفسك؟)) قال: لا. قال: ((حج عن نفسك ثم عن شبرمة)) (٢). وينبغي أن يحرص المستنيب على اختيار الوكيل الصالح الذي يعرف أحكام الحج والعمرة، ويراقب اللَّه في ذلك؛ لأن هذا من أسباب القبول، وعلى الوكيل أن يخلص النية لله سبحانه، ويَعْلم أنه لا ينبغي

стр. 108

لأحدٍ على الصحيح أن يأخذ مالاً يحج به عن غيره إلا لأحد رجلين: ١ - رجل يحب أن يبرئ ذمة الميت عن الحج ويحسن إليه بقضاء هذا الدين، إما لصلةٍ بينهما أو رحمة عامة بالمؤمنين فيأخذ من المال ما يستعين به على أداء الحج عنه ويرد الباقي الفاضل من المال، وهذا محسن واللَّه يحب المحسنين. ٢ - رجل يحب الحج ورؤية المشاعر وهو عاجز عن النفقة فيأخذ ما يقضي حاجته ويؤدي به عن أخيه فريضة الحج. والخلاصة: أن المستحب للوكيل أن يأخذ ليَحُجَّ لا أن يحُجَّ ليأخذ، وهذا يُرجَى له الثواب العظيم وأن يُعطى مثل أجر من وكَّله أو حج عنه إن شاء اللَّه تعالى (١) قال النبي ﷺ : ((الخازن الأمين الذي يؤدي ما أُمِر به طيبة به نفسه أحد المتصدقين)) (٢). أما من أخذ المال، وأراد الدنيا بعمل الآخرة، ولم يقصد إلا الحطام الفاني، فليس له في الآخرة من نصيب؟ (٣)، واللَّه المستعان.

стр. 109

المبحث التاسع: آداب السفر والعمرة والحج الآداب التي ينبغي للمسافر والمعتمر والحاج المسافر (١) معرفتها والعمل بها؛ ليحصل على عمرة مقبولة، ويُوفَّق لحج مبرور، وسفر مبارك آداب كثيرة منها: آداب واجبة وآداب مستحبة، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الآداب الآتية: أولاً: يستخير اللَّه سبحانه في الوقت، والراحلة، والرفيق ، وجهة الطريق إن كثرت الطرق، ويستشير في ذلك أهل الخبرة والصلاح. أما

стр. 110

الحج؛ فإنه خير لا شك فيه. وصفة الاستخارة أن يصلي ركعتين ثم يدعو بالوارد (١). ثانياً: يجب على الحاج والمعتمر أن يقصد بحجه وعمرته وجه اللَّه تعالى، والتقرب إليه، وأن يحذر أن يقصد حطام الدنيا أو المفاخرة، أو حيازة الألقاب، أو الرياء والسمعة؛ فإن ذلك سبب في بطلان العمل وعدم قبوله. قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣). والمسلم هكذا لا يريد إلا وجه اللَّه والدار الآخرة؛ ولهذا قال اللَّه : ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (٤). وفي الحديث القدسي: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)) (٥).
следующие страницы →