Полный текст (666 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
٩٦ - ((اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، [وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ] الْمَنَّانُ [يَا] بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكَ [الْجَنَّةَ وأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ])) (١) .
٩٧ - ((اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّه، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، اَلْأَحَدُ، اَلصَّمَدُ، اَلَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)) (٢) .
٩٨ - ((ربِّ اغْفِر لي وتُب عَليَّ، إنك أَنت التَّوَّابُ الغَفورُ)) (٣) .
٩٩ - ((اللَّهمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْب، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهمَّ أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، الحواشي
(١) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء، برقم ١٤٩٥، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب اسم اللَّه الأعظم، برقم ٣٨٥٨، والنسائي، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر، برقم ١٢٩٩، والترمذي، كتاب الدعوات عن رسول اللَّه ﷺ ، باب خلق اللَّه مائة رحمة، برقم ٣٥٤٤، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٧٩، وفي صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢٩.(٢) أبو داود، برقم ٩٨٥، والترمذي، برقم ٣٤٧٥، وابن ماجه، برقم ٣٨٥٧، وأحمد ٥/ ٣٦٠، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/ ١٦٣، وسبق تخريجه.(٣) أبو داود، كتب الوتر، باب في الاستغفار، برقم ١٥١٨، والترمذي، كتاب الدعوات عن رسول اللَّه ﷺ ، باب ما يقول إذا قام من المجلس، برقم ٣٤٣٤، واللفظ له، والنسائي في الكبرى، بر قم ١٠٢٩٢، وابن ماجه، كتب الأدب، باب في الاستغفار، برقم ٣٨١٤، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٢/ ٣٢١، وفي صحيح الترمذي، ٣/ ١٥٣.стр. 422
وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ)) (١) .
١٠٠ - ((اللَّهمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ)) (٢) .
١٠١ - ((اللَّهمَّ طَهِّرْنِي مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، اللَّهمَّ نَقِّنِي مِنْهَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، اللَّهمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ)) (٣) .
١٠٢ - ((اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَسُوءِ الْعُمُرِ، وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ)) (٤) .
١٠٣ - ((اللَّهمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَرَبَّ إِسْرَافِيلَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ حَرِّ النَّارِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)) (٥) . الحواشي
(١) النسائي، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر، برقم ١٣٠٥، وأحمد، ٤/ ٢٦٤، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٢٨٠، و١/ ٢٨١.(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب، برقم ٣٤٩١، وحسنه. وقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط: ((وهو كما قال)). انظر تحقيقه لجامع الأصول، ٤/ ٣٤١.(٣) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع، برقم ٤٧٦، والنسائي، كتب الغسل، باب الاغتسال بالثلج والبرد، برقم ٤٠٠.(٤) النسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من فتنة الدنيا، برقم ٥٤٦٩، ولفظه: ((كان النبي ﷺ يتعوذ من خمس: من البخل، والجبن، وسوء العمر، وفتنة الصدر، وعذاب القبر))، وأخرجه أبو داود، كتب الوتر، باب في الاستعاذة، برقم ١٥٣٩، وحسنه الأرنؤوط في تخريجه لجامع الأصول، ٤/ ٣٦٣.(٥) أخرجه النسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر من الذكر والدعاء بعد التسليم، برقم ١٣٤٤، وأحمد، ٦/ ٦١، والبيهقي في الدعوات، برقم ١٠٩، وصححه الألباني في صحيح النسائي،
٣/ ١١٢١، والسلسلة الصحيحة، برقم ١٥٤٤.стр. 423
١٠٤ - ((اللَّهمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي)) (١) .
١٠٥ - ((اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَيَنْفَعُ)) (٢) .
١٠٦ - ((اللَّهمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السبع، وَرَبَّ الْأَرْضِ، وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ،
اللَّهمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنْ الْفَقْرِ)) (٣) .
١٠٧ - ((اللَّهمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتّ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ وَالْفِتَنَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُلُوبِنَا، وَأَزْوَاجِنَا، وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّك أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعَمِك، مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ، قَابِلِينَ لهَا، وَأَتِممْها عَلَيْنَا)) (٤) . الحواشي
(١) رواه أحمد، ٢٦/ ١٩٩٤٤، والترمذي واللفظ له، كتاب الدعوات عن رسول اللَّه ﷺ ، باب، برقم ٣٤٨٣، وإسناده عند أحمد صحيح على شرط مسلم، كما قال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تخريجه في المسند.(٢) أخرجه النسائي في الكبرى، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من علم لا ينفع، برقم ٧٨٦٧، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب ما تعوذ منه رسول اللَّه ﷺ ، برقم ٣٨٤٣، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٣٢٧، ولفظه ((سلوا اللَّه علماً نافعاً، وتعوذوا باللَّه من علم لا ينفع)).(٣) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع، برقم ٢٧١٣، عن أبي هريرة ﵁.(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب التشهد، برقم ٩٦٩، الحاكم، واللفظ له ١/ ٢٦٥، وقال: ((صحيح على شرط مسلم))، ووافقه الذهبي، ١/ ٢٦، وقال عنه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم ٦٣٠: ((صحيح)).стр. 424
١٠٨ - ((اللَّهمَّ إنّي أسْألُكَ خَيرَ المسْأَلَةِ، وخَيْرَ الدُّعَاءِ، وخَيْرَ النَّجَاح، وخَيْرَ العَمَلِ، وخَيْرَ الثَّوابِ، وخَيْرَ الْحَيَاةِ، وخَيْرَ الْمَمَاتِ، وثَبِّتْنِي، وثَقِّلْ مَوَازِينِي، وحَقِّقْ إيْمانِي، وَارْفَعْ دَرَجاتِي، وَتَقَبَّلْ صَلاَتِي، وَاغْفِرْ خَطِيئَتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرجَاتِ العُلاَ مِنَ الْجَنَّةِ، اللَّهمَّ إنّي أَسْأَلُكَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ، وخَوَاتِمَهُ، وَجَوَامِعَهُ، وَأَوَّلَهُ، وَظَاهِرَهُ، وَبَاطِنَهُ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلاَ مِنَ الْجَنَّةِ آمين، اللَّهمّ إِنّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا آتِي، وَخَيْرَ مَا أَفْعَلُ، وَخَيْرَ مَا أعْمَلُ، وَخَيْرَ مَا بَطَنَ، وَخَيْرَ مَا ظَهَرَ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلاَ مِنَ الْجَنَّةِ. آمين. اللَّهمَّ إنّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَرْفَعَ ذِكْرِي،
وَتَضَعَ وِزْرِي، وَتُصْلِحَ أَمْرِي، وَتُطَهِّرَ قَلْبي، وَتُحَصِّنَ فَرْجِي، وَتُنَوِّرَ قَلْبِي، وَتَغْفِرَ لِي ذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلاَ مِنَ الْجَنَّةِ آمين، اللَّهمَّ إنّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُبارِكَ فِي نَفْسِي، وَفِي سَمْعِي، وَفِي بَصَرِي، وَفِي رُوحِي، وَفِي خَلْقِي، وَفِي خُلُقِي، وَفِي أهْلِي، وَفِي مَحْيَايَ، وَفِي مَمَاتِي، وَفِي عَمَلِي، فَتَقَبَّلْ حَسَنَاتِي، وَأَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ الْعُلاَ مِنَ الْجَنَّةِ آمِين)) (١) .
١٠٩ - ((اللَّهمَّ، جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الأَخْلاقِ، وَالأَعْمَالِ، وَالأَهْوَاءِ، وَالأدْوَاءِ)) (٢) .
١١٠ - ((اللَّهمَّ قَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتَنِي، وَبَارِكْ لِي فِيهِ، وَاخْلُفْ عَلَيَّ كُلَّ غَائِبَةٍ لِي بِخَيْرٍ)) (٣) . الحواشي
(١) أخرجه الحاكم عن أم سلمة مرفوعاً، ١/ ٥٢٠، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٥٢٠، والبيهقي في الدعوات، برقم ٢٢٥، والطبراني في الكبير، ٢٣/ ٣٢٦، برقم ٧١٧.(٢) أخرجه الحاكم، ١/ ٥٢٣، وقال: ((صحيح على شرط مسلم))، ووافقه الذهبي، ١/ ٥٣٢، الطبراني في المعجم الكبير، ١٩/ ١٩ برقم ٣٦، وصححه الألباني في ظلال الجنة، برقم ١٣.(٣) أخرجه الحاكم، ١/ ٥٣٢، وصححه ووافقه الذهبي، ١/ ٥١٠، عن ابن عباس ﵄، والبيهقي في الآداب، برقم ١٠٨٤، وفي الدعوات الكبير، ٢١١، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتوحات الربانية، ٤/ ٣٨٣.стр. 425
١١١ - ((اللَّهمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا)) (١) .
١١٢ - ((اللَّهمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) (٢) .
١١٣ - ((اللَّهم إِنِّي أَسْأَلُكَ إِيمَانًا لَا يَرْتَدُّ، وَنَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَمُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي أَعْلَى جَنَّةِ الْخُلْدِ)) (٣) .
١١٤ - ((اللَّهمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي، وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِي، اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَخْطَأْتُ، وَمَا عَمَدْتُ، وَمَا عَلِمْتُ، وَمَا جَهِلْتُ)) (٤) . الحواشي
(١) رواه أحمد، ٦/ ٤٨، والحاكم، ١/ ٢٥٥، وقال: ((صحيح على شرط مسلم))، ووافقه الذهبي،
١/ ٢٥٥، قالت عائشة ﵂: فلما انصرف قلت: يا نبي اللَّه ما الحساب اليسير؟ قال: ((أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه إنه من نوقش الحساب يومئذ يا عائشة هلك، وكل ما يصيب المؤمن يكفر اللَّه به عنه حتى الشوكة تشوكه))، وقال عنه العلامة الألباني في مشكاة المصابيح: ((وإسناده جيد)).(٢) أخرجه أحمد، ٢/ ٢٩٩، والحاكم، ١/ ٤٩٩، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وهو عند أبي داود، كتاب الوتر، باب في الاستغفار، برقم ١٥٢٤، والنسائي في صفة الصلاة، باب نوع آخر من الدعاء، أن النبي ﷺ أوصى معاذاً أن يقولها في دبر كل صلاة، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، برقم ٥٣٤.(٣) أخرجه ابن حبان (موارد)، ص ٦٠٤، برقم ٢٤٣٦، عن ابن مسعود ﵁ موقوفاً، ورواه أحمد من طريق آخر، ١/ ٣٨٦، ٤٠٠، والنسائي في عمل اليوم والليلة، برقم ٨٦٩، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، تحت رقم ٢٣٠١.(٤) أخرجه النسائي في الكبرى، ٦/ ٢٤٦، برقم ١٠٨٣٠، والحاكم، ١/ ٥١٠ وصححه، ووافقه الذهبي، وأخرجه أحمد، ٤/ ٤٤٤، وقال الحافظ في الإصابة: ((إسناده صحيح))، وصححه الألباني في تخريج رياض الصالحين، في تعليقه على الحديث رقم ١٤٩٥.стр. 426
١١٥ - ((اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ)) (١) .
١١٦ - ((اللَّهمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي، أَعُوذُ بِاللَّه مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (٢) .
١١٧ - ((اللَّهمَّ مَتِّعْنِي بِسَمْعِي، وَبَصَرِي، وَاجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنِّي،
وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ يَظْلِمُنِي، وَخُذْ مِنْهُ بِثَأْرِي)) (٣) .
١١٨ - ((اللَّهمَّ إنِي أَسْأَلُكَ عِيشَةً نَقِيَّةً، ومِيتَةً سَوِيّةً، ومَردّاً غَيْرَ مُخْزٍ، ولَا فَاضِحٍ)) (٤) .
١١٩ - ((اللَّهمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي، فَأَحْسِنْ خُلُقِي)) (٥) .
١٢٠ - ((اللَّهمِ اَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ)) (٦) . الحواشي
(١) أخرجه النسائي، كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من الدين، برقم ٥٤٧٥، وأحمد ٢/ ١٧٣، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ١١١٣.(٢) النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، برقم ١٦١٧، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء من الدعاء إذا قام الرجل من الليل، برقم ١٣٥٦، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ١/ ٣٥٦، وفي صحيح ابن ماجه، ١/ ٢٢٦.(٣) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب، برقم ٣٦٨١، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٥٠، والحاكم، ١/ ٥٢٣، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٨٨.(٤) أخرجه الحاكم، ١/ ٥٤١، وزوائد مسند البزار، ٢/ ٤٤٢، برقم ٢١٧٧، والطبراني في الدعاء، برقم ١٤٣٥، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ١٧٩: ((إسناد الطبراني جيد)).(٥) أخرجه أحمد، ٦/ ٦٨، و١٥٥، و١/ ٤٠٣، وابن حبان (٢٤٢٣ - موارد)، والطيالسي، ٣٧٤، ومسند أبي يعلى، برقم ٥٠٧٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١/ ١١٥، برقم ٧٤.(٦) لحديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ((من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب اللَّه له بكل مؤمنٍ ومؤمنة حسنة)). أخرجه الطبراني في المعجم الكبير،
٥/ ٢٠٢، برقم ٥٠٩٢، وفي مسند الشاميين له أيضاً، ٣/ ٣٣٤، برقم ٢١٥٥، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، ١٠/ ٢١٠: ((رواه الطبراني، وإسناده جيد))، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٥٩٠٢، ٥/ ٢٤٢.стр. 427
١٢١ - ((اللَّهمَّ ثَبِّتني وَاجْعَلْني هَادِيًا مَهْدِيًّا)) (١) .
١٢٢ - ((اللَّهمَّ آتِنِي الْحِكْمَةَ الّتِي مَنْ أُوتِيهَا فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)) (٢) .
١٢٣ - ((اللَّهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللَّهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم [في العالمين] إنك حميد مجيد)) (٣) .
ومن الأفضل أن يكون الحاجُّ يوم عرفة مفطراً اقتداءً بالنبي ﷺ ، فعن أم الفضل بنت الحارث ﵂: ((أن ناساً تماروا عندها يوم عرفه في صوم النبي ﷺ ، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلتْ إليه بقدح لبنٍ وهو واقف على بعيره فشربه)) (٤) . الحواشي
(١) دل عليه دعاء النبي ﷺ لجرير ﵁. انظر البخاري، برقم ٦٣٣٣، وكذلك بأرقام ٣٠٢٠، ٣٠٣٦، وغيرها.(٢) هذا مأخوذ من قوله : ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاء وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ َفقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وفي رواية عن ابن عباس أن النبي ﷺ دعا له: ((اللَّهم علمه الحكمة))، البخاري، برقم ٧٥، و٣٧٥٦، وفي ابن ماجه، برقم ١٦٦، وفي الترمذي، برقم ٢٨٢٣، أن ابن عباس ﵁ قال: ((دعا لي رسول اللَّه ﷺ أن يؤتيني الحكمة مرتين)). ...(٣) البخاري، كتاب الأنبياء، باب حدثنا موسى بن إسماعيل، برقم ٣٣٧٠، وما بين المعقوفين من حديث أبي هريرة عند مسلم، برقم ٤٠٥.(٤) متفق عليه: البخاري كتاب الصوم، باب صوم يوم عرفة، برقم ١٩٨٨، ومسلم كتاب الصيام، باب استحباب الفطر للحاج بعرفة، برقم ١١٢٣.стр. 428
وعن ميمونه ﵂: أن ناساً شكَّوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلت إليه بحلابٍ (١) وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون)) (٢) .
وفي إفطار الحاج يوم عرفة من الفوائد: أنه يتقوَّى بذلك على الدعاء، والتضرع، والتذلل لله تعالى، ويزيد نشاطه في هذا الموقف العظيم.
سادساً: إذا غربت الشمس وتحقق من غروبها (٣) انصرف الحاج إلى الحواشي
(١) الحلاب: الإناء الذي يحلب فيه. [النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ١/ ٤٢١].(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم عرفة، برقم ١٩٨٩، ومسلم، كتاب الصيام، باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة، برقم ١١٢٤.(٣) من اقتصر في وقوفه في عرفة بعد الزوال على جزء من النهار دون الليل، كأن يفيض من عرفات قبل غروب الشمس فقد انقسم العلماء ﵏ في حكمه إلى فريقين:
الفريق الأول: قال: لا يصح حج من اقتصر على النهار دون الليل، فعلى هذا القول من وقف بعد الزوال يوم عرفة بعرفة، ثم أفاض قبل غروب الشمس فلا حج له، وبه قال الإمام مالك ﵀، واحتج على قوله بفعل النبي ﷺ ، وهو أنه بقي حتى غربت الشمس، وقال: ((خذوا عني مناسككم)) [هذا لفظ البيهقي، ٥/ ١٢٥، ولفظ مسلم، برقم ١٢٩٧: ((لتأخذوا مناسككم))، فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا: الجمع في الوقوف بين الليل والنهار. [أضواء البيان، ٥/ ٢٥٩، ٢٦٠]، قال الإمام ابن قدامة في الشرح الكبير، ٩/ ١٧١: ((قال ابن عبد البر: لا نعلم أحداً من العلماء قال بقول مالك)). [وانظر: الاستذكار لابن عبد البر، ١٣/ ٣٤]، [والمغني لابن قدامة، ٥/ ٢٧٣].
الفريق الثاني: قول جمهور أهل العلم، ومنهم: الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وعطاء، والثوري، وأبو ثور، قالوا: حجه صحيح لا شك في ذلك، لحديث عروة بن مضرِّس، وفيه: ((من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفة قبل ذلك: ليلاً أو نهاراً فقد تم حجّه وقضى تفثه)). [أبو داود، برقم ١٩٥٠، والترمذي، برقم ٨٩١، والنسائي، برقم ٣٠٤٠، وابن ماجه، برقم ٣٠١٦، وتقدم تخريجه]. قال الإمام الشنقيطي في أضواء البيان عن قول مالك: ٥/ ٢٦٠: ((ولا يخفى أن هذا لا ينبغي أن يعارض به الحديث الصريح في محل النزاع الذي فيه: ((وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه)).
وهذا الفريق الثاني اختلفوا في وجوب الدم على من أفاض من عرفة قبل غروب الشمس على قولين:
القول الأول: يلزمه دم، وهو مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة، والشافعي، في أحد قوليه، والقول الآخر للشافعي: أن الدم سنة، قال الإمام ابن قدامة في الشرح الكبير، ٩/ ١٧٠: ((ومن وقف بها نهاراً ودفع قبل الغروب فعليه دم، يعني أنه يجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس، ليجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك، فعن جابر ﵁ قال: ((فلم يزل [أي النبي ﷺ ] واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص)). [مسلم، برقم ١٢١٨]،وقد قال ﷺ : ((خذوا عني مناسككم))، [وهذا لفظ البيهقي،٥/ ١٢٥]، ولفظ مسلم: ((لتأخذوا مناسككم))، قال المرداوي في الإنصاف، ٩/ ١٧٠: ((هذا هو المذهب، وعليه الأصحاب)).وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة، ٢/ ٥١١: (( ... لا يجوز الخروج من عرفة حتى تغرب الشمس ... ))،وقال الإمام النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم، ٨/ ٤٣٥: ((ينبغي أن يبقى في الوقوف حتى تغرب الشمس، ويتحقق كمال غروبها، ثم يفيض إلى مزدلفة، فإن أفاض قبل غروب الشمس صح وقوفه، ويجبر ذلك بدم، وهل الدم واجب أم مستحب فيه قولان للشافعي، أصحهما أنه سنة، والثاني واجب، وهما مبنيان على أن الجمع بين الليل والنهار واجب على من وقف بالنهار أم لا؟ وفيه قولان: أصحهما سنة، والثاني واجب)).
القول الثاني: أن من وقف بعرفة بعد الزوال، ثم أفاض قبل غروب الشمس، فلم يجمع بين النهار والليل، فلا شيء عليه، وقد ذكر رواية عن الإمام أحمد، قال الإمام المرداوي في الإنصاف، ٩/ ١٧٠: ((قوله: ومن وقف بها نهاراً ودفع قبل غروب الشمس فعليه دم، هذا هو المذهب ... وعنه فلا دم عليه كواقف ليلاً)).
وقد ذكر هذه الرواية ابن مفلح في الفروع، ٦/ ٥٠: بقوله: ((ومن وقف بها نهاراً ودفع قبل الغروب ولم يعد قبله في ((الإيضاح)) قبل الفجر، وقاله أبو الوفاء في مفرداته، وقيل: أو عاد مطلقاً، وفي ((الواضح)): ولا عذر له لزمه دم، وعنه: لا، كواقف ليلاً)).
وذكر الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٥٩: ((أن المقتصر على النهار دون الليل: أظهر الأقوال فيه دليلاً عدم لزوم الدم؛ لحديث عروة وفيه: ((وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه))، فقوله ﷺ فقد تم حجه مرتباً له بالفاء على وقوفه بعرفة ليلاً أو نهاراً يدل على أن الواقف نهاراً يتم حجه بذلك، والتعبير بلفظ التمام ظاهر في عدم لزوم الدم، ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هذا الحديث، وعدم لزوم الدم للمقتصر على النهار هو الصحيح من مذهب الشافعي، لدلالة الحديث على ذلك، كما ترى والعلم عند اللَّه تعالى)).
والذي يترجح هو القول الأول: وهو أن على من أفاض قبل الغروب دم؛ لأنه ترك واجباً من واجبات الحج، فالواجب عليه أن لا يفيض إلا بعد غروب الشمس؛ لقول جابر المتقدم عن النبي ﷺ : أنه لم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص [مسلم، برقم ١٢١٨]، وقد قال ﷺ : ((خذوا عني مناسككم)) [هذا لفظ البيهقي، ٥/ ١٢٥]، ولفظ مسلم: ((لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)) [برقم ١٢٩٧]، وهذا أمر منه ﷺ لأمته، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف، ولا صارف؛ ولهذا قال الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٧٣: ((وعلى من دفع قبل الغروب دمٌ في قول أكثر أهل العلم: منهم: عطاء، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ومن تبعهم، وقال ابن جريج: عليه بدنة، وقال الحسن البصري: عليه هدي من الإبل، ولنا: أنه واجب لا يفسد الحج بفواته، فلم يوجب البدنة كالإحرام من الميقات))، وأما حديث عروة بن مضرِّس، فلا يدل على جواز الانصراف من عرفة قبل الغروب ممن وقف بها نهاراً، وأنه لا شيء عليه، وإنما يدل على إجزاء وقوف من وقف بها ليلاً أو نهاراً [تنبيهات في الحج على الكتابة المسماة افعل ولا حرج، لعبد المحسن العباد، ص ٣٠].
وقال العلامة محمد بن إبراهيم ﵀: ((ومما يدل على عدم جواز الدفع من عرفة قبل الغروب عدم إذن النبي ﷺ للضعفة في ذلك مع ما يلقونه في طريقهم من الزحمة، وحطمة الناس، كما رخص لهم في الدفع من مزدلفة آخر ليلة جمع)) [مجموع فتاوى ابن إبراهيم، ٦/ ٨٤].
وقال شيخنا الإمام ابن باز في مجموع فتاويه، ٦١/ ١٤٢: ((من وقف بعد الزوال أجزأه، فإن انصرف قبل المغرب فعليه دم إن لم يعد إلى عرفة ليلاً، أعني ليلة النحر)). وقال شيخنا أيضاً في الفتاوى، ١٧/ ٢٦١: ((ولا يجوز الانصراف قبل الغروب لمن وقف نهاراً، فإن فعل ذلك فعليه دم عند أكثر أهل العلم؛ لكونه ترك واجباً، وهو الجمع في الوقوف بين الليل والنهار، لمن وقف نهاراً)). [وانظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٣٣٣]، وتقدمت النقولات في القول الأول، واللَّه الموفق.
مسألة: لكن إذا أفاض من وقف بعرفة قبل غروب الشمس، ثم عاد إلى عرفة، فهل يسقط عنه الدم؟ فيه أقوال لأهل العلم:
القول الأول: إذا عاد نهاراً قبل غروب الشمس فوقف حتى غربت فلا دم عليه عند الإمام أحمد، ومالك، والشافعي، قال الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٧٣: ((فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهاراً فوقف حتى غربت الشمس، فلا دم عليه، وبهذا قال: مالك، والشافعي)).
القول الثاني: إذا أفاض قبل غروب الشمس، ثم عاد قبل الغروب أو بعده، لزمه الدم مطلقاً، ولم يسقط برجوعه ... )).
القول الثالث: إذا أفاض من عرفة قبل الغروب، فعاد قبل الغروب أو قبل الفجر فلا دم عليه. قال في الإنصاف، ٩/ ١٧٢: ((وقال في ((الإيضاح)): ولم يعد إلى الموقف قبل الفجر، وقاله ابن عقيل في ((مفرداته))، فإن عاد إلى الموقف قبل الغروب أو قبل الفجر، عند من يقول به فلا دم عليه على الصحيح من المذهب، وعليه أكثرهم .. )). وانظر: الفروع لابن مفلح، ٦/ ٥٠.
والصواب هذا القول الثالث وهو ما اختاره شيخنا ابن باز، في مجموع الفتاوى، ١٦/ ١٤٢، وفي ١٧/ ١٦٣،قال: ((من وقف بعرفة نهاراً فعليه أن يستمر إلى الليل، فإن لم يفعل وانصرف قبل الغروب، ولم يعد بعد الغروب فعليه دم، وإن عاد بعد المغرب فوقف ليلاً ... فلا شيء عليه)).
واختاره أيضاً العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٧/ ٣٣٣: (( ... إذا عاد بعد الغروب فقد عاد في وقت الوقوف، فمقتضى القياس أنه لا شيء عليه، كما لو عاد قبل الغروب)).стр. 429
مزدلفة بسكينةٍ، ووقارٍ، وأكثروا من التلبية، وأسرعوا في المتسع؛ لفعل النبي ﷺ ، وقوله: ((أيها الناس السكينةَ السكينةَ)) (١) ،وقال حينما سمع زجراً شديداً وضرباً وصوتاً للإبل: ((أيها الناس عليكم السكينة فإن البر ليس بالإيضاع)) (٢) ، ومن هذا أخذ عمر بن عبد العزيز قوله لما خطب بعرفة: ((ليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غُفر له)) (٣) .
سابعاً: ولا يفوت الوقوف بعرفة إلا بطلوع الفجر (٤) من يوم النحر،
فعن الحواشي
(١) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ ، برقم ١٢١٨.(٢) البخاري، كتاب الحج، باب أمر النبي ﷺ بالسكينة عند الإفاضة وإشارته إليهم بالسوط، برقم ١٦٧١.ومعناه أن السير السريع والتكلف بالإسراع فيه ليس من البر. انظر: فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٥٢٢.(٣) فتح الباري لابن حجر، ٣/ ٥٢٢.(٤) من اقتصر وقوفه بعرفة على جزء من الليل دون النهار، فقد اختلف العلماء في حكم ذلك على قولين:
القول الأول: إن من اقتصر على جزء من الليل دون النهار صح حجُّه، ولزمه دم، وقال بهذا القول المالكية.
القول الثاني: أن من اقتصر على جزء من الليل دون النهار صح حجُّه، ووقوفه تامٌّ، ولا دم عليه عند جماهير أهل العلم؛ لحديث عبد الرحمن بن يَعْمُر، قال: شهدت رسول اللَّه ﷺ فأتاه ناس، فسألوه عن الحج فقال رسول اللَّه ﷺ : ((الحج عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه)). هذا لفظ النسائي، برقم ٣٠١٦، ولفظ أحمد، ١/ ٦٤، برقم، ١٨٧٧٤: شهدت رسول اللَّه ﷺ ، وهو واقف بعرفة وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول اللَّه: كيف الحج؟ فقال: ((الحجُّ عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه، أيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخّر فلا إثم عليه)). [أحمد، ١/ ٦٤، برقم ١٨٧٧٤، ورقم ١٨٧٧٥، ورقم ١٨٩٥٤، وأخرجه الترمذي، برقم ٨٨٩، وأبو داوود، ولفظه قال: أتيت النبي ﷺ وهو بعرفة، فجاءه ناس أو نفر من أهل نجد، فأمروا رجلاً فنادى رسول اللَّه ﷺ ، كيف الحج؟ فأمر رسول اللَّه ﷺ رجلاً فنادى: الحجُّ الحجُّ، يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه .. ))، برقم ١٩٤٩، وابن ماجه، برقم ٣٠١٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٥٨، وصححه في باقي السنن.
قال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٢٥٩: ((فقوله ﷺ في هذا الحديث الثابت: فقد تمَّ حجه مرتباً ذلك على إتيانه عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر، نصٌّ صريح في أن المقتصر على الوقوف ليلاً أن حجَّه تامٌّ، وظاهر التعبير بلفظ التمام عدم لزوم الدم، ولم يثبت ما يعارضه من صريح الكتاب أو السنة، وعلى هذا جمهور أهل العم خلافاً للمالكية)).
مسائل في الوقوف بعرفة:
المسألة الأولى: اختلف العلماء ﵏ في صحة وقوف المغمى عليه بعرفة حتى يخرج منها على قولين:
القول الأول: لا يصح وقوف المغمى عليه بعرفة، وبه قال: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والحسن، وحجتهم هي أن المغمى عليه ليس من أهل العبادة حتى يصح وقوفه، ونقل ابن قدامة في المغني ٥/ ٢٧٥: أن أحمد توقف في هذه المسألة.
القول الثاني: يصحّ وقوف المغمى عليه، وبه قال: مالك، وأبو حنيفة، وعطاء.
قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٦١: ((وأظهر القولين عندي قول من قال بصحته؛ لما قدمنا من أنه لا تشترط له نية تخصه [أي الوقوف بعرفة] كما قدمنا أنه هو الصواب، فلا مانع من صحته من المغمى عليه كما يصح من النائم .. واللَّه تعالى أعلم)).
المسألة الثانية: اختلف العلماء فيمن وقف بعرفة وهو لا يعلم أنها من عرفات هل يصح حجه؟ على قولين:
القول الأول: يصح، فالجمهور، كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، قالوا يصح وقوفه بعرفة، قال ابن قدامه في المغني، ٥/ ٢٧٥: ((وكيفما حصل بعرفة، وهو عاقل أجزأه: قائماً، أو جالساً، أو راكباً، أو نائماً، وإن مر بها مجتازاً فلم يعلم أنها عرفة أجزأه أيضاً، وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة)).
القول الثاني: لا يصح وقوفه إذا لم يعلم أنها عرفة، وذكر هذا القول ابن قدامة في المغني،
٥/ ٢٧٥، عن أبي ثور؛ لأنه لا يكون واقفاً إلا بإرادة، والأقرب واللَّه أعلم قول الجمهور، وأنه يجزي [انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٧٥، وأضواء البيان، ٥/ ٢٦١].
المسألة الثالثة: لا يشترط للوقوف بعرفة: طهارة ولا ستر عورة، ولا استقبال للقبلة، ولا نية، قال ابن قدامه: لا نعلم في ذلك خلافاً. [المغني، ٥/ ٢٧٥].стр. 430
عبد الرحمن بن يَعْمُر ﵁ قال: شهدت رسول اللَّه ﷺ وهو واقف
بعرفة وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول اللَّه، كيف الحج؟ قال: ((الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلةِ جمعٍ فقد تمَّ حجُّه)) (١) .
وقال عروة بن مُضرِّس ﵁: أتيت رسول اللَّه ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول اللَّه إني جئت من جبلي طيئٍ، أكللت راحتي، وأتعبتُ نفسي، واللَّه ما تركت من جبلٍ إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : ((من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تمَّ حجُّه، وقضى تفثه)) (٢) . الحواشي
(١) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب فرض الوقوف بعرفة، برقم ٣٠١٦، وأبو داود، كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة، برقم ١٩٤٩، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الحج، برقم ٨٨٩، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، برقم ٣٠١٥، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٧، وفي باقي السنن في المواضع المذكورة أنفاً.(٢) أبو داود، برقم ١٩٥٠، والترمذي، برقم ٨٩١، والنسائي، برقم ٣٠٤٠، وابن ماجه، برقم ٣٠١٦، وتقدم تخريجه، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٥١، وصححه في سائر السنن، وفي إرواء الغليل، ٤/ ٢٥٨، برقم ١٠١٦.стр. 431
المبحث التاسع والعشرون: الفوات
أولاً: مفهوم الفوات .
الفوات لغة: مصدر فات يفوت فوتاً وفواتاً، وجمعه: أفوات، ومعناه: أن يُسبق فلا يُدرك، يُقال: فاتني كذا: أي سبقني (١) .
وفوات الحج اصطلاحاً: هو أن يطلع على الحاج فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة، قال ابن المنذر: ((وأجمعوا على أن الوقوف بعرفة فرض، لا حج لمن فاته الوقوف بها)) (٢) .
ثانياً: أحكام الفوات: إذا طلع الفجر من يوم النحر ولم يقف الحاج بعرفة، فقد فاته الحج، فإن كان قد اشترط في ابتداء إحرامه فقال: ((فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني)) تحلَّل من إحرامه، ولا شيء عليه، والأفضل له أن يتحلَّل بعمرة، وإن لم يكن اشترط وفاته الوقوف بعرفة؛ فإنه يتحلَّل بعمرة، فيطوف، ويسعى، ويحلق أو يقصّر، وإذا كان معه هدي ذبحه ويحج عاماً قابلاً ويهدي (٣) ، كما أفتى بذلك عمر بن الخطاب ﵁، لأبي أيوب الأنصاري، وهبَّار بن الأسود ﵄.
فعن سليمان بن يسار: ((أن أبا أيوب الأنصاري، خرج حاجَّاً، حتى
إذا كان بالنازية (٤) من طريق مكة أضلَّ رواحله، وإنه قدم على عمر بن الحواشي
(١) انظر: لسان العرب، لابن منظور، ٢/ ٦٩، فصل الواو، باب التاء، ومعجم لغة الفقهاء للرواس، ص٣١٩.(٢) الإجماع لابن المنذر، ص ٧٣.(٣) المغني، ٢/ ٤٢٤، وشرح العمدة ٢/ ٦٥٥ - ٦٦٨، والمنهج لمريد العمرة والحج، ص ٥٨.(٤) النازية من طريق مكة. هكذا في موطأ مالك، وأما في سنن البيهقي فبلفظ: ((حتى إذا كان بالبادية من طريق مكة ... )). قال القاضي عياض في كتابه مشارق الأنوار، ٢/ ٣٤: ((النازية: عين ثرة عل طريق الآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء، وهي إلى المدينة أقرب، قيل: مضيق الصفراء سُدّت بعد حروب جرت فيها، وضبطناها في السير بتشديد الياء)).стр. 432
الخطاب يوم النحر، فذكر ذلك له، فقال عمر: اصنع كما يصنع المعتمر، ثُمَّ قد حللت، فإذا أدركك الحجُّ قابلاً فاحجج، واهدِ ما استيسر من الهدي)) (١) .
وعن نافع عن سليمان بن يسار: ((أن هبَّار بن الأسود جاء يوم النحر، وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين! أخطأنا العدة، كُنَّا نرى أن هذا اليوم يوم عرفة؟ فقال عمر: اذهب إلى مكة فطف أنت ومن معك، وانحروا هدياً إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصِّروا، وارجعوا، فإذا كان عامٌ قابلٌ فحجّوا واهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجع)) (٢) .
وعن ابن عمر ﵁: أنه قال: ((من أدرك ليلة النحر من الحاجّ فوقف بجبال عرفة قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك الحج، ومن لم يُدرِك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، فليأتِ البيت قبل أن يحلق فليطف به
سبعاً، ويطوف بين الصفا والمروة سبعاً، ثم ليحلق أو يقصِّر إن شاء، وإن كان معه هديه فلينحره قبلُ، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو الحواشي
(١) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب هدي من فاته الحج، برقم ١٥٣، ١/ ٣٨٣، والبيهقي ٥/ ١٧٤، وصححه الألباني في الإرواء، ٤/ ٣٤٤.
وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٤٦، وشرح العمدة، ٢/ ٦٦٥.(٢) مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب هدي من فاته الحج، برقم ١٥٤، ١/ ١٥٤، والبيهقي،
٥/ ١٧٤، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٦٠، برقم ١٠٦٨.стр. 433
يقصّر، ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدركه الحج من قابل فليحج إن استطاع، وليهدِ في حجه)) (١) . الحواشي
(١) البيهقي في السنن الكبرى، ٥/ ١٧٤.
وانظر: مجموع فتاوى ابن باز، ٨/ ١١. فقد أفتى بذلك شيخنا ابن باز ﵀: بأن من فاته الحج تحلل بعمرة، وعليه قضاء الحج عاماً قابلاً.
وسمعت شيخنا ابن باز أثناء تقريره على منتقى الأخبار للمجد ابن تيمية، الحديث رقم ٢٦٧٤، يقول: ((ومن فاته الحج تحلل بعمرة: طاف، وسعى، وقصر، وحل، ثم يشرع له أن يحج من عامٍ قابلٍ، ويهدي، فإن عجز عن الهدي صام ثلاثة أيام في الحجِّ وسبعة إذا رجع إلى أهله، كما أفتى بذلك عمر ﵁)). وذكر البيهقي في هذا الموضع ما يدل على وجوب الهدي عن ابن عمر، وابن الزبير ثم قال: ((من نسي شيئاً من نسكه أو تركه، فليهرق دماً)). سنن البيهقي، ٥/ ١٧٥.
قال الإمام مالك ﵀: ((ومن قرن الحج والعمرة، ثم فاته الحج، فعليه أن يحج قابلاً، ويقرن بين الحج والعمرة، ويهدي هديين: هديا لقرانه الحج مع العمرة، وهدياً لما فاته من الحج)) [موطأ الإمام مالك، ١/ ٣٨٤]، وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٥٦٥ - ٥٦٧.стр. 434
المبحث الثلاثون: المبيت بمزدلفة
أولاً: إذا وصل الحاج إلى مزدلفة (١) صلى بها المغرب ثلاث الحواشي
(١) اختلف العلماء ﵏ في حكم المبيت في مزدلفة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، من تركه جبر بدم، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: الإمام مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والشافعي في المشهور عنه، وعطاء، والزهري، وقتادة، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وجماهير العلماء من السلف والخلف، واستدل هؤلاء العلماء على ذلك بحديث عبد الرحمن بن يعمر، وفيه: (( ... الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تمّ حجه)) [رواه أهل السنن الأربعة، وأحمد، وتقدم تخريجه]. ومعلوم أن هذا الواقف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر قد فاته المبيت بمزدلفة قطعاً بلا شك، ومع ذلك فقد صرَّح النبي ﷺ في الحديث المذكور بأن حجه تام، وحجة الجمهور بأن من ترك المبيت بمزدلفة فعليه دم أثر ابن عباس ﵄ أنه قال: ((من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً)) [مالك في الموطأ، ١/ ٤١٩، والدارقطني، ٢/ ٢٤٤، والبيهقي، ٥/ ١٥٢].
والمبيت بمزدلفة نسك. وهذا القول هو الصواب الذي لا شك فيه.
القول الثاني: قول من قال: بأن المبيت بمزدلفة ركن لا يتم الحج إلا به، وبه قال خمسة من التابعين، وهم: علقمة، والنخعي، والشعبي، والأسود، والحسن البصري، وهم من أئمة التابعين، وممن قال به: بعض الشافعية.
قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد، ٢/ ٢٥٣: ((وهو مذهب اثنين من الصحابة: ابن عباس، وابن الزبير ﵄، وإليه ذهب إبراهيم النخعي، والشعبي، وعلقمة، والحسن البصري، وهو مذهب الأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان، وداود الظاهري، وأبي عبيد القاسم بن سلاَّم، واختاره المحمدان: ابن جرير، وابن خزيمة، وهو أحد الوجوه للشافعية ... ))، واحتجّوا بثلاث حجج، على النحو الآتي:
١ - قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّه عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، قالوا: فهذا الأمر القرآني الصريح يدل على أنه لا بد من ذكر اللَّه عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفة.
٢ - حديث عروة بن مضرِّس، وفيه: (( ... من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه، وقضى تفثه)). [أهل السنن وغيرهم، وتقدم تخريجه]. فقالوا: قوله: ((من شهد صلاتنا)) يفهم منه أن من لم يدرك الصلاة معهم لم يتم حجه، ولم يقض تفثه، والمراد بها صلاة الصبح بالمزدلفة، كما هو واضح. واستدلوا برواية أخرى لهذا الحديث عند أبي يعلى، ٢/ ٢٤٥: ((ومن لم يدرك جمعاً فلا حج له))، ولكنها لم تثبت. واستدلوا برواية أخرى نسبها الحافظ للنسائي، برقم ٤٠٣٠: ((من أدرك جمعاً مع الإمام والناس حتى يفيضوا فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الإمام والناس فلم يدرك)). فتح الباري، ٣/ ٥٢٩. [وقد صححها الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٣٥١].
٣ - فعل رسول اللَّه الذي خرج مخرج البيان لهذا الذكر المأمور به، وقد قال ﷺ : ((لتأخذوا
مناسككم ... )) [مسلم، برقم ١٢٩٧].
وأجاب الجمهور القائلون أن المبيت بمزدلفة واجب يجبر بدم، وليس بركن، عن أدلة هؤلاء القائلين: إنه ركن لا يتمم الحج إلا به بما يأتي:
" قالوا: أما الآية التي استُدل بها على أن المبيت بمزدلفة ركن، وهي قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّه عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ فإنها لم تتعرض للوقوف بمزدلفة أصلاً، وإنما أمر فيها بذكر اللَّه عند المشعر الحرام، قالوا: وقد أجمعوا كلهم على أن من وقف بمزدلفة ولم يذكر اللَّه أن حجه تام.
" وأما رواية النسائي، برقم ٣٠٤٠، (( ... ومن لم يدرك مع الإمام والناس فلم يدرك))، وفي لفظ أبي يعلى: ((ومن لم يدرك جمعاً فلا حج له)) أنها من رواية مطرف عن الشعبي عن عروة، وأن مطرفاً كان يهم في المتون، وقد ارتكب ابن حزم الشطط فزعم أن من لم يصلِّ صلاة الصبح بمزدلفة مع الإمام أن الحج يفوته، التزاماً لما ألزمه به الطحاوي، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه، فحكى الإجماع على الإجزاء كما حكاه الطحاوي)). وقد صحح الألباني رواية النسائي في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٣٥١، وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٣٠٤٠: ((أي لم يدرك الأكمل، والمزدلفة فيها أقوال ثلاثة: الوقوف بها واجب، وقيل: سنة، وقيل: ركن، والصواب الأول، وأن المبيت بمزدلفة واجب، أما من وقف بعرفة قبل صلاة الفجر فقد أدرك الحج)).
وقد ذكر العلامة الألباني زيادة أبي يعلى في إرواء الغليل، ٤/ ٢٥٩، ثم قال: ((وأنا أظن أنها مدرجة من كلام الشعبي، فقد زاد الدارقطني عقب الحديث في رواية له: ((قال الشعبي: ومن لم يقف بجمع جعلها عمرة)). [وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٧٠]، ثم نقل الشنقيطي ﵀ تضعيف زيادة أبي يعلى عن الإمام النووي في شرح المهذب، [أضواء البيان، ٥/ ٢٧١].
" وقال الجمهور على الاستدلال الثالث لمن قال: إن المبيت بمزدلفة ركن، فقال الجمهور: أما الاستدلال بفعل النبي ﷺ ، وقوله: ((لتأخذوا مناسككم ... ))، فلم نخالف أنه نسك ينبغي أن يؤخذ عنه ﷺ ، ولكن صحة الحج بدونه علمت بدليل آخر، وهو حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي المذكور سابقاً، الدال على عدم اشتراط المبيت بمزدلفة [أضواء البيان، ٥/ ٢٧١].
القول الثالث: المبيت بمزدلفة سنة، وبه قال بعض الشافعية، وذكر النووي أن هذا القول مشهور أيضاً، لكن قولهم الأول مع الجمهور أصح منه، وعن عطاء، والأوزاعي: أنها منزل من شاء نزل به، ومن شاء لم ينزل به. [ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح، ٣/ ٥٢٩]
وحجة من قال: بأن المبيت بمزدلفة: سنة وليس بركن ولا واجب، هي: أنه مبيت، فكان سنة كالمبيت بمنى ليلة عرفة، أي الليلة التاسعة التي صبيحتها يوم عرفة [أضواء البيان، ٥/ ٢٧١].
والصواب قول الجمهور؛ لما تقدم من أدلتهم الصحيحة الصريحة، وأن المبيت بمزدلفة واجب من واجبات الحج، من تركه جبر ذلك بدم. قال شيخنا ابن باز ﵀ بعد أن ذكر الأقوال الثلاثة المذكورة: (( .. والصواب من أقوال أهل العم أنه واجب من تركه فعليه دم ... )). [مجموع الفتاوى له، ١٧/ ٢٧٧]، وانظر: [فتاويه أيضاً: ١٦/ ٢٤٢، ١٧٥، ٢٢٢، ١٧/ ٢٨٠، ٢٨٤، ٢٨٦، ٣٢٢، وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٨٤، وزاد المعاد لابن القيم، ٢/ ٢٥٣، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٦٦ - ٢٧٢]. وذكر العلامة ابن عثيمين ﵀ الأقوال الثلاثة، ثم قال: ((ولكن القول الوسط أحسن الأقوال، أنه و(٣) يجبر بدم)).стр. 435
ركعات، والعشاء ركعتين، جمعاً بأذانٍ واحدٍ وإقامتين من حين وصوله؛ لفعل النبي ﷺ (١) ؛ سواء وصل الحاج إلى مزدلفة في وقت المغرب أو بعد دخول وقت العشاء؛ لحديث أسامه بن زيد ﵄، قال: ردفتُ رسول اللَّه ﷺ من عرفاتٍ، فلمّا بلغ رسول اللَّه ﷺ الشِّعْب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال، ثم جاء فصببتُ عليه الوضوءَ فتوضأ وُضوءاً خفيفاً، ثم قلت: الصلاةَ يا رسول اللَّه: فقال: ((الصلاة أمامك))، فركب رسول اللَّه ﷺ حتى أتى المزدلفة، فصلَّى ثم ردف الفضل غداة جمع))، هذا لفظ مسلم،
ولفظ البخاري: ((دفع رسول اللَّه ﷺ من عرفة فنزل الشِّعب فبال، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوءَ، فقلت له: الصلاة، فقال: ((الصلاة أمامك)) فَجَاءَ الحواشي
(١) مسلم، برقم ١٢١٨، من حديث جابر ﵁، وتقدم تخريجه.стр. 436
المزدلفة فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كلُّ إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلَّى ولم يصلِّ بينهما))، وهذا من لفظ البخاري، ولفظ مسلم: ((فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة، فصلَّى المغرب، ثم أناخ كل إنسانٍ بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء، فصلاّها، ولم يصلِّ بينهما شيئاً)) (١) .
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا فيه المبادرة بالصلاة، إذا وصل مزدلفة، فإذا وصلوا بدأوا بالصلاة قبل إناخة الإبل، فلما صلُّوا المغرب أناخوا الإبل، ثم صلّوا العشاء قبل حطِّ الرحال، ثم تحّط الرحال بعد صلاة العشاء))،ثم قال ﵀: ((والغالب من فعل النبي ﷺ أنه لا يتوضأ وضوءاً جديداً إلا قد صلَّى بالوضوء الأول، ولكن في هذا الحديث قد يكون للنشاط، أو أحدث بين الوضوءين، أو لأسباب أخرى ... )) (٢) ، لكن إن لم يتمكن من وصول مزدلفة قبل نصف الليل، فإنه يصلي ولو قبل الوصول إلى مزدلفة، ولا يجوز أن يؤخر الصلاة إلى بعد نصف الليل، بل يصلي في أي مكان كان، ولا يصلي بينهما نافلة.
ثانياً: يبيت الحاج في هذه الليلة بمزدلفة ويحرص أن ينام
مبكراً؛ ليكون نشيطاً لأداء مناسك الحج يوم النحر؛ لفعل النبي ﷺ ؛ فإنه بعد أن صلى المغرب والعشاء اضطجع حتى طلع الفجر (٣) . الحواشي
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، برقم ١٦٧٢،ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة، يوم النحر، برقم ١٢٨٠.(٢) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٦٧٢،وانظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٢٨١.(٣) مسلم، برقم، ١٢١٨، من حديث جابر ﵁، وتقدم تخريجه.стр. 437
ثالثاً: يجوز للضعفة من النساء، والصبيان، ونحوهم، ومن يقوم برعايتهم أن ينزلوا من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل ومغيب القمر (١) ؛ للأحاديث الآتية:
الحديث الأول: حديث عبد اللَّه مولى أسماء أنها نزلت ليلة جمعٍ عند المزدلفة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا ومضينا حتى رمت جمرة العقبة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: ما أرانا إلا قد غلّسنا؟ قالت: ((يا بني إن رسول اللَّه ﷺ أذن للظعن)) (٢) .
الحديث الثاني: حديث ابن عباس ﵄: ((أنا ممن قدَّمَ رسول اللَّه ﷺ ليلة المزدلفة في ضعفة أهله)) (٣) ، وفي لفظٍ: ((بعثني رسول اللَّه ﷺ من جمعٍ بليلٍ))، وفي لفظ لمسلم: ((بعث بي رسول اللَّه ﷺ بسحرٍ من جمعٍ)).
الحديث الثالث: حديث عائشة ﵂ قالت: ((استأذنت سودة رسول اللَّه ﷺ ليلة جمع أن تدفع قبل الحواشي
(١) زاد المعاد، ٢/ ٢٤٨.(٢) متفق عليه، البخاري، كتاب الحج، باب من قدَّم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون، ويقدِّم إذا غاب القمر، برقم ١٦٦٩، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليل قبل زحمة الناس، واستحباب المكث لغيرهم حتى يصلوا الصبح بمزدلفة، برقم ١٢٩١.(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل ... ، برقم ١٦٧٧، ١٦٧٨، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليل ... ، برقم ١٢٩٣، ورقم ١٢٩٤.стр. 438
حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطةً - يعني ثقيلة - فأذِنَ لها، وفي لفظ: ((استأذنت النبي ﷺ سودة: أن تدفع قبل حطمة الناس - وكانت امرأة بطيئة - فأذِنَ لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون استأذنتُ رسول اللَّه ﷺ كما استأذنت سودةُ أحبَّ إليَّ من مفروح به)) (١) .
الحديث الرابع: حديث عائشة ﵂ قالت: ((أرسل النبي ﷺ بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت)) (٢) ، وفي لفظ للنسائي: ((أن رسول اللَّه ﷺ أمر إحدى نسائه أن تنفر من جمعٍ ليلة جمعٍ فتأتي جمرة العقبة فترميها، وتصبح في منزلها، وكان عطاء يفعله حتى مات)) (٣) . قال شيخنا ابن باز ﵀: ((هي أمُّ سلمة)).
الحديث الخامس: حديث أم حبيبة ﵂: ((أن النبي ﷺ بعث بها من جمعٍ بليل))، وفي لفظٍ: قالت: ((كُنَّا نفعله على عهد النبي ﷺ : نُغَلِّس
من جمعٍ إلى منى))، وفي رواية: ((نغلِّس من مزدلفة)) (٤) .
الحديث السادس: حديث ابن عمر: ((كان عبد اللَّه بن عمر ﵄ يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون اللَّه ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من الحواشي
(١) متفق عليه البخاري كتاب الحج باب من قدم ضعفه أهله بليل برقم ١٦٨٠، ١٦٨١، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى منى في أواخر الليل، برقم ١٢٩٠.(٢) أبو داود، كتاب الحج، باب التعجيل من جمع، برقم ١٩٤٢، والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب الرخصة في ذلك للنساء، برقم ٣٠٦٦، وقد ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود، برقم ٤٢٣.(٣) أبو داود برقم ١٩٤٢ والنسائي ٥/ ٢٧٢ قال ابن حجر في البلوغ وإسناده على شرط مسلم وقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط إسناده حسن. انظر جامع الأصول ٣/ ٢٦٣.(٤) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة ... ، برقم ١٢٩٢.стр. 439
يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: ((أرخص في أولئك رسول اللَّه ﷺ )) (١) .
الحديث السابع: حديث الفضل ،: أن النبي ﷺ : ((أمر ضعفة بني هاشم أن ينفروا من جمع بليل)) (٢) .
رابعاً: إذا تبين الفجر الثاني صلى الفجر مبكراً بأذانٍ وإقامة ؛ لحديث جابر ﵁، وفيه: ((ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبيّن له الصبح بأذان وإقامة)) (٣) ، وهذا تفسير لحديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ فإنه قال: ((ما رأيت النبي ﷺ صلَّى صلاة لغير ميقاتها إلا
صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء، وصلّى الفجر قبل ميقاتها)) (٤) ، معناه أنه صلى الفجر يوم النحر في أول وقتها بعد طلوع الفجر، ثم يقف عند المشعر الحرام ويستقبل القبلة، ويدعو اللَّه، ويُكَبِّره، ويُهلِّله، ويوحِّده (٥) ، ويكثر من الدعاء ويرفع يديه، ويستحب له أن يستمرَّ على ذلك حتى الحواشي
(١) البخاري، كتاب الحج، باب من قدم ضعفه أهله بليل فيقفون بالمزدلفة، ويدعون، ويقدِّم إذا غاب القمر، برقم ١٦٧٦.
واختار شيخنا ابن باز ﵀: أنه يجوز للنساء مطلقاً الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل من ليلة مزدلفة، وهي ليلة النحر، ولو كنَّ قويّات، وهكذا بقية الضعفاء من كبار السن والمرضى، وأتباعهم، لأن النبي ﷺ رخص في ذلك. [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٢].(٢) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب تقديم النساء والصبيان إلى منازلهم بمزدلفة، برقم ٣٠٣٤، وقال الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٥٠: ((حسن صحيح الإسناد)).(٣) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة ... ، برقم ١٢٩٢.(٤) البخاري كتاب الحج، باب متى يصلي الفجر بجمع، برقم ١٦٨٢.(٥) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ ، برقم ١٢١٨.стр. 440
يسفر جداً، وحيثما وقف من مزدلفة أجزأه ذلك؛ لقوله ﷺ : ((وقفت ههنا وجمع كلها موقف)) (١) .وجمع هي مزدلفة (٢) .
خامساً: إذا أسفر جداً دفع من مزدلفة (٣) إلى منى قبل طلوع الحواشي
(١) مسلم، كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف، برقم ٤٩ -(١٢١٨) ، ولفظه: ((نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف، وو قفت ها هنا وجمع كلها موقف)).
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((ارفعوا عن بطن محسِّر، وعليكم بمثل حصى الخذف)). [أحمد في المسند، ٣/ ٣٨٣، برقم ١٨٩٦، ولفظ ابن خزيمة، ٤/ ٢٥٤، برقم ٢٨١٦: ((ارفعوا عن بطن عُرنة، وارفعوا عن بطن محسر))، وفي لفظ لابن خزيمة: ((ارتفعوا عن محسِّر، وارتفعوا عن عرنات))، أما قوله: ((العرنات))، فالوقوف بعرنة، ألا يقفوا بعرنة، وأما قوله: ((عن محسِّر)): فالنزول بجمع: أي لا تنزلوا محسراً)). ولفظ الطبراني: برقم، ١١٠٠١: ((مزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن محسِّر، ومنى كلها منحر))، وفي لفظ للطبراني، برقم ١١٢٣١: ((عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عُرنة، والمزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن محسر)). وأصل الحديث قال عنه محققو المسند، ٣/ ٣٨٣: ((إسناده صحيح على شرط مسلم))، وقال شيخنا ابن باز في حاشيته على بلوغ المرام، ص ٤٥٦ على إثر الحديث رقم ٧١٠: ((خرّج الإمام أحمد بإسناد جيد على شرط مسلم ... )) وذكره.(٢) للمزدلفة ثلاثة أسماء: مزدلفة، وجمعٌ، والمشعر الحرام، وحدُّها من مأزمي عرفة إلى قرن محسر، وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب، وليس وادي محسِّرٍ من مزدلفة. [المغني لابن قدامة،
٥/ ٢٨٣].(٣) اختلف العلماء ﵏ في القدر الذي يكفي في النزول بالمزدلفة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يكفي في النزول بمزدلفة بقدر ما يصلِّي المغرب والعشاء، ويتعشى، ولو أفاض منها قبل نصف الليل، وبعضهم قال: لا بد في ذلك من حط الرحال، وهذا مذهب الإمام مالك وأصحابه)).
القول الثاني: إن دفع من مزدلفة بعد نصف الليل أجزأه، وإن دفع منها قبل نصف الليل لزمه دم، وهذا مذهب الإمام الشافعي، والإمام أحمد.
القول الثالث: إن دفع الحاج من مزدلفة قبل الفجر لزمه دم، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن وقت الوقوف عنده بعد صلاة الصبح، ومن حضر في ذلك الوقت فقد أتى بالوقوف، ومن تركه ودفع ليلاً فعليه دم، إلا إن كان لعذر. [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٧٣]، قال العلامة الشنقيطي: ((الأظهر عندي في هذه المسألة: هو أنه ينبغي أن يبيت إلى الصبح؛ لأنه لا دليل مقنعاً يجب الرجوع إليه مع من حدد بالنصف الأخير، ولامع من اكتفى بالنزول، وقياسهم الأقوياء على الضعفاء قائلين: إنه لو كان الدفع بعد نصف الليل ممنوعاً، لما رخص فيه ﷺ لضعفة أهله؛ لأنه لا يرخص لأحد في حرام، قياس مع وجود الفارق، ولا يخفى ما في قياس القوي على الضعيف الذي رخص له؛ لأجل ضعفه، كما ترى، ولا خلاف بين العلماء أن السنة أنه يبقى بجمع حتى يطلع الفجر كما تقدم، ومن المعلوم أن جمعاً، والمزدلفة، والمشعر الحرام، أسماء مترادفة، يراد بها شيء واحد، خلافاً لمن خصص المشعر الحرام بقزح دون باقي المزدلفة)). [أضواء البيان،
٥/ ٢٧٣].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، ٢٦/ ١٣٥: ((فإن كان من الضعفة: كالنساء والصبيان، ونحوهم فإنه يتعجّل من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر، ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر، فيصلوا بها الفجر ... )).
وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ في الشرح الممتع، ٧/ ٣٤١: ((وهذا هو الصحيح أن المعتبر غروب القمر ... وغروب القمر يكون بعد مضي ثلثي الليل تقريباً، وقد يزيد قليلاً أو ينقص قليلاً .. )). وقال ابن القيم في زاد المعاد، ٢/ ٢٤٨: ((وأذن في تلك الليلة لضعفة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر، وكان ذلك عند غيبوبة القمر .. )).
واختار شيخنا ابن باز: ((أنه يمكن للضعفاء أن ينفروا إلى منى بعد مضي نصف الليل الأخير، والأفضل بعد غروب القمر ... )) [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٧٥]، واختار شيخنا أن من عجز عن المبيت في مزدلفة بحيث لم يجد مكاناً، أو منعه الجنود، فلا شيء عليه لقوله تعالى:
﴿فَاتَّقُوا اللَّه مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، أما إذا كان متساهلاً فعليه دم، وكذا العلامة ابن عثيمين، انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٢٨٧، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٧/ ٣٤٤، واختار شيخنا ابن باز أن من مرّ بمزدلفة ولم يبت فيها ثم عاد قبل الفجر ومكث بها ولو يسيراً فلا شيء عليه. [مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٢، ١٧/ ٢٨٩، وانظر: اختيارات مهمة في المبيت بالمزدلفة لشيخنا ابن باز، مجموع الفتاوى له، [١٦/ ٤٢، و ١٧٥، و٢٢٢، ١٧/ ٢٥٠، ٢٧٧، ٢٧٩، ٢٨٠، ٢٨٤، ٢٨٦، ٢٨٩].стр. 441
الشمس؛ لحديث عمر ﵁، قال عمرو بن ميمون: ((شهدت عمر بن
стр. 442
الخطاب ﵁ بجمعٍ الصبح، ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرقْ ثبير [كيما نغير] وأن النبي ﷺ خالفهم أفاض قبل أن تطلع الشمس)) (١) ، والسنة أن يُلتقط هذا اليوم سبع حصيات مثل حصى الخذف؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر أن يُلتقط له الحصى إلا بعد انصرافه من المشعر الحرام إلى منى؛ لحديث الفضل بن عباس ﵄ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ غداة العقبة وهو على ناقته: ((هات القط لي حصى))، فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف (٢) ، فجعل ينفضهن في كفه ويقول: ((بأمثال هؤلاء فارموا، وإيّاكم والغلوّ في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين))، ولفظ ابن ماجه: قال: قال رسول اللَّه ﷺ غداة العقبة، وهو على ناقته: ((القط لي حصىً))، فلقطت له سبع حصيات، هن حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه،
ويقول: ((أمثال هؤلاء فارموا))، ثم قال: ((يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدين)) (٣) .
وسمعت شيخنا ابن باز يقول: ((وهذا يدل على أن السنة التقاط الحصى بعد دخول منى، وأن الحصى مثل حصى الخذف، والرمي بالحجر الحواشي
(١) البخاري، كتاب الحج، باب متى يدفع من جمع، برقم ١٦٨٤، ما بين المعقوفين من مسند أحمد، ١/ ٤٢، وسنن ابن ماجه، برقم ٣٠٢٢.(٢) أي مثل حصى الحذف، والخذف: حصىً صغار يستطيع الإنسان أن يرمي به بين أصبعين.(٣) النسائي، كتاب مناسك الحج، باب التقاط الحصى، برقم ٣٠٥٧، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي، برقم ٣٠٣٩، وغيرهم، وصححه الألباني في صحيح النسائي،
٢/ ٣٥٦، وصحيح ابن ماجه، ٣/ ٤٩، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، ٣/ ٢٧٨، برقم ١٢٨٣.стр. 443
الكبير، أو الحذاء من الغلوّ في الدين، فالزيادة في العبادة غلوٌّ، والنقصُ من الجفاء))) (١) .
وهذا هو الأفضل، ومن أيِّ موضع التقط الحصى أجزأه ذلك، ولا يتعيّن لقطه من مزدلفة، بل يجوز لقطه من منى، والسنة التقاط سبع حصيات في هذا اليوم مثل حصى الخذف يرمي بها جمرة العقبة، أما في الأيام الثلاثة فيلتقط من منى كل يوم إحدى وعشرين حصاة يرمي بها الجمار الثلاث (٢) .
سادساً: يكثر الحاج من التلبية في سيره إلى منى فإذا وصل إلى محسِّر (٣) استحب له الإسراع قليلاً إن استطاع ذلك بدون أذىً لأحدٍ؛ لفعله ﷺ (٤) (٥) . الحواشي
(١) سمعته أثناء تقريره على سنن النسائي، الحديث رقم ٣٠٥٧.(٢) انظر: فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٧٢.(٣) محسَّر: واد بين مزدلفة ومنى.(٤) صحيح مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.(٥) بيّن سماحة شيخنا ابن باز: أن الصبي إذا فاته المبيت بمزدلفة أو منى ليالي التشريق، فعلى وليِّه الهدي؛ لأنه قد لزمته أحكام الحج، بسبب إحرامه: إن كان مميزاً، أو إحرام وليّه عنه إن كان غير مميز؛ ولأنه كالحاج المكلف المتنفّل، والمعتمر المكلف المتنفِّل، فإنهما يلزمهما أحكام الحج والعمرة؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله﴾ [البقرة: ١٩٦]، والآية المذكورة تعم المفترض والمتنفل [انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٧/ ٢٨٨].стр. 444
المبحث الحادي والثلاثون: أعمال الحج يوم النحر
أولاً: رمي جمرة العقبة:
إذا وصل الحاج إلى منى يوم النحر فالأفضل أن يرتب هذه الأعمال الأربعة:
١ - يقطع التلبية عند جمرة العقبة ؛ لحديث عبد اللَّه بن عباس ﵄: أن أسامة كان ردف النبي ﷺ من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: ((لم يزل النبي ﷺ يلبي حتى رمى جمرة العقبة)) (١) ، وسُمِّيت جمرة العقبة؛ لأنها في عقبة مأزم منى، وخلفها من ناحية الشام وادٍ فيه بايع الأنصار رسول اللَّه ﷺ بيعة العقبة، وهي ملاصقة للجبل، وبجانبها طريق مع الجبل يسمى العقبة، والعقبة: هي الطريق مع الجبل، ولهذا سميت بالعقبة (٢) .
٢ - يستحب له أن يجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره ، وجمرة العقبة أمامه، ثم يرميها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده مع كل حصاة، ويكبر مع كل حصاة، ويتأكد بأن الرمي يقع في الحوض داخل المرمى؛ لحديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁، فعن عبد الرحمن بن يزيد: ((أنه حجَّ مع عبد اللَّه بن مسعود ﵁، فرآه يرمي الجمرة الحواشي
(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٤٣، ١٥٤٤، ومسلم، برقم ١٢٨١، ١٢٨٢، وتقدم تخريجه في أحكام التلبية.(٢) وقد أزيل طرف الجبل المتّصل بجمرة العقبة بناء على فتوى مفتي البلاد السعودية في عصره العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، بتاريخ ١/ ٩/ ١٣٧٥هـ، وأنشئت الطرقات بين جمرة العقبة والجبل، كما هو مشاهد الآن. [انظر: فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ٥/ ١٥٠ - ١٥١].стр. 445
الكبرى بسبع حصيات [يُكبِّر مع كل حصاة]، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: ((هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة))، وفي رواية: أن عبد الرحمن بن يزيد كان مع ابن مسعود ﵁ حين رمى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي حتى إذا حاذى الشجرة اعترضها، فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم قال: ((من ها هنا - والذي لا إله غيره - قام الذي أُنزلت عليه سورة البقرة))، وفي لفظ: ((أنه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى بسبع، وقال هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة)) (١) .
وعن جابر ﵁ عنه عن النبي ﷺ ، وفيه: (( ... ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يُكبِّر مع كل حصاة منها، حصى الخذف، رمى من بطن الوادي ... )) (٢) .
٣ - وقت رمي جمرة العقبة، هذه الجمرة الوحيدة التي يستحب للحاج أن يرميها ضُحىً يوم النحر (٣) ، أما بقية الأيام فلا تُرمَى الجمار الحواشي
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب رمي الجمار من بطن الوادي، برقم ١٧٤٧، وباب رمي الجمار بسبع حصيات، برقم ١٧٤٨، وباب من رمى جمرة العقبة فجعل البيت عن يساره، برقم ١٧٤٩، وباب يكبر مع كل حصاة، برقم ١٧٥٠، ومسلم كتاب الحج، باب رمي جمرة العقبة من بطن الوادي، وتكون مكة عن يساره، ويكبر مع كل حصاة، برقم ١٢٩٦.(٢) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه.(٣) أول وقت رمي جمرة العقبة وآخره على النحو الآتي:
أولاً: أول وقت رمي جمرة العقبة: أجمع العلماء على أن من رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس أجزأه ذلك، بل قال الإمام ابن المنذر في كتابه الإجماع، ص ٧٢: ((وأجمعوا على أنه إن رمى جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس أنه يجزئ)).
واختلفوا في أول الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: أول وقت رمي جمرة العقبة بعد منتصف الليل [وقيده بعضهم بعد غروب القمر، كما صحّ عن أسماء بنت أبي بكر ﵂]، وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وعطاء، وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد، كما ذكره ابن قدامة في المغني، ٥/ ٢٩٥، وقال النووي في شرح المهذب: ((وبه قال عطاء، وأحمد، وهو مذهب أسماء بنت أبي بكر ﵂، وابن أبي مليكة، وعكرمة بن خالد، واستدلوا بحديث عائشة ﵂، قالت: ((أرسل النبي ﷺ بأمِّ سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت)) [أبو داود، برقم ١٩٤٢، والنسائي، برقم ٣٠٦٦]، وتقدم تخريجه في المبيت بمزدلفة، وقال ابن حجر في بلوغ المرام: ((إسناده على شرط مسلم، وقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تحقيقه لجامع الأصول، ٣/ ٢٦٣: ((إسناده حسن)). [وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٧٦، فقد نقل عن الإمام النووي تصحيحه في شرح المهذب، ثم قال الشنقيطي: ((ولا يخفى أن رواية أبي داود المذكورة ظاهرها الصحة)).
قال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((لا يجوز رمي جمرة العقبة قبل منتصف الليل من ليلة النحر، وكذلك طواف الإفاضة))، وقال ﵀: ((الصحيح أن رمي جمرة العقبة في النصف الأخير من ليلة النحر مجزئ للضعفة وغيرهم، ولكن يشرع للمسلم القوي أن يجتهد حتى يرمي في النهار اقتداء بالنبي ﷺ ؛ لأنه ﷺ رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس)) [مجموع فتاوى ابن باز،
١٦/ ١٤٣، وكان يفتي كثيراً: بأنه يجوز الرمي بعد منتصف الليل، والأفضل بعد غروب القمر، ولكن الأفضل للأقوياء أن يرموا بعد طلوع الشمس، اقتداء بالنبي ﷺ ، قال شيخنا ابن باز ﵀: ((وحديث ابن عباس ﵄: ((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)) [أخرجه أحمد، برقم ٢٠٨٢، و٢٠٨٩،و٢٥٠٧،و٢٨٤١،و٣٠٠٣،و٣١٩٢، و٣٢٠٣، وأبو داود، برقم ١٩٤٠، والنسائي، ٥/ ٢٧١، برقم ٣٠٦٤ والترمذي، برقم ٨٩٣] ضعيف لانقطاعه بين الحسن العرني وابن عباس، وعلى فرض صحته فهو محمول على الندب جمعاً بين الأحاديث، كما نبَّه على ذلك الحافظ ابن حجر ﵀). [انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ١٤٣، ١٧٥، ٢٢٢، ١٧/ ٢٩٢، ٢٩٤، ٢٩٦، ٣٧٧، ٢٥/ ٢٣١].
وقال الإمام ابن قدامة ﵀: (( ... ولرمي هذه الجمرة [أي جمرة العقبة] وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء؛
فأما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس، قال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين على أن رسول اللَّه ﷺ إنما رماها ضحى ذلك اليوم، وقال جابر ﵁: ((رمى رسول اللَّه ﷺ الجمرة يوم النحر ضحىً، وأما بعد فإذا زالت الشمس)) [رواه مسلم، برقم ٣١٤ -(١٢٩٩) ] إلى أن قال: ((لأن رميها بعد طلوع الشمس يجزئ بالإجماع، وكان أولى.
وحديث ابن عباس: ((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)) [أبو داود، برقم ١٩٤٠، وغيره، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٥]، وكذا حديثه: ((كان رسول اللَّه ﷺ يقدم ضعفاء أهله بغلس ويأمرهم - يعني - لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس)) [أخرجه أبو داود، برقم ١٩٤١، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٦] يحمل إذا كان صحيحاً على الاستحباب كما تقدم.
وأما وقت الجواز فأوله نصف الليل من ليلة النحر، ... ثم استدل بحديث عائشة ﵂ في رمي صفية ﵂ قبل الفجر، وبحديث أسماء، وأنها نزلت من مزدلفة بعد غروب القمر، ثم رمت قبل صلاة الفجر، وقال: لأنه وقتٌ للدفع من مزدلفة، فكان وقتاً للرمي، ثم قال في الأخبار في الرمي بعد طلوع الشمس: ((والأخبار المتقدمة محمولة على الاستحباب)). [المغني، ٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥].
القول الثاني: ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن رمي جمرة العقبة يبتدئ من بعد طلوع الشمس، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، واحتجوا بقول النبي ﷺ : ((خذوا عني مناسككم ... )) [مسلم، برقم ١٢١٨، والبيهقي بلفظه، ٥/ ١٢٥]، وبحديث ابن عباس، وفيه: (( ... لا ترموا الجمرة حتى تطلع المشس)) [أبو داود، برقم ١٩٤٠، والنسائي، ٥/ ٢٧١، والترمذي، برقم ٨٩٣، وتقدم الحكم عليه].
القول الثالث: أول وقت رمي جمرة العقبة للضعفة بعد طلوع الفجر، ولغير الضعفة بعد طلوع الشمس، وهو قول لبعض أهل العلم، واختاره ابن القيم في زاد المعاد، ٢/ ٢٥٢، قال ابن القيم ﵀: ((وفي المسألة ثلاثة مذاهب: أحدها: الجواز بعد نصف الليل مطلقاً للقادر والعاجز، كقول الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه: [قال شيخنا ﵀ تعليقاً على هذا المذهب: وهذا هو الصواب، لكن بعد نصف الليل، والأقوياء الأفضل لهم تأخير الرمي إلى بعد طلوع الشمس]. والثاني: لا يجوز إلا بعد طلوع الفجر، كقول أبي حنيفة ﵀، والثالث: لا يجوز لأهل القدرة إلا بعد طلوع الشمس، كقول جماعة من أهل العلم، والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر، لا نصف الليل، وليس مع من حدَّه بالنصف دليل، واللَّه أعلم)) [زاد المعاد، ٢/ ٢٥٢]. ويرى العلامة ابن عثيمين ﵀: أنه لا يدفع أحد من مزدلفة، ولا يرمي إلا بعد أن يصلي الفجر ما لم يكن ضعيفاً، أو صاحب ضعيف، ومع ذلك لو دفع بعد نصف الليل فإنه لا يأثم، والمسألة من باب الأفضلية [الشرح الممتع، ٧/ ٣٦١].
ثانياً: آخر وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى غروب الشمس يوم النحر، قال الإمام ابن قدامه في المغني، ٥/ ٢٩٥: ((قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقتٍ لها، وإن لم يكن مستحباً لها))؛ ولحديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يُسأل يوم النحر بمنى، فيقول: ((لا حرج))، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ فقال: ((اذبح ولا حرج))، وقال: رميت بعدما أمسيت؟ فقال: ((لا حرج)) [البخاري، برقم ١٧٣٥، بلفظه، ومسلم، برقم ١٣٠٧].
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري، ٣/ ٥٦٩ في قوله: ((رميت بعدما أمسيت)) أي بعد دخول المساء، وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتدَّ الظلام، فلم يتعيَّن لكون الرمي المذكور كان بالليل))، فإن غربت الشمس يوم النحر وهو لم يرمِ جمرة العقبة، فقد اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: يجوز الرمي ليلاً، وهو قول عبد اللَّه بن عمر ﵄، وبه قال الإمام مالك وأصحابه، والإمام الشافعي، ومحمد بن المنذر، ويعقوب، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
١ - حديث ابن عباس ﵄، قال: ((كان النبي ﷺ يُسأل يوم النحر بمنىً فيقول: ((لا حرج))، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ فقال: ((إذبح ولا حرج))، وقال: رميت بعدما أمسيتُ؟ فقال: ((لا حرج)) [البخاري، برقم ١٧٣٥]، قالوا: فقد صرّح النبي ﷺ بأن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٢].
٢ - ما روى مالك في الموطأ في كتاب الحج، باب الرخصة في رمي الجمار، ١/ ٤٠٩، عن نافع مولى ابن عمر: ((أن ابنة أخٍ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة، فتخلفت هي وصفية حتى أتتا من بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد اللَّه بن عمر أن ترميا الجمرة حين أتتا ولم ير عليهما شيئاً))، قال العلامة عبد المحسن بن حمد العباد البدر في كتابه تبصير الناسك، ص ١٤٥: ((بإسناد صحيح))، فقال أصحاب هذا القول: فقد أمر ابن عمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب، ورأى أنهما لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي ﷺ : أن الرمي ليلاً جائز. [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٥].
القول الثاني: لا يجوز الرمي ليلاً، بل إن غربت الشمس يوم النحر وهو لم يرمِ، فإنه يؤخر رمي جمرة العقبة حتى تزول الشمس من الغد ثم يرميها، وبهذا قال أبو حنيفة، وهو مذهب الإمام أحمد، قال الإمام ابن قدامه في المغني، ٥/ ٢٩٥: ((فإن أخرها إلى الليل لم يرمِ حتى تزول الشمس من الغد، وبهذا قال أبو حنيفة وإسحاق ... ))، وردّ أصحاب هذا القول على من استدل بحديث: ((رميت بعدما أمسيت)) فقالوا: إن مراد السائل بقوله: ((بعدما أمسيت)) يعني به بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل، قالوا: والدليل الواضح على ذلك: أن حديث ابن عباس المذكور فيه: كان النبي ﷺ يُسأل يوم النحر بمنى ... الحديث، فتصريحه بقوله: ((يوم النحر)) يدل على أن سؤاله وقع في النهار، والرمي بعد الإمساء وقع في النهار؛ لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٣/ ٥٦٩: ((رميت بعدما أمسيت)) أي بعد دخول المساء))، وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتدّ الظلام لم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل))، وقال ابن منظور في لسان العرب: ((المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال بعضهم إلى نصف الليل)).
فأجاب أصحاب القول الأول بأجوبة منها:
الجواب الأول: أن قول النبي ﷺ : ((لا حرج)) بعد قول السائل رميت بعدما أمسيت؟ يشمل لفظه نفي الحرج عمن رمى بعدما أمسى، وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولفظ المساء عام لجزء من النهار وجزء من الليل.
الجواب الثاني: أنه ثبت في بعض روايات حديث ابن عباس ﵄ المذكور ما هو أعم من يوم النحر، وهو صادق قطعاً بحسب الوضع اللغوي ببعض أيام التشريق، ومعلوم أن الرمي فيها لا يكون إلا بعد الزوال، فقول السائل في بعض أيام التشريق: رميت بعدما أمسيت؛ لا ينصرف إلا إلى الليل، لأن الرمي فيها بعد الزوال معلوم، فلا يسأل عنه صحابي، فعن ابن عباس ﵄، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يسأل أيام منى؟ فيقول: ((لا حرج))، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: ((لا حرج))، فقال رجل: رميت بعدما أمسيت؟ قال: ((لا حرج))، [النسائي، برقم ٣٠٦٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٣٥٩]، فقوله في هذا الحديث الصحيح: أيام منى بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد، فهو صادق بحسب وضع اللغة، ببعض أيام التشريق، والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلا إلى الليل، كما تقدم [أضواء البيان، للشنقيطي، ٥/ ٢٨٤].
الجواب الثالث: هو ما تقدم في موطأ الإمام مالك عن ابن عمر في الدليل الثاني من أدلة القائلين بجواز الرمي ليلاً.
فالراجح جواز الرمي ليلاً، فيرمي من فاته الرمي لجمرة العقبة قبل غروب الشمس، ليلاً، عن اليوم الذي غابت شمسه، فيرمي عن جمرة العقبة ليلة الحادي عشر، وهو الذي يفتي به شيخنا ابن باز ﵀، ويرجحه منذ دهر طويل [انظر: مجموع الفتاوى له:١٧/ ٢٩٩، ٣٠١، ٣٧٧].
ثالثاً: جمهور العلماء على أن رمي جمرة العقبة واجب يجبر بدم، وخالف عبد الملك الماجشون من أصحاب مالك الجمهور، فقال: هو ركن، واحتج الجمهور بالقياس على الرمي في أيام التشريق [أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢٨٧].
رابعاً: أجمع العلماء على أنه لا يرمي من الجمرات يوم النحر إلا جمرة العقبة [أضواء البيان، ٥/ ٢٨٧].стр. 446
الثلاث إلا بعد الزوال فعن جابر ﵁ قال: ((رمى رسول اللَّه ﷺ يوم النحر ضحىً وأما بعدُ فإذا زالت الشمس))، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري معلقاً: ((رمى النبي ﷺ يوم النحر ضحىً، ورمى بعد ذلك بعد الزوال)) (١) ، وجمرة العقبة هي الأخيرة مما يلي مكة (٢) .
ثانياً: نحر الهدي أو ذبحه:
إذا فرغ الحاج من رمي جمرة العقبة نحر هديه أو ذبحه، وهو شاة، أو سُبُعُ بدنة، أو سُبُعُ بقرة، وهو واجب على المتمتع والقارن؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ
يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣) .
ويُستحب أن يقول عند ذبحه أو نحره: ((بسم اللَّه، واللَّه أكبر، اللَّهم الحواشي
(١) متفق عليه: البخاري معلقاً مجزوماً به، كتاب الحج، باب رمي الجمار، قبل الحديث رقم ١٧٤٦، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وقت استحباب الرمي، برقم ٣١٤ -(١٢٩٩) .(٢) جمرة العقبة لها خصائص اختصت بها على سائر الجمرات على النحو الآتي:
٣ - ١ - ترمى يوم النحر. ٢ - صباحاً. ٣ - ترمى من أسفلها. ٤ - لا يوقف عندها للدعاء. ٥ - تستقبل حال الرمي. ٦ - أحد ما يحلّ به الحاج. ٧ - قطع الحاج التلبية إذا رماها. [فتاوى العلامة محمد بن إبراهيم ﵀، ٦/ ١٥].(٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.стр. 447
منك ولك [اللَّهم تقبل مني])) (١) .
ويُسنُّ ذبح الغنم والبقر على جنبها الأيسر موجهة إلى القبلة، ونحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى؛ لحديث زياد بن جبير، قال: ((رأيت ابن عمر ﵄ أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها، قال: ابعثها قياماً مُقَيَّدة سُنّة محمد ﷺ )) هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: ((أن ابن عمر أتى على رجل وهو ينحر بدنة باركة، فقال: ابعثها قياماً مقيدة سنة نبيكم ﷺ )) (٢) .
ويستحب أن يأكل من هديه، ويُهدي، ويتصدق؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٣) ، ويمتد وقت الذبح على الصحيح إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من أيام التشريق (٤) ويجوز له أن يذبح في منى وهو الأفضل أو في مكة؛ لحديث جابر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال:
((نحرت ها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا، وجمع كلها موقف))،هذا لفظ مسلم، ولفظ أبي داود: ((وقفت ها هنا بعرفة، وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا بجمع، وجمع كلها موقف، ونحرت ها هنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في الحواشي
(١) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب الضحية وذبحها مباشرة، والتسمية والتكبير، برقم
١٨ -(١٩٦٦) ، ولفظ مسلم: ((بسم اللَّه، واللَّه أكبر [اللَّهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد])) من حديث أنس ﵁، وما بين المعقوفين من حديث عائشة ﵂ عند مسلم، في صحيحه، برقم ١٩٦٧، وعند البيهقي ٩/ ٢٨٧: ((اللَّهم منك ولك ... )) من حديث جابر ﵁، ومن حديث ابن عباس، ٩/ ٢٨٧.(٢) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب نحر الإبل مقيدة، برقم ١٧١٣، ومسلم، كتاب الحج، باب نحر الإبل قياماً مقيدة، برقم ١٣٢٠.(٣) سورة الحج، الآية: ٢٨.(٤) انظر مجموع فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٧٤.стр. 448
رحالكم)) (١) ،وفي لفظ لأبي داود: ((كل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل المزدلفة موقف، وكل فجاج مكة طريق ومنحر)) (٢) .
ثالثاً: الحلق أو التقصير، والحلق أفضل:
إذا فرغ الحاج من ذبح هديه أو نحره لمن كان له هدي حلق رأسه أو قصَّره، والحلق أفضل للرجل؛ لأن النبي ﷺ دعا بالرحمة والمغفرة للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة واحدة؛ لحديث عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ قال: ((رحم اللَّه المحلقين))،قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه، قال: ((رحم اللَّه المحلّقين))،قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه، قال: ((رحم اللَّه المحلقين))،قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: ((والمقصرين)) (٣) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه: ((اللَّهم اغفر للمحلقين))، قالوا: يا رسول اللَّه والمقصرين، قال: ((اللَّهم اغفر للمحلقين))، قالوا: يا
رسول اللَّه والمقصرين؟ قال: ((اللَّهم اغفر للمحلقين))، قالوا: يا رسول اللَّه والمقصرين؟ قال: ((والمقصِّرين)) (٤) .
أما المرأة فليس عليها إلا التقصير تأخذ من كل قرن قدر الأنملة أو أقل. الحواشي
(١) مسلم، برقم ١٤٩ -(١٢١٨) ، وأبو داود، كتاب المناسك، باب الصلاة بجمع، برقم ١٩٣٦، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٤.(٢) أبو داود، كتاب المناسك، باب الصلاة بجمع، برقم ١٩٣٧، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٤٥: ((حسن صحيح)).(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال، برقم،١٧٢٧،ومسلم، واللفظ له، في كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير، برقم ٣١٨ -(١٣٠١) .(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال، برقم ١٧٢٨، ومسلم، واللفظ له، في كتاب الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير، برقم ١٣٠٢.стр. 449
وبعد رمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير يباح للمحرم كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ويُسمَّى هذا التحلل الأول (١) . الحواشي
(١) مسائل مهمة في التحلل على النحو الآتي:
المسألة الأولى: اختلف العلماء ﵏: هل الحلق نسك أم لا؟ على قولين:
القول الأول: الحلق والتقصير نسك لا بد من فعله في الحج، والعمرة، فهو واجب من واجبات الحج، وواجب من واجبات العمرة، يثاب على فعله، ويستحق العقاب من تركه [قاله ابن تيميه في شرح العمدة، ٢/ ٥٤١]، قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني، ٥/ ٣٠٤: ((والحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة، في ظاهر مذهب أحمد، وقول الخرقي، وهو قول مالكٍ، وأبي حنيفة، والشافعي))، وبيَّن الإمام ابن قدامة أن هذا القول هو الأصح؛ فإن النبي ﷺ أمر به، فروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ((من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبين الصفا والمروة وليقصر وليحل))، [البخاري، برقم ١٦٢٣، ومسلم برقم ١٢١١]، وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((أحلوا من إحرامكم بطوافٍ بالبيت، وبين الصفا والمروة، وقصِّروا)) [البخاري، برقم ١٤٦٦، ومسلم، برقم ١٠٠٥] وأمره يقتضي الوجوب؛ ولأن اللَّه تعالى وصفهم به، بقوله سبحانه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [سورة الفتح: ٢٧]، ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به، كاللبس، وقتل الصيد؛ ولأن النبي ﷺ ترحَّم على المحلقين ثلاثاً، وعلى المقصرين مرة، ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل، كالمباحات؛ ولأن النبي ﷺ وأصحابه فعلوه في جميع حججهم وعمرهم، ولم يخلَّوا به، ولو لم يكن نسكاً لما داوموا عليه، بل لم يفعلوه إلا نادراً؛ لأنه لم يكن من عاداتهم فيفعلوه عادة، ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله ... )) [المغني لابن قدامه،
٥/ ٣٠٥ - ٣٠٦ بتصرف].
وقال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٨٨: ((التحقيق أن الحلق نسك، وأنه أفضل من التقصير)).
القول الثاني: الحلق والتقصير ليس بنسك، وإنما هو إطلاق من محظور كان محرَّماً عليه بالإحرام، فأطلق فيه عند الحل، كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام، وهذا القول رواية عن أحمد، فعلى هذه الرواية لا شيء على تاركه، ويحصل الحلُّ بدونه، ووجه ذلك: أن النبي ﷺ أمر بالحل من العمرة قبله، فروى أبو موسى قال: قدمتُ على رسول اللَّه ﷺ ، فقال لي: (بمَ أهللتَ؟) قال: قلت: لبيك بإهلالٍ كإهلال رسول اللَّه ﷺ ، قال: ((أحسنت))، فأمرني فطفت بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم قال لي: ((أحلّ)) [البخاري، برقم ١٦٠٩، ومسلم، برقم ١٢٢١].
وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ لما سعى بين الصفا والمروة، قال: ((من كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة)) [مسلم، برقم ١٢١٨]، وعن سراقه: أن النبي ﷺ قال: ((إذا قدمتم فمن تطوَّف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حلَّ إلا من كان معه هدي)) [أخرجه أحمد، برقم ١٥٤١٩، وأبو داود، برقم ١٨٠١،والدارِمِي، برقم ١٨٥٧، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم ١٥٧٣]؛ ولأن ما كان محرماً في الإحرام إذا أبيح كان إطلاقاً من محظور، كسائر محرّماته [المغني، ٥/ ٣٠٦].
والصواب أن الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة، وواجب من واجبات الحج، وواجب من واجبات العمرة، وعلى من تركه دمٌ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن قول من قال: بأن الحلق أو التقصير ليس بنسك: ((واعلم أن هذا القول غلط على المذهب ليس عن أحمد ما يدل على هذا، بل كلامه كله دليل على أن الحلق من المناسك [شرح العمدة، ٢/ ٥٤١].
وقال العلامة الشنقيطي: ((وأظهر القولين عندي: أن الحلق نسك)) [أضواء البيان، ٥/ ٢٨٨]
وقال العلامة محمد بن عثيمين ﵀ في الشرح الممتع: ٧/ ٣٦٦: ((والصواب: أنه نسك، وعبادة وقربة لله، والدليل على هذا: أن النبي ﷺ ((دعا للمحلقين والمقصرين))، ولا يدعو إلا بشيء مطلوب شرعاً.
ونقل ابن مفلح في الفروع، ٦/ ٥٧ اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه نُسُكٌ، ويحلُ قبله، وذكر جماعة على أنه نسك في حلّه قبله روايتين.
المسألة الثانية: اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في مسألة التحلل من الحج على أقوال:
القول الأول: التحلل الأول يحصل بمجرد رمي جمرة العقبة، فيحل له كل شيء إلا النساء، وبه قال الإمام أحمد في رواية عنه، والإمام مالك، وعطاء، وأبو ثور؛ لحديث عائشة ﵂، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : ((إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساء)) [أبو داود، برقم ١٩٧٨، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، ١/ ٥٥٤]، وقول ابن عباس
﵄، قال: ((إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كلُّ شيء إلا النساء))،فقال له رجل: يا ابن عباس والطيب؟ فقال: ((أما أنا فقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يُضمِّخُ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟))،وهذا لفظ ابن ماجه، وأما لفظ النسائي، فقال: ((فعن ابن عباس قال: ((إذا رمى الجمرة فقد حلَّ له كلُّ شيء إلا النساء)) قيل: والطيبُ؟ قال: ((أما أنا فقد رأيتُ رسول اللَّه ﷺ يتضمَّخ بالمسك، أفطيب هو؟)) [ابن ماجه، كتاب المناسك، باب ما يحل للرجل إذا رمى جمرة العقبة، برقم ٣٠٤١، والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب ما يحل للمحرم بعد رمي الجمار، برقم ٣٠٨٤، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ٣/ ٥٣، وفي صحيح النسائي، ٢/ ٣٦٤]، وأخرجه أحمد، ٥/ ٢٧٦، برقم: ٣٢٠٤، وقال محققو المسند، ٥/ ٢٧٦: ((صحيح لغيره، رجاله ثقات رجال الشيخين غير الحسن بن عبد العزيز فمن رجال مسلم، وهو ثقة إلا أنه لم يسمع من ابن عباس))، ورواه أحمد أيضاً مرفوعاً٤/ ٥، برقم ٢٠٩٠، ولكن فيه الحسن العرني كذلك، وله شاهد عن عائشة ﵂، قالت: ((طيبت رسول اللَّه بيدي بذريرة لحجة الوداع للحلِّ والإحرام: حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت))، [أحمد، ٤٣/ ١٩٠، برقم ٢٦٠٧٨، وقال محققو المسند، ٤٣/ ١٩٠: ((إسناده صحيح على شرط الشيخين))، وقال الإمام النسائي ... عن عائشة ﵂، قالت: ((طيبت رسول اللَّه ﷺ ، لحرمه حين أحرم، ولحلِّه بعدما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت)) [النسائي، برقم ٢٦٨٦، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٢/ ٢٥٦] قال الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٣٨، عن إسناد الإمام أحمد، وإسناد النسائي هذا: ((وإسنادهما صحيح على شرط الشيخين)) [وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٢٣٩].
وقد رجّح هذا القول الإمام ابن قدامه في المغني، ٥/ ٣١٠، فقال: ((وعن أحمد أنه إذا رمى جمرة العقبة، فقد حلَّ، وإذا وطئ بعد جمرة العقبة فعليه دم، ولم يذكر الحلق، وهذا يدل على أن الحِلَّ بدون الحلق [يعني التحلل الأول]، وهذا قول عطاء، ومالك، وأبي ثور، وهو الصحيح إن شاء اللَّه تعالى؛ لقوله: [ ﷺ ] في حديث أم سلمة ﵂: ((إن هذا يوم رُخِّص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلُّوا - يعني من كل ما حُرمتم منه - إلا النساء .. )) [أبو داود، برقم ١٩٦٩، في كتاب المناسك، باب الإفاضة في الحج، وقال الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٥٦٠: ((حسن صحيح)).
قال شيخنا ابن باز في مجموع الفتاوى، ١٧/ ٣١٦: (( ... التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة عند جمع من أهل العلم، وهو قولٌ قويٌ، وإنما الأحوط هو تأخير التحلل الأول حتى يحلق المحرم، أو يقصرّ، أو يطوف الإفاضة، ويسعى إن كان عليه سعي بعد رمي جمرة العقبة، ومتى فعل الثلاثة المذكورة حلّ التحلّل كله، واللَّه ولي التوفيق)).
القول الثاني: التحلل الأول لا يحصل إلا برمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير، فإذا فعل ذلك حلَّ له كله شيء إلا النساء، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، والإمام أحمد في الرواية الأخرى، قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني، ٥/ ٣٠٧: (( ... المحرم إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق حلَّ له كلُّ ما كان محظوراً بالإحرام إلا النساء، هذا الصحيح من مذهب أحمد ﵀، نصَّ عليه، في رواية جماعة، فيبقى ما كان محرماً عليه من النساء: من الوطء، والقبلة، واللمس، لشهوة، وعقد النكاح، ويحلُّ له ما سواه، هذا قول ابن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم، وطاوس، والنخعي، وعبيد بن الحسن، وخارجة بن زيد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وروي أيضاً عن ابن عباس ﵄).
وعن أحمد أنه يحلُّ له كل شيء إلا الوطء في الفرج، لأنه أغلظ المحرمات، ويُفسدُ النسك بخلاف غيره))، وقال المرداوي في الإنصاف لمعرفة الراجح من الخلاف، ٩/ ٢١٣: ((وظاهر كلام أبي الخطاب، وابن شهاب، وابن الجوزي ... حلُّ العقدِ، وقاله الشيخ تقي الدين، وذكره عن أحمد، وعنه إلا الوطء في الفرج))، وفي الاختيارات الفقهية لابن تيمية، ص ١٧٥: ((يحلُّ للمحرم بعد التحلل الأول كلُّ شيء حتى عقد النكاح، وهذا منصوص أحمد إلا النساء)).
وقال ابن قدامة في المغني، ٥/ ٣٠٩: ((وظاهر كلام الخرقي ها هنا: أن الحلَّ إنما يحصلُ بالرمي والحلق معاً، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وقول الشافعي، وأصحاب الرأي))، واستدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : ((إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء)) [أحمد، ٤٢/ ٤٠، برقم ٢٥٠٣، قال محققو المسند، ٤٢/ ٤٠: ((صحيح دون قوله: ((وحلقتم))، وهذا إسناد ضعيف لضعف حجاج بن أرطأة))، وقال الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٣٥، برقم ١٠٤٦: ((وضعيف بزيادة ((وحلقتم))، قال ابن قدامه في المغني، ٥/ ٣١٠: ((وترتيب الحل عليهما دليل على حصوله بهما؛ ولأنهما نسكان يتعقبهما الحلُّ فكان حاصلاً بهما، كالطواف والسعي في العمرة))، وأما التحلل الثاني فيحصل بالطواف بالبيت والسعي لمن كان عليه سعي.
قال العلامة ابن عثيمين في الشرح الممتع، ٧/ ٣٦٥: ((الذي يظهر لي أنه لا يحل إلا بعد الرمي والحلق، والدليل قول عائشة ﵂: ((كنت أطيب رسول اللَّه ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت)) [البخاري، برقم ٢٥٩، ومسلم برقم ١١٨٩]، ولو كان يحل بالرمي لقالت: ولحله قبل أن يحلق، فهي ﵂ جعلت الحلَّ ما بين الطواف والذي قبله، والذي قبله هو الرمي، والنحر، والحلق، ولا سيما وأن النبي ﷺ قال: ((إن معي الهدي فلا أحل حتى أنحر)) [البخاري، برقم ١٥٦٦، ومسلم، برقم ١٢٢٩]، فالصواب أنه لا يحل التحلل الأول إلا بعد الرمي والحلق)).
وتقدم أن شيخنا ابن باز بيّن أن الأحوط أن لا يحل التحلل الأول إلا بعد الرمي والحلق، أو فعل اثنين من ثلاثة. [انظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٦/ ٢٢٤، ١٧/ ١٣١، ٣٢٧، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٨، و ٢٥/ ٢٣١، ٢٤٠].
القول الثالث: التحلل الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاثة: هي رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة، فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة: تحلّل التحلّل الأول، وحلّ له كلُّ شيء إلا النساء، وإن فعل الثالث تحلل التحلل الثاني، وبهذا يحلُّ له كل شيء حتى النساء، وبهذا قال الإمام الشافعي كما نقله العلامة الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ٢٨٩، وهو رواية عن الإمام أحمد، كما قاله ابن مفلح في الفروع، ٦/ ٥٧، قال: ((وهل يحصل التحلل الأول باثنين من رمي، وحلق، وطواف، واختاره الأكثر، أو بواحد من رمي، وطواف، والثاني بالباقي، فيه روايتان، فعلى الثانية الحلق إطلاق من محظور، وفي ((التعليق)) نسك كالمبيت بمزدلفة، ورمي يوم الثاني والثالث، واختار الشيخ أنه نسك)).
وقال المرداوي في تصحيح الفروع، ٦/ ٥٧: (( ... يحصل التحلل الأول باثنين: من رمي، وحلق، وطواف، وهو الصحيح ... والرواية الثانية: يحصل التحلل [أي الأول] بواحد من رمي وطواف))، وهذا على القول بأن الحلق ليس بنسك، والصواب أنه نسك كما تقدم.
وقال الإمام ابن قدامة في الكافي، ٢/ ٤٤٥: ((يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة: الرمي، والحلق، والطواف، ويحصل التحلل الثاني بالثالث، إن قلنا إن الحلق نسك، وإن قلنا ليس بنسك حصل التحلل الأول بواحد من اثنين، وهما الرمي والطواف، وحصل التحلل الثاني بالثاني))، وتقدم أن الصواب أن الحلق نسك.
وقال شيخنا ابن باز في مجموع الفتاوى، ١٧/ ٣٥٤: ((يقصد بالتحلل الأول: إذا فعل اثنين من ثلاثة: إذا رمى، وحلق أو قصر، أو رمى، وطاف وسعى إن كان عليه سعي، أو طاف وسعى، وحلق أو قصر، فهذا هو التحلل الأول، وإذا فعل الثلاثة: الرمي، والطواف، والسعي إن كان عليه سعي، والحلق أو التقصير، فهذا هو التحلل الثاني، فإذا فعل اثنين فقط: لبس المخيط، وتطيب وحلَّ له كل ما حرم عليه بالإحرام ما عدا الجماع، فإذا جاء بالثالث حل له الجماع)). وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا رمى الجمرة يوم العيد يحصل له التحلل الأول، وهو قول جيد، ولو فعله إنسان فلا حرج عليه إن شاء اللَّه، ولكن الأولى والأحوط أن لا يعجل حتى يفعل معه ثانياً بعده: الحلق أو التقصير، أو يضيف إليه الطواف والسعي إن كان عليه سعي .. )).
المسألة الثالثة: القدر الذي يكفي في الحلق أو التقصير في الحج والعمرة: اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجب حلق جميع الرأس أو تقصير جميعه للرجال، أما النساء فيقصرن من جميع الرأس قدر الأنملة، وبهذا قال الإمام أحمد، وأصحابه، والإمام مالك وأصحابه، ولا يلزم في التقصير تتبع كل شعرة، بل يكفيه أن يأخذ من جميع الرأس، وبعضهم يقول: يكفيه قدر الأنملة في التقصير من جميع الرأس، والمالكية يقولون: يقصره إلى القرب من أصول الشعر. قال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٨٩: (( ... أجمع جميع علماء الأمة على أن التقصير مجزئ، ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يكفي في الحلق والتقصير ... )) إلى أن قال: ((وقال مالك، وأحمد، وأصحابهما يجب حلق جميع الرأس أو تقصير جميعه، ولا يلزمه في التقصير تتبع كل شعره ... )).
وقال العلامة ابن مفلح في الفروع، ٦/ ٥٤: ((وإن قصر فمن جميه نصَّ عليه، قال شيخنا [يعني ابن تيمية] لا من كل شعرة بعينها)).
القول الثاني: يكفي حلق ربع الرأس أو تقصير ربعه بقدر الأنملة، وبه قال أبو حنيفة [أضواء البيان، ٥/ ٥٨٩].
القول الثالث: يكفي في الحلق والتقصير ثلاث شعرات فصاعداً؛ لأن ذلك يصدق عليه أنه حلق، أو قصر؛ لأن الثلاث جمع، وبه قال الإمام الشافعي وأصحابه. [أضواء البيان،
٥/ ٥٨٩]. وذكر ابن مفلح في كتابه الفروع عن الإمام أحمد رواية ٦/ ٥٤، بقوله بعد أن ذكر وجوب حلق الجميع أو تقصيره قال: ((وعنه أو بعضه، فيجزئ ما نزل عن رأسه)).
قال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٥٨٩: ((وأظهر الأقوال عندي أنه يلزم حلق جميع الرأس، أو تقصير جميعه، ولا يلزم تتبع كل شعره في التقصير؛ لأن فيه مشقة كبيرة، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة، وأنه لا يكفي الربع ولا ثلاث شعرات خلافاً للحنفية، والشافعية؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ((مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ))، ولم يقل بعض رؤوسكم ((وَمُقَصِّرِينَ)) أي رؤوسكم؛ لدلالة ما ذكر قبله عليه، وظاهره حلق الجميع أو تقصيره، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا لدليل يجب الرجوع إليه؛ .. ولأن النبي ﷺ لما حلق في حجة الوداع حلق جميع رأسه .. )) [مسلم، برقم ١٣٠٥، من حديث أنس ﵁، وروى البخاري عن ابن عمر ﵄: ((حلق رسول اللَّه في حجته)) [البخاري، برقم ١٧٢٦]، ولا شك أن حلق بعض الرأس دون بعض قد نهى عنه رسول اللَّه ﷺ ، فإنه قد نهى عن القزع [البخاري، برقم ٥٩٢٠، ٥٩٢١، ومسلم، برقم ٢١٢٠]، [انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ٣٥٣، وفتح الباري لابن حجر، ١١/ ٥٥٨، وحاشية الروض المربع، ١/ ١٦٢]، وقد قال النبي ﷺ : ((احلقوه كله أو اتركوه كله)) [النسائي، برقم ٥٠٦٣، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ٣/ ٣٥٩].
المسألة الرابعة: الحلق أفضل من التقصير بالنسبة للرجال، أما النساء فليس عليهن حلق، وإنما عليهن التقصير، فيجب على المرأة في الحج أو العمرة أن تقصِّر من جميع رأسها قدر الأنملة؛ لأنه يصدق عليه أنه تقصير، من غير منافاة لظاهر النصوص؛ ولأن شعر المرأة من جمالها؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير)) [أبو داود، برقم ١٩٨٤،١٩٨٥،وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود،١/ ٥٥٥].
المسألة الخامسة: حكم حلق المرأة رأسها: لا يجوز لخمسة أمور على النحو التالي:
١ - الإجماع على عدم حلقهن في الحج، قال ابن المنذر في الإجماع، ص ٧٥: ((وأجمعوا أن ليس على النساء حلق)).
٢ - أحاديث جاءت بنهي النساء عن الحلق، عن علي، وعثمان، وعائشة، وهي يعضد بعضها بعضاً [أضواء البيان، ٥/ ٥٩٥ - ٥٩٧].
٣ - أنه ليس من عمل نساء الصحابة ومن بعدهم، وفي الحديث: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) [البخاري، برقم ٢٦٩٧، ومسلم، واللفظ لمسلم، برقم ١٧١٨].
٤ - حلق النساء تشبه بالرجال وهو حرام ((لعن اللَّه المتشبهات من النساء بالرجال)) [البخاري، برقم ٥٨٨٥].
٥ - حلق النساء مثلة، والمثلة لا تجوز؛ لأن شعر رأس المرأة من أحسن أنواع جمالها، وحلقه تقبيح لها، وتشويه لخلقها [أضواء البيان ٥/ ٥٩٧، قال الشنقيطي في الأضواء، ٥/ ٥٩٨: ((وبهذا تعلم أن العرف الذي صار جارياً في كثير من البلاد بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب أصوله سنة إفرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين، ونساء العرب قبل الإسلام، ومن جملة الانحرافات التي عمت البلوى بها في الدين والخلق، والسمت ... )).
وأما ما جاء عن أزواج النبي ﷺ من ذلك، فأما ميمونة على تقدير صحة حلقها فالحلق لضرورة المرض، لتمكين آلة الحجم من الرأس، وأما حديث مسلم ((وكان أزواج النبي ﷺ يأخذن من رؤوسهن حتى يكون كالوفرة))، والوفرة ما جاوز شحمة الأذنين على قول ابن سيده، فتقصير أزواج النبي ﷺ رؤوسهن بعد وفاته ﷺ ؛ لأنهن كن يتجملن له في حياته، ومن أجمل زينتهن شعرهن، أما بعد وفاته فلهن حكم خاص بهن لا تشاركهن فيه امرأة من نساء جميع أهل الأرض، وهو انقطاع أملهن انقطاعاً كلياً من التزويج، ويأسهن منه اليأس الذي لا يمكن أن يخالطه طمع. انظر التفصيل في [أضواء البيان، ٥/ ٥٩٩ - ٦٠١].стр. 450
فإذا تحلل التحلل الأول: استحب له أن يتطيب؛ لقول عائشة ﵂: ((كنت أطيب رسول اللَّه ﷺ لإحرامه حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت)) (١) .
ويستحب له أن يتنظف ويلبس أحسن ثيابه. الحواشي
(١) متفق عليه: البخاري، برقم ١٥٣٩، ومسلم، برقم ١١٨٩، وتقدم تخريجه في الإحرام.стр. 451
رابعاً: طواف الإفاضة مع السعي لمن كان عليه سعي:
يتوجه الحاج بعد الأعمال السابقة إلى مكة؛ ليطوف بالبيت، ويُسمَّى هذا الطواف: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) ويكون طوافه كطواف العمرة، وطواف القدوم الذي ذُكِرَ سابقاً تماماً، لكن ليس فيه رمل ولا اضطباع.
ثم يُصلِّي ركعتين خلف المقام، ويستحب أن يشرب من زمزم؛ لفعله ﷺ ،ففي حديث جابر ﵁: (( ... ثم ركب رسول اللَّه ﷺ فأفاض (٢) إلى
البيت، فصلَّى بمكة الظهر (٣) ، فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: ((انزعوا (٤) بني عبد المطلب، فلولا أن لا يغلبكم الناس (٥) على الحواشي
(١) سورة الحج، الآية: ٢٩.(٢) فأفاض إلى البيت: فيه محذوف تقديره: فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة، ثم صلَّى الظهر، فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه. [شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٤٤٣].(٣) جاء في حديث جابر هذا أنه صلى الظهر يوم النحر بمكة، وفي حديث ابن عمر عند مسلم أيضاً برقم ١٣٠٨: ((أنه ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع وصلَّى الظهر بمنى))، وكذلك قالت عائشة: إنه صلى الظهر بمنى والجمع بين حديث جابر، وحديث ابن عمر وعائشة ﵃ أنه طاف طواف الإفاضة وصلى الظهر بمكة في أول وقتها وهي فريضته، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، فتكون الظهر الثانية نافلة له، والأولى فرضه. [شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٤٤٣ - ٤٤٤]. وهكذا جمع بين ذلك شيخنا ابن باز ﵀ أثناء تقريره على زاد المعاد، ٢/ ٢٨٣، وانظر: أضواء البيان، ٥/ ٢١٨.(٤) انزعوا: معناه: استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء [شرح النووي، ٨/ ٤٤٤].(٥) لولا أن يغلبكم الناس: أي: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج، ويزدحمون عليه، بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لأسقيت معكم؛ لكثرة فضيلة هذا الاستقاء [شرح النووي، ٨/ ٤٤٤].стр. 452
سقايتكم لنزعتُ معكم، فناولوه دلواً فشرب منه)) (١) .
ثم بعد طواف الإفاضة (٢) ، وصلاة ركعتين يسعى بين الصفا والمروة
إن كان متمتعاً؛ لأن سعيه الأول لعمرته وهذا سعي الحج؛ لحديث الحواشي
(١) مسلم، برقم ١٢١٨، وتقدم تخريجه، وانظر: ما أخرجه البخاري عن عبد اللَّه بن عباس ﵄، برقم ١٦٣٥.(٢) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في أول وقت طواف الإفاضة وآخره على قولين:
القول الأول: أول وقت طواف الإفاضة بعد مضي منتصف الليل، وآخره لا حد له، وبهذا قال الإمام أحمد، والشافعي، قال الإمام ابن قدامة في المغني، ٥/ ٣١٢: ((ولهذا الطواف وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء، فأما وقت الفضيلة فيوم النحر بعد الرمي، والنحر، والحلق، ... وأما وقت الجواز فأوله من نصف الليل من ليلة النحر، وبهذا قال الشافعي ... والصحيح أن آخر وقته غير محدود، فإنه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم))، وقال الإمام النووي: ((وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر، وأفضله بعد رمي جمرة العقبة، وذبح الهدي والحلق، ويكون ذلك ضحوة يوم النحر، ويجوز في جميع يوم النحر، بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة، ولا آخر لوقته بل يصح ما دام الإنسان حياً، وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات، حتى لو طاف للإفاضة بعد نصف ليلة النحر قبل الوقوف، ثم أسرع إلى عرفات، فوقف قبل الفجر، لم يصح طوافه؛ لأنه قدَّمه على الوقوف)) [شرح النووي على صحيح مسلم، ٨/ ٤٤٣].
القول الثاني: أوله طلوع الفجر من يوم النحر، وبه قال أبو حنيفة، وهو رواية عن أحمد، قال الإمام ابن قدامة ﵀ في المغني: ((وقال أبو حنيفة: أوله طلوع الفجر من يوم النحر، وآخره آخر أيام النحر، وهذا مبني على أول وقت الرمي، وأما آخر وقته فاحتجّ بأنه نسك، فكان آخره محدوداً، كالوقوف والرمي، والصحيح أن آخر وقته غير محدود، فإنه متى أتى به صح بغير خلاف، وإنما الخلاف في وجوب الدم ... )).
وهذا القول رواية عن أحمد، قال المرداوي في الإنصاف، ٩/ ٢٢٧: ((ووقته بعد منتصف الليل من ليلة النحر، يعني وقت طواف الزيارة، وهذا هو المذهب، وعليه الأصحاب، وعنه وقته من فجر يوم النحر)). [وانظر: أضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٢١٥].стр. 453
عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: ((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام حجة الوداع ... )) الحديث، وفيه: (( ... فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلّوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجِّهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً)) (١) ، وتعني بالطواف الآخر الطواف بين الصفا والمروة على أصح الأقوال؛ لأن طواف الإفاضة ركن في حق الجميع، وقد فعلوه.
ويدل على صحة ذلك أيضاً ما رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به عن ابن عباس ﵄ أنه سُئِلَ عن متعة الحج فقال أهلّ المهاجرون والأنصار،
وأزواج النبي ﷺ في حجة الوداع، وأهللنا فلمَّا قدمنا مكة قال رسول اللَّه ﷺ : ((اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلَّد الهدي))، فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: ((من قلَّد الهدي؛ فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله))، ثم أمرنا عشية التروية أن نهلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تمَّ حجنا وعلينا الهدي)) (٢) ، وهذا صريح في سعي المتمتع مرتين واللَّه أعلم (٣) .
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((فيه التصريح في أن المتمتع الحواشي
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب التمتع والقران والإفراد بالحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي، برقم ١٥٦١، ومسلم واللفظ له، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وجواز إدخال الحج على العمرة ومتى يحل القارن من نسكه، برقم ١٢١١.(٢) البخاري، كتاب الحج، باب قول اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، برقم ١٥٧٢.(٣) انظر: فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٧٥، وزاد المعاد، ٢/ ٢٧٣.стр. 454
عليه سعيان: السعي الأول لعمرته، والسعي الثاني لحجِّه)) (١) .
أما القارن والمفرد فليس على كل واحدٍ منهما إلا سعي واحد؛ فإن كان قد سعاه بعد طواف القدوم كفاه ذلك عن السعي بعد طواف الإفاضة، وإلا سعى بعد طواف الإفاضة (٢) (٣) . الحواشي
(١) سمعته أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٥٧٢.(٢) انظر: حديث جابر ﵁ في صحيح مسلم، برقم ١٢١٨، والكلام على ذلك مع التحقيق في زاد المعاد، ٢/ ٢٧٣.(٣) اختلف العلماء رحمهم اللَّه تعالى في طواف القارن والمتمتع إلى ثلاثة مذاهب على النحو الآتي:
المذهب الأول: أن على القارن طوافاً واحداً وسعياً واحداً، وأن ذلك يكفيه لحجته وعمرته، وأن على المتمتع طوافين وسعيين، وهذا هو مذهب جمهور العلماء: منهم مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايات.
واحتجوا بأحاديث صحيحة ليس مع مخالفيهم ما يقاومها:
أولاً: أدلتهم على أن القارن يكفيه طواف واحد بالبيت، وسعي واحد بين الصفا والمروة منها الأحاديث الآتية:
الحديث الأول: حديث عائشة ﵂: ((أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : ((يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك)) [مسلم، برقم ١٣٣ -(١٢١١) وفي رواية أنها: ((أهلت بعمرة فقدمت ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي ﷺ يوم النفر: ((يسعك طوافك [أي يكفيك] لحجك وعمرتك)) الحديث. [مسلم برقم ٣٣٢ -(١٢١١) ].قال الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ١٧٢: ((ففي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنها كانت محرمة أولاً، ومنعها الحيض من الطواف فلم يمكنها أن تحل بعمرة فأهلت بالحج مع عمرتها الأولى فصارت قارنة، وقد صرح النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح بأنها قارنة، حيث قال: ((لحجك وعمرتك)) ومع ذلك صرح بأنها يكفيها لهما طواف واحد)).
الحديث الثاني: حديث عائشة ﵂، قالت: ((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : ((من كان معه هديٌ فليُهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحِلّ منهما جميعاً)) الحديث. وفيه: ((فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلُّوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً)) [البخاري، برقم ١٥١٦، ومسلم بلفظه، برقم ١٢١١، وتقدم تخريجه]، ومقصودها بالطواف هو الطواف بين الصفا والمروة، أما الطواف بالبيت فهو ركن من أركان الحج في حق الجميع.
الحديث الثالث: حديث جابر ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: ((دخلت العمرة في الحج مرتين)) [مسلم، برقم ١٢١٨]، وتصريحه ﷺ بدخولها فيه يدل على دخول أعمالها في أعماله حالة القران، وإن أوَّله جماعات من أهل العلم بتأولات أخرى متعددة [أضواء البيان، ٥/ ١٧٧].
الحديث الرابع: حديث عبد اللَّه ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد، وسعي واحد عنهما حتى يحل منهما جميعاً)) [الترمذي، برقم ٩٤٨، وابن ماجه، برقم ٢٩٧٥، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ١/ ٤٨٦، وأصله في صحيح مسلم برقم ١٨١ -(١٢٣٠) ، وأخرجه البخاري، في الحج باب طواف القارن، وباب من اشترى الهدي من الطريق، والأحاديث الدالة على أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد لحجه وعمرته، كفعل المفرد كثيرة، وفيما ذكرت من الأحاديث الصحيحة الصريحة كفاية لمن يريد الحق [وانظر: أضواء البيات للشنقيطي، ٥/ ١٧٧].
ثانياً: أدلتهم على أن المتمتع لا بد له من طوافين بالبيت، وسعيين بين الصفا والمروة، طواف وسعي لعمرته، وطواف وسعي لحجه، أدلة كثيرة، منها الأحاديث الآتية:
الحديث الأول: حديث ابن عباس ﵄، وفيه أن المهاجرين والأنصار وأزواج النبي ﷺ قدموا مع النبي ﷺ فمن لم يكن معه الهدي طاف بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلَّ، ثم أحرموا بالحج يوم التروية، جاءوا بعد فراغهم من المناسك، فطافوا بالبيت، وبالصفا والمروة [البخاري، برقم ١٥٧٢]،وهذا المعنى، ولفظ الحديث تقدم ذكره في طواف الإفاضة قبل قليل فاكتفيت بالمعنى هنا.
الحديث الثاني: حديث عائشة ﵂، وتقدم ذكره في متن هذا البحث في طواف الإفاضة، وفيه:
(( ... فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلُّوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم ... )) [البخاري، برقم ١٥٦١، مسلم، برقم ١٢١١، واللفظ لمسلم]، وتعني بالطواف الآخر: الطواف بين الصفا والمروة، أما الطواف بالبيت طواف الإفاضة فهو ركن في حق الجميع.
قال الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ١٨٣: ((فهذا نص صريح متفق عليه، يدل على الفرق بين القارن والمتمتع، وأن القارن يفعل كفعل المفرد، والمتمتع يطوف لعمرته، ويطوف لحجه، فلا وجه للنزاع في هذه المسألة بعد هذا الحديث، وحديث ابن عباس المذكور قبله، وقول من قال: إن المراد بالطواف الواحد في حديث عائشة هذا: السعي له وجه من النظر، واختاره ابن القيم، وهو وجيه عندي)).
المذهب الثاني: المتمتع كالقارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن تيمية [انظر: مجموع فتاويه، ٢٦/ ١٣٨]، فقد استدل من قال بهذا، بحديث جابر ﵁، قال: ((لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً))، وفي لفظ: ((طوافه الأول))، [مسلم، برقم ١٢٧٩].
قال الإمام النووي ﵀ [في شرح صحيح مسلم، ٩/ ٢٩]: ((فيه دليل لما قدمناه أن النبي ﷺ كان قارناً، وأن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، وقد سبق خلاف أبي حنيفة وغيره في المسألة، واللَّه أعلم))، وقال من تمسك بهذا الحديث من الحنفية وغيرهم: ((هذا نص صريح صرح فيه جابر بأن النبي ﷺ لم يطف هو ولا أصحابه إلا طوافاً واحداً، ومعلوم أن أصحابه فيهم القارن، وهو من كان معه الهدي، وفيهم المتمتع، وهو من لم يكن معه هدي، وإذن ففي هذا الحديث الصحيح الدليل على استواء القارن والمتمتع في لزوم طواف واحد وسعي واحد فقط)) [انظر: أضواء البيان، ٥/ ١٨٤].
وأجاب المخالفون عن هذا بأجوبة منها:
الجواب الأول: إن الجمع واجب إن أمكن، قالوا: وهو هنا ممكن، بحمل حديث جابر هذا على أن المراد بأصحاب النبي ﷺ الذين لم يطوفوا إلا طوافاً واحداً للعمرة والحج، خصوص القارنين منهم، كالنبي ﷺ ؛ لأنه كان قارناً بلا شك، وإن حمل حديث جابر على هذا كان موافقاً لحديث عائشة، وحديث ابن عباس المتقدمين وهذا واضح.
الجواب الثاني: أنا لو سلمنا أن الجمع غير ممكن هنا في حديث جابر المذكور مع حديث عائشة وحديث ابن عباس، فقد تقرر في الأصول وعلوم الحديث أن المثبت مقدم على النافي، فيجب تقديم حديث ابن عباس وحديث عائشة؛ لأنهما مثبتان على حديث جابر النافي.
الجواب الثالث: أن عدم طواف المتمتع بعد رجوعه من منى الثابت في الصحيح رواه جابر وحده، وطوافه بعد رجوعه من منى رواه في الصحيح: ابن عباس، وعائشة، وما رواه اثنان أرجح مما رواه واحد، قال في مراقي السعود:
وكثرة الدليل والرواية مرجّح لدى ذوي الدراية [أضواء البيان، ٥/ ١٨٥].
المذهب الثالث: القارن والمتمتع يلزم كل واحد منهما طوافان، وسعيان: طواف وسعي للعمرة، وطواف وسعي للحج، وبه قال أبو حنيفة ومن وافقه، واستدلُّوا بأحاديث ضعيفة عن محمد بن الحنفية عند النسائي في الكبرى، وعن ابن عمر عند الدارقطني، وعن عمران بن حصين عند الدارقطني، وقد تكلم عن هذه الأحاديث العلامة الشنقيطي في أضواء البيان، ٥/ ١٨٦ - ١٩١، ثم قال: ((وقد علمت .. أن جميع هذه الأحاديث الدالة على طوافين وسعيين للقارن، ليس فيها حديث قائم ... )).
وأجاب من قال: بأن القارن ليس عليه إلا طواف واحد وسعي واحد كفعل المفرد: أجابوا على الأحاديث المذكورة من وجهين:
الوجه الأول: هو أن جميع الأحاديث المذكورة ضعيفة كما قال أهل العلم.
الوجه الثاني: لو سلمنا تسليماً جدلياً أن بعضها يصلح للاحتجاج فهي معارضة بما هو أقوى منها، وأصح وأرجح، فتكون شاذة. قال العلامة الشنقيطي ﵀ في الأضواء، ٥/ ١٩٠: ((وقد اتضح في هذه المسألة أن التحقيق فيها: أن القارن يفعل كفعل المفرد لاندراج أعمال العمرة في أعمال الحج)).стр. 455
والأعمال التي يحصل بها التحلل الثاني ثلاثة: رمي جمرة العقبة، والحلق أو التقصير، وطواف الإفاضة مع السعي بعده لمن كان عليه
سعي، فإذا فعل هذه الثلاثة حل له كل شيءٍ حرم عليه بالإحرام حتى النساء، ومن فعل اثنين منها حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء (١) ،كما تقدم.
والأفضل للحاج أن يرتب هذه الأمور الأربعة المتقدمة: رمي جمرة العقبة، ثم النحر أو الذبح، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف بالبيت والسعي بعده للمتمتع وكذلك القارن والمفرد إذا لم يسعيا مع طواف القدوم.
فإن قدَّم بعض هذه الأمور على بعض فلا حرج وأجزأه ذلك، لثبوت الرخصة عن النبي ﷺ في ذلك وقد تتابعت الأسئلة عليه في ذلك.
فجاء رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال: ((اذبح ولا حرج)).
فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي فقال: ((ارمِ ولا حرج)). الحواشي
(١) انظر فتاوى ابن باز في الحج والعمرة، ٥/ ٢٧٧.стр. 456
وجاء آخر فقال: حلقت قبل أن أرمي فقال: ((ارمِ ولا حرج)).
وجاء آخر فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، قال: ((ارمِ ولا حرج))،فما سئل النبي ﷺ يومئذ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: ((افعل ولا حرج)) (١) .
وقال آخر رميت بعد ما أمسيت، فقال: ((لا حرج)) (٢) .
وقال آخر: يا رسول اللَّه سعيت قبل أن أطوف. قال: ((لا حرج)) (٣) .
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قيل له: في الذبح، والحلق، والرمي، والتقديم، والتأخير، فقال: ((لا حرج)) (٤) .
فدل ذلك كله على التيسير والتسهيل، والرحمة والرفق في هذه الأمور، ولله الحمد. الحواشي
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الحج، باب الفتيا على الدابة عند الجمرة، برقم ١٧٣٦، ١٧٣٧، ١٧٣٨، ومسلم، بهذه الروايات والألفاظ، في كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي، برقم ٣٢٧ - ٣٣٣(١٣٠٦) ، وانظر: جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ ، ٣/ ٣٠٠ - ٣٠٣.(٢) البخاري، برقم ١٧٣٥، وتقدم تخريجه في رمي جمرة العقبة.(٣) أبو داود، كتاب المناسك، باب فيمن قدم شيئاً قبل شيء في حجه، برقم ٢٠١٥، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٥٦٤، وابن باز في التحقيق والإيضاح، ص٦٠.(٤) مسلم، كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي، برقم ١٣٠٧.стр. 457
المبحث الثاني والثلاثون: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق
يرجع الحاج بعد طواف الإفاضة، والسعي ممن عليه سعي، إلى منى، فيبيت بها ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر لمن أراد التأخر، وهذا المبيت واجب من واجبات الحج إلا على السقاة، والرعاة، ونحوهم فلا يجب عليهم، ووجوب المبيت بمنى في هذه الليالي ثبت بأدلة صحيحة صريحة على النحو الآتي:
أولاً: قول اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (١) .
ثانياً: بات النبي ﷺ بمنى ليالي التشريق ، وقال: ((خذوا عني مناسككم لعلّي لا أراكم بعد عامي هذا))، وهذا لفظ البيهقي، ولفظ مسلم: ((لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي
هذه)) (٢) ، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا البيتوتة بمنى ليالي التشريق.
ثالثاً: أذن النبي ﷺ للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته ، فعن عبد اللَّه بن عمر ﵄: ((أن العباس ﵁ استأذن النبي ﷺ ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له)) (٣) ، فدل هذا على وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن
مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة. الحواشي
(١) البقرة، الآية: ٢٠٣.(٢) مسلم، برقم ١٢٩٧، والبيهقي، ٥/ ١٢٥.(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٧٤٣ - ١٧٤٥، ورقم ١٦٣٤، ومسلم، برقم ١٣١٥، وتقدم تخريجه في واجبات الحج.стр. 458
رابعاً: رخّص النبي ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة ليالي منى ؛ لحديث عاصم بن عدي ﵁: أن النبي ﷺ رخّص للرعاء في البيتوتة، يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعدهما يجعلونهما في أحدهما)) (١) ، فدلّت هذه الرخصة على أنه يقابلها عزيمة.
خامساً: ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أنه كان ينهى أن يبيت الحاج وراء العقبة خارج منى، فعن عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب قال: ((لا يبيتنَّ أحدٌ من الحجاج لياليَ منى وراء العقبة)) (٢) .
وهذه الأدلة تدل على أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق واجب من واجبات الحج، ونسك من أنساكه إلا لهؤلاء، المعذورين، ومن كان في حكمهم (٣) . الحواشي
(١) النسائي، برقم ٣٠٧١، والترمذي، برقم ٩٥٤، ٩٥٥، وابن ماجه، برقم: ٣٠٣٧، وأبو داود، برقم ١٩٧٥، وصححه الألباني في إرواء الغليل، ٤/ ٢٨٠، برقم ١٠٨٠.(٢) الإمام مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب البيتوتة بمكة ليالي منى، برقم ٢٠٩،والبيهقي،٥/ ١٥٣.(٣) اختلف العلماء ﵏ في حكم المبيت في منى ليالي أيام التشريق على أقوال:
القول الأول: قول الإمام أحمد ومن معه: المبيت بمنى ليالي منى واجب، فلو ترك المبيت بها في الليالي الثلاث فعليه دم على الصحيح من مذهبه، وهو أحد قولي الإمام الشافعي، والإمام مالك، فاتضح: أن القول بأن المبيت في منى واجب يجبر تركه بدم هو قول الجمهور؛ للأدلة المذكورة في متن هذا البحث [انظر: المغني لابن قدامة، ٥/ ٣٢٤، والمقنع مع الشرح الكبير والإنصاف،
٩/ ٢٣٦، والكافي لابن قدامة، ٢/ ٤٤٨، وأضواء البيان للشنقيطي، ٥/ ٣١٣].
القول الثاني: المبيت بمنى ليس بواجب، وتركه مكروه، وبه قال الإمام أبو حنيفة، وأصحابه، وهو رواية عن أحمد.
القول الثالث: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق سنة وليس بواجب، وهو قول للشافعي، ولكن الأصح عندهم أنه واجب كما تقدم.
والصواب أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق واجب من تركه فعليه دم، وفي مذهب أحمد في الذي يترك المبيت روايات: إذا ترك الليالي الثلاث فعليه دم على الصحيح من مذهبه، وعنه يتصدق بشيء، وعنه لا شيء عليه، فإن ترك المبيت في ليلة من لياليها ففيه ما في الحصاة الواحدة من الأقوال المذكورة فيها، كما سيأتي إن شاء اللَّه. [المغني،٥/ ٣٢٥،وأضواء البيان، ٥/ ٣١٣].
قال العلامة الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان، ٥/ ٣٨٤: ((فإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فاعلم أن أظهر الأقوال دليلاً أن المبيت في منى نسك من مناسك الحج يدخل في قول ابن عباس: ((من نسي من نسكه شيئاً أو تركه فليهرق دماً)) [مالك في الموطأ، ١/ ٤١٩، والدارقطني، ٢/ ٢٤٤، والبيهقي، ٥/ ١٥٢]، وتقدم تخريجه في مواقيت الحج والعمرة.стр. 459
والحاج الذي يرغب في الثواب يجتهد في الاقتداء بالنبي ﷺ في المبيت في منى، وفي أداء الأنساك كلها، لما تقدم من قوله ﷺ : ((خذوا عني مناسككم .... )).
وقد قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀: ((أماكن الحج وأزمنته محدودة من الشارع، وليس فيها مجال للاجتهاد، وقد حجَّ رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع، وقال فيها: ((خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا)) (١) ، وبين فيها [ ﷺ ] الأزمنة والأمكنة، وحدود منى: من وادي محسر إلى جمرة العقبة، فعلى من حجَّ أن يلتمس مكاناً له داخل حدود منى، فإن تعذر عليه حصول المكان نزل في أقرب مكان يلي منى ولا شيء عليه)) (٢) ،
واللَّه المستعان (٣) . الحواشي
(١) مسلم، برقم ١٢٩٧ بنحوه، والبيهقي بلفظه، ٥/ ١٢٥.(٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١١/ ٢٦٦.(٣) كان شيخنا عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يفتي: أن المبيت في منى يسقط عن أصحاب الأعذار: كالسقاة، والرعاة، والمريض الذي يشقق عليه المبيت بمنى، والعاملين على مصلحة الحجاج، والذي لا يجد له مكاناً في منى بعد الاجتهاد في البحث فعجز عن ذلك [مجموع الفتاوى له، ١٦/ ١٦/ ١٤٩، ٢٢٦، ١٧/ ٣٦٢، ٣٦٣].
ويفتي ﵀: أن من ترك المبيت في منى جاهلاً حدودها مع القدرة على المبيت فعليه دم، لأنه ترك واجباً من غير عذر شرعي [١٦/ ١٤٩]، ومن ترك المبيت ليلة، الحادي عشر والثاني عشر فعليه دم [١٦/ ١٥٠، ١٧/ ٢٤٦]، ومن ترك المبيت ليلة واحدة فعليه في ذلك أن يتصدق بشيء مع التوبة والاستغفار [١٧/ ٣٨٦]، ومن أدركه غروب الشمس من اليوم الثاني عشر وهو في منى وقد ارتحل، فهو في حكم النافر ولا شيء عليه، أما إذا أدركه الغروب وهو لم يرتحل فإنه يلزمه المبيت ليلة الثالث عشر والرمي في اليوم الثالث عشر بعد الزوال [١٦/ ١٥٠]، ويكفي في المبيت ليال أيام منى أكثر الليل إذا تيسر ذلك [١٦/ ٢٢٦، و ١٧/ ٢٢٦].
وسمعته يقول أثناء تقريره على صحيح البخاري، الحديث رقم ١٧٤٨، ١٧٤٩: ((من نزل في الليل لطواف الإفاضة ولم يرجع إلا بعد طلوع الفجر، فإنه يتصدق بشيء، وإذا كانت ليلتين فدم)).стр. 460
وذكر شيخ الإسلام أن السنة للحاج أن لا يبيت ليالي التشريق إلا بمنى؛ لأن رسول اللَّه ﷺ رجع إلى منى بعد طواف الإفاضة فبات بها هو وجميع من معه، وقد قال: ((لتأخذوا عني مناسككم))، وهذه السنة الموروثة عنه التي تناقلتها الأمة خلفاً عن سلف، إلا أن أهل السقاية الذين يسقون الحجيج يرخص لهم في المبيت بمكة ... وكذلك يرخص للرعاة، وذكر الأدلة ﵀ (١) . الحواشي
(١) شرح العمدة، لابن تيمية، ٢/ ٥٥٦.следующие страницы →