← Фикх общий

Фикх общий · id 96547

مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وجاء آخر فقال: حلقت قبل أن أرمي فقال: ((ارمِ ولا حرج)). وجاء آخر فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، قال: ((ارمِ ولا حرج))،فما سئل النبي ﷺ يومئذ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: ((افعل ولا حرج)) (١). وقال آخر رميت بعد ما أمسيت، فقال: ((لا حرج)) (٢). وقال آخر: يا رسول اللَّه سعيت قبل أن أطوف. قال: ((لا حرج)) (٣). وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قيل له: في الذبح، والحلق، والرمي، والتقديم، والتأخير، فقال: ((لا حرج)) (٤). فدل ذلك كله على التيسير والتسهيل، والرحمة والرفق في هذه الأمور، ولله الحمد.

стр. 457

المبحث الثاني والثلاثون: المبيت بمنى ليالي أيام التشريق يرجع الحاج بعد طواف الإفاضة، والسعي ممن عليه سعي، إلى منى، فيبيت بها ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر لمن أراد التأخر، وهذا المبيت واجب من واجبات الحج إلا على السقاة، والرعاة، ونحوهم فلا يجب عليهم، ووجوب المبيت بمنى في هذه الليالي ثبت بأدلة صحيحة صريحة على النحو الآتي: أولاً: قول اللَّه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (١). ثانياً: بات النبي ﷺ بمنى ليالي التشريق ، وقال: ((خذوا عني مناسككم لعلّي لا أراكم بعد عامي هذا))، وهذا لفظ البيهقي، ولفظ مسلم: ((لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)) (٢)، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا البيتوتة بمنى ليالي التشريق. ثالثاً: أذن النبي ﷺ للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته ، فعن عبد اللَّه بن عمر ﵄: ((أن العباس ﵁ استأذن النبي ﷺ ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له)) (٣)، فدل هذا على وجوب المبيت بمنى ليالي التشريق؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة.

стр. 458

رابعاً: رخّص النبي ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة ليالي منى ؛ لحديث عاصم بن عدي ﵁: أن النبي ﷺ رخّص للرعاء في البيتوتة، يرمون يوم النحر، واليومين اللذين بعدهما يجعلونهما في أحدهما)) (١)، فدلّت هذه الرخصة على أنه يقابلها عزيمة. خامساً: ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أنه كان ينهى أن يبيت الحاج وراء العقبة خارج منى، فعن عبد اللَّه بن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب قال: ((لا يبيتنَّ أحدٌ من الحجاج لياليَ منى وراء العقبة)) (٢). وهذه الأدلة تدل على أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق واجب من واجبات الحج، ونسك من أنساكه إلا لهؤلاء، المعذورين، ومن كان في حكمهم (٣).

стр. 459

والحاج الذي يرغب في الثواب يجتهد في الاقتداء بالنبي ﷺ في المبيت في منى، وفي أداء الأنساك كلها، لما تقدم من قوله ﷺ : ((خذوا عني مناسككم .... )). وقد قالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة شيخنا عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀: ((أماكن الحج وأزمنته محدودة من الشارع، وليس فيها مجال للاجتهاد، وقد حجَّ رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع، وقال فيها: ((خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا)) (١)، وبين فيها [ ﷺ ] الأزمنة والأمكنة، وحدود منى: من وادي محسر إلى جمرة العقبة، فعلى من حجَّ أن يلتمس مكاناً له داخل حدود منى، فإن تعذر عليه حصول المكان نزل في أقرب مكان يلي منى ولا شيء عليه)) (٢)، واللَّه المستعان (٣).

стр. 460

وذكر شيخ الإسلام أن السنة للحاج أن لا يبيت ليالي التشريق إلا بمنى؛ لأن رسول اللَّه ﷺ رجع إلى منى بعد طواف الإفاضة فبات بها هو وجميع من معه، وقد قال: ((لتأخذوا عني مناسككم))، وهذه السنة الموروثة عنه التي تناقلتها الأمة خلفاً عن سلف، إلا أن أهل السقاية الذين يسقون الحجيج يرخص لهم في المبيت بمكة ... وكذلك يرخص للرعاة، وذكر الأدلة ﵀ (١).

стр. 461

المبحث الثالث والثلاثون: خطب النبي ﷺ في الحج ووداعه لأمته ووصاياه أولاً: أذانه ﷺ في الناس بالحج: بعد أن بلَّغ ﷺ البلاغ المبين وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في اللَّه حق جهاده، أعلن في الناس وأذَّن فيهم، وأعلمهم أنه حاج في السنة العاشرة - بعد أن مكث في المدينة تسع سنين كلها معمورة بالجهاد والدعوة والتعليم - وبعد هذا النداء العظيم الذي قصد به ﷺ إبلاغ الناس فريضة الحج؛ ليتعلموا المناسك منه ﷺ ؛ وليشهدوا أقواله، وأفعاله، ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب، وتشيع دعوة الإسلام، وتبلغ الرسالة القريب والبعيد (١)، قال جابر ﵁: إن رسول اللَّه ﷺ مكث تسع سنين لم يحج ثم أذَّن في الناس في العاشرة أن رسول اللَّه ﷺ حاجٌّ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللَّه ﷺ ، ويعمل مثل عمله ... وساق الحديث وفيه: حتى إذا استوت به ناقته على البيداء (٢) نظرت إلى مدِّ بصري بين يديه من راكب وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك (٣) , ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله وما عمل به من شيء عملنا به ... وساق الحديث وقال: حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة قد ضُرِبت له بنمرة فنزل بها. ثانياً: خطبه ﷺ في حجة الوداع، وتوديعه لأمته ووصاياه: ١ - خطبته ﷺ ووداعه ووصيته لأمته في عرفات:

стр. 462

قال جابر ﵁: حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: "إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع (١) ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دمٍ أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله (٢) فاتقوا اللَّه في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه (٣) ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم (٤) أحداً تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهُنَّ ضرباً غير مبرِّح (٥)، ولهُنَّ عليكم رزقهنَّ وكُسوتهنَّ بالمعروف، وقد تركت فيكم ما

стр. 463

لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اللَّه (١)، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟))، قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت، فقال بإصبعه السبَّابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: ((اللَّهم اشهد، اللَّهم اشهد)) ثلاث مرات ثم أذَّن، ثم أقام، فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر، ولم يصلِّ بينهما شيئاً ... )) (٢)، وقد كان في الموقف جمٌّ غفير لا يُحصي عددهم إلا اللَّه تعالى (٣). وعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْمُخَضْرَمَةِ (٤) بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: ((أَتَدْرُونَ أَيّ يَوْمٍ هَذَا، وَأَيَّ شَهْرٍ هَذَا، وَأَيَّ بَلَدٍ هَذَا؟))، قَالُوا: هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، وَشَهْرٌ حَرَامٌ، وَيَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ: ((أَلَا وَإِنَّ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي يَوْمِكُمْ هَذَا، أَلَا وَإِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَأُكَاثِرُ بِكُمْ الْأُمَمَ، فَلَا تُسَوِّدُوا وَجْهِي، ألَا وَإِنِّي مُسْتَنْقِذٌ أُنَاسًا، وَمُسْتَنْقَذٌ مِنِّي أُنَاسٌ، فَأَقُولُ:

стр. 464

يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي؟ فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ)) (١). وأُنزل على النبي ﷺ في يوم عرفة يوم الجمعة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ (٢). فعن عمر بن الخطاب ﵁:أن رجلاً من اليهود، قال له: يا أمير المؤمنين: آية في كتابكم تقرؤنها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً؟ قال: أيُّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾، قال عمر ﵁: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ ، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة)) (٣). وهذه أكبر نعم اللَّه تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره, ولا إلى نبي غير نبيهم ﷺ ؛ ولهذا جعله اللَّه خاتم الأنبياء, وبعثه إلى الجن والإنس فلا حلال إلا ما أحلَّه، ولا حرام إلا ما حرَّمه، ولا دين إلا ما شرعه, وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خلف، قال اللَّه : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ (٤)، أي صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأوامر والنواهي, فلما أكمل

стр. 465

اللَّه لهم الدين تمت عليهم النعمة (١). وقد ذُكِرَ أن عمر بكى عندما نزلت هذه الآية في يوم عرفة, فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكاني أَنَّا كنا في زيادة من ديننا, فأما إذا أُكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص (٢)، وكأنه ﵁ توقع موت النبي ﷺ قريباً. ٢ - خطبته ﷺ ووداعه ووصيته لأمته يوم النحر: قال جابر ﵁: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: ((لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلِّي لا أحُجُّ بعد حجتي هذه)) (٣). وعن أم الحصين ﵂ قالت: حججت مع رسول اللَّه ﷺ فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة ... فقال رسول اللَّه ﷺ قولاً كثيراً ثم سمعته يقول: ((إن أُمِّر عليكم عبد مجدَّع أسود يقودكم بكتاب اللَّه تعالى فاسمعوا له وأطيعوا)) (٤). وعن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه - أو بزمامه - وخطب الناس [وفي رواية: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر] فقال: ((أتدرون أيُّ يوم هذا؟))، قالوا: اللَّه ورسوله أعلم [فسكت]

стр. 466

حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: ((أليس بيوم النحر؟))، قلنا: بلى يا رسول اللَّه! قال: ((فأي شهر هذا؟))، قلنا: اللَّه ورسوله أعلم [فسكت] حتى ظننا أنه سيسمه بغير اسمه، فقال: ((أليس بذي الحجة؟))، قلنا: بلى يا رسول اللَّه. قال: ((فأي بلد هذا؟))، قلنا اللَّه ورسوله أعلم [فسكت] حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: ((أليست البلدة الحرام؟))، قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: ((إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا [وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعوا بعدي كفاراً] [أو ضُلاَّلاً] يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد [منكم] الغائب [فَرُبَّ مُبلَّغ أوعى من سامع] أَلاَ هل بلَّغت))، وفي رواية لمسلم: ((ثم انكفأ (١) إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جُزيعةٍ من الغنم (٢) قسمها بيننا، وفي رواية للبخاري ومسلم: ((إن الزمان قد استدار (٣) كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض: السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالياتٌ: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مُضَرَ الذي بين

стр. 467

جُمادى وشعبان)) (١). وسكوته ﷺ بعد كل سؤال من هذه الأسئلة الثلاثة كان لاستحضار فهومهم؛ وليقبلوا عليه بكلِّيَّتهم؛ وليستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه (٢). وعن عبد اللَّه بن عباس ﵄ أن رسول اللَّه ﷺ خطب الناس يوم النحر فقال: ((يا أيُّها الناس، أيُّ يَوْمٍ هَذا؟)) قالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قال: ((فَأيُّ بَلَدٍ هَذا؟)) قالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: ((فَأيُّ شَهْرٍ هَذا؟)) قالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قال: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا)) - فأعادها مرارًا - ثم رفع رأسه فقال: ((اللَّهمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهمَّ هَلْ بَلَّغْتُ)) قال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إنَّها لَوَصِيَّتُهُ إلى أمَّتِهِ، ((فَلَيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)) (٣). وعن ابن عمر ﵄ قال: ((وقف النبي ﷺ يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حجَّ بها، وقال: ((هذا يوم الحجِّ الأكبر))، وطَفِق (٤) النبي ﷺ يقول: ((اللَّهمّ اشْهَدْ))، وودَّع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع)) (٥).

стр. 468

وعن عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَدًا، وَلَكِنْ سَيَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِي بَعْضِ مَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَيَرْضَى بِهَا، أَلَا وَكُلُّ دَمٍ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ مَا أَضَعُ مِنْهَا دَمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ - أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رُوُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، أَلَا يَا أُمَّتَاهُ! هَلْ بَلَّغْتُ؟)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ((اللَّهمَّ اشْهَدْ)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)) (١). وقد فتح اللَّه أسماع جميع الحجاج بمنى حتى سمعوا خطبة النبي ﷺ يوم النحر, وهذا من معجزاته أن بارك في أسماعهم وقوَّاها حتى سمعها القاصي والداني حتى كانوا يسمعون وهم في منازلهم (٢).فعن عبد الرحمن بن معاذ التيمي ﵁ قال: ((خطبنا رسول اللَّه ﷺ ونحن بمنى فَفُتِحت أسماعُنا حتى كُنَّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا ... )) (٣).

стр. 469

عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى، فَقَالَ: ((نَضَّرَ اللَّه امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِى فَبَلَّغهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيرُ فقيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلاثٌ لا يَغِلُّ عَلَيْهِنَ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلاَصُ الْعَمَلِ لله، وَالنَّصِيحَةُ لِولاةِ الْمُسلِمينَِ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهم؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحيطُ مِنْ وَرَائِهِم)) (١). وعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ بِمِنًى، وَنَزَّلَهُمْ مَنَازِلَهُمْ، فَقَالَ: ((لِيَنْزِلِ الْمُهَاجِرُونَ هَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى مَيْمَنَةِ الْقِبْلَةِ - وَالْأَنْصَارُ هَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى مَيْسَرَةِ الْقِبْلَةِ - ثُمَّ لِيَنْزِلِ النَّاسُ حَوْلَهُم)) (٢). وعن الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: ((رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ، يَوْمَ الأَضْحَى بِمِنًى)) (٣). وعن أَبي أُمَامَةَ قال: ((سَمِعْتُ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ)) (٤). وعن رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ، قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى، حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى، عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلِيٌّ ﵁ يُعَبِّرُ عَنْهُ،

стр. 470

وَالنَّاسُ بَيْنَ قَاعِدٍ وَقَائِمٍ)) (١). وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِيِّ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ وَنَحْنُ بِمِنًى، فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا، حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَنَحْنُ فِى مَنَازِلِنَا، فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((بِحَصَى الْخَذْفِ))، ثُمَّ أَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ، فَنَزَلُوا فِى مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَرَ الأَنْصَارَ، فَنَزَلُوا مِنْ وَرَاءِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ نَزَلَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ)) (٢). ٣ - خطبته ﷺ ووصيته لأمته في أوسط أيام التشريق: وخطب ﷺ الناس في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة وهو ثاني أيام التشريق ويُقال له: يوم الرؤوس؛ لأن أهل مكة يسمونه بذلك؛ لأكلهم رؤوس الأضاحي فيه, وهو أوسط أيام التشريق (٣) , فعن أبي نجيح عن رجلين من أصحاب النبي ﷺ , وهما من بني بكر, قالا: رأينا رسول اللَّه ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق, ونحن عند راحلته, وهي خطبة رسول اللَّه ﷺ التي خطب (٤) بمنى (٥).

стр. 471

وعن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة النبي ﷺ وسْطَ أيام التشريق فقال: ((يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلغت؟)) قالوا: بلَّغ رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: ((أي يوم هذا؟)) قالوا: يوم حرام. ثم قال: ((أيُّ شهر هذا؟)) قالوا: شهر حرام، ثم قال: ((أي بلد هذا؟)) قالوا: بلد حرام. قال: ((فإن اللَّه قد حرَّم بينكم دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، كَحُرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، أبلغت؟)) قالوا بلَّغ رسول اللَّه ﷺ . قال: ((ليبلغ الشاهد الغائب)) (١). وهناك جُمَلٌ من خطبه ﷺ في حجة الوداع في الأماكن المقدسة منها حديث ابن عباس ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ خطب الناس في حجة الوداع فقال: ((إن الشيطان قد يئس أن يُعبد بأرضكم، ولكن رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا، إني قد تركت فيكم ما إن

стр. 472

اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب اللَّه وسنة نبيه ﷺ ... )) الحديث (١). وحديث أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول وهو يخطب الناس على ناقته الجدعاء في حجة الوداع يقول: ((يا أيها الناس أطيعوا ربكم، وصلّوا خمسكم، وأدّوا زكاة أموالكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم)) (٢). قال الإمام النووي ﵀: ((وذهب الشافعي ﵀ إلى أن في الحج أربع خطب مسنونة: إحداها يوم السابع من ذي الحجة ، يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر. والثانية: هذه التي ببطن عُرَنة يوم عرفات . والثالثة: يوم النحر . والرابعة: يوم النفر الأول ، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق. قال أصحابنا: وكل هذه الخطب أفراد وبعد صلاة الظهر، إلا التي في عرفات، فإنها خطبتان، وقبل الصلاة، قال أصحابنا: ويعلمهم في كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى واللَّه أعلم)) (٣). وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر المستنبطة من هذه

стр. 473

الخطب، وهذه الوصايا، وهذا التوديع كثيرة منها الفوائد الآتية: ١ - إن كل من قدم المدينة إجابة لأذان النبي ﷺ بالحج فقد حج مع النبي ﷺ ؛ لقول جابر ﵁: ((فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتمَّ برسول اللَّه ﷺ ويعمل مثل عمله)) (١). ٢ - استحباب نزول الحاج إلى عرفات بعد زوال الشمس إن تيسر ذلك. ٣ - استحباب خطبة الإمام بالحجاج بعرفاتٍ , يبين فيها للناس ما يحتاجون إليه، ويعتني ببيان التوحيد, وأصول الدين, ويحذِّر فيها من الشرك والبدع والمعاصي, ويوصي الناس بالعمل بالكتاب والسنة. وقد ثبت أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع ثلاث خطب: خطبة يوم عرفة, والخطبة الثانية يوم النحر في منى, والخطبة الثالثة في منى يوم الثاني عشر من ذي الحجة. ومذهب الشافعي أن الإمام يخطب يوم السابع من ذي الحجة كذلك (٢) , ويُعلِّم الإمام الناس في كل خطبة ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى. ٤ - تأكيد غلظ تحريم الدماء, والأعراض, والأموال , والأبشار الجلدية. ٥ - استخدام ضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير ؛ لقوله ﷺ : ((كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)). ٦ - إبطال أفعال الجاهلية، وربا الجاهلية ، وأنه لا قصاص في قتلى الجاهلية. ٧ - إن الإمام ومن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يجب أن يبدأ بنفسه

стр. 474

وأهله؛ لأنه أقرب لقبول قوله، وطيب نفس من قرب عهده بالإسلام. ٨ - الموضوع من الربا هو الزائد على رأس المال , أما رأس المال فلصاحبه. ٩ - مراعاة حق النساء، ومعاشرتهن بالمعروف ، وقد جاءت أحاديث كثيرة بذلك جمعها النووي أو معظمها في رياض الصالحين. ١٠ - وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وجواز تأديبها إذا أتت بما يقتضي التأديب لكن بالشروط والضوابط التي جاءت بالكتاب والسنة، وأن لا يحصل منكر من أجل ذلك التأديب. ١١ - الوصية بكتاب اللَّه تعالى وسنة نبيه ﷺ -. ١٢ - قوله ﷺ : ((لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه))، ففي ذلك لام الأمر، والمعنى: خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال، والأفعال، والهيئات هي أمور الحج وصفته وهي مناسككم فخذوها عني واقبلوها، واحفظوها واعملوا بها، وعلِّموها الناس، وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، فهو كقوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلِّي)) (١). ١٣ - وفي قوله ﷺ : ((لَعَلِّي لا أحج بعد حجتي هذه)) إشارة إلى توديعهم، وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ ، وحثهم على الأخذ عنه، وانتهاز الفرصة وملازمته؛ وبهذا سميت حجة الوداع. ١٤ - الحث على تبليغ العلم ونشره ، وأن الفهم ليس شرطاً في الأداء،

стр. 475

وأنه قد يأتي في الآخر من يكون أفهم ممن تقدم ولكن بقلة، وأن الأفضل أن يكون الخطيب على مكان مرتفع؛ ليكون أبلغ في سماع الناس ورؤيتهم له. ١٥ - استخدام السؤال ثم السكوت والتفسير يدل على التفخيم ، والتقرير والتنبيه. ١٦ - الأمر بطاعة ولي الأمر مادام يقود الناس بكتاب اللَّه تعالى ، وإذا ظهرت منه بعض المعاصي والمنكرات، وُعِظَ وَذُكِّر باللَّه وخُوِّف به لكن بالحكمة والأسلوب الحسن. ١٧ - الوصية بطاعة اللَّه، والصلاة، والزكاة، والصيام ، وأنه لا فرق بين أصناف الناس إلا بالتقوى. ١٨ - معجزة النبي ﷺ الظاهرة الدالة على صدقه ، وذلك بسماع الناس لخطبته يوم النحر وهم في منازلهم (١)، فقد فتح اللَّه أسماعهم كلهم لها. ١٩ - الضحية سنة مؤكدة على الصحيح من أقوال أهل العلم ، وهي في حق الحاج وغير الحاج فلا يجزئ عنها الهدي، وإنما هي سنة مستقلة؛ لأنه ﷺ بعد أن خطب الناس بمنى انقلب فذبح كبشين أملحين (٢)، وهذا غير الهدايا التي نحرها بيده وأشرك عليّاً في الهدي وأمره بنحر الباقي من البُدُن.

стр. 476

المبحث الرابع والثلاثون: رمي الجمار أيام التشريق وأحكامه أولاً: مفهوم رمي الجمرات: لغة ، واصطلاحاً: الرمي لغة: هو القذف والدفع. وهو في الاصطلاح: دفع الحصى الصغار بِقُوَّةٍ إلى موضع الرمي داخل حوض الجمرة. الجمرات، لغة: الجمرة: الحصاة الصغيرة، وجمعها جمرات، وجمار (١). قال الإمام ابن الأثير ﵀: (( ... الجمار: وهي الأحجار الصغار، ومنه سمِّيت جمار الحج للحصى التي يُرمَى بها، وأما موضع الجمار بمنىً فسُمِّيَ جمرة؛ لأنها تُرمى بالجمار، وقيل: لأنها مجمع الحصى التي يُرمى بها، من الجمرة: وهي اجتماع القبيلة على من نَاوَأها، وقيل: سُمِّيت به من قولهم: أجمر: إذا أسرع (٢). وقال العلامة أحمد الفيُّومي ﵀: ((الجمرة هي مجتمع الحصى بمنى، فكلُّ كومةٍ من الحصى جمرة، والجمع: جمرات، وجمرات منى ثلاث ... )) (٣). وعلى هذا فاشتقاق الجمرة: من التجمّر: وهو التجمّع؛ لاجتماع الحصى في الموضع الذي يُرمى فيه. أو سُمِّيت الجمرة من التجمّع لاجتماع الحجاج عندها يرمونها،

стр. 477

والعلم عند اللَّه تعالى (١). الجمرة في الاصطلاح: هي مجتمع الحصى الذي تحت العمود الشاخص الذي يقع وسط الحوض في الجمرة الصغرى، والجمرة الوسطى، ويقع الحوض في جهة جمرة العقبة الغربية الجنوبية (٢)، فإذا وقع الحصى داخل الحوض تحت العمود الشاخص أجزأَ عند العلماء، وهو الموضع الذي رمى فيه رسول اللَّه ﷺ . ثانياً: سبب مشروعية الرمي وحكمته ، وردت أحاديث تدل على أن أوَّل من رمى الجمار إبراهيم الخليل ﷺ ، فعن ابن عباس ﵄، يرفعه إلى النبي ﷺ قال: ((لما أتى إبراهيم خليل اللَّه المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ (٣) في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض))، قال ابن عباس ﵄: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون)) (٤)، وغير ذلك من الحكم (٥).

стр. 478

ثالثاً: الرمي أيام التشريق واجب من واجبات الحج عند جماهير العلماء، للأدلة الآتية: الدليل الأول: حديث جابر ﵁ - قال: ((رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: ((لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)) (١). الدليل الثاني: رمي النبي ﷺ في أيام التشريق الجمار الثلاث بعد الزوال ، وقد قال: ((خذوا عني مناسككم لعلِّي لا أراكم بعد عامي هذا)) (٢). الدليل الثالث: أمر اللَّه تعالى بذكره في أيام التشريق ، فقال : ﴿وَاذْكُرُوا

стр. 479

اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (١)،فالحجاج مأمورون بذكر اللَّه في منى، وليس في منى ذكر ينفرد به الحج إلا ذكر الجمار؛ لحديث عائشة ﵂، ترفعه: ((إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر اللَّه)) (٢). قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((اعلم أن الرمي في أيام التشريق واجب يجبر بدم عند جماهير العلماء، على اختلافٍ بينهم في تعدد الدماء فيه، وعدم تعددها، ولا خلاف بينهم أنه ليس بركن؛ لأن الحج يتمّ قبله، ويتحلّل صاحبه التحلّل الأصغر، والأكبر، فيحلُّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام، فحجّه تام إجماعاً قبل رمي أيام التشريق، ولكن رميها واجب يجبر بدم، لأن النبي ﷺ رماها، وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم)) (٣) (٤).

стр. 480

وكان شيخنا ﵀ يفتي كثيراً: أن من ترك رميَ الجمار فعليه دم؛ لأنه ترك واجباً من واجبات الحج يجبر بدم لفقراء الحرم بمكة (١) (٢). رابعاً: وقت الرمي أيام التشريق: أوله وآخره على النحو الآتي: ١ - أول وقت الرمي أيام التشريق: بعد الزوال ، ومن رمى قبل الزوال فلا يصح رميه، بل رميه باطل، وتجب عليه الإعادة في أيام التشريق بعد الزوال، فإن انتهت أيام التشريق ولم يعد، فإنه يجب عليه دم، لجبر هذا النقص، للأدلة الآتية: الدليل الأول: رمى النبي ﷺ بعد الزوال ، قال جابر ﵁: ((رمى النبي ﷺ يوم النحر ضُحىً، ورمى بعد ذلك بعد الزوال))، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: ((رمى رسول اللَّه ﷺ الجمرة يوم النحر ضُحىً، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس)) (٣).

стр. 481

فهذا فعل النبي ﷺ ، وهو قدوتنا وأسوتنا، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ (١). قال الإمام النووي ﵀ في شرحه لحديث جابر: ((المراد بيوم النحر جمرة العقبة؛ فإنه لا يشرع فيه غيرها بالإجماع، وأما أيام التشريق الثلاثة فيرمي كل يوم منها بعد الزوال، وهذا المذكور في جمرة يوم النحر سنة باتفاقهم، وعندنا يجوز تقديمهُ من نصف ليلة النحر، وأما أيام التشريق فمذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، وجماهير العلماء أنه لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال؛ لهذا الحديث الصحيح ... )) (٢). الدليل الثاني: أمرنا النبي ﷺ أن نأخذ عنه مناسك الحج ، فنعمل كما عمل ﷺ ،فعن جابر ﵁،قال: رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول: ((لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلِّي لا أحجّ بعد حجَّتي

стр. 482

هذه)) هذا لفظ مسلم، ولفظ البيهقي: ((خذوا عني مناسككم لعلّي لا أراكم بعد عامي هذا))،ولفظ النسائي قال جابر: رأيت رسول اللَّه ﷺ يرمي الجمرة وهو على بعيره، وهو يقول: ((يا أيها الناس خذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلّي لا أحج بعد عامي هذا)) (١)،ولفظ ابن ماجه: (( ... لتأخذ أمتي نسكها فإني لا أدري لعلي لا ألقاها بعد عامي هذا)) (٢). قال الإمام النووي ﵀: ((لتأخذوا مناسككم ... )) فهذه اللام لام الأمر، ومعناه خذوا مناسككم، وهكذا وقع في رواية غير مسلم، وتقديره: هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي: من الأقوال، والأفعال، والهيئات، هي أمور الحج وصفته، وهي مناسككم، فخذوها عني، واقبلوها، واحفظوها، واعملوا بها، وعلِّموها الناس، وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٣)، وقوله ﷺ : ((لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)) فيه إشارة إلى توديعهم، وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ ، وحثهم على الاعتناء بالأخذ عنه، وانتهاز الفرصة من ملازمته، وتعلم أمور الدين، وبهذا سميت حجة الوداع، واللَّه أعلم)) (٤). الدليل الثالث: حديث ابن عباس ﵄ ، قال: ((كان رسول اللَّه ﷺ

стр. 483

يرمي الجمار إذا زالت الشمس)) (١). الدليل الرابع: حديث عائشة ﵂ حين ذكرت أن النبي ﷺ طاف طواف الإفاضة، قالت: (( ... ثم رجع إلى منى فمكث بها لياليَ أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى، والثانية فيطيل القيام، ويتضرّع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها)) (٢). الدليل الخامس: حديث ابن عمر ﵄ ، فعن وبَرَة قال: ((سألت ابن عمر ﵄، متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه، فأعدتُ عليه المسألة، قال: كُنَّا نتحَيَّن (٣) فإذا زالت الشمس رمينا)) (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((قوله: ((متى أرمي الجمار؟)) يعني في غير يوم الأضحى، قوله: ((إذا رمى إمامك فارمه)) يعني الأمير الذي على الحج، وكأن ابن عمر خاف عليه أن يخالف الأمير فيحصل له منه ضرر، فلما أعاد عليه المسألة لم يسعه الكتمان فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي ﷺ ، وقد رواه ابن عيينة عن مسعر بهذا الإسناد فقال فيه: ((فقلت له: أرأيت إن أخَّر إمامي)) أي الرمي، فذكر الحديث)) (٥)، وهذا

стр. 484

دليل على أن أصحاب النبي ﷺ كانوا ينتظرون ويترقَّبون زوال الشمس فلا يرمون قبله، ولو كان الرمي جائزاً قبله لم ينتظروا (١). الدليل السادس: حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ ، فعن نافع: أن عبد اللَّه بن عمر كان يقول: ((لا تُرمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس)) (٢). الدليل السابع: حديث عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: ((لا تُرمى الجمرة حتى يميل النهار)) (٣). الدليل الثامن: حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ)) (٤)، وهذا يدلّ على أن جميع العبادات توقيفية لا يقبل منها إلا ما كان مشروعاً، أو أقره الشرع المطهر (٥). الدليل التاسع: أن الرمي لو كان قبل الزوال في أيام التشريق جائزاً ، لفعله النبي ﷺ ؛ فيه من فعل العبادة في أول وقتها؛ ولما فيه من تطويل الوقت حتى يتسع وقت الدعاء عند الجمرة الأولى والوسطى؛ لأن ابن مسعود ذكر عن النبي ﷺ أنه دعا بمقدار قراءة سورة البقرة (٦).

стр. 485

الدليل العاشر: أن الرمي لو كان قبل الزوال جائزاً ؛ لبادر إليه الرسول ﷺ ؛ لما فيه من التَّيسير على أمته، وقد كان ﷺ يأمر أمته بالتيسير، فيقول: ((يسِّروا ولا تُعسِّروا)) (١). و ((ما خُيِّر رسول اللَّه ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً)) (٢). وقد كان يقول: ((اللَّهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به)) (٣). ومعلوم يقيناً أن الحرّ كان شديداً جداً في عام حجة الوداع حتى في وقت الضُّحى بعد ارتفاع الشمس، والدليل على ذلك حديث أم الحصين ﵂، قالت: ((حججت مع رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة: أحدهما يقود راحلته والآخر رافعٌ ثوبه على رأس رسول اللَّه ﷺ من الشمس ... )) وفي لفظ: (( ... والآخر رافع ثوبه يستره من الحرِّ حتى رمى جمرة العقبة)) (٤)، وحديث جابر ﵁، وفيه: ((أنه ﷺ نزل في القبة التي ضُرِبَتْ له بِنَمِرة حتى زالت الشمس ... )) (٥).

стр. 486

وهذا يدل على شدّة الحرِّ في أول النهار ، ومعلوم عند جميع الناس أن وقت زوال الشمس وبعده بقليل يكون أشدَّ حرّاً من أول النهار، وقد بيَّن النبي ﷺ أن الحكمة من النهي عن الصلاة حتى تزول الشمس هو: أن جهنم حينئذٍ تُسْجَرُ (١)، وبعد الزوال يكون الحرُّ في الغالب قد اشتدَّ على الأرض، وقد أمر ﷺ بالإبراد بصلاة الظهر، في شدّة الحرِّ (٢). فلما كان الرسول ﷺ يتعمَّد أن يؤخِّر الرمي حتى تزول الشمس مع أنه أشقُّ على الناس دلَّ هذا على أن الرمي قبل الزوال في أيام التشريق لا يجوز ولا يجزئ (٣). الدليل الحادي عشر: أن الرسول ﷺ بادر بالرمي حين زالت الشمس ، فرمى قبل أن يصلّي الظهر، وكأنه ﷺ يترقَّب زوال الشمس ليرمي ثم ليصلِّي الظهر، ولو كان الرمي جائزاً قبل الزوال لفعله ﷺ ولو مرة واحدة بياناً للجواز، أو فعله بعض الصحابة، وأقرَّه النبي ﷺ (٤). حتى في اليوم الثالث عشر يوم النفر لم يرمِ إلا بعد الزوال، وهو يريد أن يصلّي بالمحصب ((الأبطح)) صلاة الظهر، وهذا يدل دلالة قاطعة أنه لو كان جائزاً لعجّل الرمي قبل الزوال، واللَّه تعالى المستعان.

стр. 487

الدليل الثاني عشر: عمل جميع الصحابة بلا استثناء في حياة النبي ﷺ وبعد مماته ، فكلّهم يرمون في حجهم في أيام التشريق بعد الزوال، وقد حج مع النبي ﷺ من المدينة خلق كثير، بلغ عددهم كما ذكر العلماء: مائة وثلاثين ألفاً (١). وقد بيّن جابر بن عبد اللَّه ﵄ في صفة حجة الوداع، أن أعدادهم كثيرة جداً حيث قال: ((مكث النبي ﷺ تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن في الناس في العاشرة: أن رسول اللَّه ﷺ حاجٌّ فقدم المدينة بشرٌ كثيرٌ كلّهم يلتمس أن يأتمَّ برسول اللَّه ﷺ ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة ... )) إلى أن قال: (( ... فصلّى رسول اللَّه ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مدِّ بصري بين يديه: من راكب وما شٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شيء عملنا به ... )) (٢)، وكل هؤلاء عملوا المناسك مع النبي ﷺ وقال لهم: ((خذوا عني مناسككم، لعلي لا أراكم بعد عامي هذا)) (٣)، فأخذوا عنه ذلك وطبَّقوه وعلَّموه من لم يسمع، وبلّغوه مَنْ بعدهم، فلم يرمِ واحدٌ من هؤلاء الصحابة الجمار أيام التشريق إلا بعد الزوال اقتداء بنبيِّهم ﷺ ، ولم يثبت عن صحابيٍّ واحدٍ أنه أفتى بالرمي قبل الزوال، أو رمى قبل الزوال لا في حياة النبي ﷺ ، ولا بعد

стр. 488

وفاته، وحج الناس في زمن الصحابة ثلاثاً وثمانين حَجةً ولم يرمِ واحد منهم قبل الزوال؛ لمدة أربعٍ وثمانين سنةً، بالعام الذي حج فيه النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ مات وعمر أنس بن مالك ﵁ عشرون سنة، وهو آخر من مات من الصحابة، وقد عُمِّر حيث عاش مائة وثلاث سنين، وتوفي على الصحيح سنة ثلاث وتسعين هـ ﵁ وأرضاه كما قال الإمام النووي والحافظ ابن حجر، والذهبي رحمهم اللَّه تعالى (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: (( ... والرمي بعد الزوال عند جمهور أهل العلم، والأئمة الأربعة، وخالف بعض التابعين، وهو قول شاذ؛ لقوله ﷺ : ((خذوا عني مناسككم))، ولو كان هناك رخصة لما أخَّرها رسول اللَّه ﷺ ، ومعلوم أن الرمي أول النهار فيه سهولة، وفيه سعة، فلو كان جائزاً لبادر إليه رسول اللَّه ﷺ ، وقد تتبَّعتُ هذا كثيراً وزمناً طويلاً، فلم أجد عن صحابيٍّ واحدٍ ما يدل على الرمي قبل الزوال: لا من قوله، ولا من فعله، والصواب أن الرمي قبل الزوال لا يجزئ، ولو قال به بعض التابعين، ولو قال به أبو حنيفة في يوم النفر، فهو فاسد، ومن ترك ذلك فعليه دم)) (٢) (٣).

стр. 489

الثالث عشر: الذي يظهر: أن الثابت عن عطاء: أنه لا يجيز الرمي قبل الزوال ، فعن ابن جريج، قال سمعت عطاء يقول: ((لا تُرمى الجمرة حتى تزول الشمس، فعاودته في ذلك فقال ذلك)) (١)، فقول عطاء الموافق للدليل أولى من غيره. الرابع عشر: المحققون العلماء الرّبّانيُّون ، الراسخون في العلم، العالمون باللَّه، وبعلم الكتاب والسنة، الذين قال اللَّه فيهم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٢) كلهم يقولون بعدم جواز الرمي قبل الزوال: * ومنهم هؤلاء الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتَّبعة: الإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، إلا أن أبا حنيفة رخَّص في يوم النفر فقط قبل الزوال، ولكن لا ينفر إلا بعد الزوال (٣)، ولا دليل معه يرحمه اللَّه: لا من كتاب، ولا سنة، ولا قولٍ لصحابي واحد، وإنما مجرد رأي رآه غفر اللَّه له. * وتبع هؤلاء الأئمة علماء الأمة، ولم يخالف في ذلك إلا من شذَّ بقوله، ورأيه، بل المحققون ربما أهملوا القول بالرمي قبل الزوال فلم يذكروا الخلاف؛ لشذوذ هذا القول، إلا عند الحاجة للردّ، منهم شيخ

стр. 490

الإسلام ابن تيمية ﵀ عندما ذكر الرمي بعد الزوال ولم يذكر الخلاف في مجموع الفتاوى (١)، وتلميذه العلامة الإمام ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، فقد ذكر الرمي بعد الزوال، ولم يشر إلى الخلاف لشذوذه (٢). * قال شيخ الإسلام والمسلمين ابن تيمية ﵀: ((الحاج يرمي الجمرات الثلاث أيام منى الثلاثة بعد الزوال، وهذا من العلم العام الذي تناقلته الأمة خلفاً عن سلف عن نبيها ﷺ .... ))، ثم ذكر الأدلة على ذلك، ومنها: حديث عائشة ﵁، وحديث ابن عباس ﵁، وحديث جابر ﵁، وحديث ابن عمر ﵁ (٣) (٤). * وقال العلامة المحقق محمد الأمين الشنقيطي ﵀: ((اعلم أن التحقيق أنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ ))، ثم ذكر بعض الأدلة التي ذكرتها سابقاً، ثم قال: ((وبهذه النصوص الثابتة عن النبي ﷺ تعلم أن قول عطاء، وطاوس بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وترخيص أبي حنيفة في يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه، كل ذلك خلاف التحقيق؛ لأنه مخالف لفعل النبي ﷺ الثابت المعتضد بقوله: ((خذوا عني مناسككم))؛ ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه: محمد وأبو يوسف، ولم يرد في كتاب اللَّه ولا سنة نبيه ﷺ شيء

стр. 491

يخالف ذلك، فالقول بالرمي قبل الزوال أيام التشريق لا مستند له البتة، مع مخالفته للسنة الثابتة عنه ﷺ ، فلا ينبغي لأحد أن يفعله ... )) (١). * وقال العلامة الإمام مفتي المملكة العربية السعودية ، ورئيس القضاة والشؤون الإسلامية في عصره؛ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ رداً على شخص أفتى بجواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق، فردَّ ﵀ بردٍ مفيدٍ مُدَعَّمٍ بالأدلة من الكتاب والسنة، والإجماع، وهذا ملخَّصٌ لهذا الرد الموفق: قال ﵀ ما ملخصه: ((الأوقات التي وقَّتها اللَّه ورسوله للعبادات ليس لأحد من العلماء تغييرها، بتقديم أو تأخيرٍ، أو زيادةٍ أو نقصانٍ؛ فإن التوقيت من الدين، ولا دين إلا ما شرعه اللَّه ورسوله [ ﷺ ])) (٢). ثم قال: ((والفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه الأمر، وهو داخل في عموم قوله، ﷺ : ((خذوا عني مناسككم))، ثم ذكر الأدلة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة على أن الرمي أيام التشريق لا يصح قبل الزوال (٣). ثم بيَّن ﵀: أن: ((الأئمة الأعلام، وجهابذة الإسلام، الذين يحجون على الدوام، ولم يجوِّزوا لأحد حج معهم من الأنام أن يرمي قبل الزوال [ولا فعله أحد منهم بنفسه]، ولم يخالفوا شرع إمام كل إمام))

стр. 492

وإمامهم في عدم تجويز الرمي قبل الزوال، وسيد الأنام ﷺ وسنته الثابتة من فعله التشريعي، الخارج مخرج الامتثال، والتفسير المقتضي للوجوب، ومن قوله ﷺ : ((خذوا عني مناسككم)) (١)، وبعد أن ساق أدلة كثيرة، نقلية وعقلية قال ﵀: ((إذا عُلم هذا فإن رمي الجمرات الثلاث أيام التشريق لا يصح قبل الزوال: بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢). وأما السنة فرميه ﷺ بعد الزوال على وجه الامتثال والتفسير المفيد للوجوب ، كما في حديث جابر، وحديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وحديث عائشة، وقوله ﷺ : ((خذوا عني مناسككم)) (٣) (٤). وأما الإجماع فأمرٌ معلوم ، وقد نُصَّ عليه في بعض كتب الخلاف، والإجماع، ولا يرد عليه ما ذكره هذا الرجل عن طاوس، وعطاء، وغيرهما، فإن هذا لا يُعدُّ خلافاً أبداً، ولا يعتبر خلافاً عند العلماء؛ لأنه لاحظّ له من النظر بتاتاً، بل هو مصادم للنصوص)) (٥).

стр. 493

وقال ﵀: ((مَن طاوس وما طاوس؟ ومَن عطاء وما عطاء؟ وسنة رسول اللَّه ﷺ كالشمس في رابعة النهار، وقال ابن عباس ﵄ حين ناظر من ناظره في متعة الحج، واحتج مناظره بقول أبي بكر وعمر ﵄: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول اللَّه ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر (١). وقال الإمام أحمد رحمة اللَّه عليه: عجبت لقومٍ عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، واللَّه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢).أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعلَّه إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، أفتترك توقيت رسول اللَّه ﷺ لتوقيتٍ سواه؟ أفتقيس قياساً السُّنَّةُ تأباه، وكل من أهل العلم لا يرضاه؟)) (٣). وقال الإمام العلامة شيخنا ابن باز ﵀: (( ... لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة قبل الزوال: ليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر عند أكثر أهل العلم، وهو الحق الذي لا شكّ فيه؛ لأن النبي ﷺ إنما رمى بعد الزوال في الأيام الثلاثة المذكورة، وهكذا أصحابه ﵃، وقد قال ﷺ : ((خذوا عني مناسككم)) (٤)، فالواجب على المسلمين اتباعه في ذلك كما يلزم اتباعه في كل ما شرع اللَّه، وفي ترك كل ما نهى عنه اللَّه ورسوله؛

стр. 494

لقول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وقوله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٢) والآيات في هذا المعنى كثيرة)) (٣). وسمعت شيخنا عبد العزيز ابن باز يقول ﵀: ((ولا يجوز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وهناك قول شاذ بجواز الرمي قبل الزوال، وقول شاذ آخر أنه يجوز الرمي قبل الزوال يوم النفر، والقول الصواب أن الرمي بعد الزوال، ومن رمى قبل الزوال فعليه دم، ولا بأس بالرمي في الليل عن اليوم الذي غابت شمسه، والأفضل بعد الزوال إلى الغروب)) (٤). وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: (( .. يكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يجزئ الرمي قبل الزوال ... )) ثم ذكر الأدلة بالتفصيل ﵀ (٥). الخامس عشر: رمي الجمرات عبادة توقيفيَّة في كيفيّتها، وفي زمانها، ومكانها ، لا يجوز القول فيها بالرأي: والفتوى بغير علم، من القول بالرأي، ومن قال برأيه وترك الدليل، فقد خالف الصواب للأمور الآتية:

стр. 495

الأمر الأول: قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (١)، والقول على اللَّه تعالى بغير علم: أي بغير دليل من كتاب، أو سنة، سواء كان ذلك في أصول الدين، أو فروعه. الأمر الثاني: قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ (٢)، فقد جعل سبحانه من شرَّع للناس شيئاً من الدين لم يشرعه اللَّه شريكاً له في تشريعه، ومن أطاعه في ذلك فهو مشرك باللَّه تعالى شرك الطاعة. الأمر الثالث: عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ ، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ((إِنَّ اللَّه لَا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ، فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُؤُوسًا (٣) جُهَّالًا يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ))، هذا لفظٌ لمسلم، وفي لفظ له: ((إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتَّخذ الناس رؤوساً جُهَّالاً، فَسُئلوا فأفتَوْا بغيرعلم، فَضَلُّوا وأضَلُّوا))، ولفظ البخاري: ((إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَبْقَ عالمٌ اتَّخذ
следующие страницы →