من الغنم التي في أذنها خرق، وهو ثقب مستدير)) (١).
السادسة: المُصفَّرة: وهي التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها (٢).
السابعة: المستأصلة: وهي التي ذهب قرنها من أصله ، قال ابن الأثير: ((والمستأصلة: التي استُؤْصل قرنها من أصله)) (٣).
الثامنة: البخقاء: وهي التي بخقت عينها ، قال ابن الأثير: ((والبخقاء: التي تبخق عينها)) (٤).وقال في النهاية: ((والبخق أن يذهب البصر وتبقى العين قائمة)).وقال في القاموس: ((البخق أقبح العور وأكثره غمصاً)). وعلى هذا فإذا كان البخق عوراً بيِّناً لم تجز كما يدل عليه حديث البراء السابق (٥).
التاسعة: المشيّعة: وهي التي لا تتبع الغنم عجفاً، وضعفاً ، تكون وراء الغنم: كالمشيع للمسافر، وقيل بفتح الياء؛ لحاجتها إلى من يشيعها؛ لتلحق بالغنم، فإن لم يكن فيها مخ فلا تجزئ، وإن كان فيها مخ ولا تستطيع معانقة الغنم لم تجز أيضاً؛ لأنها كالعرجاء البين ظلعها، وإن كانت تستطيع معانقة الغنم إذا زجرت فهي مكروهة (٦)(٧).
стр. 597
وذكر بعض أهل العلم أنه يلحق بالعيوب المكروهة العيوب الآتية:
الأولى: البتراء، وهي التي قطع ذنبها: من الإبل، والبقر، والمعز، فتكره التضحية بها؛ لما جاء في رواية النسائي من حديث علي ﵁ (١) وبالقياس
стр. 598
على العضباء، قال ابن الأثير ﵀ في معنى البتراء: ((هي التي قطع ذنبها)) (١)؛ لأن في الذنب مصلحة للحيوان، ودفاعاً لما يؤذيه، وجمالاً لمؤخره، وفي قطعه فوات هذه الأمور. وأما البتراء بأصل الخلقة فلا تكره ولكن غيرها أولى.
وأما البتراء من الضأن وهي التي قطعت أليتها أو أكثرها فلا تجزئ ، لأن ذلك نقص بيِّن في جزء مقصود منها، أما إذا كانت من نوع لا ألية له بأصل الخلقة أجزأت بدون كراهة (٢).
الثانية: ما قطع أنفها أو شفتها ؛ لما جاء في رواية النسائي من حديث علي ﵁ (٣)، قال ابن الأثير ﵀ في الجدعاء: ((الجدع قطع الأنف،
والأذن، والشفة، وهو بالأنف أخص، فإذا أطلق غلب عليه)) (٤).
الثالثة: ما قطع ذكره فتكره التضحية به ، قياساً على العضباء، فأما ما قطعت خصيتاه فلا تكره التضحية به؛ لأن الخصاء يزيد سمنه، وطيب لحمه (٥). وغير ذلك من العيوب التي ذكرها أهل العلم التي تكره التضحية بها (٦)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 599
تاسعاً: تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته، والبدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁، حينما سئل: كيف كانت الضحايا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فقال: ((كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون، حتى تباهى الناس فصارت كما ترى)) (١).
قال الإمام الترمذي ﵀: ((والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق)) (٢).
وأما البدنة فتجزئ عن سبعة، والبقرة عن سبعة ؛ لحديث جابر بن
عبد اللَّه ﵄، قال: ((نحرنا مع رسول اللَّه ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة)). وفي لفظ: ((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ مُهِلِّين بالحج فأمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة)). وفي لفظ: ((حججنا مع رسول اللَّه ﷺ فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة)) (٣).
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وهذا قول أكثر أهل العلم، روي
стр. 600
ذلك عن علي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة ﵃، وبه قال: عطاء، وطاوس، وسالم، والحسن، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي)) (١). ولكن هل يجزئ سُبع البدنة أو سُبع البقرة عن الرجل وأهل بيته؟ أم لا يجزئ السبع إلا عن واحد؟:قولان لأهل العلم، والذي مالت إليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ إلى: أن سُبع البدنة وسبع البقرة لا يجزئ إلا عن واحد واللَّه أعلم.
أما الشاة فتجزئ عن الرجل وأهل بيته.
وأما سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀ فيرجِّح أن سبع البدنة وسبع البقرة يجزئ عن الرجل وأهل بيته كالشاة؛ لأن الرجل وأهل بيته في معنى الشخص الواحد (٢).
عاشراً: تتعين الأضحية بقول المسلم هذه أضحية، فتصير واجبة ، أو بذبحها يوم العيد بنية الأضحية، فإذا تعينت الأضحية تعلقت بها الأحكام الآتية:
الحكم الأول: زوال ملكه عنها، فلا يجوز له بيعها، ولا هبتها ، ولا
стр. 601
إبدالها إلا بخير منها؛ لأنه جعلها لله تعالى.
الحكم الثاني: لا يتصرَّف فيها تصرفاً مطلقاً فلا يستعملها في حرث ، ولا يحلب من لبنها ما فيه نقص عليها، أو يحتاجه ولدها المتعين معها، ولا يجزّ شيئاً من صوفها ونحوه إلا أن يكون أنفع لها، وإذا جزَّه فليتصدق به أو ينتفع به والصدقة به أفضل، وإن ولدت ذبح ولدها معها.
الحكم الثالث: إذا حصل لها عيب يمنع الإجزاء: كالعرج البيِّن، فإن كان هذا العيب بتفريط منه لزمه إبدالها بسليمة، وإن كان بدون فعل منه ولا تفريط فإنه يذبحها وتجزئه ما لم تكن واجبة في ذمته قبل التعيين، كما لو نذر أن يُضحِّي ثم عيَّن نذره فتعيبت بدون فعل منه ولا تفريط لزمه إبدالها بسليمة؛ لأن ذمته مشغولة بأضحية سليمة قبل أن يعينها فلا يخرج من عهدة الواجب إلا بأضحية سليمة.
الحكم الرابع: إذا ضاعت أو سرقت بغير تفريط منه فلا ضمان عليه
إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين؛ لأنها أمانة عنده والأمين لا ضمان عليه إذا لم يفرط، لكن متى وجدها أو استنقذها من السارق لزمه ذبحها، ولو فات وقت الذبح، أما إذا كان ضياعها أو سرقتها بتفريط منه لزمه إبدالها بمثلها أو أفضل. واللَّه أعلم (١).
الحكم الخامس: لا يجوز بيع شيء من الأضحية ، لا جلدها، ولا لحمها، ولا يعطي الجزار أجرته منها؛ لحديث علي ﵁ قال: ((أمرني رسول
стр. 602
اللَّه ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها، وجلودها، وأجلَّتها، وأن لا أعطي الجزار منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا))، وفي لفظ لمسلم: ((أن النبي ﷺ أمره أن يقوم على بدنه، وأمره أن يقسم بدنه كلها: لحومها، وجلودها، وجلالها، في المساكين، ولا يعطي في جزارتها منها شيئاً)) (١).
لكن إذا دفع إلى جازرها شيئاً، لفقره، أو على سبيل الهدية فلا بأس، والأفضل أن يعطيه أجرته كاملة أولاً، ثم يعطيه منها؛ لئلا تقع مسامحة في الأجرة؛ لأجل ما يأخذه، فيكون من باب المعاوضة (٢).
الحادي عشر: يأكل من أضحيته ويتصدق ؛ لقول اللَّه : ﴿فَكُلُوا
مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٣).
وعن عبد اللَّه بن واقد ﵁ في بيان الأكل من الأضاحي وفيه: ((فكلوا، وادَّخِروا، وتصدَّقوا)). وفي لفظ: ((كلوا وتزوَّدوا)) (٤).
وعن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: ((كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهد النبي ﷺ إلى المدينة)). وقال غير مرة: ((لحوم الهدي)) (٥).
стр. 603
وعن سلمة بن الأكوع ﵁ في حديثه عن الأكل من لحوم الأضاحي، وفيه: ((كلوا وأطعموا، وادخروا)) (١).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ فيه: ((كلوا، وأطعموا، واحبسوا، أو ادَّخروا)) (٢).
واستحب كثير من العلماء للمُضحِّي أن يقسم أضحيته أثلاثاً: ثلثاً للادِّخار، وثلثاً للصدقة، وثلثاً للأكل؛ لقوله ﷺ : ((فكلوا وادَّخروا وتصدقوا)) (٣)(٤).
واستحب بعضهم أن يقسمها أثلاثاً: يأكل ثلثاً، ويُهدي ثلثاً، ويتصدق بثلث؛ للآثار في ذلك (٥)(٦).
стр. 604
الثاني عشر: صفة ذبح الأضاحي وغيرها مما يُذكَّى على النحو الآتي:
١ - لا يذبح إلا المسلم المميز العاقل، أو الكتابي ، ويقصد المذكي التذكية، ولا يذبح لغير اللَّه، ولا يهل لغير اللَّه، ويُسمِّي عند الذبح أو النحر، ويُذَكِّي بآلة حادِّةٍ غير سنٍّ ولا ظُفرٍ، وينهر الدم في موضعه، ولا بد أن يكون المذكِّي مأذوناً في ذكاته شرعاً (١).
٢ - يراعي المضحي الأمور الآتية:
الأمر الأول: يختار الأضحية، فيحرص على أكمل الأضاحي ؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، فعن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ أمر بكبش
أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد (٢)، وينظر في سواد، فأُتي به، ليضحي به، قال لعائشة: ((هلُمِّي (٣) المدية)) (٤)، ثم قال: ((اشحذيها بحجر)) (٥). ففعلت، ثم أخذها، وأخذ الكبش، ثم ذبحه، ثم قال: ((بسم اللَّه، اللَّهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد ثم ضحى به)) (٦).
وعن أنس قال: ((ضحَّى رسول اللَّه ﷺ بكبشين أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمَّى، وكبَّر، ووضع رجله على صفاحهما)). وفي لفظ لمسلم: ((ويقول باسم اللَّه واللَّه أكبر)).وفي لفظ للبخاري: ((كان رسول
стр. 605
اللَّه ﷺ يُضحِّي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين)) (١).
ويختار السمين العظيم؛ لقول أبي أمامة بن سهل، قال: ((كنَّا نُسمِّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يُسمِّنون)) (٢).
وهذا من تعظيم شعائر اللَّه (٣).
وغير ذلك من الصفات الحسنة، التي تزيد الأضحية كمالاً، وجمالاً؛ لأن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيباً (٤)، وإن ضحى بكبشين فلا بأس، فعن أنس ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين)) (٥).
وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يقول: ((إذا ضحى بكبشين تأسياً به ﷺ فلا حرج)) (٦).
وعن عائشة وأبي هريرة ﵄: ((أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين، عظيمين، سمينين، أقرنين، أملحين، موجوءين، فذبح أحدهما عن أمته، لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح
стр. 606
الآخر عن محمد وعن آل محمد ﷺ )) (١).
وعن أبي سعيد ﵁ قال: ((كان رسول اللَّه ﷺ يضحي بكبش أقرن، فحيل، ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويمشي في سواد)) (٢).
الأمر الثاني: الإحسان إلى الذبيحة، فيعمل كل ما يريحها عند الذَّكاة ، ومن ذلك: أن يكون الذبح بآلة حادَّة، وأن يمرها على محل الذبح بقوة وسرعة؛ لأن المطلوب الإسراع في إزهاق النفس على أكمل الوجوه من غير تعذيب؛ لحديث شداد بن أوس ﵁ قال: ((ثنتان حفظتهما عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: ((إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحِدَّ أحدُكم شفرته، فليُرِحْ ذبيحته)) (٣).
ويكره أن يحدَّ السكين والبهيمة تنظر إليه؛ لما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: ((أمر النبي ﷺ بحد الشفار، وأن تُوارَى عن البهائم، وقال: ((إذا ذبح أحدكم فليُجْهِزْ)) (٤).
وعن ابن عباس ﵄ قال: مر رسول اللَّه ﷺ على رجل واضع
стр. 607
رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها، قال: ((أفلا قبل هذا؟ أَوَ تريد أن تميتها موتتان))؟ ولفظ الحاكم: ((أتريد أن تميتها موتان؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها)) (١).
قال الإمام النووي ﵀: ((ويستحب أن لا يحد السكين بحضرة
الذبيحة، وأن لا يذبح واحدة بحضرة الأخرى، ولا يجرها إلى مذبحها)) (٢).
الأمر الثالث: إذا كانت الضحية من الإبل نحرها قائمة معقولة يدها اليسرى ، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣).
قال ابن عباس ﵄: ((قياماً على ثلاث معقولة يدها اليسرى)) (٤).
وعن جابر بن عبد اللَّه ﵄ أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها)) (٥).
وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها
стр. 608
فقال: ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد ﷺ )) (١).
فإن لم يتيسر له نحرها قائمة جاز له نحرها باركة إذا أتى بما يجب في الذكاة؛ لحصول المقصود بذلك.
الأمر الرابع: إذا كانت الضحية من غير الإبل ذبحها مضجعة على جنبها الأيسر ، ويضع رجله على صفحة عنقها، ليتمكن منها؛ لحديث أنس ﵁
قال: ((ضحى رسول اللَّه ﷺ بكبشين، أملحين، أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى، وكبر، ووضع رجله على صفاحهما)) (٢)، فإن كان الذابح لا يستطيع أن يذبح بيمينه ويعمل بيده اليسرى عمل اليمنى وكان الأيسر له أن يضجعها على الجنب الأيمن فلا بأس أن يضجعها عليه؛ لأن المهم راحة الذبيحة (٣).
الأمر الخامس: أن يستقبل القبلة عند الذبح ؛ لما رُوي عن النبي ﷺ من حديث جابر قال: ((ضحى رسول اللَّه ﷺ يوم عيد بكبشين فقال حين وجههما: ((إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض)) (٤).
الأمر السادس: التسمية عند الذبح والنحر، وهي واجبة ، لقول اللَّه تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥)، وقوله
стр. 609
تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (١)؛ ولقول النبي ﷺ : ((ما أنهر الدم وذكر اسم اللَّه عليه فكلوه ما لم يكن سن ولا ظفر)) (٢).
وذكر اسم اللَّه تعالى على الذبح أو النحر شرط من شروط ذكاة الحيوان (٣)، ويستحب التكبير: ((اللَّه أكبر)) مع التسمية (٤).
الأمر السابع: من الآداب المستحبة أن يسمي عند ذبح الأضحية من هي له؛ لحديث جابر ﵁ قال: شهدت مع رسول اللَّه ﷺ الأضحى في المصلى، فلما قضى خطبته نزل من منبره وأُتي بكبش فذبحه رسول اللَّه ﷺ بيده، وقال: ((بسم اللَّه واللَّه أكبر، هذا عني وعن من لم يضحِّ من أمتي)) (٥)؛ ولحديث أبي رافع ﵁ قال: ((ضَحَّى رسول اللَّه ﷺ بكبشين، أملحين، موجبين (٦)، خصيين، فقال: أحدهما لمن شهد بالتوحيد، وله بالبلاغ، والآخر عنه وعن أهل بيته، قال: فكان رسول اللَّه ﷺ قد كفانا)). وفي رواية لأحمد: ((أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا ضحَّى اشترى كبشين، سمينين،
стр. 610
أقرنين، أملحين، فإذا صلَّى وخطب الناس أُتيَ بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: ((اللَّهم إن هذا عن أمتي جميعاً ممن شهد لك بالوحدانية، وشهد لي بالبلاغ)). ثم يُؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: ((هذا عن محمد وآل محمد)) فيطعمهما جميعاً المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يُضحِّي قد كفاه اللَّه
المؤنة برسول اللَّه ﷺ والغُرْمَ)) (١).
الأمر الثامن: قطع: الحلقوم، والمريء، والودجين، وإنهار الدم: أي إجراؤه من شروط صحة الذكاة، ولكن استكمال هذه الأربعة يكون نهاية الكمال، وهي:
الأول: الحلقوم: وهو مجرى النفس [القصبة الهوائية].
الثاني: المريء: وهو مجرى الطعام والشراب.
الثالث والرابع: الودجان: وهما عرقان غليظان محيطان بالحلقوم والمريء فمتى قطعت هذه الأشياء الأربعة حلَّت المذكاة بإجماع أهل العلم (٢). ولا يتجاوز ذلك إلى النخاع فإنه لا يشرع (٣).
وذكر شيخنا الإمام ابن باز ﵀: أن التذكية الشرعية للإبل والبقر والغنم: على ثلاث حالات:
стр. 611
الحالة الأولى: أن يقطع الذابح: الحلقوم، والمريء، والودجين، وهو أكمل الذبح وأحسنه، فإذا قطعت هذه الأربعة فالذبح حلال عند جميع العلماء.
الحالة الثانية: أن يقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين وهذا حلال صحيح وطيب وإن كان دون الأول.
والحالة الثالثة: أن يقطع الحلقوم والمريء فقط دون الودجين وهو أيضاً صحيح، وقال به جمع من أهل العلم، ودليلهم قوله ﷺ : ((ما أنهر الدم وذكر اسم اللَّه عليه فكلوا، ليس السن والظفر)) (١)، وهذا هو المختار في هذه المسألة (٢).
الأمر التاسع: يدعو عند ذبح الأضحية بالقبول؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: ((اللَّهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد)) (٣). وفي حديث جابر: ((اللَّهم منك ولك)) (٤).
стр. 612
المبحث الأربعون: العقيقة
أولاً: مفهوم العقيقة: لغة واصطلاحاً:
العقيقة لغة: مشتقة من العقَّ، وهو القطع؛ وأصل العق: الشق والقطع، وقيل للذبيحة عقيقة؛ لأنها يشقُّ حلقها، ويقال للشعر الذي يخرج على رأس المولود من بطن أمه: عقيقة؛ لأنه يُحلق، وقد جعل الزمخشري الشعر أصلاً، والشاة المذبوحة مشتقة منه (١).
والعقيقة شرعاً: الشاة التي تذبح عن المولود في اليوم السابع من ولادته عند حلق شعره (٢)، وهي من حقوق الولد على والده.
وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((العقيقة: الذبيحة التي تذبح عن المولود، وقيل: هي الطعام الذي يصنع ويُدعى إليه من أجل المولود)) (٣).
ثانياً: حكم العقيقة عن المولود: الذكر والأنثى:
العقيقة سنة مؤكدة، سنَّها رسول اللَّه ﷺ (٤)؛ للأحاديث الآتية:
стр. 613
الحديث الأول: حديث سليمان بن عامر الضبِّي ، قال: سمعت رسول
اللَّه ﷺ يقول: ((مَعَ الْغُلاَمِ عَقِيقَتُهُ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى))
стр. 614
هذا لفظ البخاري وأهل السنن الأربع، ولفظ أحمد: ((مع الغُلام عقيقتُهُ، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى))، وقال: ((الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم صلةٌ وصدقة)) (١).
الحديث الثاني: حديث سمرة بن جُندبٍ ﵁ -، عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل غُلَام رهينةٌ بعقيقته، تذبح عَنهُ يَوْم سابعه، وَيُسَمَّى فِيهِ، ويُحلقُ رَأسُهُ)) (٢).
قال الإمام ابن الأثير ﵀: ((كل غُلام رَهِينة بعَقيقته)) الرَّهينة: الرَّهْن، والهاءُ للمبالغة، كالشَّتِيمة والشتْم، ثم استُعْمِلا بمعنى المَرْهُون، فقيل: هو رَهْن بكذا، ورَهِينَة بكذا، ومعنى قوله ﷺ : ((رهينة بعقَيِقته)) أن
العقَيِقَة لازِمةٌ له لا بُدَّ منها، فشبَّهه في لُزومها له، وعَدم انْفِكاكه منها بالرَّهن في يَدِ المُرْتَهن، قال الخطابي: تكلَّم الناسُ في هذا، وأجْودُ ما قيل
стр. 615
فيه ما ذَهب إليه أحمدُ بن حنْبَل، قال: هذا في الشفاعَةِ، يريدُ أنه إذا لم يُعَقَّ عنه فمات طِفلاً لم يَشْفَع في والدَيه، وقيل: معناه أنه مَرهون بأذَى شَعَره، واستدَلُّوا بقوله: ((فأمِيطُوا عنه الأذَى)) وهو ما عَلق به من دَم الرَّحِم)) (١)(٢).
وقال العلامة ابن القيم ﵀: ((والرهن في اللغة: الحبس، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣)،وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنّهُ رَهِينَةٌ فِي نَفْسِهِ، مَمْنُوعٌ مَحْبُوسٌ عَنْ خَيْرٍ يُرَادُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ حُبِسَ بِتَرْكِ أَبَوَيْهِ الْعَقِيقَةَ عَمّا يَنَالُهُ مَنْ عَقّ عَنْهُ أَبَوَاهُ، وَقَدْ يَفُوتُ الْوَلَدَ خَيْرٌ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ الْأَبَوَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كَسْبِهِ، كَمَا أَنّهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ إذَا سَمّى أَبُوهُ لَمْ يَضُرّ الشّيْطَانُ وَلَدَهُ، وَإِذَا تَرَكَ التّسْمِيَةَ لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَلَدِ هَذَا الْحِفْظُ، وَأَيْضًا؛ فَإِنّ هَذَا إنّمَا يَدُلّ عَلَى أَنّهَا لَازِمَةٌ لَا بُدّ مِنْهَا، فَشَبّهَ لُزُومَهَا وَعَدَمَ انفكاك المولود عنها بالرهن، وقد
يستدل بهذا من يرى وجوبها: كَاللّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيّ، وَأَهْلِ الظّاهِرِ، وَاللَّه أَعْلَمُ)) (٤).
стр. 616
الحديث الثالث: حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ ، قال:: سُئل رسول اللَّه ﷺ عن العقيقة، فقال: ((لا يحبُّ اللَّه العقوق)) وكأنه كره الاسم، قال لرسول اللَّه ﷺ : إنما سألك: أحدُنا يولَدُ له؟ فقال: ((من أحب أن ينْسُك عن ولده، فلينسك عنه، عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية: شاة))، قال داود [راويه]: سألت زيد بن أسلم عن ((المكافئتان؟)) قال: الشاتان: المشبَّهتان تذبحان جميعاً، وهذا لفظ النسائي، ولفظ أحمد: سُئل عن العقيقة فقال: ((إن اللَّه لا يحب العقوق)) وكأنه كره الاسم، قالوا: يا رسول اللَّه، إنما نسألك عن أحدنا يولد له؟ قال: ((من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل، عن الغلام: شاتان مكافأتان، وعن الجارية شاة))، ولفظ أبي داود: ((لا يحب اللَّه العقوق)) كأنه كره الاسم، وقال: ((من ولد له ولد فأحبَّ أن ينسك عنه فلينسك: عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة)) (١).
الحديث الرابع: حديث عائشة ﵂: أن رسول اللَّه ﷺ قال: ((عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة))، وهذا لفظ أحمد، وفي لفظ له آخر: ((أمرنا رسول اللَّه ﷺ : أن نعقَّ عن الجارية شاة، وعن الغلام
стр. 617
شاتين))، ولفظ الترمذي: ((أن رسول اللَّه ﷺ أمرهم عن الغلام شاتان مكافئتانِ، وعن الجارية شاة)) (١).
ومعنى: ((مكافأتان))، و ((مكافئتان)) واحد: والمعنى يجزئ في عقيقته: شاتان متساويتان في السن، والشَّبه، ولا ينزل سنهما عن سنِّ أدنى ما يجزئ في الأضحية، وتذبحان جميعاً (٢).
وأما قوله ﷺ : ((لا يحب اللَّه العقوق)) فقد قال الإمام ابن عبد البر رحمه
стр. 618
اللَّه: ((وفي هذا الحديث كراهية ما يقبح معناه من الأسماء، وكان رسول اللَّه ﷺ يحب الاسم الحسن، ويعجبه الفأل الحسن ... وكان الواجب بظاهر الحديث أن يقال للذبيحة عن المولود: نسيكه ولا يقال: عقيقة، لكني لا أعلم أحداً من العلماء مال إلى ذلك، ولا قال به، وأظنهم - واللَّه أعلم - تركوا العمل بهذا المعنى المدلول عليه من هذا الحديث؛ لما صح عندهم من لفظ العقيقة ... ))، ثم ذكر حديث سمرة بن جندب ﵁: ((كل غلام رهينة بعقيقتة))، ((تذبح عنه يوم سابعه، ويُسَمَّى فيه، ويحلق رأسه)) (١).
وحديث سلمان العنسي ﵁: ((مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى)) (٢)، ثم قال: (( ... وهما حديثان ثابتان، إسناد كل واحد منهما خير من إسناد حديث زيد بن أسلم هذا)) (٣).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول في العقيقة: ((لا حرج في تسميتها بالعقيقة؛ لتسمية النبي ﷺ [لها بذلك] (٤) في الأحاديث الصحيحة)) (٥).
стр. 619
ثالثاً: وقت العقيقة:
الأفضل أن تذبح عن المولود اليوم السابع ، وإن ذُبحت قبل ذلك بعد الولادة فلا بأس، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((فإن ذبحها قبل السابع جاز؛ لأنه فعلها بعد سببها، فجاز كتقديم الكفارة على الحنث ... )) (١)، ولكن السنة أن تذبح في اليوم السابع، قال الإمام ابن قدامة: ((وإن ذبح قبل ذلك أو بعده أجزأه)) (٢)، وقد دلَّت السنة الثابتة على مشروعية الالتزام بالسنة في اليوم السابع (٣)؛
стр. 620
لحديث سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويُسمَّى فيه، ويُحلق رأسُه)) (١).
رابعاً: مقدار ما يذبح في العقيقة:
السنة أن يذبح عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ؛ للأحاديث الآتية:
الحديث الأول: حديث أم كرز الكعبية ﵂ ، أن رسول اللَّه ﷺ قال: ((عَنِ الْغُلامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ))، هذا لفظ النسائي، وفي لفظٍ له أيضاً: قالت ﵂: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ أَسْأَلُهُ عَنْ لُحومِ
الْهَدْيِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((عَلَى الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَلَى الْجَارِيَةِ شَاةٌ، لَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَمْ إِنَاثًا))، ولفظ أبي داود: ((عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ))، قال أبو داود: سمعت أحمد قال: مكافِئتان، أي مستويتان، أو متقاربتان))، وفي لفظ لأبي داود: قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : ((عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مِثْلاَنِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ)) (٢).
стр. 621
الحديث الثاني: حديث ابن عمر ﵄ وفيه: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَنْسُكْ عَنْهُ: عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ))، هذا لفظ النسائي، ولفظ أبي داود: ((مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ: عَنِ الْغُلاَمِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ)) (١).
الحديث الثالث: حديث عائشة ﵂ ، قالت: ((أمرنا رسول اللَّه ﷺ : أن نعقَّ عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة)) (٢).
الحديث الرابع: حديث ابن عباس ﵄ ، قال: ((عقَّ رسول اللَّه
ﷺ عن الحسن والحسين ﵃: بكبشين كبشين)) (٣).
الحديث الخامس: حديث أسماء بنت يزيد ﵂ ، عن النبي ﷺ قال: ((عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافَأَتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ)) (٤).
стр. 622
وسمعت شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((السنة في العقيقة: شاتان عن الغلام، وشاة عن الجارية، ولا حرج أن يزيد إذا كان عنده ضيوف كثير ولا يكفيهم، والعقيقة أمرها واسع، سواء وزَّعها على إخوانه، أو أكل بعضاً وأهدى بعضاً، أو دعا عليها إخوانه، والسنة مثل الضحية، وإزالة شعر الرأس بالحلق خاص بالغلام)) (١).
وهذه الأحاديث الصحيحة تدل على أن السنة أن يُذبح عن الغلام شاتان متماثلتان متقاربتان، وعن الجارية شاة، يتقرب بها العبد إلى اللَّه تعالى شكراً على نعمته بهذا المولود (٢).
стр. 623
خامساً: السنُّ المجزئ في العقيقة سنّ الضحايا والهدايا:
قال العلامة ابن القيم ﵀: ((وفي قوله ﷺ : ((مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ ... )) (١)(٢).
فاستنبط ﵀، أن هذا الحديث دليل على أنه إنما يجزئ في العقيقة ما يجزئ في النسك: من الضحايا، والهدايا؛ ولأنه ذبح مسنون إما
стр. 624
وجوباً، وإما استحباباً: يجري مجرى الهدي والأضحية:
في الصدقة، والهدية، والأكل، والتقرب إلى اللَّه، فاعتبر فيها السنّ الذي يجزئ في الهدي والأضحية؛ ولهذا شُرِعَ في حق الغلام شاتان، وشرع أن تكونا مكافِئتين، لا تنقص إحداهما عن الأخرى، فاعتبر أن يكون سنّهما سنّ الذبائح المأمور بها؛ ولهذا جرت مجراها في عامة أحكامها (١)، ثم قال ابن القيم ﵀: ((قال أبو عمر بن عبد البر: وقد أجمع العلماء: أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية، إلا من شذّ ممن لا يُعدُّ قوله خلافاً ... وقال مالك: العقيقة، بمنزله النسك، والضحايا، ولا يجوز عوراء، ولا عجفاء، ولا مكسورة، ولا مريضة، ولا يباع من لحمها شيء، ولا جلدها ... ويأكل أهلها منها ويتصدقون)) (٢).
وقال الإمام ابن قدامة ﵀: (( ... حكم العقيقة حكم الأضحية:
في سنِّها، وأنه يمنع فيها من العيوب ما يمنع فيها، ويستحب فيها من الصفة ما يستحبُّ فيها)) (٣).
وقال شيخنا ابن باز ﵀: ((وقد عقَّ النبي ﷺ عن الحسن والحسين ﵄، وصاحبها مخير: إن شاء وزَّعها لحماً بين الأقارب والأصحاب، والفقراء، وإن شاء طبخها ودعا إليها من شاء من الأقارب، والجيران، والفقراء، ... )) (٤).
стр. 625
سادساً: تسمية المولود في اليوم السابع من ولادته:
الأفضل والسنة أن يُسمَّى المولود في اليوم السابع من ولادته؛ لحديث سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((كلُّ غلامٍ رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويُسمَّى فيه، ويُحلق رأسه)) (١).
وإن سمَّاه قبل السابع فلا بأس؛ لحديث أنس بن مالكٍ ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((وُلِدَ لي الليلةَ غلامٌ فسميته باسم أبي إبراهيم ﵇ .. )) (٢)؛
ولحديث أبي موسى ﵁، قال: ((وُلد لي غلامٌ فأتيت به النبي ﷺ ، فسماه إبراهيم، فحنَّكه بتمرةٍ، ودعا له بالبركة، ودفعه إليَّ ... )) (٣)؛ ولحديث أنس بن مالك ﵁، قال: ذهبت بعبد اللَّه بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول اللَّه ﷺ حين وُلِدَ ورسول اللَّه ﷺ في عباءةٍ يهنأ (٤) بعيراً له، فقال: ((هل معك تمر؟)) فقلت: نعم، فناولته تمراتٍ فألقاهن في فيه فلاكهن، ثم فغر فا الصبي (٥) فمجَّه في فيه، فجعل الصبي يتلمَّظه، قال رسول اللَّه ﷺ : ((حبُّ
стр. 626
الأنصار التمر))، وسماه عبد اللَّه (١).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يدلّ على شرعيه تسمية المولود أول ما يولد، وهذا سنة، ويدل على شرعية التحنيك في أول يوم)) (٢).
سابعاً: تحسين اسم المولود، واختيار الاسم الذي لا محذور فيه شرعاً، ورد على أنواع:
النوع الأول: أحبُّ الأسماء إلى اللَّه تعالى عبد اللَّه وعبد الرحمن؛ لحديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((إنَّ أحبَّ أسمائكم إلى اللَّه: عبد اللَّه، وعبد الرحمن))، هذا لفظ مسلم، ولفظ أبي داود
والترمذي: ((أحبُّ الأسماء إلى اللَّه تعالى: عبد اللَّه وعبد الرحمن)) (٣).
النوع الثاني: أسماء سمَّاها النبي ﷺ ابتداءً ، ومنها ما يأتي:
١ - إبراهيم ؛ لحديث أبي موسى ﵁، وفيه: ((ولد لي غلامٌ، فأتيت به النبي ﷺ ، فسمّاه إبراهيم، فحنَّكه بتمرٍ ودعا له بالبركة)) (٤)؛ ولحديث أنس ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((وُلد لي الليلة غلامٌ، فسمّيته باسم أبي إبراهيم ﵇)) (٥).
٢ - عبد اللَّه ؛ لحديث أنس ﵁، وفيه: أن النبي ﷺ حنَّك ابن أبي طلحة،
стр. 627
وسماه: ((عبد اللَّه)) (١).
٣ - كنَّى بأمِّ عبد اللَّه ، فعن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول اللَّه كلُّ صواحبي لهنَّ كُنى، قال: ((فاكتني بابنك عبد اللَّه بن الزبير)) [يعني ابن اختها]، فكانت تُكنَّى: أمُّ عبد اللَّه (٢).
وَيُؤَيِّده حديث البراء بن عازب ﵃، عن النبي ﷺ قال: ((الخالة
بمنزلة الأم)) (٣).
٤ - يوسف، عن يوسف بن عبد اللَّه بن سلام، قال: ((سمّاني رسول اللَّه ﷺ يوسف وأقعدني على حجره ومسح على رأسي)) (٤).
النوع الثالث: أسماء غيَّرها النبي ﷺ :
١ - ((برَّة)) سمّاها زينب؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن زينب بنت أبي سلمة، كان اسمها برة (٥)،فقيل: تُزكِّي نفسها، فسماها رسول اللَّه ﷺ ((زينب)) (٦).
стр. 628
٢ - ((برة)) أسماها جويرية؛ لحديث ابن عباس ﵄، قال: كانت جويرية اسمها برة، فحوّل رسول اللَّه ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال خرج من عند برّة (١).
٣ - ((عاصية)) ، سمّاها جميلة؛ لحديث ابن عمر ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ غيّر اسم عاصية، وقال: ((أنت جميلة))، وفي رواية: أن ابنة لعمر كانت
يقال لها عاصية، فسمّاها رسول اللَّه ﷺ ((جميلة)) (٢).
٤ - ((أبو الحكم)) كَنَّاه النبيُّ ﷺ بأبي شريح أكبر أولاده، فقد كان يكنى بأبي الحكم فقال النبي ﷺ : ((إن اللَّه هو الحكم وإليه الحكم))، ثم سأل الرجل عن أكبر أولاده؟ فقال: شريح، فقال النبي ﷺ : ((فأنت أبو شريح)) (٣).
٥ - ((أصرم)) إلى زُرْعة؛ لحديث أسامة ﵁، وفيه: أن رسول اللَّه ﷺ قال لرجل: ((ما اسمك؟)) قال: أنا أصرم، قال: ((بل أنت زُرْعة)) (٤).
٦ - ((حزْن)) إلى سهل، سأل النبي ﷺ جدَّ سعيد بن المسيب، فَقَالَ: ((مَا اسْمُكَ؟))، قَالَ: اسْمِي حَزْنٌ، قَالَ: ((بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ))، قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ))،
стр. 629
هذا لفظ البخاري، ولفظ أبي داود، قال: ((أنت سهل))، قال: لا، السَّهْلُ يُوطأ ويُمتهن)) (١).
٧ - ((فلان)) إلى المنذر؛ لحديث سهل، وفيه أن النبي ﷺ سأل أبا أُسَيد عن اسم ولده فقَالَ: ((مَا اسْمُهُ؟))، قَالَ: فُلَانٌ، فقَال النَّبيّ ﷺ : ((وَلَكِنْ
أَسْمِهِ الْمُنْذِرَ)) فَسَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ الْمُنْذِرَ (٢).
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ((وَغَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَ: الْعَاصِ، وَعَزِيزٍ، وَعَتَلَةَ، وَشَيْطَانٍ، وَالْحَكَمِ، وَغُرَابٍ، وَحُبَابٍ، وَشِهَابٍ، فَسَمَّاهُ هِشَامًا، وَسَمَّى حَرْبًا سَلْمًا، وَسَمَّى الْمُضْطَجِعَ الْمُنْبَعِثَ، وَأَرْضًا تُسَمَّى عَفِرَةَ سَمَّاهَا خَضِرَةَ، وَشِعْبَ الضَّلاَلَةِ سَمَّاهُ شِعْبَ الْهُدَى، وَبَنُو الزِّنْيَةِ سَمَّاهُمْ بَنِي الرِّشْدَةِ، وَسَمَّى بَنِي مُغْوِيَةَ بَنِي رِشْدَةَ)) (٣).
وعن أبي وهب الجشمي ﵁،وفيه أن النبي ﷺ قال: (( ... وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّه: عَبْدُ اللَّه وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ)) (٤).
ومعاني الأسماء المذكورة آنفاً:
١ - أصرم: إنما كره أصرم لما فيه من معنى الصرم: وهو القطع.
стр. 630
٢ - زرعة: جعله زرعة؛ لأنه من الزرع والزرع النبات، وهو ضد القطع (١).
٣ - حزن: الحزونة: ضد السهولة، وهو ما خشن وغلظ من الأرض، ومعنى: ((يمتهن)): يداس (٢).
٤ - عتلة: العتلة: الشدة والغلظة، يقال: عتلت الرجل إذا جذبته جذباً عنيفاً، ومنه قيل: رجل عُتلٌّ، وهو الجافي الغليظ.
٥ - عزيز: إنما كره العزيز؛ لأن العبد موصوف بالذل والخضوع لله تعالى.
٦ - شهاب: وكره شهاباً؛ لأن الشهاب الشعلة؛ ولأنه يرجم به الشيطان.
٧ - غراب: وكره غراباً؛ لأن معناه البعد، والغراب من أخبث الطيور، وقد أُبيح قتله في الحلِّ والحرم.
٨ - عفرة: العفرة من عفر الأرض، وهو لونها، ورويت عثرة بالثاء، وهي التي لا نبات فيها، إنما هي صعيد، علاها العثير: وهو الغبار.
٩ - بني الزنيّة: يقال فلان لزنية، إذا كان ولد زنا، وفلان لرشدة إذا كان النكاح صحيحاً.
١٠ - الحُبَاب: الحيَّة، وبه يسمَّى الشيطان حُباباً (٣).
стр. 631
١١ - حرب: تركه لما فيها من القتل والأذى.
١٢ - مُرّة: معناها المُرّ، والمُرُّ: كريه بغيض إلى الطباع (١).
النوع الرابع: أسماء نهى عنها النبي ﷺ -:
عن سمرة بن جندب ﵁، قال: ((نهانا رسول اللَّه ﷺ : أن نسمِّيَ
رقيقنا، بأربعة أسماء: أفلح، ورباح، ويسار، ونافع)) (٢).
وفي رواية عن سمرة عن النبي ﷺ ، وفيه: ((وَلاَ تُسَمِّيَنَّ غُلاَمَكَ يَسَارًا، وَلاَ رَبَاحًا، وَلاَ نَجِيحًا، وَلاَ أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ فَلاَ يَكُونُ فَيَقُولُ: لاَ)) (٣)(٤).
وعن جابر ﵁ قال: ((أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، وَبِبَرَكَةَ، وَبِأَفْلَحَ، وَبِيَسَارٍ، وَبِنَافِعٍ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ تَرَكَهُ)) (٥).
стр. 632
ومجموع الأسماء التي جاء النهي عنها في هذه الأحاديث على النحو الآتي:
١ - يسار.
٢ - رباح.
٣ - نجيح.
٤ - أفلح.
٥ - يعلى.
٦ - بركة.
٧ - نافع.
قال الإمام النووي ﵀: ((يكره التسمية بهذه الأسماء المذكورة في الحديث وما في معناها، ولا تختصّ الكراهة بها وحدها، وهي كراهة تنزيه لا تحريم، والعلّة في الكراهة ما بيّنه ﷺ في قوله: ((فإنك تقول: أثمَّ هو؟ فيقول: لا، فَكُرِه لبشاعة الجواب))، وربما أوقع بعض الناس في شيء من الطيرة، وأما قوله: أراد النبي ﷺ : أن ينهى عن هذه الأسماء، فمعناه: أراد أن ينهى عنها نهي تحريم، فلم ينه، وأما النهي الذي هو لكراهة التنزيه فقد نهى عنه في الأحاديث الباقية)) (١).
النوع الخامس: أسماء محرمة لا يجوز التسمية بها:
* ملك الأملاك؛ لحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إن أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّه رَجُلٌ يُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاكِ)) [لا مَالِكَ إِلا اللَّه ]، قَالَ
стр. 633
سُفْيَانُ: مِثْلُ شَاهِانْشَاه))، وفي لفظ: ((أَغْيَظُ رَجُلٍ عِنْدَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ، وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاكِ، لا مَالِكَ إِلا اللَّه)) هذه ألفاظ مسلم، ولفظ البخاري: ((أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوٍْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّه رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاكِ))، وفي لفظ للبخاري: ((أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّه -وَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ-: أَخْنَعُ الْأَسْمَاءِ عِنْدَ اللَّه رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلَاكِ)) (١).
ومعنى: أخنع: الخانع الذليل، وقال أحمد: أخنع: أوضع (٢).
ومعنى: أخنى: الخنا: الفحش (٣).
قال الإمام النووي ﵀: ((واعلم أن التسمي بهذا الاسم حرام، وكذلك التَّسمي بأسماء اللَّه تعالى المختصة به: كالرحمن، والقدوس، والمهيمن، وخالق الخلق، ونحوها ... )) (٤).
النوع السادس: الناس يدعون يوم القيامة بأسماء آبائهم .
فينبغي للعبد المسلم أن يختار الأسماء المحبوبة لله تعالى، والتي لا محذور فيها شرعاً، قال البخاري رحمه اللَّه تعالى: ((بَابُ مَا يُدْعَى النَّاسُ بِآبَائِهِمْ))، ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((إِنَّ الْغَادِرَ
стр. 634
يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ)) (١).
قال الإمام ابن حزم ﵀: ((اتفقوا على استحسان الأسماء المضافة إلى اللَّه: كعبد اللَّه، وعبد الرحمن، وما أشبه ذلك، واتفقوا على تحريم كل
اسم مُعبَّدٍ لغير اللَّه، كعبد العزَّى، وعبد هُبَل، وعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب ... )) (٢).
ثامناً: حلق رأس المولود الذكر:
يُسنُّ أن يُحلق رأس المولود يوم سابعه، ويُزال عنه الأذى؛ لحديث سمرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((كلُّ غلامٍ رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمَّى فيه، ويُحلق رأسه)) (٣).
وعن علي بن أبي طالب ﵁، قال: عقَّ رسول اللَّه ﷺ عن الحسن بشاةٍ، وقال: ((يا فاطمة احلقي رأسه، وتصدّقي بزنة شعره فضّة))، قال: فوزنته، فكان وزنه درهماً أو بعض درهم (٤).
وفي حديث سلمان بن عامر الضبي: ((مع الغلام عقيقته، فأهر يقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى)) (٥)(٦).
стр. 635
قال العلامة المرداوي ﵀: ((تنبيه: الظاهر أن مراده بالحلق: الذكر، وهو
الصحيح وعليه الأكثر، وقدمه في الفروع ... إذ الإناث يكره في حقهن الحلق)) (١).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وحكى الماورديُّ كراهة حلق رأس الجارية)) (٢).
وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((ويحلق رأسه [أي الغلام]، ولا يحلق رأس الأنثى ... )) (٣).
وقال سماحة شيخنا ابن باز أيضاً: (( ... السنة حلق رأس الطفل الذكر عند تسميته في اليوم السابع فقط، أما الأنثى فلا يحلق رأسها؛ لقوله ﷺ : ((كل غلام رهينة بعقيقته تُذبح عنه يوم سابعه، ويُسمَّى فيه، ويُحلق رأسه)) (٤).
وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀: ((وينبغي في اليوم السابع حلق رأس الغلام الذكر ... )) (٥).
تاسعاً: الصدقة بعد حلاقة رأسه بزنة شعره فضّة:
فعن علي ﵁ قال: عقّ رسول اللَّه ﷺ عن الحسن بشاة، وقال: ((يا فاطمة