← Фикх общий

Фикх общий · id 96547

مناسك الحج والعمرة في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (666 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((من ذبح هديه قبل يوم النحر فإنه لا يجزئه؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يذبحوا إلا في أيام النحر، وقد قدموا وهم متمتعون في اليوم الرابع من ذي الحجة، وبقيت الغنم التي

стр. 562

معهم، والإبل موقوفة حتى جاء يوم النحر، فلو كان ذَبْحُها جائزاً قبل ذلك لبادر النبي ﷺ وأصحابه إليه في الأيام الأربعة التي أقاموا قبل خروجهم إلى عرفات؛ لأن الناس بحاجة إلى اللحوم في ذلك الوقت، فلما لم يذبح النبي ﷺ ولا أصحابه حتى جاء يوم النحر دلّ ذلك على عدم الإجزاء، وأن الذي ذبح قبل يوم النحر قد خالف السنة، وأتى بشرعٍ جديدٍ، فلا يجزئ، كمن صلَّى أو صام قبل الوقت، فلا يصح صوم رمضان قبل وقته، ولا الصلاة قبل وقتها، ونحو ذلك، فالحاصل: أن هذه عبادة أدَّاها قبل الوقت فلا تجزئ، فعليه أن يعيد هذا الذبح إن قدر، وإن عجز صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فتكون عشرة أيام بدلاً من الذبح؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١) (٢). وقال العلامة محمد بن صالح بن عثيمين ﵀: (( ... أصح الأقوال أن أيام الذبح أربعة: يوم العيد، وثلاثة أيام بعده)) (٣) (٤). * الأمر الثامن: فقراء الحرم: هم الموجودون فيه وقت نحر الهدايا: من الآفاقيين، وحاضري المسجد الحرام، فإن ذبح في موضع فيه فقراء، وخلَّى بينهم وبين الذبيحة أجزأه ذلك؛ لأنه يسَّر لهم الأكل منها، بطريق

стр. 563

لا كلفة عليهم فيها، فكأنه أطعمهم بالفعل، واللَّه تعالى أعلم (١). * الأمر التاسع: آخر وقت نحر الهدي غروب شمس اليوم الثالث عشر من أيام التشريق: الصواب من أقوال أهل العلم: أن الذبح والنحر: أربعة أيام: يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁، وهو مذهب إمام أهل البصرة: الحسن، وإمام أهل مكة: عطاء بن أبي رباح، وإمام أهل الشام: الأوزاعي، وإمام فقهاء أهل الحديث: الشافعي (٢). قال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((يجوز ذبح الهدي يوم النحر وفي الأيام الثلاثة بعده؛ لأن أيام التشريق كلها أيام أكل وشرب، وذبح، ولكن ذبحه يوم النحر أفضل إن تيسر ذلك، ولا حرج في ذبحه في منى، أو في مكة، والسنة في توزيعه [أعني هدي التمتع والقران] أن يأكل منه،

стр. 564

ويتصدق، ويهدي إلى من شاء من أصحابه وإخوانه)) (١) (٢).

стр. 565

* الأمر العاشر: الأفضل أن يكون ذبح الهدايا والضحايا نهاراً ؛ لفعل النبي ﷺ ؛ولمطابقة ذلك للفظ القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، ولكن لو ذبح ليلاً فلا حرج؛ لعدم الدليل على المنع أو الكراهة (١). * الأمر الحادي عشر: العاجز عن الهدي في حجه ينتقل إلى الصوم ولو غنيَّاً في بلده: هذا هو الظاهر؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢). فمن عجز عن الهدي صام كما جاء في هذه الآية الكريمة (٣) (٤).

стр. 566

* الأمر الثاني عشر: الصدقة بِلُحُومِ الْهَدْيِ وَجُلُودِهَا وَجِلالِهَا عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ (١)، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا (٢)، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا. قَالَ: ((نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا)). وفي رواية أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَخْبَرَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّه ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا: لُحُومَهَا، وَجُلُودَهَا، وَجِلَالَهَا فِي الْمَسَاكِينِ، وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا (٣) مِنْهَا شَيْئًا (٤).

стр. 567

الأمر الثالث عشر: الاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ وَإِجْزَاءِ الْبَقَرَةِ وَالْبَدَنَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ سَبْعَةٍ فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه ﵄ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. وفي لفظٍ لمسلم: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ. وفي رواية لمسلم: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. وفي رواية لمسلم: اشْتَرَكْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ: أَيُشْتَرَكُ فِي الْبَدَنَةِ مَا يُشْتَرَكُ فِي الْجَزُورِ (١)؟ قَالَ: مَا هِيَ إِلَّا مِنْ الْبُدْنِ، وَحَضَرَ جَابِرٌ الْحُدَيْبِيَةَ، قَالَ: نَحَرْنَا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بَدَنَةً، اشْتَرَكْنَا كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ. وفي لفظ عن أبي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَمَرَنَا إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ، وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ مِنَّا فِي الْهَدِيَّةِ،

стр. 568

وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ. فِي هَذَا الْحَدِيثِ. وفي رواية: كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِالْعُمْرَةِ، فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ نَشْتَرِكُ فِيهَا (١). وعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ. وفي رواية: نَحَرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْ نِسَائِه، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ: عَنْ عَائِشَةَ: بَقَرَةً فِي حَجَّتِهِ (٢). * الأمر الرابع عشر: نَحْرِ الْبُدْنِ قِيَامًا مُقَيَّدَةً: فعَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَتَى عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً، فَقَالَ: ابْعَثْهَا (٣) قِيَامًا مُقَيَّدَةً (٤) سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ (٥). وعن جابر ﵁: ((أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها)) (٦). * الأمر الخامس عشر: اسْتِحْبَابِ بَعْثِ الْهَدْيِ إِلَى الْحَرَمِ لِمَنْ لَا

стр. 569

يُرِيدُ الذَّهَابَ بِنَفْسِهِ، وَاسْتِحْبَابِ تَقْلِيدِهِ، وَفَتْلِ الْقَلَائِدِ، وَأَنَّ بَاعِثَهُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِذَلِكَ، فعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُهْدِي مِنْ الْمَدِينَةِ (١)، فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ (٢)، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ. وفي رواية عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيَّ، أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِنَحْوِهِ. وفي رواية: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ، ثُمَّ لَا يَعْتَزِلُ شَيْئًا (٣) وَلَا يَتْرُكُهُ. وفي رواية عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ أَشْعَرَهَا (٤)، وَقَلَّدَهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلًّا. وفي لفظ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ، أَفْتِلُ قَلَائِدَهَا بِيَدَيَّ، ثُمَّ لَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ، لَا يُمْسِكُ عَنْهُ الْحَلَالُ (٥). وفي لفظ: عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: أَنَا فَتَلْتُ تِلْكَ الْقَلَائِدَ مِنْ عِهْنٍ (٦)

стр. 570

كَانَ عِنْدَنَا، فَأَصْبَحَ فِينَا رَسُولُ اللَّه ﷺ حَلَالًا، يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ يَأْتِي مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ. وفي لفظ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّه ﷺ مِنْ الْغَنَمِ، فَيَبْعَثُ بِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ فِينَا حَلَالًا. وفي رواية: قَالَتْ: رُبَّمَا فَتَلْتُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَيُقَلِّدُ هَدْيَهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ، لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ. وفي لفظ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْدَى رَسُولُ اللَّه ﷺ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا، فَقَلَّدَهَا. وفي رواية عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا نُقَلِّدُ الشَّاءَ فَنُرْسِلُ بِهَا، وَرَسُولُ اللَّه ﷺ حَلَالٌ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ (١). وفي رواية أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ (٢) كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّه بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ، حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ، وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي، فَاكْتُبِي إِلَيَّ بِأَمْرِكِ، قَالَتْ عَمْرَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ

стр. 571

اللَّه لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ. وفي لفظ: عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ تُصَفِّقُ وَتَقُولُ: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّه ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا، وَمَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ، حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ (١). * الأمر السادس عشر: جَوَازِ رُكُوبِ الْبَدَنَةِ الْمُهْدَاةِ لِمَنْ احْتَاجَ إِلَيْهَا عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: ((ارْكَبْهَا))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّهَا بَدَنَةٌ (٢)، فَقَالَ: ((ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ (٣)!)) فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ. وفي لفظ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ : ((وَيْلَكَ لِلَّهِ ارْكَبْهَا))، فَقَالَ: بَدَنَةٌ، يَا رَسُولَ اللَّه، قَالَ: ((وَيْلَكَ لِلَّهِ ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ! ارْكَبْهَا))، وفي لفظ للبخاري قال: فلقد رأيته راكبها يساير النبي ﷺ ، والنَّعلُ في عنقها (٤). وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِرَجُلٍ يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: ((ارْكَبْهَا))

стр. 572

فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: ((ارْكَبْهَا)) مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (١). وفي رواية عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِبَدَنَةٍ، أَوْ هَدِيَّةٍ، فَقَالَ: ((ارْكَبْهَا))، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، أَوْ هَدِيَّةٌ، فَقَالَ: ((وَإِنْ)) (٢). وفي رواية عن أبي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّه ﵄ سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا (٣))) (٤). وفي رواية عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا ﵁ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا)). * الأمر السابع عشر: مَا يَفْعَلُ بِالْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ عن مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ مُعْتَمِرَيْنِ، قَالَ: وَانْطَلَقَ سِنَانٌ مَعَهُ بِبَدَنَةٍ يَسُوقُهَا، فَأَزْحَفَتْ (٥) عَلَيْهِ

стр. 573

بِالطَّرِيقِ، فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا (١)، إِنْ هِيَ أُبْدِعَتْ (٢) كَيْفَ يَأْتِي بِهَا، فَقَالَ: لَئِنْ قَدِمْتُ الْبَلَدَ لَأَسْتَحْفِيَنَّ عَنْ ذَلِكَ (٣)، قَالَ: فَأَضْحَيْتُ (٤)، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْبَطْحَاءَ قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ نَتَحَدَّثْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ شَأْنَ بَدَنَتِهِ، فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، بَعَثَ رَسُولُ ﷺ بِسِتَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ وَأَمَّرَهُ فِيهَا (٥)، قَالَ: فَمَضَى ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه! كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِعَ عَلَيَّ مِنْهَا؟ قَالَ: ((انْحَرْهَا، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا (٦) فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجْعَلْهُ عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ (٧))). وفي رواية عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ بَعَثَ بِثَمَانِ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ الْحَدِيثِ (٨).

стр. 574

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُولُ: ((إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ (١)، فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا (٢)، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ)) (٣). * الأمر الثامن عشر: لا يشترط في الهدي أن يجمع بين الحلِّ والحرم: ذكر العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي ﵀: أن التحقيق أنه لا يُشترط في الهدي أن يجمع به بين الحلِّ والحرم، فلو اشتراه من منىً ونحره بها من غير أن يخرجه إلى الحلِّ أجزأه، وهو مذهب الشافعية، وبه قال ابن عباس، وأبو حنيفة، وأبو ثور، والجمهور. وقال سعيد بن جبير: لا هدي إلا ما أحضر عرفات، وقال ابن قدامة في المغني: وليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل، والحرم، ولا أن يقفه بعرفة، لكن يستحب ذلك، وكان ابن عمر لا يرى الهدي إلا ما عرَّف به ونحوه، عن سعيد بن جبير. ومذهب مالك: أنه لا يذبح هدي التمتع والقران بمنى، إلا إذا وقف به بعرفة، وإن لم يقف به بعرفة ذبحه في مكة، فلا بد عنده في الهدي أن يجمع به بين الحل والحرم، فإن اشتراه في الحرم، لزم إخراجه إلى الحلِّ والرجوع به إلى الحرم وذبحه فيه، ولكن هذا يحتاج إلى دليل صريح، ولا دليل يجب الرجوع إليه؛ ولأن المقصود من الهدي نفع فقراء الحرم، ولا

стр. 575

فائدة لهم في جمعه بين الحل والحرم؛ ولأن هذا قول أكثر أهل العلم. وقال جماعة من أهل العلم: يُستحبّ أن يكون الهدي معه من بلده، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل، كما فعل ابن عمر ﵄، ثم إن لم يشتره من الطريق، فمن مكة، ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلاً، بل اشتراه من منى جاز، وحصل الهدي، وهذا هو الظاهر، ولا شك أن سوق الهدي من الحلِّ إلى الحرم: أفضل، ولا يقلّ عن درجة الاستحباب، كما تقدم عن بعض أهل العلم، أما كونه لا يجزئ بدون ذلك، فإنه يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل يجب الرجوع إليه؛ لأن الذي دلّ عليه الشرع أن المقصود التقرب إلى اللَّه بما رزقهم من بهيمة الأنعام، في مكان معيّن في زمن معيّن، والغرض المقصود شرعاً حاصل، ولو لم يجمع الهدي بين الحل والحرم، وأما جمع النبي ﷺ في هديه بين الحل والحرم، فهو محتمل للأمر الجبلي، فلا يتمحّض لقصد التشريع؛ لأن تحصيل الهدي أسهل عليه من بلده؛ ولأن الإبل التي قدم بها من اليمن تيسَّر له وجودها هناك، واللَّه جل وعلا أعلم (١). * الأمر التاسع عشر: سوق الهدي من الميقات إلى الحرم: عن ابن عمر ﵄، قال: ((تمتَّع رسول اللَّه ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة .. )) (٢). * الأمر العشرون: شراء الهدي من الطريق: عن ابن عمر ﵄: أنه أهَّل بالعمرة من الميقات، ثم خرج حتى

стр. 576

إذا كان بالبيداء أهلّ بالحج والعمرة، وقال: ما شأنهما إلا واحد، ثم اشترى الهدي من قُديدٍ، ثم قدم فطاف لهما طوافاً واحداً فلم يحلّ حتى أحلَّ منهما جميعاً (١). * الأمر الحادي والعشرون: إشعار الهدي بشقّ سنامه الأيمن بالشفرة: كان ابن عمر ﵄ إذا أهدى زمن الحديبية قلَّده وأشعره بذي الحليفة، يطعن في شقِّ سنامه الأيمن بالشفرة، ووجها قِبَلَ القبلة باركة (٢). وعن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان، قالا: ((خرج النبي ﷺ من المدينة في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلَّد النبي ﷺ الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة)) (٣). وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قلَّد نعلين، وأشعر الهدي في الشق الأيمن بذي الحليفة، وأماط عنه الأذى)) (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: ((صلَّى رسول اللَّه ﷺ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدَّمَ، وقلّدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهَلَّ بالحج)) (٥).

стр. 577

فيُسنُّ إشعار الإبل، والبقر، وهو أن يشق صفحة سنامها الأيمن حتى يدميها في قول عامة أهل العلم، والغرض من ذلك: أن لا تختلط بغيرها، ولكي يتركها اللص، ولا يحصل ذلك بالتقليد؛ لأنه يحتمل أن ينحلّ ويذهب، وتشعر البقرة؛ لأنها من البُدن، فتشعر كذات السنام، وأما الغنم فلا يسنُّ إشعارها؛ لأنها ضعيفة، وصوفها وشعرها يستر موضع إشعارها (١). ويسن تقليد الهدي كما تقدم في الأدلة: وهو أن يجعل في أعناقها النعال، وأذان القرب، وعُراها ... وسواء كانت إبلاً أو بقراً أو غنمًا (٢). * الأمر الثاني والعشرون: ولا يُسنُّ الهدي إلا من بهيمة الأنعام ، وأفضله: الإبل، ثم البقر، ثم الغنم؛ ولأن ما كان أكثر لحماً كان أنفع للفقراء، ولذلك أجزأت البدنة مكان سبع من الغنم (٣). * الأمر الثالث والعشرون: الذكر والأنثى في الهدي سواء؛ لأن اللَّه قال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه﴾ (٤)،ولم يذكر ذكراً ولا أنثى (٥). * الأمر الرابع والعشرون: من وجب عليه بدنة أجزأه سبعٌ من الغنم ، ومن وجب عليه بقرة أجزأته بدنة؛ لأنها أكثر لحماً وأوفر، ويجزئه سبع من الغنم؛ لأنها تجزئ عن البدنة فعن البقرة أولى (٦).

стр. 578

* الأمر الخامس والعشرون: إذا أوجب هدياً فله إبداله بخير منه ، وبيعه ليشتري بثمنه خيراً منه (١). * الأمر السادس والعشرون: إذا ولدت الهدية فولدها بمنزلتها إن أمكن سوقه ، وإلا حمله على ظهرها، وسقاه من لبنها، فإن لم يمكن سوقه ولا حمله صُنع به ما يُصنع بالهدي إذا عطبت، ولا فرق في ذلك بين ما عيَّنه ابتداء، وما عيَّنه بدلاً عن الواجب في ذمته (٢). * الأمر السابع والعشرون: لا يأكل من هَدْيٍ واجبٍ إلا من هدي التمتع والقران دون ما سواهما ، نص عليه أحمد؛ لأن النبي ﷺ أكل من هديه وهو قارن، وأكل أزواجه من الهدي وهن متمتعات (٣). وقد ذكر العلامة الشنقيطي حكم الأكل من الهدي بأنواعه عند المذاهب الأربعة، ثم ختمها بمذهب الإمام أحمد فقال: ((وأما مذهب أحمد ﵀ فهو أنه لا يأكل من هدي واجب إلا هدي التمتع والقران، ويستحب له أن يأكل من هدي التطوع: وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداء من غير أن يكون عن و (٣) في ذمته، وما نحره تطوعاً من غير أن يوجبه، ثم قال ﵀: ((الذي يرجحه الدليل في هذه المسألة: هو جواز الأكل: من هدي التطوع، وهدي التمتع والقران دون غير ذلك، والأكل من هدي التطوع لا خلاف فيه بين العلماء بعد بلوغه محِلَّه، وإنما خلافهم

стр. 579

في استحباب الأكل منه، أو وجوبه، ومعلوم أن النبي ﷺ ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة في حجة الوداع ((أنه أهدى مائة من الإبل))، ومعلوم أن ما زاد على الواحدة، منها تطوع، وقد أكل منها وشرب من مرقها جميعاً، وأما الدليل على الأكل من هدي التمتع والقران، فهو ما قدمنا مما ثبت في الصحيح: أن أزواج النبي ﷺ ذبح عنهن ﷺ بقراً، ودخل عليهن بلحمه وهن متمتعات، وعائشة منهن قارنة، وقد أكلن جميعاً مما ذبح عنهن في تمتعهن وقرانهن بأمره ﷺ ، وهو نص صريح في جواز الأكل من هدي التمتع والقران. أما غير ما ذكرنا من الدم، فلم يقم دليل يجب الرجوع إليه على الأكل منه، ولا يتحقق دخوله في عموم ((فكلوا منها))؛ لأنه لترك واجب أو فعل محظور فهو بالكفارات أشبه، وعدم الأكل منه أظهر وأحوط، والعلم عند اللَّه تعالى)) (١). وقد ذكر الشنقيطي ﵀ حكم الأكل المأمور به في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ثم ذكر: أن مذهب جمهور أهل العلم على أن الأمر بالأكل في الآيتين للاستحباب، والندب لا للوجوب ... ثم قال: ((أقوى القولين دليلاً وجوب الأكل والإطعام من الهدايا والضحايا)) (٢)، ثم ناقش الأدلة رحمه اللَّه تعالى. * الأمر الثامن والعشرون: هدي التطوع الذي أوجبه بالتعيين ابتداءً

стр. 580

من غير أن يكون عن واجبٍ في ذمته، وما نحره تطوعاً من غير أن يوجبه فيستحب أن يأكل منه (١). * الأمر التاسع والعشرون: ذبح فدية الأذى تجوز في الموضع الذي حلق فيه ؛ لحديث كعب بن عجرة، وظاهر كلام الخرقي اختصاص ذلك بفدية الشعر وما عداه من الدماء بمكة، ولكن قال القاضي في الدماء الواجبة بفعل محظور: كاللباس، والطيب، ودم الحلق، وفي الجميع روايتان: إحداهما حيث وجد سببه، والثانية محل الجميع الحرم (٢). * الأمر الثلاثون: وما وجب لترك نُسُكٍ، أو فواتٍ فلمساكين الحرم دون غيرهم ؛ لأنه هدي وجب لترك نسك، فأشبه هدي القران (٣). * الأمر الحادي والثلاثون: وما وجب نحره بالحرم وجب تفرقة لحمه به . والطعام كالهدي يختص بمساكين الحرم فيما يختص الهدي به (٤)، ومساكين الحرم من كان فيه من أهله، أو وارد إليه من الحجاج وغيرهم الذين يجوز دفع الزكاة إليهم (٥). * الأمر الثاني والثلاثون: إذا نذر هدياً وأطلق فأقل ما يجزئ شاة ، أو سبع بدنة، أو سبع بقرة؛ لأن المطلق في النذر يجب حمله على المعهود

стр. 581

شرعاً، والهدي الواجب في الشرع إنما هو من النعم، وأقله ما ذكرناه (١) (٢). * الأمر الثالث والثلاثون: شروط الهدي الهدي عبادة لله تعالى، لا يُقبل إلا إذا كان خالصاً لله تعالى، وأن يكون على السنة، ولا يكون الهدي مقبولاً إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه: وشروط الهدي أنواع: من الشروط ما يعود للوقت: أوله، وآخره، وتقدم. ومنها ما يعود لعدد المهدين لتلك الهدايا، وتقدم. ومنها ما يعود للهدايا التي تُهدى، وهي أربعة شروط: الشرط الأول: أن يكون الهدي ملكاً للمهدي . الشرط الثاني: أن يكون الهدي من الجنس الذي عيَّنه الشارع: وهو بهيمة الأنعام . الشرط الثالث: أن يبلغ الهدي السنَّ المعتبره شرعاً .

стр. 582

الشرط الرابع: أن يكون الهدي سالماً من العيوب المانعة من الإجزاء ، وهي خمسة، وهذه الشروط كلها هي نفس الشروط في الأضاحي، وستأتي في مبحث الأضاحي الآتي بعد هذا المبحث، بالأدلة، والتفصيل، والتحقيق، إن شاء اللَّه تعالى. * الأمر الرابع والثلاثون: العيوب المكروهة في الهدايا: تسعة، وهذه العيوب المكروهة هي التي تُكره في الأضاحي، وستأتي بالتفصيل في مبحث الأضاحي الآتي بعد هذا المبحث، إن شاء اللَّه تعالى. * الأمر الخامس والثلاثون: تعيين الهدي، وأحكام تعيينه ، هي نفس الأحكام في تعيين الأضحية، وستأتي في المبحث الآتي الخاص بالأضاحي. * الأمر السادس والثلاثون: حكم الأكل والإطعام والصدقة، هي نفس ما يأتي في الأضاحي . * الأمر السابع والثلاثون: شروط المذكِّي ، وشروط التذكية هي نفس الشروط المذكورة في مبحث الأضاحي. * الأمر الثامن والثلاثون: الآداب المستحبة للمهدي هي الآداب المستحبة للمضحي، ومنها: ١ - يختار الهدي فيحرص على أكمل الهدايا، وأجملها، وأسمنها، وأغلاها . ٢ - الإحسان إلى الذبيحة فيعمل كل ما يريحها عند الذكاة . ٣ - ينحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى . ٤ - يذبح الأغنام والبقر على جنبها الأيسر، ويضع رجله على صفحة عنقها . ٥ - يستقبل القبلة عند الذبح .

стр. 583

٦ - التسمية عند الذبح، وهي واجبة . ٧ - يسمي عند ذبح الهدي من هو له . ٨ - استكمال قطع الحلقوم، والمريء، والودجين عند الذبح . ٩ - يدعو بالقبول عند التذكية . وهذه الآداب ذُكِرَتْ بأدلتها في مبحث الأضاحي الآتي بعد هذا المبحث. خامساً: الهدي المسكوت عنه في القرآن: الدماء التي لم يذكر حكمها في القرآن، وقد قاسها العلماء على الدماء المذكورة في القرآن الكريم، وهي على النحو الآتي: ١ - هدي الفوات؛ فإن من فاته الحج، فعليه أن يتحلَّل بعمرة ، ويحج من قابل، ويهدي، فإن لم يجد صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، كما تقدم في الفوات. ٢ - هدي الإحصار، من لم يجده صام عشرة أيام، ثم حلق وتحلل ، وتقدم في الإحصار. ٣ - ومذهب أحمد قياس كل دم وجب لترك واجب على دم التمتع ، فيصوم عند العجز عنه عشرة أيام: وذلك كدم القران، وترك الإحرام من الميقات، وترك الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، وترك المبيت بمزدلفة، وترك الرمي، وترك المبيت ليالي التشريق بمنى، وترك طواف الوداع، ومفسد الحج إذا عجز عن البدنة في الجماع قبل التحلل الأول (١).

стр. 584

قال العلامة الشنقيطي ﵀: ((والأظهر عندي أن الدماء إن اختلفت أسبابها كمن جاوز الميقات غير محرم، ودفع من عرفة قبل غروب الشمس، ... وترك المبيت بمزدلفة، وترك المبيت بمنى أيام منى أنه تتعدد عليه الدماء بتعدد أسبابها مع اختلافها. أما إن كانت الأسباب المتعددة من نوع واحد: كأن ترك رمي يوم، ثم ترك يوماً آخر، أو بات ليلة من ليالي منى في غير منى، ثم كرر ذلك فلتعدِّد وجه، وللاتِّحاد وجه (١). سادساً: الهدي المستحب: وهو هدي التطوع: وهو مستحب لمن قصد مكة حاجاً أو معتمراً، فيستحب له أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام، وينحره ويفرِّقه؛ لأن رسول اللَّه ﷺ أهدى مائة بدنة، وهو قارن (٢)، وكان يكفيه لدم القران شاة واحدة، أو سبع بقرة، أو بدنة، وبقية المائة تطوع منه ﷺ (٣).

стр. 585

المبحث التاسع والثلاثون: الأضاحي أولاً: مفهومها: هي اسم لما يُذبح أو يُنحر بسبب العيد: من الإبل، والبقر، والغنم: يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة، تقرُّباً إلى اللَّه تعالى، وسُمِّيت بذلك واللَّه أعلم؛ لأن أفضل زمن لذبحها ضحى يوم العيد (١). ثانياً: حكمها: الأضحية مشروعة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. فأما الكتاب ؛ فلقول اللَّه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٢). وأما السنة ؛ فلحديث أنس ﵁ قال: ((ضحى النبي ﷺ بكبشين، أملحين (٣) أقرنين، ذبحهما بيده، وسَمَّى وكَبَّر، ووضع رجله على صفاحهما)). وفي لفظ لمسلم: ويقول: ((باسم اللَّه واللَّه أكبر)). وفي لفظ للبخاري: ((كان النبي ﷺ يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين)) (٤). وأما الإجماع: فأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية (٥)، والأضحية سنة مؤكدة جداً لا ينبغي تركها لمن يقدر عليها، وعلى هذا أكثر أهل العلم (٦).

стр. 586

وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((والضحية سنة، وقال بعض أهل العلم بوجوبها، والذي عليه جمهور أهل العلم أنها سنة مؤكدة لمن قدر لمن كان له سعة، والحجة في ذلك فعله ﷺ ؛ فإنه كان

стр. 587

يُضحِّي كل سنة، فهي سُنَّة من قوله وفعله ﵊) (١). والأحوط للمسلم أن لا يترك الضحية إذا كان موسراً له قدرة عليها؛ اتباعاً لسنة نبيه ﷺ :القولية، والفعلية، والتقريرية، وبراءة للذمة، وخروجاً من الخلاف عند من قال بالوجوب (٢). ثالثاً: ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها لما يلي: ١ - الذبح وإراقة الدم تقرباً لله تعالى عبادة مشتملة على تعظيم اللَّه تعالى ، وإظهار شعائر دينه، وإخراج القيمة تعطيل لذلك ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٣).

стр. 588

٢ - ذبح الأضحية وعدم التصدق بثمنها هو هدي النبي ﷺ وعمل المسلمين ، ولم ينقل أحد أن رسول اللَّه ﷺ تصدق بثمنها، ولا أحد من أصحابه ﵃. ٣ - ومما يؤكد أن ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها ولو زاد الثمن أن العلماء اختلفوا في وجوبها، وأن القائلين بأنها سنة صَرَّح جمعٌ منهم بأنه يكره تركها للقادر (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((والأضحية، والعقيقة، والهدي (٢)، أفضل من الصدقة بثمن ذلك)) (٣). رابعاً: إذا دخل شهر ذي الحجة فلا يأخذ من أراد أن يضحي من شعره ولا بشرته شيئاً ؛ لحديث أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره)) وفي لفظ: ((فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي)) (٤). خامساً: يبدأ وقت ذبح الأضحية من بعد صلاة عيد الأضحى ؛ لحديث البراء ﵁،قال: قال النبي ﷺ : ((إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نُصلِّي ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبلُ فإنما هو لحم قدَّمه لأهله ليس من النسك في شيء)) فقام أبو بردة بن دينار - وقد

стр. 589

ذبح - فقال: إن عندي جذعة، فقال: ((اذبحها ولن تجزي عن أحد بعدك)) وفي لفظ لمسلم: يا رسول اللَّه إن عندي جذعة من المعز، فقال: ((ضحِّ بها ولا تصلح لغيرك)).قال مطرِّف عن عامر، عن البراء، قال النبي ﷺ : ((من ذبح بعد الصلاة تمَّ نسكُه وأصاب سنة المسلمين)) (١).ولحديث جندب بن سفيان البجلي ﵁ قال: ((شهدت النبي ﷺ يوم النحر، قال: ((من ذبح قبل أن يصلي فليُعِد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح [على اسم اللَّه])) (٢)؛ ولحديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ نسكُه، وأصاب سنة المسلمين)) (٣). سادساً: آخر وقت ذبح الأضاحي هو غروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق على القول الراجح من أقوال أهل العلم، فيكون ذبح الأضاحي أربعة أيام: يوم النحر، وأيام التشريق الثلاثة)) (٤).

стр. 590

سابعاً: شروط الأضحية: الأضحية عبادة لله تعالى لا تقبل إلا إذا كانت خالصة لله تعالى، وأن تكون على سنة رسول اللَّه ﷺ ، فإذا لم تكن خالصة وعلى هدي رسول اللَّه ﷺ فهي غير مقبولة بل مردودة، ولا تكون الأضحية على هدي رسول اللَّه ﷺ إلا باجتماع شروطها، وانتفاء موانعها. وشروطها أنواع: منها ما يعود للوقت، وتقدم، ومنها ما يعود لعدد المضحين بها، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى، ومنها ما يعود للمُضحَّى به وهي أربعة شروط: الشرط الأول: أن تكون الضحية ملكاً للمضحي ملكها بطريق شرعي ، فلا تصح الأضحية بمغصوبٍ، أو مسروقٍ، أو مملوكٍ بعقد فاسد، أو ما كان ثمنه خبيثاً محرماً: كالربا وغيره؛ لقول النبي ﷺ : ((إن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيباً)) (١).

стр. 591

وينبغي للمسلم أن يختار الأضحية التي تجتمع فيها الصفات المستحبة؛ لأن ذلك من تعظيم شعائر اللَّه؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١)، وتعظيم البدن من تعظيم شعائر اللَّه، وعن مجاهد في قوله: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال استعظام البدن: استحسانها، واستسمانها)) (٢). قال يحيى بن سعيد سمعتُ أبا أمامة بن سهل قال: ((كنَّا نُسمِّن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يُسمِّنون)) (٣). الشرط الثاني: أن تكون الأضحية من الجنس الذي عينه الشارع وهو: الإبل، والبقر، والغنم: ضأنها ومعزها، وهي بهيمة الأنعام فقط، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (٤). وذكر الإمام النووي الإجماع على أنه لا يجزئ في الأضحية إلا: الإبل، والبقر، والغنم (٥). الشرط الثالث: أن تبلغ الأضحية السنّ المعتبرة شرعاً ، فلا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني من غيره: والجذع من الضأن: ما له ستة أشهر

стр. 592

ودخل في السابع، ويُعرف إذا مالت الصوفة على ظهره عُلِمَ أنه قد أجذع. وثني المعز إذا تمت له سنة ودخل في الثانية، والبقر إذا صار لها سنتان ودخلت في الثالثة، والإبل إذا صار لها خمس سنين ودخلت في السادسة، قال الأصمعي وغيره: ((إذا مضت السنة الخامسة على البعير ودخل في السادسة وألقى ثنيته فهو حينئذ ثنيٌّ، ونرى أنه إنما سُمِّي ثنياً؛ لأنه ألقى ثنيَّته، وأما البقرة فهي التي لها سنتان؛ لأن النبي ﷺ قال: ((لا تذبحوا إلا مُسِنَّة)) (١)، ومسنة البقرة التي لها سنتان. وقال وكيع: ((الجذع من الضأن يكون ابن سبعة أو ستة أشهر)) (٢)، فالضحية عبادة لا يشرع فيها إلا ما حدَّده النبي ﷺ ، وقد قال ﷺ : ((لا تذبحوا إلا مُسِنّة، إلا أن تعسّر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن)) (٣). قال الإمام النووي ﵀: ((قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء: من الإبل والبقر، والغنم، فما فوقها، وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال، وهذا مُجْمَع عليه على ما نقله القاضي عياض. وأما الجذع من الضأن فمذهبنا ومذهب العلماء كافة يجزئ سواء وجد غيره أم لا، قال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب والأفضل، وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن، وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن وأنها لا تجزئ

стр. 593

بحال، وقد أجمعت الأمة أنه ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يُجوِّزُون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه)) (١). الشرط الرابع: أن تكون سالمة من العيوب المانعة من الإجزاء ، ومن هذه العيوب ما ثبت في حديث البراء بن عازب ﵁ أنه قال: قام فينا رسول اللَّه ﷺ ، وأصابعي أقصر من أصابعه وأناملي أقصر من أنامله، فقال: ((أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراءُ البيِّن عورُها (٢)، والمريضة البيِّن مرضُها (٣)، والعرجاء البيِّن ظلعُها (٤)، والكسيرة التي لا تنقى)) (٥). قال [الراوي عن البراء] قلت: فإني أكره أن يكون في السن نقص؟ فقال: ((ما كرهت فدعه ولا تُحرِّمه على أحد)). وهذا لفظ أبي داود، أما لفظ الترمذي: ((لا يُضَحَّى بالعرجاء بيِّن ظلعها، ولا بالعوراء بيِّن عورها، ولا بالمريضة بيِّن

стр. 594

مرضها، ولا بالعجفاء التي لا تنقى)). ولفظ النسائي: ((أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البيِّن ظلعها، والكسيرة التي لا تنقى)). [قال الراوي عن البراء] قلت: إني أكره أن يكون في القرن نقص، وأن يكون في السن نقص، قال: ((ما كرهته فدعه، ولا تُحرِّمه على أحد)).ولفظ ابن ماجه مثل لفظ النسائي إلا أنه قال: إني أكره أن يكون نقص في الأذن، قال: ((فما كرهت منه فدعه، ولا تُحرِّمه على أحد)). وفي رواية الموطأ نحو رواية أبي داود، والنسائي، إلى قوله: ((لا تنقى)) وجعل بدل الكسيرة ((العجفاء)) (١) (٢). قال الإمام الترمذي ﵀: ((والعمل على هذا عند أهل العلم)) (٣). قال الإمام ابن قدامة ﵀ عن هذه الأربع المذكورة: ((لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أنها تمنع الإجزاء)) (٤). ويُلحق بهذه الأربع ما كان به عيب أعظم من هذه العيوب؛ فإن عدم إجزائها أولى، كالعمياء التي لا تبصر بعينها؛ لأنها أولى بعدم الإجزاء من العوراء البين عورها، ومقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين؛ لأنها أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البيِّن ظلعها، وما أصابه سبب الموت: كالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع؛ لأن هذه أولى بعدم الإجزاء من المريضة البين مرضها، والعاجزة عن المشي لِعَاهةٍ-

стр. 595

وتُسَمَّى: الزمنى - أولى بعدم الإجزاء من العرجاء البيِّن ظلعها، وغير ذلك من العيوب التي هي أشد من العيوب الأربع المذكورة (١)،وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه ابن باز ﵀ يقول: ((العمياء أشد من العوراء، فما كان أشد من هذه الأربع في العيب، كان عدم إجزائه أولى)) (٢). ثامناً: العيوب المكروهة في الأضحية على النحو الآتي: الأولى: العضباء: وهي مقطوعة الأذن: النصف فما فوقه . الثانية: المقابلة: وهي التي شُقّت أذنها من الأمام عرضاً . وقال ابن الأثير: ((شاة مقابلة إذا قطع من مقدم أذنها وتركت معلقة فيها كأنها زنمة)) (٣). الثالثة: المدابرة: وهي التي شُقّت أذنها من الخلف عرضاً ، وقال ابن الأثير: ((المدابرة التي فعل بها ذلك من مؤخرة أذنها، واسم الجلدة فيها: الإقبالة والإدبارة)) (٤). الرابعة: الشرقاء: وهي التي شُقّت أذنها طولاً ، وقال ابن الأثير: ((الشرقاء التي شُقّت أذنها، وقد شرقت الشاة - بالكسر - فهي شاة شرقاء (٥). الخامسة: الخرقاء: وهي التي خُرقت أذنها ، قال ابن الأثير: ((الخرقاء

стр. 596

من الغنم التي في أذنها خرق، وهو ثقب مستدير)) (١). السادسة: المُصفَّرة: وهي التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها (٢). السابعة: المستأصلة: وهي التي ذهب قرنها من أصله ، قال ابن الأثير: ((والمستأصلة: التي استُؤْصل قرنها من أصله)) (٣). الثامنة: البخقاء: وهي التي بخقت عينها ، قال ابن الأثير: ((والبخقاء: التي تبخق عينها)) (٤).وقال في النهاية: ((والبخق أن يذهب البصر وتبقى العين قائمة)).وقال في القاموس: ((البخق أقبح العور وأكثره غمصاً)). وعلى هذا فإذا كان البخق عوراً بيِّناً لم تجز كما يدل عليه حديث البراء السابق (٥). التاسعة: المشيّعة: وهي التي لا تتبع الغنم عجفاً، وضعفاً ، تكون وراء الغنم: كالمشيع للمسافر، وقيل بفتح الياء؛ لحاجتها إلى من يشيعها؛ لتلحق بالغنم، فإن لم يكن فيها مخ فلا تجزئ، وإن كان فيها مخ ولا تستطيع معانقة الغنم لم تجز أيضاً؛ لأنها كالعرجاء البين ظلعها، وإن كانت تستطيع معانقة الغنم إذا زجرت فهي مكروهة (٦) (٧).

стр. 597

وذكر بعض أهل العلم أنه يلحق بالعيوب المكروهة العيوب الآتية: الأولى: البتراء، وهي التي قطع ذنبها: من الإبل، والبقر، والمعز، فتكره التضحية بها؛ لما جاء في رواية النسائي من حديث علي ﵁ (١) وبالقياس

стр. 598

على العضباء، قال ابن الأثير ﵀ في معنى البتراء: ((هي التي قطع ذنبها)) (١)؛ لأن في الذنب مصلحة للحيوان، ودفاعاً لما يؤذيه، وجمالاً لمؤخره، وفي قطعه فوات هذه الأمور. وأما البتراء بأصل الخلقة فلا تكره ولكن غيرها أولى. وأما البتراء من الضأن وهي التي قطعت أليتها أو أكثرها فلا تجزئ ، لأن ذلك نقص بيِّن في جزء مقصود منها، أما إذا كانت من نوع لا ألية له بأصل الخلقة أجزأت بدون كراهة (٢). الثانية: ما قطع أنفها أو شفتها ؛ لما جاء في رواية النسائي من حديث علي ﵁ (٣)، قال ابن الأثير ﵀ في الجدعاء: ((الجدع قطع الأنف، والأذن، والشفة، وهو بالأنف أخص، فإذا أطلق غلب عليه)) (٤). الثالثة: ما قطع ذكره فتكره التضحية به ، قياساً على العضباء، فأما ما قطعت خصيتاه فلا تكره التضحية به؛ لأن الخصاء يزيد سمنه، وطيب لحمه (٥). وغير ذلك من العيوب التي ذكرها أهل العلم التي تكره التضحية بها (٦)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 599

تاسعاً: تجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته، والبدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁، حينما سئل: كيف كانت الضحايا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فقال: ((كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون، حتى تباهى الناس فصارت كما ترى)) (١). قال الإمام الترمذي ﵀: ((والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد، وإسحاق)) (٢). وأما البدنة فتجزئ عن سبعة، والبقرة عن سبعة ؛ لحديث جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: ((نحرنا مع رسول اللَّه ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة)). وفي لفظ: ((خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ مُهِلِّين بالحج فأمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة)). وفي لفظ: ((حججنا مع رسول اللَّه ﷺ فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة)) (٣). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وهذا قول أكثر أهل العلم، روي

стр. 600

ذلك عن علي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة ﵃، وبه قال: عطاء، وطاوس، وسالم، والحسن، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي)) (١). ولكن هل يجزئ سُبع البدنة أو سُبع البقرة عن الرجل وأهل بيته؟ أم لا يجزئ السبع إلا عن واحد؟:قولان لأهل العلم، والذي مالت إليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ إلى: أن سُبع البدنة وسبع البقرة لا يجزئ إلا عن واحد واللَّه أعلم. أما الشاة فتجزئ عن الرجل وأهل بيته. وأما سماحة شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀ فيرجِّح أن سبع البدنة وسبع البقرة يجزئ عن الرجل وأهل بيته كالشاة؛ لأن الرجل وأهل بيته في معنى الشخص الواحد (٢). عاشراً: تتعين الأضحية بقول المسلم هذه أضحية، فتصير واجبة ، أو بذبحها يوم العيد بنية الأضحية، فإذا تعينت الأضحية تعلقت بها الأحكام الآتية: الحكم الأول: زوال ملكه عنها، فلا يجوز له بيعها، ولا هبتها ، ولا
следующие страницы →