نقل الإجماع العملي في منع خروج النساء سافرات الوجوه جمع غفير من علماء الإسلام (١)
الذين أمدَّهم اللَّه بالعلم النافع
стр. 352
والرسوخ في العلم على النحو الآتي:
١ - أبو حامد الغزالي ، وقد عاش في القرن الخامس (توفي ٥٠٥هـ)، في الشام والعراق، الذي قال في كتابه: «ولم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات» (١).
٢ - الإمام النووي ، وقد عاش في القرن السابع حيث نقل في كتابه: [روضة الطالبين] الاتفاق على ذلك، فقال في حكم النظر إلى المرأة: «والثاني: يحرم، قاله الإصطخري وأبو علي الطبري، واختاره الشيخ أبو محمد، والإمام، وبه قطع صاحب المهذب والروياني، ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من
стр. 353
الخروج سافرات، وبأن النظر مظنة الفتنة، وهو محرك للشهوة، فاللائق بمحاسن الشرع، سد الباب والإعراض عن تفاصيل الأحوال، كالخلوة بالأجنبية» (١).
٣ - ابن حيان الأندلسي المفسر اللغوي ، وقد عاش في القرن الثامن، قال في تفسيره: (البحر المحيط): «وكذا عادة بلاد الأندلس، لا يظهر من المرأة إلا عينها الواحدة» (٢).
٤ - ابن حجر العسقلاني ، وقد عاش في القرن التاسع، قال: «استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى: المساجد، والأسواق، والأسفار منتقبات؛ لئلا يراهن الرجال» (٣).
وقال ابن حجر: أيضاً: «ولَم تَزَل عادَة النِّساء قَدِيمًا وحَدِيثًا يَستُرنَ وُجُوههنَّ عَن الأَجانِب» (٤).
٥ - ابن رسلان ، الذي حكى: «اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق» (٥)(٦).
стр. 354
٦ - وقال الشيخ تقي الدين الحصني: «النظر قد لا تدعو إليه الحاجة، وقد تدعو إليه الحاجة.
الضرب الأول: أن لا تمسَّ إليه الحاجة، فحينئذٍ يحرم نظر الرجل إلى عورة المرأة الأجنبية مطلقًا، وكذا يحرم إلى وجهها وكفيها إن خاف فتنة، فإن لم يخف ففيه خلاف، والصحيح التحريم، قاله الإصطخري، وأبو علي الطبري، واختاره الشيخ أبو محمد، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والروياني.
ووجَّههُ الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج حاسرات سافرات ... » (١).
٧ - وقال الخطيب الشربيني في شرحه على متن المنهاج:
« ... وَوَجَّهَهُ الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه» (٢).
٨ - وقال الشيخ أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي عند شرحه لحديث أسماء: «والحديث فيه دلالة على أنه ليس الوجه والكفان من العورة، فيجوز للأجنبي أن ينظر إلى وجه المرأة الأجنبية وكفيها عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو ما دونه.
أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة، ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن
стр. 355
يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساق. قاله ابن رسلان» (١).
٩ - وقال الشيخ خليل أحمد السهارنفوري في شرح سنن أبي داود:
«إن المرأة إذا بلغت لا يجوز لها أن تظهر للأجانب إلا ما تحتاج إلى إظهاره، للحاجة إلى معاملة، أو شهادة، إلا الوجه والكفين، وهذا عند أمن الفتنة؛ وأما عند الخوف من الفتنة فلا.
ويدل على تقييده بالحاجة: اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره» (٢).
١٠ - وقال الخطيب: «وَكَذَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِمَا عِنْدَ الْأَمْنِ مِنَ الْفِتْنَةِ فِيمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ - كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ-، وَوَجَّهَهُ الْإِمَامُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ مِنْ الْخُرُوجِ سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ، وَبِأَنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ وَمُحَرِّكٌ لِلشَّهْوَةِ» (٣).
١١ - وقال الشوكاني عند حديث: «إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا»: فيه دليل لمن قال إنه يجوز نظر الأجنبية - يعني وجهها وكفيها -. ثم قال: قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو ما دونه.
стр. 356
أما عند خوف الفتنة، فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة، ويدل على تقييده بالحاجة: اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفُساق .. » (١).
١٢ - وقال الشيخ يوسف الدجوي: « ... أما إذا خشيت الفتنة، ولم يؤمن الفساد، فلا يجوز كشف وجهها، ولا شيء من بدنها بحال من الأحوال عند جميع العلماء» (٢).
١٣ - وقال ابن عبد البر: «وأجمعوا أن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلًا خفيفًا، تستتر به عن نظر الرجال إليها، ولم يجيزوا لها تغطية وجهها وهي محرمة إلا ما ذكرنا عن أسماء» (٣).
١٤ - ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح ، والكاندهلوي في أوجز المسالك، والزرقاني في شرحه لموطأ الإمام مالك، عن ابن المنذر أنه قال: «أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله، والخفاف، وأن لها أن تغطي رأسها، وتستر شعرها إلا وجهها، فتسدل عليه الثوب سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال، ولا تُخَمره، إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر، قالت: «كنا نُخَمِّرُ وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر - تعني جدتها -،
стр. 357
قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلًا كما جاء عن عائشة قالت: «كنا مع رسول اللَّه ﷺ إذا مرَّ بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات، فإذا جاوزنا رفعناه» (١)(٢).
ثالثاً: المفسرون القائلون بوجوب ستر وجه المرأة عن الرجال الأجانب
ذهب كثير من المفسرين إلى وجوب ستر الوجه، نشير هنا إلى أسماء بعضهم، مع الإشارة إلى المواضع التي صرحوا فيها بذلك، ليرجع إليها من شاء.
فمن هؤلاء المفسرين:
الرازي (٣)، والبيضاوي (٤)، والجلال المحلي (٥)، والنسفي (٦)، والزمخشري (٧)، والقرطبي (٨)، والقاسمي (٩)، والبقاعي (١٠)،
стр. 358
والآلوسي (١)، والإيجي (٢)، والجصاص (٣)، والصاوي (٤)، والجمل (٥)، وأبو بكر بن العربي (٦)، والنيسابوري (٧)، وابن جزي (٨)، وعبد الرحمن بن ناصر السعدي (٩)، ومحمد الأمين الشنقيطي (١٠)، وحسنين محمد مخلوف (١١)، وأبو الأعلى المودودي (١٢)، وغيرهم (١٣).
رابعاً: المحققون القائلون بوجوب ستر وجه المرأة عن الأجانب كثيرون لا يحصر عددهم، ولكن منهم يأتي:
١ - أ- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -: «قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ الآية .. إلى قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٤).
стр. 359
أمر اللَّهُ سبحانه الرجال والنساء بالغض من البصر، وحفظ الفرج، كما أمرهم جميعًا بالتوبة، وأمر النساء خصوصًا بالاستتار، وأن لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومن استثناه اللَّه تعالى في الآية، فما ظهر من الزينة: هو الثياب الظاهرة، فهذا لا جناح عليها في إبدائها إذا لم يكن في ذلك محذور آخر، فإن هذه لابد من إبدائها، وهذا قول ابن مسعود وغيره، وهو المشهور عن أحمد، وقال ابن عباس: الوجه واليدان من الزينة الظاهرة، وهي الرواية الثانية عن أحمد، وهو قول طائفة من العلماء كالشافعي وغيره.
وأمر سبحانه النساء بإرخاء الجلابيب لئلا يُعرفن ولا يؤذين، وهذا دليل على القول الأول.
وقد ذكر عَبيدة السلماني وغيره: أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق.
وثبت في الصحيح: «أن المرأة المحرمة تُنهى عن الانتقاب والقفازين»، وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يُحرمْن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن.
وقد نهى اللَّه تعالى عما يوجب العلم بالزينة الخفية بالسمع أو غيره، فقال: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٢)، فلما نزل ذلك عمد
стр. 360
نساء المؤمنين إلى خمرهن فشُققن، وأرخينها على أعناقهن.
و «الجيب» هو شق في طول القميص، فإذا ضربت المرأة بالخمار على الجيب سترت عنقها.
وأمرت بعد ذلك أن ترخي من جلبابها، والإرخاء إنما يكون إذا خرجت من البيت، فأما إذا كانت في البيت فلا تؤمر بذلك.
وقد ثبت في الصحيح: «أن النبي ﷺ لما دخل بصفية قال أصحابه: «إن أرخى عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه، فضرب عليها الحجاب ..
وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا تُرى وجوههن وأيديهن» (١).
وقال أيضًا بعد كلام طويل نافع: «لو كان في المرأة فتنة للنساء، وفي الرجال فتنة للرجال، لكان الأمر بالغض للناظر من بصره متوجهًا، كما يتوجه إليه الأمر بحفظ فرجه ...
ثم قال: « ... وكذلك المرأة مع المرأة، وكذلك محارم المرأة: مثل ابن زوجها، وابنه، وابن أخيها، وابن أختها، ومملوكها عند مَن يجعله مَحْرَمًا: متى كان يخاف عليه الفتنة أو عليها توجه الاحتجاب، بل وجب.
стр. 361
وهذه المواضع التي أمر اللَّه بالاحتجاب فيها مَظنَّةُ الفتنة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ (١)، فقد تحصُلُ الزكاة والطهارة بدون ذلك، لكن هذا أزكى.
وإذا كان النظر والبروز قد انتفى فيه الزكاة والطهارة، لما يوجد في ذلك من شهوة القلب، واللذة بالنظر، كان تركُ النظر، والاحتجابُ أَوْلى بالوجوب» (٢).
ب - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا: «الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين، بخلاف ما كان قبل النسخ، بل لا تبدي إلا الثياب» (٣).
ج- وقال أيضًا: «وبالجملة فقد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يسترها إذا كان في بيتها، وإنما ذلك إذا خرجت، وحينئذٍ فتصلي في بيتها وإن رُؤي وجهها ويداها وقدماها، كما كُنَّ يمشين أولًا قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن، فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر، لا طردًا ولا عكسًا» (٤).
стр. 362
د - ثم قال: «ولهذا أُمرت المرأة أن تختمر في الصلاة، وأما وجهها ويداها وقدماها فهي إنما نُهيت عن إبداء ذلك للأجانب، ولم تُنْهَ عن إبدائه للنساء، ولا لذوي المحارم.
فعُلم أنه ليس من جنس عورة الرجل مع الرجل، والمرأة مع المرأة، التي يُنهى عنها لأجل الفحش، وقبحِ كشف العورة، بل هذا من مقدمات الفاحشة، فكان النهي عن إبدائها نهيًا عن مقدمات الفاحشة، كما قال في الآية: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ (١)، وقال في آية الحجاب: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (٢)، فنُهي عن هذا سدًّا للذريعة، لا أنه عورة مطلقًا لا في الصلاة ولا غيرها ... ».
إلى أن قال: «وكنَّ نساء المسلمين يصلينَ في بيوتهن، وقد قال النبي ﷺ : «لا تمنعوا إماء اللَّه مساجد اللَّه، وبيوتهنَّ خير لهن» (٣)، ولم يؤمَرْنَ مع القُمُص إلا بالخُمُر، لم تؤمر بسراويل؛ لأن القميص يغني عنه، ولم تؤمر بما يغطي رجليها: لا خُف ولا جورب، ولا بما يغطي يديها: لا بقفازين ولا غير ذلك، فدل على أنه لا يجب عليها في الصلاة ستر ذلك إذا لم يكن عندها رجال أجانب» (٤).
стр. 363
هـ - وقال أيضًا في موضع آخر: «وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز، وعلى وليّ الأمر: الأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن هذا المنكر وغيره؛ ومن لم يرتدع فإنه يعاقب على ذلك بما يزجره».
ووأما عن تغطية وجهها وهي محرمة، فقد قال: «ووجه المرأة فيه قولان في مذهب أحمد وغيره.
قيل: إنه كرأس الرجل فلا يُغطى.
وقيل: إنه كَيدَيْهِ، فلا يُغطى بالنقاب والبرقع ونحو ذلك مما صنع على قدره، وهذا هو الصحيح؛ فإن النبي ﷺ لم يَنْهَ إلا عن القفازين والنقاب.
وكُنَّ النساء يدنين على وجوههن ما يسترها من الرجال من غير وضع ما يجافيها عن الوجه، فعُلمَ أن وجهها كيدي الرجل، ويديها: وذلك أن المرأة كلها عورة كما تقدم، فلها أن تغطي وجهها ويديها، لكنْ بغير اللباس المصنوع بقدر العضو، كما أن الرجل لا يلبس السراويل ويلبس الإزار» (١).
٢ - الإمام ابن قيم الجوزية ﵀: نصَّ الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ في مواضع عدة من كتبه على وجوب ستر المرأة وجهها، نجتزئ منها ما يلي:
стр. 364
أ- قال في إعلام الموقعين: «وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة، وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال فكذب على الشارع، فأين حَرَّم اللَّه هذا وأباح هذا؟!! واللَّه سبحانه إنما قال: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (١)، ولم يطلق اللَّه ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال.
وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب، وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك؛ لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال، وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن، فأين أباح اللَّه ورسوله لهن أن يكشفن وجوهن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس، وأذِنَ للرجال في التمتع بالنظر إليهن؟ فهذا غلط محض على الشريعة.
وأكد هذا الغلط أن بعض الفقهاء سمع قولهم: إن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالباً كالبطن والظهر والساق، فظن أن ما يظهر غالباً حكمه حكم وجه الرجل.
وهذا إنما هو في الصلاة لا في النظر، فإن العورة عورتان: عورة في النظر، وعورة في الصلاة، فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس» (٢).
стр. 365
ب- وقال أيضًا أثناء كلامه عن أثر كشف المرأة وجهها في وقوع الافتتان بها: « ... ولهذا أمر النساء بستر وجوههن عن الرجال، فإن ظهور الوجه يسفر عن كمال المحاسن، فيقع الافتتان» (١).
جـ- وأما عن تغطية وجهها وهي محرمة، فقد ذكر في كتابه: بدائع الفوائد سؤالًا عن كشف وجه المرأة في حال إحرامها، وجواب ابن عقيل عليه، ثم تعقبه بقوله:
«سبب هذا السؤال والجواب خفاء بعض ما جاءت به السنة في حق المرأة في الإحرام؛ فإن النبي ﷺ لم يشرع لها كشف الوجه في الاحرام، ولا غيره، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصة، كما جاء بالنهي عن القفازين، وجاء النهي عن لبس القميص والسراويل.
ومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء لم يُردْ أنها تكون مكشوفة لا تستر البتة، بل قد أجمع الناس على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها، وأن الرجل يستر بدنه بالرداء، وأسافله بالإزار، مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد، وكيف يزاد على موجب النص، ويفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهاراً؟ فأي نص اقتضى هذا، أو مفهوم أو عموم أو قياس أو مصلحة؟ بل وجه المرأة كبدن الرجل، يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب والبرقع، بل وكَيَدِهَا يحرم سترها
стр. 366
بالمفصَّل على قدر اليد كالقفاز، وأما سترها بالكُمّ، وستر الوجه بالملاءه والخمار والثوب فلم يُنْهَ عنه البتة.
ومن قال: إن وجهها كرأس المحرم، فليس معه بذلك نص ولا عموم، ولا يصح قياسه على رأس المحرم لِمَا جعل اللَّه بينهما من الفرق.
وقول من قال من السلف: إحرام المرأة في وجهها إنما أراد به هذا المعنى، أي لا يلزمها اجتناب اللباس كما يلزم الرجل، بل يلزمها اجتناب النقاب، فيكون وجهها كبدن الرجل، ولو قُدِّر أنه أراد وجوب كشفه، فقوله ليس بحجة ما لم يثبت عن صاحب الشرع أنه قال ذلك، وأراد به وجوب كشف الوجه، ولا سبيل إلى واحد من الأمرين.
وقد قالت أم المؤمنين عائشة ﵀: «كنّا إذا مَرَّ بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجهها»، ولم تكن إحداهن تتخذ عوداً تجعله بين وجهها وبين الجلباب، كما قاله بعض الفقهاء، ولا يعرف هذا عن امرأة من نساء الصحابة ولا أمهات المؤمنين البتة، لا عملاً ولا فتوى، ومستحيل أن يكون هذا من شعار الإحرام، ولا يكون ظاهراً مشهوراً بينهن يعرفه الخاص والعام.
ومن آثر الإنصاف، وسلك سبيل العلم والعدل، تبين له راجح المذاهب من مرجوحها، وفاسدها من صحيحها، واللَّه الموفق والهادي» (١).
стр. 367
د- وقال أيضاً: «ومن ذلك أن النبي ﷺ قال: «لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين» يعني في الإحرام، فسوّى بين يديها ووجها في النهي عما صنع على قدر العضو، ولم يمنعها من تغطية وجهها، ولا أمرها بكشفه البتة.
ونساؤه ﷺ أعلم الأمة بهذه المسألة، وقد كُنَّ يُسْدِلْن على وجوههن إذا حاذاهن الركبان، فإذا جاوزوهن كشفْنَ وجوههن.
وروى وكيع، عن شعبة، عن يزيد الرِّشْك، عن معاذة العدوية، قالت: سألت عائشة ﵀: ما تلبس المحرمة؟
فقالت: لا تنتقب، ولا تتلثم، وتسدل الثوب على وجهها ...
ثم ذكر ابن قيم الجوزية قول طائفة منعت المحرمة من تغطية وجهها، وردَّ عليهم، ثم قال:
«فكيف يحرم ستر الوجه في حق المرأة، مع أمرِ اللَّه لها أن تدني عليها من جلبابها، لئلا تعرف ويُفتتن بصورتها» (١).
هـ- وقال أيضًا: «وأما نهيه ﷺ في حديث ابن عمر المرأة أن تنتقب، وأن تلبس القفازين، فهو دليل على أن وجه المرأة كبدن الرجل لا كرأسه، فيحرم عليها فيه ما وضع وفُصِّل على قدر الوجه، كالنقاب والبرقع، ولا يحرم عليها ستره بالمقنعة والجلباب ونحوهما، وهذا أصح القولين؛ فإن النبي ﷺ سوَّى بين وجهها
стр. 368
ويديها، ومنعها من القفازين والنقاب.
ومعلوم أنه لا يحرم عليها ستر يديها، وأنهما كبدن المحرم يحرم سترهما بالمفَصَّل على قدرهما، وهما القفازان، فهكذا الوجه إنما يحرم ستره بالنقاب ونحوه، وليس عن النبي ﷺ حرف واحد في وجوب كشف المرأة وجهها عند الإحرام، إلا النهي عن النقاب، وهو كالنهي عن القفازين، فنسبة النقاب إلى الوجه كنسبة القفازين إلى اليد سواء، وهذا واضح بحمد اللَّه.
وقد ثبت عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة، وقالت عائشة: «كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول اللَّه ﷺ ، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها؛ فإذا جاوزونا كشفناه» (١).
٣ - الإمام الصنعاني ﵀: نص الأمير الصنعاني ﵀ على وجوب ستر المرأة وجهها أمام الرجال الأجانب؛ فقد قال عند حديث: «لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار»:
«لابُدَّ في صلاتها من تغطية رأسها ورقبتها، كما أفاده حديث الخمار، ومن تغطية بقية بدنها حتى ظهر قدميها، كما أفاده حديث أم سلمة (٢).
стр. 369
ويباح كشف وجهها حيث لم يأت دليل بتغطيته، والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي، فهذه عورتها في الصلاة.
وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها، فكلها عورة» (١).
* وأما عن تغطية وجهها وهي محرمة، فقد قال: «واعلم أن المصنف - يعني به الحافظ ابن حجر - لم يأتِ بالحديث فيما يحرم على المرأة المحرمة، والذي يَحرمُ عليها في الأحاديث: الانتقاب، أي لبس النقاب، كما يحرم لبس الرجل القميص والخفين، فيحرم عليها النقاب، ومثله: البرقع، وهو الذي فُصِّلَ على قدر ستر الوجه؛ لأنه الذي ورد به النص، كما ورد بالنهي عن القميص للرجل مع جواز ستر الرجل لبدنه بغيره اتفاقًا، فكذلك المرأة تستر وجهها بغير ما ذكر كالخمار والثوب.
ومن قال: إن وجهها كرأس الرجل المُحْرِم لا يُغطَّى بشيء، فلا دليل معه ... » (٢).
٤ - الشيخ صديق حسن خان ﵀ فقد قال عند كلامه عن شروط الصلاة:
«ويباح كشف وجهها حيث لم يأتِ دليل بتغطيته، والمراد
стр. 370
كشفه عند صلاتها بحيث لا يراه أجنبي، فهذه عورتها في الصلاة.
وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة» (١).
ونستنتج من كلام الصنعاني، وصديق حسن خان، أنه:
- يباح للمرأة كشف وجهها في الصلاة بحيث لا يراها أجنبي، حيث لم يأت دليل بتغطيته.
- أما خارج الصلاة فكلها عورة، لا يجوز ظهور شيء منها، ولا نظر الأجنبي إليها.
ـ يحرم على المرأة المُحْرِمة ستر وجهها بالنقاب والبرقع، وتغطي وجهها بغير ما ذُكر كالخمار والثوب عند مرورها بالرجال، أو مرور الرجال بها.
٥ - الشيخ محمد بن علي الشوكاني: ذهب الشوكاني ﵀ إلى أن للمرأة ستر وجهها وهي محرمة عند مرور الرجال قريبًا منها.
فقد قال عند حديث: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه»، قال: «تمسك به أحمد، فقال: إنما لها أن تُسدل على وجهها من فوق رأسها، واستدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها؛ فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها،
стр. 371
لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها، فلم يحرم عليها ستره مطلقًا كالعورة، لكنْ إذا سدلت يكون الثوب متجافيًا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة، هكذا قال أصحاب الشافعي وغيرهم.
وظاهر الحديث خلافه؛ لأن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة، فلو كان التجافي شرطًا لبيَّنه النبي ﷺ » (١). (٢).
خامساً: المذاهب الأربعة المتبوعة: منهم من قال بوجوب ستر وجه المرأة عن الرجال الأجانب، ومنهم من قال باستحباب ستر وجهها عن الرجال الأجانب عند أمن الفتنة، أما عند خشية الفنة فيجب عند جميع العلماء، والتفصيل على النحو الآتي:
١ - وجوب ستر المرأة جميع بدنها، بما في ذلك وجهها وكفيها عن الرجال الأجانب عنها.
وقد رأى بعض أهل العلم أن الوجه والكفين عورة لا يجوز إظهارهما لغير النساء المسلمات والمحارم، استنادًا إلى الحديث الصحيح: «المرأة عورة» (٣).
ورأى البعض الآخر أنهما غير عورة، لكنهم قالوا بوجوب
стр. 372
سترهما لخوف الفتنة نظرًا لفساد الزمن.
فانعقدت خناصر المذاهب الأربعة على وجوب سترهما، وحرمة كشفهما؛ لذا نقل الإمام النووي، والتقي الحصني، والخطيب الشربيني، وغيرهم عن الإمام الجويني إمام الحرمين اتفاقَ المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه (١).
٢ - دَلَّت النصوص عن المذاهب الأربعة على وجوب ستر المحرمة وجهها بغير البرقع والنقاب عند البعض، وعلى جواز ستره بغيرهما عند مرور الرجال الأجانب بها عند البعض الآخر، وما ذلك إلا لصيانتها من نظراتهم رغم كونها محرمة.
لهذا قال الحافظ ابن عبد البر: «أجمعوا أنَّ لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال إليها، ولم يجيزوا لها تغطية وجهها - أي وهي محرمة بنحو خمار - إلا ما ذكرنا عن أسماء» (٢). (٣).
стр. 373
المبحث الرابع: الخلوة بالمرأة بدون محرم أو جماعة
المطلب الأول: تعريف الخلوة بدون محرم: لغة واصطلاحاً
أولاً: الخلوة بالمرأة بدون محرم لغة: يقال: خلا المكان، والشيء يخلو خلوَّاً، وخلاءً، وأخْلى إذا لم يكن به أحد، ولا شيء فيه، وهو خالٍ ... ويقال: خلا الرجل وأخلى: وقع في موضعٍ خالٍ لا يُزاحم فيه، ويقال: وخلت الدار خلاءً: إذا لم يبقَ فيها أحدٌ، ويقال: ووجدت فلانة مُخليةً: أي خالية (١).
ويقال: خلا المنزل من أهله، يخلو خلوَّاً، وخلاءً، فهو خالٍ، وأخلى بالألف لغةٌ، فهو مُخْلٍ، وأخليته: جعلته خالياً، ووجدته كذلك، وخلا الرجل بنفسه، وأخلى بالألف لغةٌ، وخلا بزيد خلوةً: انفرد به، وكذلك خلا بزوجته خلوةً، ولا تسمى خلوة إلا بالاستمتاع ... فإن حصل معها وطء فهو الدخول ... (٢).
ثانياً: الخلوة بالمرأة اصطلاحاً: أن ينفرد رجل بامرأة من غير محارمه في غيبةٍ عن أعين الناس (٣).
стр. 374
المطلب الثاني: الأدلة على تحريم الخلوة بالمرأة بغير محرم
ثبتت الأحاديث الصحيحة في تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية بغير محرم، ومنها الأحاديث الآتية:
١ - حديث ابن عباس ﵄ - قال: سمعت النبي ﷺ يخطب يقول: «لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم» (١).
٢ - وحديث عامر بن ربيعة ﵁ - أن رسول اللَّه ﷺ قال: «أَلاَ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» الحديث (٢)، وهذا يعم جميع الرجال ولو كانوا صالحين أو مسنين، وجميع النساء ولو كن صالحات أو عجائز.
٣ - حديث جابر ﵁ - أن النبي ﷺ قال: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا، فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» (٣).
стр. 375
٤ - عن عمرو بن العاص ﵁ ما - قال: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَانَا أَنْ نَدْخُلَ عَلَى الْمُغِيبَاتِ» (١).
٥ - وعنه ﵁ قال: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْخُلَ عَلَى النِّسَاءِ بِغَيْرِ إِذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ» (٢).
٦ - وقال النبي ﷺ : «لاَ يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلاَّ وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَانِ» (٣).
٧ - وعن جابر ﵁ -، عن النبي ﷺ قال: «لَا تَلِجُوا عَلَى الْمُغِيبَاتِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ أَحَدِكُمْ مَجْرَى الدَّمِ» (٤).
стр. 376
وقد تكون القرابة إلى المرأة أو زوجها سبيلًا إلى سهولة الدخول عليها، أو الخلوة بها، كابن العم وابن الخال مثلاً؛ ولذلك حذرنا النبي ﷺ من ذلك لأنه من مداخل الشيطان، ومسارب الفساد.
٨ - عن عقبة بن عامر ﵁ - أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (١)، والحمو هو قريب الزوج الذي لا يحل للمرأة، فبيَّن النبي ﷺ أنه يفسد الحياة الزوجية كما يفسد الموت البدن.
وقد حكى الإجماعَ على تحريم الخلوة بالأجنبية غير واحد من العلماء منهم النووي، وابن حجر العسقلاني.
قال النووي ﵀: «كَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُمَا مَنْ لَا يُسْتَحَى مِنْهُ لِصِغَرِهِ كَابْنِ سَنَتَيْنِ وَثَلَاث وَنَحْو ذَلِكَ، فَإِنَّ وُجُوده كَالْعَدَمِ، وَكَذَا لَوْ اِجْتَمَعَ رِجَال بِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّة فَهُوَ حَرَام» (٢).
قال النووي ﵀: «وَوَافَقَ مَالِكٌ عَلَى ذَلِكَ كُلّه إِلَّا اِبْن زَوْجهَا،
المطلب الثالث: إجماع العلماء على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية
أجمع العلماء على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية؛ لقول النبي ﷺ : «لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم» (١).
١ - قال الإمام النووي ﵀: «في هذا الحديث، والأحاديث بعده تحريم الخلوة بالأجنبية، والدخول عليها، وهذان الأمران مجمع عليهما» (٢).
٢ - وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «فيه منع الخلوة بالأجنبية وهو إجماع» (٣).
٣ - وقال أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي ﵀: «وبالجملة فالخلوة بالأجنبية حرام بالاتفاق» (٤).
٤ - وقال الشوكاني ﵀: «والخلوة بالأجنبية مجمع على تحريمها، كما حكى ذلك الحافظ في الفتح، وعلى التحريم ما في الحديث من كون الشيطان ثالثهما، وحضوره يوقعهما في المعصية» (٥)(٦).
стр. 379
المبحث الخامس: تحريم سفر المرأة بدون محرم
المطلب الأول: تعريف السفر لغة واصطلاحاً
أولاً: السَّفْرُ لغة: جمع سافر، والمسافرون: جمع مسافِرٍ، وسُمِّيَ المسافرُ مسافراً؛ لكشفه قناع الكنِّ عن وجهه، وبروزه إلى الأرض الفضاء، وسمِّي السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافياً منها، ويقال: سَفَرتُ أسفرُ سُفوراً: خرجت إلى السفر، فأنا سافر، وقوم سفَرٌ مثل: صاحبٍ، وصحْبٍ، وسُفَّارٍ، مثل: راكب وركّاب، ويجمع السفر على أسفار (١).
ثانياً: السفر اصطلاحاً: قطع المسافة، والخروج عن عمارة موطن الإقامة قاصداً مكاناً بعيداً مسافةً يصح فيها قصر الصلاة الرباعية (٢)، واللَّه تعالى أعلم.
стр. 380
المطلب الثاني: الأدلة على تحريم سفر المرأة بدون محرم
يحرم سفر المرأة بدون محرم لأدلة صحيحة صريحة، منها الأدلة الآتية:
١ - حديث ابن عباس ﵄ -، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا يخلُوَنَّ رجل بامرأة إلا معها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم»، فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه إن امرأتي خرجت حاجّة، وإني اكتُتِبتُ في غزوة كذا وكذا: قال: «انطلق فحج مع امرأتك» (١).
فلا يجب على المرأة أن تسافر للحج، ولا يجوز لها ذلك إلا مع زوج أو ذي محرم (٢)، لكن لو حجت المرأة بغير محرم أجزأتها الحجة عن حجة الفرض مع معصيتها، وعظيم الإثم عليها (٣).
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ -، قال: قال النبي ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمةٌ» (٤)، وفي لفظ لمسلم: «لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو محرم منها»، وفي لفظ له: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم
стр. 381
الآخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم».
٣ - حديث ابن عمر ﵄ - أن النبي ﷺ قال: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم»، وفي لفظ: «لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم»، وفي لفظ لمسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم» (١).
٤ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ - قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها» (٢).
٥ - حديث ابن عباس ﵄ - عن النبي ﷺ : «لا يخلونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» (٣).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «فإن حُمل اليوم المطلق أو الليلة المطلقة على الكامل: أي يوم بليلته، أو ليلة بيومها قل الاختلاف واندرج في الثلاث فيكون أقل المسافة يومًا وليلة» (٤).
стр. 382
وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ من قوله: «لا تقصر إلى عرفة وبطن نخلة، واقصر إلى عسفان (١)، والطائف، وجدة، فإذا قدمت على أهلٍ أو ماشية فأتمَّ» (٢).
وهذه الأحاديث نصوص من النبي ﷺ في تحريم سفر المرأة بغير محرم، ولم يخصِّص سفراً من سفر، مع أن سفر الحج من أشهرها وأكثرها، فلا يجوز أن يغفله، ويهمله، ويستثنيه بالنيّة من غير لفظ، بل قد فهم الصحابة ﵃ دخول سفر الحج في ذلك، لمّا سأله ذلك الرجل عن سفر الحج، وأقرّه على ذلك، وأمره أن يسافر مع امرأته، ويترك الجهاد الذي قد تعيّن عليه بالاستنفار فيه، ولولا وجوب ذلك لم يجز أن يخرج سفر الحج من هذا الكلام، وهو أغلب أسفار النساء؛ فإن المرأة لا تسافر في الجهاد، ولا في التجارة غالباً، وإنما تسافر في الحج، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز لها السفر إلا على وجه يُؤمَن فيه البلاء، ثم بعض الفقهاء ذكر كل منهم ما اعتقده حافظاً لها، وصايناً، كنسوةٍ ثقات، ورجال مأمونين، ومنعها أن تسافر بدون ذلك، فاشتراط ما اشترطه اللَّه ورسوله أحق، وأوثق، وحكمته ظاهرة؛ فإن النساء لحمٌ على وضم (٣)
стр. 383
إلا ما ذبَّ عنه، والمرأة في السفر معرضة للصعود، والنزول، والبروز، محتاجة إلى من يعالجها ويمس بدنها، وتحتاج هي ومن معها من النساء إلى قيِّمٍ يقوم عليهنّ، وغير المَحرَم لا يؤمَن، ولو كان أتقى الناس؛ فإن القلوب سريعة التقلب، والشيطان بالمرصاد (١).
وقد قال النبي ﷺ : « ... ألا لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة، وإيَّاكم والفُرقَة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرّته حسنتُهُ وساءته سيئتُهُ فذلكم المؤمن» (٢)، ولفظ أحمد: « ... ولا يخلونَّ رجل بامرأةٍ فإن ثالثهما الشيطان» (٣).
ولا يجوز للمرأة أن تسافر بغير محرم إلا في الهجرة؛ لأن الذي تهرب منه شر من الذي تخافه على نفسها، وقد خرجت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وغيرها من المهاجرات بغير محرم ... (٤).
стр. 384
وقال الإمام النووي ﵀ بعد أن ساق روايات الأحاديث التي تنهى عن سفر المرأة بغير محرم: « .. وفي رواية أبي داود: «ولا تسافر بريداً» (١)، والبريد مسيرة نصف يوم، قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ؛ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم والليلة، أو البريد، قال البيهقي: كأنه ﷺ سُئل عن المرأة تسافر ثلاثاً بغير محرم؟ فقال: لا، وسُئل عن سفرها يومين بغير محرم؟ فقال: لا، وسئل عن سفرها يوماً؟ فقال: لا، وكذلك البريد، فأدَّى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفاً عن رواية واحدٍ فسمعه في مواطن فروى تارةً هذا، وتارةً هذا، وكله صحيح، وليس في هذا كلِّه تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد ﷺ تحديد أقل ما يسمَّى سفراً.
فالحاصل أن كل ما يُسمَّى سفراً تُنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام، أو يومين، أو يوماً، أو بريداً، أو غير ذلك؛ لرواية بن عباس المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم»، وهذا يتناول جميع ما يسمَّى سفراً، واللَّه أعلم» (٢).
ومحرم المرأة: هو زوجها، ومن تحرم عليه على التأبيد: بنسب،
стр. 385
أو سبب مباح، وهم على النحو الآتي:
أ- من تحرم عليه من النسب: كآبائها وإن علوا، وأبنائها وإن نزلوا، وإخوانها: الأخ الشقيق، أو لأب، أو لأم، وبني إخوتها، وبني أخواتها، وأعمامها وإن علوا، وأخوالها فكلهم محارم لها.
ب- أما محارمها بالسبب، فقسمان: صهر، ورضاع:
أما الصهر فأربعة: زوج أمها، وزوج ابنتها، وأبو زوجها، وابن زوجها.
وأما الرضاع، فإنه يحرم منه ما يحرم من النسب (١).
стр. 386
المبحث السادس: شبه دعاة التبرج والسفور والفساد والرد عليها
تدور شُبه دعاة السفور حول أقوالٍ لا حظ لها من المعنى الذي يمكن أن يتقبَّله العقل السليم؛ لأنها من نوع ما يسميه علماء المنطق بالسفسطة التي لها شكل الحجة، وليست لها حقيقتها.
وهي أقوال يُراد بها إخضاع النفس، أكثر مما يراد بها إقناع العقل.
هذا فيما يتعلق بالمغرضين من أعداء الدين الذين يتخذون السفور ذريعة لمقاصدهم السيئة، أما الفريق الآخر الذي يبيح السفور بناءً على اجتهاد فقهي مخلص في طلب الحق.
أولاً: أغلب ما تعلق به دعاة التبرج والسفور الأمور الآتية:
١ - أحاديث ضعيفة ، لا تثبت عند أهل العلم بالحديث.
٢ - وقائع أحوال لا عموم لها .
٣ - نصوص يفهم منها إباحة السفور، لكنها كانت قبل نزول الحجاب.
٤ - نصوص يُفهم منها حصول السفور في حالة من حالات الترخيص فيه، مثل: الخِطبة، والشهادة، والتطبيب، وغيرها، وهذه في الحقيقة تؤيد أن الأصل منع السفور، وإلا لما كان لهذه الاستثناءات معنى (١).
стр. 387
٥ - نصوص غير صريحة يطرقها الاحتمال ، فيسقط بها الاستدلال (١).
ثانياً: الشبه والرد عليها على النحو الآتي:
الشبهة الأولى: حديث أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت على رسول اللَّه ﷺ - وعليها ثياب رِقاق، فأعرض عنها رسول اللَّه ﷺ ، وقال: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يَصلُح أن يُرَى منها إلا هذا وهذا»، وأشار إلى وجهه وكفيه (٢).
قالوا: فهذا نص صريح في أنه يجوز للمرأة كشفُ وجهها وكفيها عند الرجال الأجانب.
والجواب أن في الحديث عللاً قادحة:
العلة الأولى: انقطاع سنده ، كما صَرَّح بذلك الإمام أبو داود ﵀ نفسه، فقد قال عقب روايته الحديث: «هذا مُرْسَل، خالد بن دُرَيْك لم يدرك عائشة» (٣).
وكذا قال أبو حاتم الرازي (٤)، وعبد الحق في أحكامه (٥).
стр. 388
«وقال ابن معين: مشهور، وقال مرة: ثقة، وقال النسائي. ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، في أتباع التابعين» (١).
وقال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: ثقة يرسل (٢).
العلة الثانية: أن في سنده سعيدَ بن بشير أبو عبد الرحمن البصري، قال الحافظ: «ضعيف» (٣).
العلة الثالثة: أن فيه قتادة ، وهو مدلس، وقد عنعنه، كما أن فيه الوليدَ بنَ مسلم، قال الحافظ: «ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية» (٤)، وقد عنعنه.
وعلى فرض صحة الحديث، أو تقويته بشواهده، فقد أجاب عنه العلماء بأجوبة:
الجواب الأول: فمنهم من حمله على أنه كان قبل الأمر بالحجاب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وَالسَّلَفُ قَدْ تَنَازَعُوا فِي الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمَنْ وَافَقَهُ: هِيَ الثِّيَابُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ وَافَقَهُ: هِيَ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، مِثْلُ الْكُحْلِ وَالْخَاتَمِ»، ثم بيّن ﵀ أن تشريع الحجاب مرَّ بمرحلتين:
стр. 389
أولاهما: تغطية البدن ما عدا الوجه والكفين.
والأخرى: حجاب جميع البدن بما في ذلك الوجه والكفان.
ثم قال ﵀ ما نصه: «فَإِذَا كُنَّ مَأْمُورَاتٍ بِالْجِلْبَابِ لِئَلَّا يُعْرَفْنَ، وَهُوَ سَتْرُ الْوَجْهِ، أَوْ سَتْرُ الْوَجْهِ بِالنِّقَابِ: كَانَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ مِنَ الزِّينَةِ الَّتِي أُمِرَتْ أَلَّا تُظْهِرَهَا لِلْأَجَانِبِ، فَمَا بَقِيَ يَحِلُّ لِلْأَجَانِبِ النَّظَرُ إلَّا إلَى الثِّيَابِ الظَّاهِرَةِ، فَابْنُ مَسْعُودٍ ذَكَرَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ذَكَرَ أَوَّلَ الْأَمْرَيْنِ» (١).
إلى أن قال شيخ الإسلام ﵀: «وَعَكْسُ ذَلِكَ: الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالْقَدَمَانِ، لَيْسَ لَهَا أَنْ تُبْدِيَ ذَلِكَ لِلْأَجَانِبِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ بِخِلَافِ مَا كَانَ قَبْلَ النَّسْخِ، بَلْ لَا تُبْدِي إلَّا الثِّيَابَ» (٢).
وقال الإمام ابن قدامة ﵀ في معرض الرد على من أباح النظر إلى الوجه والكفين محتجاً بحديث أسماء ﵀: «وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ -إنْ صَحَّ- فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ، فَنَحْمِلُهُ عَلَيْهِ» (٣).
وقال القاري في شرح هذا الحديث: «قولها: «وعليها ثياب رِقَاق» - بكسر الراء - جمع رقيق، ولعل هذا كان قبل الحجاب» (٤).
стр. 390
وقد ضعف الشنقيطي ﵀ الحديث، ثم قال: «مَعَ أَنَّهُ مَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى عُمُومِ الْحِجَابِ، وَمَعَ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ ثُبُوتُهُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْحِجَابِ» (١).
وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي ﵀: «لو قُدِّر أن حديث عائشة صحيح، فهو محمول على أنه كان قبل الأمر بالحجاب، وبناءً على هذا يكون منسوخاً، لا يجوز العمل به» (٢).
وقال الشيخ محمد علي الصابوني في روائع البيان: «ويحتمل أنه كان قبل آيات الحجاب، ثم نسخ بها» (٣).
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: «ثم على تقدير الصحة -أي صحة حديث عائشة ﵀ -يحمل على ما قبل الحجاب؛ لأن نصوص الحجاب ناقلة عن الأصل فتقدم عليه» (٤)(٥).