← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96548

إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (804 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المبحث السادس: شبه دعاة التبرج والسفور والفساد والرد عليها تدور شُبه دعاة السفور حول أقوالٍ لا حظ لها من المعنى الذي يمكن أن يتقبَّله العقل السليم؛ لأنها من نوع ما يسميه علماء المنطق بالسفسطة التي لها شكل الحجة، وليست لها حقيقتها. وهي أقوال يُراد بها إخضاع النفس، أكثر مما يراد بها إقناع العقل. هذا فيما يتعلق بالمغرضين من أعداء الدين الذين يتخذون السفور ذريعة لمقاصدهم السيئة، أما الفريق الآخر الذي يبيح السفور بناءً على اجتهاد فقهي مخلص في طلب الحق. أولاً: أغلب ما تعلق به دعاة التبرج والسفور الأمور الآتية: ١ - أحاديث ضعيفة ، لا تثبت عند أهل العلم بالحديث. ٢ - وقائع أحوال لا عموم لها . ٣ - نصوص يفهم منها إباحة السفور، لكنها كانت قبل نزول الحجاب. ٤ - نصوص يُفهم منها حصول السفور في حالة من حالات الترخيص فيه، مثل: الخِطبة، والشهادة، والتطبيب، وغيرها، وهذه في الحقيقة تؤيد أن الأصل منع السفور، وإلا لما كان لهذه الاستثناءات معنى (١).

стр. 387

٥ - نصوص غير صريحة يطرقها الاحتمال ، فيسقط بها الاستدلال (١). ثانياً: الشبه والرد عليها على النحو الآتي: الشبهة الأولى: حديث أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت على رسول اللَّه ﷺ - وعليها ثياب رِقاق، فأعرض عنها رسول اللَّه ﷺ ، وقال: «يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يَصلُح أن يُرَى منها إلا هذا وهذا»، وأشار إلى وجهه وكفيه (٢). قالوا: فهذا نص صريح في أنه يجوز للمرأة كشفُ وجهها وكفيها عند الرجال الأجانب. والجواب أن في الحديث عللاً قادحة: العلة الأولى: انقطاع سنده ، كما صَرَّح بذلك الإمام أبو داود ﵀ نفسه، فقد قال عقب روايته الحديث: «هذا مُرْسَل، خالد بن دُرَيْك لم يدرك عائشة» (٣). وكذا قال أبو حاتم الرازي (٤)، وعبد الحق في أحكامه (٥).

стр. 388

«وقال ابن معين: مشهور، وقال مرة: ثقة، وقال النسائي. ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، في أتباع التابعين» (١). وقال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: ثقة يرسل (٢). العلة الثانية: أن في سنده سعيدَ بن بشير أبو عبد الرحمن البصري، قال الحافظ: «ضعيف» (٣). العلة الثالثة: أن فيه قتادة ، وهو مدلس، وقد عنعنه، كما أن فيه الوليدَ بنَ مسلم، قال الحافظ: «ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية» (٤)، وقد عنعنه. وعلى فرض صحة الحديث، أو تقويته بشواهده، فقد أجاب عنه العلماء بأجوبة: الجواب الأول: فمنهم من حمله على أنه كان قبل الأمر بالحجاب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وَالسَّلَفُ قَدْ تَنَازَعُوا فِي الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمَنْ وَافَقَهُ: هِيَ الثِّيَابُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ وَافَقَهُ: هِيَ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، مِثْلُ الْكُحْلِ وَالْخَاتَمِ»، ثم بيّن ﵀ أن تشريع الحجاب مرَّ بمرحلتين:

стр. 389

أولاهما: تغطية البدن ما عدا الوجه والكفين. والأخرى: حجاب جميع البدن بما في ذلك الوجه والكفان. ثم قال ﵀ ما نصه: «فَإِذَا كُنَّ مَأْمُورَاتٍ بِالْجِلْبَابِ لِئَلَّا يُعْرَفْنَ، وَهُوَ سَتْرُ الْوَجْهِ، أَوْ سَتْرُ الْوَجْهِ بِالنِّقَابِ: كَانَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ مِنَ الزِّينَةِ الَّتِي أُمِرَتْ أَلَّا تُظْهِرَهَا لِلْأَجَانِبِ، فَمَا بَقِيَ يَحِلُّ لِلْأَجَانِبِ النَّظَرُ إلَّا إلَى الثِّيَابِ الظَّاهِرَةِ، فَابْنُ مَسْعُودٍ ذَكَرَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ذَكَرَ أَوَّلَ الْأَمْرَيْنِ» (١). إلى أن قال شيخ الإسلام ﵀: «وَعَكْسُ ذَلِكَ: الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالْقَدَمَانِ، لَيْسَ لَهَا أَنْ تُبْدِيَ ذَلِكَ لِلْأَجَانِبِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ بِخِلَافِ مَا كَانَ قَبْلَ النَّسْخِ، بَلْ لَا تُبْدِي إلَّا الثِّيَابَ» (٢). وقال الإمام ابن قدامة ﵀ في معرض الرد على من أباح النظر إلى الوجه والكفين محتجاً بحديث أسماء ﵀: «وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ -إنْ صَحَّ- فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ، فَنَحْمِلُهُ عَلَيْهِ» (٣). وقال القاري في شرح هذا الحديث: «قولها: «وعليها ثياب رِقَاق» - بكسر الراء - جمع رقيق، ولعل هذا كان قبل الحجاب» (٤).

стр. 390

وقد ضعف الشنقيطي ﵀ الحديث، ثم قال: «مَعَ أَنَّهُ مَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى عُمُومِ الْحِجَابِ، وَمَعَ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ ثُبُوتُهُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْحِجَابِ» (١). وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي ﵀: «لو قُدِّر أن حديث عائشة صحيح، فهو محمول على أنه كان قبل الأمر بالحجاب، وبناءً على هذا يكون منسوخاً، لا يجوز العمل به» (٢). وقال الشيخ محمد علي الصابوني في روائع البيان: «ويحتمل أنه كان قبل آيات الحجاب، ثم نسخ بها» (٣). وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: «ثم على تقدير الصحة -أي صحة حديث عائشة ﵀ -يحمل على ما قبل الحجاب؛ لأن نصوص الحجاب ناقلة عن الأصل فتقدم عليه» (٤) (٥).

стр. 391

الجواب الثاني: ومن العلماء من ذهب إلى وجوب تأويل حديث عائشة ﵀ إن صَحَّ: إذا ثبت لدينا دليل واحد يفيد تحريم كشف الوجه والكفين؛ ثم

стр. 392

فرضنا جدلًا ثبوت حديث عائشة ﵀ الذي يبيح كشفهما؛ وافترضنا أيضا تكافؤ الدليلين من حيث الثبوت؛ وعلمنا أن الأصل في الدليل الشرعي الإعمال لا الإهمال؛ وأن الواجبَ - عند التعارض - أن لا يصار إلى ترجيح أحد الدليلين إلا عند تعذر الجمع بينهما؛ لأن إعمال الدليلين معاً أولى من إلغاء أحدهما؛ إذن يتعين محاولة الجمع بينهما، وهذا ما فعله فريق من العلماء: قال ابن رسلان في حديث عائشة ﵀: «والحديث مقيد بالحاجة إلى رؤية الوجه والكفين كالخطبة ونحوها (١)، ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق» (٢). وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي: «لو ثبت أن حديث عائشة صحيح - مع العلم بأنه لم يثبت - فحينئذٍ كشف المرأة وجهها لرجل أجنبي مقيد ذلك بالحاجة، والضرورة، لا مطلقا» (٣). ومقصودهم - واللَّه أعلم - أن المرأة إذا بلغت لم يحلَّ أن يظهر من بدنها شيء؛ لأنها كلها عورة، إلا أن تحتاج، أو تضطر لكشف

стр. 393

وجهها وكفيها، فيحلُّ لها ذلك حينئذ بقدره»، أو: «أن المرأة إذا بلغت حلَّ لها أن تُظهر وجهها وكفيها ما لم تُخَفْ الفتنةُ بهما، فإن خيفت الفتنة فعليها ستر ذلك». فإذا قيل: بل يتعين الترجيح؛ لأن التكلف في الجمع بينهما غير خافٍ على من تأمله. فيقال: نحن أسعد بهذا المسلك منكم؛ «إذ إن أدلة وجوب ستر الوجه والكفين ناقلة عن الأصل، وأدلة جواز كشفه مبقية على الأصل، والناقل عن الأصل مُقَدَّم كما هو معروف عند الأصوليين؛ وذلك؛ لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه؛ فإذا وجد الدليل الناقل عن الأصل دل ذلك على طروء الحكم على الأصل، وتغييره إياه؛ ولذلك نقول: إن مع الناقل زيادةَ علم، وهو إثبات تغيير الحكم الأصلي، والمثبِت مقدم على النافي، وهذا الوجه إجمالي ثابت حتى على تقدير تكافؤ الأدلة ثبوتَاً ودلالة» (١). وقد تقدم أن سند الحديث ضعيف، أما من حيث متنه وألفاظهُ فهو معارض للأدلة المتوافرة على وجوب الحجاب، سواء في ذلك عموم آيات الحجاب، أو فعل النبي ﷺ وقوله وتقريره، فهل يسوغ أن يؤخذ بظاهرِ حديثٍ هذا حاله، فيكون مخصصًا لكل ما ورد من عموم ألفاظ القرآن، وما صح من فعل النبي ﷺ مع صفية، وتقريره

стр. 394

لفعل سودة ﵄؟ أضف إلى ذلك مخالفة لفظه: «لا يصلح أن يُرى منها» لحديث جرير بن عبد اللَّه ﵁ قال: «سألت رسول اللَّه ﷺ عن نظر الفُجاءة فأمرني أن أصرف بصري» (١). وقد كان إسلام جرير ﵁ في رمضان سنة عشر من الهجرة (٢). كما أنه مخالف لحال أمهات المؤمنين ونسائهم، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عملا ليسَ عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (٣). وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: «وأيضًا فإن أسماء ﵀ كان لها حين هجرة النبي ﷺ سبع وعشرون سنة، فهي كبيرة السن، فيبعد أن تدخل على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق تصف منها ما سوى الوجه والكفين، فلابد على تقدير الصحة من أن يحمل على ما قبل الحجاب؛ لأن نصوص الحجاب ناقلة عن الأصل فتقدم عليه» (٤).

стр. 395

وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي ﵀: « ... وعن محمد بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة ﵀: «ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ قالت: تصلي في الخمار والدرع السابغ إذا غيَّب ظهور قدميها» (١). وفي رواية لأبي داود عن أم سلمة أنها سألت النبي ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار، وليس لها إزار؟ قال: «إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها» (٢).

стр. 396

فإذا عدَّ القدمين عورة، وأذن لها في الإسبال كي لا تنكشف القدمان، وأمر بعدم الضرب بالأرجل حتى لا يسمع صوت الخلاخل، أو تظهر الزينة الخفية، فإن أمره بتغطية الوجه الذي هو مجمع الحُسْن والفتنة أولى. فهذا من باب «التنبيه بالأدنى على ما فوقه، وما هو أولى منه بالحكم»، وحكمة الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة، ويرخص كشف ما هو أعظم منه فتنة؛ فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة اللَّه وشرعه. وأخيرًا: «فإن هذا الحديث لو سلَّمنا صلاحيته للاحتجاج فهو حجة على أهل السفور؛ وذلك لأن هذا نص يقضي بأن المرأة إذا بلغت المحيض لا يجوز لها أن تكشف غير الوجه والكفين أمام أحدٍ كائنًا من كان، أباً أو أخاً أو ابناً، أو عماً، أو غيرهم، ومعلوم أن اللَّه قد أذن للمرأة في إبداء الزينة أمام المحارم، ومنع عنه أمام الأجانب، فما هي الزينة التي تبديها أمام المحارم، ولا تبديها أمام الأجانب؟ وبتعبير آخر: لما جاز لها كشف وجهها وكفيها أمام الأجانب، ولم يجز لها كشف شيء من أعضائها سوى الوجه والكفين أمام المحارم، فأي فرق يبقى بين المحارم والأجانب؟ مع أن القرآن ينص على الفرق بينهما في صراحة باتة، فتفكَّر!، ولو قيل: إن هذا نص يجري فيه التخصيص من نصوص أخرى، قلنا: فما لناحيةِ الحجابِ والسفور لا يجري فيها التخصيص

стр. 397

بالنصوص؟!» (١). الشبهة الثانية: ما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: «دخلت عَلَيَّ ابنةُ أخي لأمي عبد اللَّه بن الطفيل مزينة، فدخل النبي ﷺ ، فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول اللَّه إنها ابنة أخي وجارية، فقال: «إذا عركت (٢) المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها، وإلا ما دون هذا»، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكفِّ مثل قبضة أخرى» (٣). والحديث في سنده الحسين، وهو سُنَيْد بن داود المِصيصي المحتسب، قال الحافظ في التقريب: «ضعيف مع إمامته ومعرفته، لكونه كان يُلَقِّن حجاج بن محمد شيخَه» (٤)، وقال الذهبي في الميزان: «حافظ له تفسير، وله ما يُنكَر»، وقال: «صدقه أبو حاتم»، وقال أبو داود: «لم يكن بذلك»، وقال النسائي: «الحسين بن داود ليس بثقة» (٥).

стр. 398

كما أن هذا الحديث معضل؛ لأن بين ابن جريج وعائشة ﵂ مفاوز، فقد توفي ابن جريج بعد المائة والخمسين، ولم يدرك عائشة ﵂. ونقل الذهبي في الميزان عن عبد اللَه بن أحمد بن حنبل قوله: «قال أبي: بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها»، يعني قوله: أخبِرت، وحُدثت عن فلان» (١). وقال الحافظ في التهذيب: «وقال الأثرم عن أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبرت، جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت فحسبك به،. . . وقال جعفر بن عبد الواحد عن يحيى بن سعيد: كان ابن جريج صدوقًا، فإذا قال: حدثني، فهو سماع، وإذا قال: أخبرني، فهو قراءة، وإذا قال: «قال» فهو شبه الريح» (٢). وقال الدارقطني: «تجنب تدليس ابن جريج؛ فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح مثل إبراهيم بن أبي يحيى، وموسى بن عبيدة وغيرهما» (٣). وقال الإمام صلاح الدين العلائي: «يكثر من التدليس» (٤). واعلم؛ أن هذا الحديث لا يصلح أن يكون شاهداً لحديث

стр. 399

عائشة السابق، وذلك لتخالف متن الحديثين، ولإعضال هذا الحديث كما رأيت (١). الشبهة الثالثة: ما جاء عن أسماء ابنة عميس أنها قالت: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ وَعِنْدَهَا أُخْتُهَا أَسْمَاءُ بنت أبي بكر ﵂، وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ شَامِيَّةٌ وَاسِعَةُ الأَكْمَامِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ فَخَرَجَ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ﵂: تَنَحَّيْ، فَقَدْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرًا كَرِهَهُ، فَتَنَحَّتْ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ ﵂: لِمَ قَامَ؟ قَالَ: «أَوَلَمْ تَرَيْ إِلَى هَيْئَتِهَا؟ إِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا إِلاَّ هَكَذَا»، وَأَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَغَطَّى بِهِمَا ظَهْرَ كَفَّيْهِ حَتَّى لَمْ يَبْدُ مِنْ كَفِّهِ إِلاَّ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ نَصَبَ كَفَّيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ حَتَّى لَمْ يَبْدُ إِلاَّ وَجْهُهُ» (٢).

стр. 400

قال البيهقي: «إسناده ضعيف» (١). وعلة هذا الحديث ابن لَهِيعة، واسمه عبد اللَّه الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري القاضي، وهو ثقة فاضل، لكنه كان يحدث من كتبه فاحترقت، فحدث من حفظه فخلط (٢). قال ابن حبان: «سبرت أخباره، فرأيته يدلس على أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم» (٣). وقال الألباني: «ضعيف من قبل حفظه» (٤)، وقال أيضًا: «وبعض المتأخرين يحسن حديثه، وبعضهم يصححه» (٥). ومن حسَّن حديث عائشة ﵂ الذي رواه عنها خالد بن دريك، إنما حسنه - رغم انقطاعه - باعتبار حديث أسماء بنت عميس - هذا رغم ضعفه - شاهداً موصولًا له. ولو سلَّمنا بتحسين الحديثين، لكان الجواب عن حديث أسماء هذا كالجواب عن حديث عائشة ﵂، تماما كما تقدم في الشبهة الأولى، والعلم عند اللَّه تعالى (٦).

стр. 401

الشبهة الرابعة: ما جاء في حديث جابر بن عبد اللَّه ﵁ ما - قال: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلاَةَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلاَةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلاَلٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ»، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ (١)، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ (٢)، فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ»، قَالَ فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلاَلٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ» (٣). فقال من يحتج بالسفور في قول جابر ﵁: «سفعاء الخدين» يدل على أنها كانت كاشفة عن وجهها، إذ لو كانت متحجبة لما رأى خديها، ولما علم بأنها سفعاء الخدين. والجواب: أولاً: أن الحديث ليس فيه حجة لأهل السفور، قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «وأجيب عن حديث جابر هذا بأنه ليس فيه ما يدل على أن النبي ﷺ رآها كاشفة عن وجهها، وأقرها على ذلك، بل غاية ما يفيده الحديث أن جابراً رأى وجهها،

стр. 402

وذلك لا يستلزم كشفها عنه قصدًا، وكم من امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد، فيراه بعض الناس في تلك الحال، كما قال نابغة ذبيان: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليدِ (١) فعلى المحتج بحديث جابر المذكور أن يثبت أنه ﷺ رآها سافرة، وأقرها على ذلك، ولا سبيل له إلى إثبات ذلك» (٢). وقال الشيخ حمود بن عبد اللَّه التويجري ﵀: «وأما حديث جابر ﵁ فليس فيه أن النبي ﷺ رأى تلك المرأة سافرة بوجهها، وأقرها على ذلك، حتى يكون فيه حجة لأهل السفور، وغاية ما فيه أن جابرًا رأى وجه تلك المرأة، فلعل جلبابها انحسر عن وجهها بغير قصد منها، فرآه جابر، وأخبر عن صفته، ومن ادعى أن النبي ﷺ قد رآها كما رآها جابر، وأقرها فعليه الدليل» (٣). ثانياً: أنه قد روى هذه القصة المذكورة من الصحابة غير جابر، ولم يذكروا كشف المرأة عن وجهها، قال الشيخ حمود التويجري أيضاً ﵀: «ومما يدل على أن جابرًا ﵁ قد انفرد برؤية وجه المرأة التي خاطبت النبي ﷺ أن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري ﵃ رَوَوْا خطبة النبي ﷺ وموعظته للنساء،

стр. 403

ولم يذكر واحد منهم ما ذكره جابر ﵁ من سفور تلك المرأة وصفة خديها. فأما حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ فرواه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، وقال: «صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ، فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَقَامَتِ امْرَأَةٌ لَيْسَتْ مِنْ عِلْيَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَتْ: بِمَ نَحْنُ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ: إِنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ (١)» (٢). فوصف ابن مسعود ﵁ المرأة التي خاطبت النبي ﷺ بأنها ليست من عِلية النساء، أي ليست من أشرافهن، ولم يذكر عنها سفورًا، ولا صفة الخدين. وأما حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄ فرواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه أن رسول اللَّه ﷺ قال: «يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار»، فقالت امرأة منهن جَزْلَة: وما لنا يا رسول اللَّه؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن

стр. 404

العشير» الحديث (١)، فوصف المرأة بأنها كانت جزلة، ولم يذكر ما رواه جابر من سَفْع خَدَّيها. وامرأة جزلة أي تامّةُ الخَلْق، ويجوز أن تكون ذات كلام جزل أي: قوي شديد. وقال النووي: جزلة بفتح الجيم وإسكان الزاي، أي ذات عقل ورأي، قال ابن درَيد: الجزالة العقلُ والوقار (٢). وأما حديث ابن عباس ﵄، فرواه الإمام أحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا الترمذي، وفيه: «فقالت امرأة واحدة لم يُجِبْهُ غيرها منهن: نعم يا نبي اللَّه، لا يُدرى حينئذٍ من هي، قال: فتصدقن ... » الحديث (٣). وقال النووي ﵀ في قوله: «لا يدري حينئد من هي»: معناه لكثرة النساء، واشتمالهن بثيابهن لا يُدرى من هي؟». فهذا ابن عباس ﵄ لم يذكر عن تلك المرأة سفورًا، ولا عن غيرها من النسوة اللاتي شهدن صلاة العيد مع النبي ﷺ ، وكان شهودُ ابن عباس ﵄ لصلاة العيد في آخر حياة النبي ﷺ . وأما حديث أبي هريرة ﵁ فرواه الترمذي، وقال: «حديث

стр. 405

غريب صحيح»، وفيه: «فقالت امرأة منهن: ولم ذلك يا رسول اللَّه؟ ... » الحديث (١). وأما حديث أبي سعيد ﵁، فأخرجاه في الصحيحين وفيه: «فقلن: وبم يا رسول اللَّه؟ ... » الحديث (٢). فهؤلاء خمسة من الصحابة ﵃، ذكروا نحو ما ذكره جابر ﵁، من موعظة النبي ﷺ للنساء، وسؤالهن له عن السبب في كونهن أكثر أهل النار، ولم يذكر واحد منهم سفورًا، لا عن تلك المرأة التي خاطبت النبي ﷺ ولا عن غيرها، وهذا يقوي القول بأن جابراً ﵁ قد انفرد برؤية وجه تلك المرأة، ورؤيته لوجهها لا حجة فيه لأهل التبرج والسفور؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه رآها سافرة بوجهها، وأقرها على ذلك» (٣). ثالثًا: قال الإمام النووي ﵀ في شرح حديث جابر هذا عند مسلم: «قَوْله: (فَقَالَتْ اِمْرَأَة مِنْ سِطَة النِّسَاء) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخ: سِطَة بِكَسْرِ السِّين، وَفَتْح الطَّاء الْمُخَفَّفَة، وَفِي بَعْض النُّسَخ (وَاسِطَة النِّسَاء) قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ مِنْ خِيَارهنَّ، وَالْوَسَط الْعَدْل وَالْخِيَار،

стр. 406

قَالَ: وَزَعَمَ حُذَّاق شُيُوخنَا أَنَّ هَذَا الْحَرْف مُغَيَّر فِي كِتَاب مُسْلِم، وَأَنَّ صَوَابه (مِنْ سَفَلَة النِّسَاء)، وَكَذَا رَوَاهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة فِي مُسْنَده، وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنه، وَفِي رِوَايَة لِابْنِ أَبِي شَيْبَة: اِمْرَأَة لَيْسَتْ مِنْ عِلْيَة النِّسَاء، وَهَذَا ضِدُّ التَّفْسِير الْأَوَّل، وَيُعَضِّدهُ قَوْله: بَعْده: «سَفْعَاء الْخَدَّيْنِ»، هَذَا كَلَام الْقَاضِي، وَهَذَا الَّذِي ادَّعَوْهُ مِنْ تَغْيِير الْكَلِمَة غَيْر مَقْبُول بَلْ هِيَ صَحِيحَة، وَلَيْسَ الْمُرَاد بِهَا مِنْ خِيَار النِّسَاء كَمَا فَسَّرَهُ هُوَ، بَلْ الْمُرَاد امْرَأَة مِنْ وَسَط النِّسَاء جَالِسَة فِي وَسَطهنَّ، قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره مِنْ أَهْل اللُّغَة: يُقَال وَسَطْت الْقَوْم أَسِطهُمْ وَسْطًا وَسِطَة أَيْ تَوَسَّطْتهمْ» (١). وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «وَهَذَا التَّفْسِيرُ الْأَخِيرُ هُوَ الصَّحِيحُ، فَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ثَنَاءٌ الْبَتَّةَ عَلَى سَفْعَاءِ الْخَدَّيْنِ الْمَذْكُورَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ جَابِرًا ذَكَرَ سَفْعَةَ خَدَّيْهَا لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ شَأْنُهَا الِافْتِتَانُ بِهَا; لِأَنَّ سَفْعَةَ الْخَدَّيْنِ قُبْحٌ فِي النِّسَاءِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، أَيْ: فِيهَا تَغَيُّرٌ وَسَوَادٌ»، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ: «وَالسَّفْعَةُ فِي الْوَجْهِ: سَوَادٌ فِي خَدَّيِ الْمَرْأَةِ الشَّاحِبَةِ، وَيُقَالُ لِلْحَمَامَةِ سَفْعَاءُ لِمَا فِي عُنُقِهَا مِنَ السَّفْعَةِ، قَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ: مِنَ الْوُرْقِ سَفْعَاءُ الْعِلَاطَيْنِ بَاكَرَتْ ... فُرُوعَ أَشَاءٍ مَطْلَعَ الشَّمْسِ أَسْحَمَا (٢)

стр. 407

قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ: السَّفْعَةُ فِي الْخَدَّيْنِ مِنَ الْمَعَانِي الْمَشْهُورَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: أَنَّهَا سَوَادٌ وَتَغَيُّرٌ فِي الْوَجْهِ، مِنْ مَرَضٍ أَوْ مُصِيبَةٍ أَوْ سَفَرٍ شَدِيدٍ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ التَّمِيمِيِّ يَبْكِي أَخَاهُ مَالِكًا: تَقُولُ ابْنَةُ الْعُمَرِيِّ مَا لَكَ بَعْدَمَا ... أَرَاكَ خَضِيبًا نَاعِمَ الْبَالِ أَرْوَعَا فَقُلْتُ لَهَا طُولُ الْأَسَى إِذْ سَأَلْتِنِي ... وَلَوْعَةُ وَجْدٍ تَتْرُكُ الْخَدَّ أَسْفَعَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِنَ السَّفْعَةِ مَا هُوَ طَبِيعِيٌّ كَمَا فِي الصُّقُورِ، فَقَدْ يَكُونُ فِي خَدَّيِ الصَّقْرِ سَوَادٌ طَبِيعِيٌّ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى: أَهْوَى لَهَا أَسْفَعُ الْخَدَّيْنِ مُطَّرِقُ ... رِيشَ الْقَوَادِمِ لَمْ تُنْصَبْ لَهُ الشَّبَكُ وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ السَّفْعَةَ فِي الْخَدَّيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى قُبْحِ الْوَجْهِ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِنَّ قَبِيحَةَ الْوَجْهِ الَّتِي لَا يَرْغَبُ فِيهَا الرِّجَالُ لِقُبْحِهَا، لَهَا حُكْمُ الْقَوَاعِدِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا» (١). رابعاً: أن هذه المرأة ربما تكون من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا، فلا تثريب عليها في كشف وجهها على النحو المذكور، ولا يمنع ذلك من وجوب الحجاب على غيرها، قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ

стр. 408

النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). يؤيد ذلك أن الراوي وصفها بأنها سفعاء الخدين، أي فيهما تغير وسواد، فهي من الجنس المعذور في السفور، حيث لم يكن بها داع من دواعي الفتنة، ويؤيده أيضَاً ما تعارف عليه النساء غالباً من أن المرأة التي تجرؤ على سؤال الرجال هي أكبرهن سناً، والعلم عند اللَّه تعالى (٢). خامساً: أن هذا الحديث ليس فيه ما يدل على أن هذه القصة كانت قبل الحجاب أو بعده، فيحتمل أنها كانت قبل أمر اللَّه تعالى النساء أن يضربن بخمرهن على جيوبهن، وأن يدنين عليهن من جلابيبهن. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: «إما أن تكون هذه المرأة من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحاً، فكشف وجهها مباح، ولا يمنع وجوب الحجاب على غيرها، أو يكون قبل نزول آية الحجاب، فإنها كانت في سورة الأحزاب سنة خمس أو ست من الهجرة، وصلاة العيد شرعت في السنة الثانية من الهجرة» (٣).

стр. 409

وقال الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي ﵀: «من المعروف والمتقرر أن أحاديث رسول اللَّه ﷺ لا تتعارض، ولا تتضارب، ولا يرد بعضها بعضاً؛ لأنها من عند اللَّه، كما قال الرسول ﷺ : «أَلا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ ومِثلَهُ مَعَهُ» (١)، ولكن إذا حصل تعارض بين أحاديث الرسول ﷺ ، فحينئذ لابد من سلوك طريق الجمع، فنقول: إذا ثبت أن رسول اللَّه ﷺ رأى المرأة سفعاء الخدين وأقرها، وأنها لم تكن من القواعد (٢)، فالجمع هو أن حديث جابر كان قبل الأمر بالحجاب، فيكون منسوخًا بالأدلة التي ذكرناها، وهي أكثر من أربعين دليلًا، ومن ترك الدليل، ضل السبيل، وليس على قوله تعويل» (٣). الشبهة الخامسة: ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ - قيل له: أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قال: «نَعَمْ وَلَوْلَا مَكَانِي مِنْ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ، حَتَّى أَتَى الْعَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، [فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، فتلا هذه الآية حتى فرغ منها، ثم قال حين

стр. 410

فرغ منها]: «أأنتن على ذلك؟»، فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي اللَّه، ثم قال: «هلمّ لكنَّ فداكن أبي وأمي»، فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ، وفي رواية: [فجعلن يلقين الفتخ والخواتم في ثوب بلال]، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ» (١). قال ابن حزم: «فهذا ابن عباس بحضرة رسول اللَّه ﷺ رأى أيديهن فصحَّ أن اليَدَ من المرأة والوجه ليسا بعورة، وما عداهما ففرض ستره» (٢). والجواب: أنه ليس في الحديث ذكر الوجه بحال، فأين فيه ما يدل على أن وجه المرأة ليس بعورة؟ وفي الحديث ذكر الأيدي ولكن ليس فيه تمرير بأنها كانت مكشوفة حتى يتم الاستدلال به على أن يد المرأة ليست بعورة. غاية ما فيه أن ابن عباس ﵄ رآهنّ يهوين بأيديهن (٣)، ولم يذكر حسرهنّ عن أيديهنّ، وإذا كان الحديث محتملًا لكل من الأمرين لم يصحَّ الاستدلال به على أن يد المرأة ليست بعورة، فإن الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 411

الشبهة السادسة: ما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: «أومت - وفي لفظ: أومأت - امرأة من وراء ستر، بيدها كتاب إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقبض رسول اللَّه ﷺ يده، فقال: «ما أدري أيد رجل أم يد امرأة؟» قالت: بل امرأة - وفي لفظ: بل يد امرأة -، قال: «لو كُنْتِ امرأةً غَيَّرْتِ أظفارَك بالحِناء» (١). والجواب عنه من وجهين: أولاً: أن في إسناده مطيعَ بن ميمون العنبري، قال في التقريب: «لين الحديث» (٢)، وقال في التهذيب: «روى عن صفية بنت عصمة ... قال ابن عدي: له حديثان غير محفوظين، قلت: أحدهما في اختضاب النساء بالحناء، والآخر في الترجل والزينة، قال: وذكر له ثالثًا، وقال: وهما جميعاً غير محفوظ» (٣). وفيه أيضاً: صفية بنت عصمة، قال الحافظ في التقريب: «لا تعرف» (٤)، وقال المناوي: «رمز المصنف - أي السيوطي - لحسنه، ظاهر سكوته عليه أن مخرجه أحمد أخرجه وأقره، والأمر بخلافه، فقد قال في العلل: حديث منكر، وفي الميزان: وعن ابن عدي أنه

стр. 412

غير محفوظ، وقال في المعارضة: أحاديث الحناء كلها ضعيفة أو مجهولة» (١)، وقد ضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (٢). ثانياً: وعلى فرض! صحته، ليس فيه دليل على إباحة السفور بل هو مختص بذكر اليد. الشبهة السابعة: ما جاء عن عائشة ﵂ أيضاً أن هند ابنة عتبة قالت: «يا نبي اللَّه بايعني»، قال: «لا أبايعك حتى تغيري كفيك، كأنهما كفا سَبُع» (٣). والجواب عنه كسابقه، مع أن هذا ليس فيه ما يفيد أن كفيها كانتا مكشوفتين، وفي سنده غبطة بنت عمرو المجاشعية البصرية، وعمتها، وجدتها، ثلاثتهن مجهولات. أما غبطة: فقد ذكرها الحافظ في لسان الميزان (٤) في فصل في النساء المجهولات، وقال في التقريب: «مقبولة» (٥)، يعني إذا توبعت، وإلا فلَيّنة. وأما عمتها أم الحسن: فقال في التقريب: «لا يعرف حالها» (٦)،

стр. 413

وأما جدتها: فقال الذهبي في الميزان: «أم الحسن عن جدتها عن عائشة، لا يُدرى مَن هاتان» (١). الشبهة الثامنة: ما جاء في حديث سهل بن سعد (٢) ﵁ «أنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ ... » (٣). الحديث. والجواب من وجوه: أحدها: ليس في الحديث أنها كانت سافرة الوجه، ونظر النبي ﷺ لا يدل على سفورها، لأن تصويب النظر لا يفيد رؤية الوجه، فيمكن أن يكون نظرة إليها لمعرفة نبلها وشرفها وكرامتها، فإن هيئة الإنسان قد تدل على ذلك. الثاني: ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي من أنه «يحتمل أن ذلك قبل الحجاب، أو بعده لكنها كانت متلفعة» (٤)، وسياق الحديث يبعد ما قال سيما الأخير، بل إنه يشير إلى وقوع ذلك في أوائل الهجرة؛ لأن الفقر كان قد تخفف كثيرًا بعد بني قينقاع والنضير

стр. 414

وقريظة، ومعلوم أن نزول الحجاب كان عقب قريظة، وفي الحديث إشارة إلى شدة فقر الرجل الذي تزوجها حتى أنه لم يكن يملك خاتماً من حديد. الثالث: أن النبي ﷺ معصوم، ولا يقاس عليه غيره من البشر (١). الرابع: أنه ثبت في صحيح السنة أنه يباح للرجل أن ينظر إلى وجه المرأة لقصد الخطبة، ويباح لها النظر إليه وكشف وجهها له، وعليه فلا حجة في الحديث على إباحة كشف الوجه لأجنبي غير خاطِب، ومن استدل به على ذلك فقد حمل الحديث على غير مَحْمله، واللَّه أعلم. الشبهة التاسعة: حديث سبيعة بنت الحارث ﵂ «أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ مِنْ وَفَاتِهِ، فَلَقِيَهَا أَبُو السَّنَابِلِ يَعْنِي ابْنَ بَعْكَكٍ حِينَ تَعَلَّتْ (٢) مِنْ نِفَاسِهَا، وَقَدْ اكْتَحَلَتْ، فَقَالَ لَهَا: ارْبَعِي (٣) عَلَى نَفْسِكِ - أَوْ نَحْوَ هَذَا - لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ النِّكَاحَ، إِنَّهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِكِ، قَالَتْ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ

стр. 415

- ﷺ ، فَذَكَرْتُ لَهُ مَا قَالَ أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ حَلَلْتِ حِينَ وَضَعْتِ حَمْلَكِ» (١). والجواب: أولاً: ليس في الحديث دليل على أنها كانت سافرة الوجه حين رآها أبو السنابل بل غاية ما فيه أنه رأى خضاب يديها، وكحل عينيها، ورؤية ذلك لا يستلزم رؤية الوجه، قال الشيخ عبد العزيز بن خلف: «والمستمسك من الحديث هو أنه عرف منها أنها كانت مكتحلة ومخضبة، وله أن يعرف أنها كانت مكتحلة حين تكون قد لوت الجلباب على وجهها، وأخرجت عيناً كما وصف ابن عباس ﵄ فعل المؤمنات بعد نزول آية إدناء الجلابيب» (٢). ثانيًا: قال الحافظ ابن حجر في الفوائد المستنبطة من قصة سبيعة: وفيه جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها؛ لأن في رواية الزهري التي في المغازي: فقال: «ما لي أراك تجملت للخُطَّاب؟»، وفي رواية ابن إسْحاق: «فتهيأت للنكاح، واختَضبت»، وفي رواية معمر عن الزهري عند أحمد: «فلقيها أبو السنابل وقد

стр. 416

اكتحلت»، وفي رواية الأسود: «فتطيبت وتعطرت» (١). ويتضح من هذا أن إظهار زينتها إنما كان للخُطَّاب، وعليه ينبغي حمل هذه الروايات، وقد سبق ذكر جملة من النصوص في الترخيص في نظر الخاطب إلى المخطوبة بإذنها، أو بغير إذنها، فَعَلِمَ أبو السنابل بخضابها واكتحالها، وقال لها: «ما لي أراك تجملت للخطاب»، وكان قد نظر إليها مريداً خطبتها لكنها أبت أن تنكحه، جاء في رواية البخاري أنه كان ممن خطبها، فأبت أن تنكحه، فقال لها ما قال، ولذا قال ﷺ : «كذب (٢) أبو السنابل» رواه أحمد، وفي رواية الموطأ: فخطبها رجلان أحدهما شاب، وكهل، فحطت إلى الشاب، فقال الكهل: «لم تحلي»، وكان أهلها غَيَبًا فرجا أن يؤثروه بها» (٣).

стр. 417

فأين في الحديث جواز كشف الوجه والكفين لغير الخاطب؟ وقولها: «جمعت علي ثيابي» يوحي بأنها خرجت عن حال التزين المذكورة، وإذا ضممنا إليها قولها: «حين أمسيت» فهمنا عن سلوكها ﵂ حرصها الشديد على الاستتار عن الأجانب ليس فقط بالحجاب بل أيضاً بظلام الليل. قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وفيه مباشرة المرأة السؤال عما ينزل بها، ولو كان مما يستحي النساء من مثله، لكنْ خروجُها من منزلها ليلاً؛ ليكون أستر لها كما فعلت سبيعة» (١). الشبهة العاشرة: احتج المبيحون للسفور بنصوص وردت في الأمر بغض البصر على أن هذا يلزم منه أن تكون وجوه النساء مكشوفة، وإلا فعن ماذا يُغَض البصر إذا كانت النساء مستورات الوجوه؟ وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ (٢). وقول النبي ﷺ : «يا علي لا تُتْبع النظرةَ النظرةَ، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة» (٣). وفي حديث جرير بن عبد اللَّه ﵁ قال: «سألت رسول اللَّه ﷺ عن

стр. 418

نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري» (١). فاستنبطوا من الآية القرآنية الآمرة بغض البصر أن في المرأة شيئاً مكشوفًا، ثم أثبتوا- باجتهادهم- أن هذا الشيء المكشوف هو الوجه والكفان، ثم استشهدوا لذلك بالأحاديث التي فيها أيضًا أمر بغض البصر. والجواب: أن هذا الأمر بغض البصر أمر من اللَّه ، وأمر من رسول اللَّه ﷺ يقضي بوجوب التزامه طاعة للَّه ولرسوله ﷺ ، أما كونه يقضي بأن هناك شيئًا مكشوفاً للأجانب من المرأة المسلمة هو الوجه والكفان، فهذا قول غير صحيح يرده النقل والعقل، ويأباه الواقع، وبيان ذلك من وجوه: الوجه الأول: أن المدينة النبوية في زمن التنزيل كان فيها نساء اليهود والسبايا والإماء، ونحوهن، وربما بقي النساء غير المسلمات في المجتمع الإسلامي سافراتٍ كاشفات الوجوه، فأُمِروا بغض البصر عنهن. وغاية ما في الأمر بغض البصر إمكان وقوع النظر على الأجنبيات، وهذا لا يستلزم جواز كشف الوجوه والأيدي أمام الأجانب. قال البخاري ﵀: «قال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن؟ قال: «اصرف بصرك

стр. 419

عنهن، يقول اللَّه : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قال قتادة: عما لا يحل لهم» (١). والأمر بالحجاب منذ اللحظة الأولى لم يتوجه لغير المؤمنات، لأنهن مظنة الاستجابة لأمر اللَّه ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢)، الآية. وقال جلّ وعلا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (٤) الآية، ولم يقل: (ونساء أهل المدينة). وقال ﵎: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٥) الآية، وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٦)

стр. 420

الآية، ولم يقل: (وقل لنساء المدينة)؛ لكن الأمر توجه لمن شرفهن اللَّه تعالى بالإيمان مطلقاً. والقرآن اليوم يخاطبنا كما خاطب رسولَ اللَّه ﷺ وأصحابه ﵃ من قبل، فنحن اليوم أيضاً لا نخاطب الكوافر والفواسق بستر الوجه، وإنما نخاطب المؤمنين والمؤمنات، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وإذا كانت المرأة غير مسلمة، أو مسلمة اجترأت على هتك أوامر اللَّه، وتعمدت كشف زينتها - وهذا ما عمت به البلوى في زماننا - فالواجب هنا - على الأقل - أن يؤمر الرجل بغض البصر، مع العلم بأن هذا لا يقتضي أن ما فعلته هذه المرأة من كشف الوجه وغيره تجيزه الشريعة بغير عذر أو مصلحة. الوجه الثاني: أن اللَّه ﵎ أمر بغض البصر؛ لأن المرأة - وإن تحفظت غاية التحفظ، وبالغت في الاستتار عن الناس - فلابد أن يبدو بعض أطرافها في بعض الأحيان كما هو معلوم بالمشاهدة من اللاتي يبالغن في التحجب والتستر؛ فلهذا أمر الرجال بغض البصر عما يبدو منهن في بعض الأحوال. وهذا الأمر بالغض لا يستلزم أنها تكشف ذلك عمداً وقصداً، فكم من امرأة تحرك الريح ثيابها، أو تقع فيسقط الخمار عن وجهها من غير قصد منها فيراها بعض الناس على تلك الحال، كما قال النابغة الذبياني:

стр. 421

سَقَط النصِيف ولم تُرِدْ إِسقاطه ... فَتَنَاوَلَتْهُ، وأتَّقَتْنا بالْيَدِ (١) أي تناولته بيدٍ، واتقتنا فسترت وجهها باليد الأخرى. ومن هنا قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، ولم يقل: (إلا ما أظهرنه)؛ لأن (أظهر) في معنى التعمد، بخلاف (ظهر) أي من غير قصد منها فهذا مَعفُوٌّ عنه، لا ما تظهره هي بقصد، فعليها حرج في تعمد ذلك، وكثيراً ما يصادف الرجل المرأة وهي غافلة، فيرى وجهها أو غيره من أطرافها، فأمره الشارع حينئدٍ بصرف بصره عنها كما في حديث جرير بن عبد اللَّه ﵁، قال: «سألت رسول اللَّه ﷺ عن نظر الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري» (٢)، فهذا هو موقع نظر الفجأة، وفي سؤال جرير عن نظر الفجأة دليل على مشروعية استتار النساء عن الرجال الأجانب، وتغطية وجوههن عنهم، وإلا لكان سؤاله عن نظر الفجأة لغوًا لا معنى له، ولا فائدة من ذكره. الوجه الثالث: «عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ أذن لأزواج النبي ﷺ في الحج في آخر حجة حجها، وبعث معهن عثمان بن عفان ﵁، وعبد الرحمن بن عوف ﵁، قال: فكان عثمان ينادي: ألا لا يدنُ إليهن أحد، ولا ينظر إليهن أحد، وهن في الهوادجِ على الإبل، فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشِّعب،

стр. 422

وكان عثمان وعبد الرحمن بذنَب الشعب، فلم يصعد إليهن أحد» (١). ومن المقطوع به أن أمهات المؤمنين كن يحتجبن حجابًا شاملاً جميع البدن بغير استثناء، ومع هذا قال عثمان ﵁: «ولا ينظر إليهن أحد» يعني إلى شخوصهن، لا إلى وجوههن لأنها مستورة بالإجماع، ومع ذلك نهى عن النظر إلى شخوصهن تعظيمًا لحرمتهن، وإكبارًا وإجلالًا لهن، وذلك لشدة احترام الصحابة رضوان اللَّه عليهم أمهات المؤمنين ﵅، ويستفاد من هذا أن مِنْ حِفظ حرمة المؤمنة المحجبة غضَّ البصر عنها - وإن تنقبت، خاصة وأن جمالها قد يعرف، وينظر إليها -لجمالها وهي مختمرة؛ وذلك لمعرفة قوامها أو نحوه، وقد يعرف وضاءتها وحسنها من مجرد رؤية بنانها كما هو معلوم، ولذلك فسَّر ابن مسعود ﵁ قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بأن الزينة هي الملاءة فوق الثياب، ومما يوضح أن الحسن قد يعرف مع الاحتجاب الكامل قول الشاعر: طافَتْ أُمامَةُ بالركبانِ آونَةً ... يا حُسْنَها مِن قوام ما وَمنْتَقِبا فقد بالغ في وصف حسن قوامها مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفاً، وهو يصفها بهذا الحسن أيضاً مع كونها منتقبة، ومن ثم قال العلماء: إنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى بدن المرأة

стр. 423

نظر شهوة ولو كانت مستورة؛ لأن ذلك مدعاة إلى الافتتان بها كما لا يخفى، ووقوعه فيما سماه النبي ﷺ : «زنا العين»، قال النبي ﷺ : «والعينان تزنيان، وزناهما النظر» (١). ولا مخرج من ذلك إلا غض البصر عنها ولو كانت محجبة، لأنه إذا نظر إليها نظر شهوة - ولو كانت محجبة - لكان حرامًا عليه كما تقدم. الوجه الرابع: أنه قد تعرض للمرأة المحجبة ضرورات بل حاجات تدعوها إلى كشف وجهها، ويرخص لها في ذلك مثل نظر القاضي إلى المرأة عند الشهادة، والنظر إلى المرأة المشتبه فيها عند تحقيق الجرائم، ونظر الطبيب المعالج إلى المرأة بشروطه، والنظر إلى المراد خطبتها، وهذا كله يكون بقدر الحاجة فقط لا يجوز له أن يتعداها، فإن دعته نفسه إلى الزيادة عن قدر الحاجة فهو مأمور بغض البصر عنها، واللَّه أعلم. الوجه الخامس: أن اعتبار أمر اللَّه تعالى المؤمنين بغض الأبصار دليلاً على أن وجوه المسلمات كانت مكشوفة للأجانب مجرد وهم وظن، بدليل ترتيب آيات الحجاب حسب نزولها؛ وذلك لأن الأمر بالحجاب الكامل الذي جاء في قوله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٢) الآية.

стр. 424

وقوله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١). وقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢)، كل هذه الأوامر بالحجاب إنما نزلت في سورة الأحزاب في السنة الخامسة من الهجرة النبوية، وشاع الحجاب بعدها في المجتمع المسلم بعد نزولها، وقبل الأمر بغض البصر، الذي نزل في سورة النور التي نزلت في السنة السادسة من الهجرة (٣). ومما يدل على ذلك أيضاً قول أم المؤمنين عائشة ﵂ في قصة الإفك: «بينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرت - وفي رواية: فسترت - وجهي بجلبابي» (٤). فهذا الحديث يؤكد أن الأمر بغض البصر الوارد في سورة النور متأخر عن الأمر بالحجاب الذي ورد في سورة الأحزاب التي نزلت

стр. 425

في السنة الخامسة، ثم جاء الأمر بغض البصر في السنة السادسة بعد عام من شيوع الحجاب وامتثال المجتمع الإسلامي للأمر بالحجاب حتى صار هو القاعدة. ومن هنا يتضح أن استنباط البعض من الأمر بغض البصر أن وجوه النساء كانت سافرة غير صحيح، بدليل أن الأمر بالحجاب نزل أولاً، وامتثله نساء المؤمنين، ثم نزل في السنة التي تليها الأمر بغض البصر، ولعّل الحكمة في ذلك أن الأمر بغض البصر مع بقاء الوجوه سافرة قد يشق على بعض النفوس، ولكنه مع الحجاب أيسر، ومن ثم فإن الأمر بغض البصر نزل تأكيدًا للحجاب القائم فعلًا، أي أنه - أي إطلاق البصر - لا يجوز للمرأة الأجنبية، وإن كانت محجبة سدّا للذرائع، ودرءًا للفتنة، فتناولت الشريعة الحكيمة إخماد الفتنة وسد ذريعتها من الجانبين: من جانب المرأة حيث كلفتها بالحجاب، ثم من جانب الرجل حيث كلفته بغض البصر. ولقد صار الحجاب بعد نزول الأمر بغض البصر في سورة النور أصلاً من أصول النظام الاجتماعي في الدولة المسلمة، واستمر عليه المسلمون قروناً مديدة، ولم يستطع أحد أن يشكك في وجوب التزامه، ولم يطالب أحد ببتر جزء من هذا الحجاب خوفًا من تفريغ آية غض البصر من مضمونها، أو تعطيلها عن مجال عملها، تاللَّه إنها لشبهة أوْهَى من بيت العنكبوت يغني فسادها عن إفسادها. الوجه السادس: أن الأمر بغض البصر مطلق، فيشمل كل ما
следующие страницы →