← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96548

إظهار الحق والصواب في حكم الحجاب

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (804 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

سَقَط النصِيف ولم تُرِدْ إِسقاطه ... فَتَنَاوَلَتْهُ، وأتَّقَتْنا بالْيَدِ (١) أي تناولته بيدٍ، واتقتنا فسترت وجهها باليد الأخرى. ومن هنا قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، ولم يقل: (إلا ما أظهرنه)؛ لأن (أظهر) في معنى التعمد، بخلاف (ظهر) أي من غير قصد منها فهذا مَعفُوٌّ عنه، لا ما تظهره هي بقصد، فعليها حرج في تعمد ذلك، وكثيراً ما يصادف الرجل المرأة وهي غافلة، فيرى وجهها أو غيره من أطرافها، فأمره الشارع حينئدٍ بصرف بصره عنها كما في حديث جرير بن عبد اللَّه ﵁، قال: «سألت رسول اللَّه ﷺ عن نظر الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري» (٢)، فهذا هو موقع نظر الفجأة، وفي سؤال جرير عن نظر الفجأة دليل على مشروعية استتار النساء عن الرجال الأجانب، وتغطية وجوههن عنهم، وإلا لكان سؤاله عن نظر الفجأة لغوًا لا معنى له، ولا فائدة من ذكره. الوجه الثالث: «عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ أذن لأزواج النبي ﷺ في الحج في آخر حجة حجها، وبعث معهن عثمان بن عفان ﵁، وعبد الرحمن بن عوف ﵁، قال: فكان عثمان ينادي: ألا لا يدنُ إليهن أحد، ولا ينظر إليهن أحد، وهن في الهوادجِ على الإبل، فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشِّعب،

стр. 422

وكان عثمان وعبد الرحمن بذنَب الشعب، فلم يصعد إليهن أحد» (١). ومن المقطوع به أن أمهات المؤمنين كن يحتجبن حجابًا شاملاً جميع البدن بغير استثناء، ومع هذا قال عثمان ﵁: «ولا ينظر إليهن أحد» يعني إلى شخوصهن، لا إلى وجوههن لأنها مستورة بالإجماع، ومع ذلك نهى عن النظر إلى شخوصهن تعظيمًا لحرمتهن، وإكبارًا وإجلالًا لهن، وذلك لشدة احترام الصحابة رضوان اللَّه عليهم أمهات المؤمنين ﵅، ويستفاد من هذا أن مِنْ حِفظ حرمة المؤمنة المحجبة غضَّ البصر عنها - وإن تنقبت، خاصة وأن جمالها قد يعرف، وينظر إليها -لجمالها وهي مختمرة؛ وذلك لمعرفة قوامها أو نحوه، وقد يعرف وضاءتها وحسنها من مجرد رؤية بنانها كما هو معلوم، ولذلك فسَّر ابن مسعود ﵁ قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بأن الزينة هي الملاءة فوق الثياب، ومما يوضح أن الحسن قد يعرف مع الاحتجاب الكامل قول الشاعر: طافَتْ أُمامَةُ بالركبانِ آونَةً ... يا حُسْنَها مِن قوام ما وَمنْتَقِبا فقد بالغ في وصف حسن قوامها مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفاً، وهو يصفها بهذا الحسن أيضاً مع كونها منتقبة، ومن ثم قال العلماء: إنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى بدن المرأة

стр. 423

نظر شهوة ولو كانت مستورة؛ لأن ذلك مدعاة إلى الافتتان بها كما لا يخفى، ووقوعه فيما سماه النبي ﷺ : «زنا العين»، قال النبي ﷺ : «والعينان تزنيان، وزناهما النظر» (١). ولا مخرج من ذلك إلا غض البصر عنها ولو كانت محجبة، لأنه إذا نظر إليها نظر شهوة - ولو كانت محجبة - لكان حرامًا عليه كما تقدم. الوجه الرابع: أنه قد تعرض للمرأة المحجبة ضرورات بل حاجات تدعوها إلى كشف وجهها، ويرخص لها في ذلك مثل نظر القاضي إلى المرأة عند الشهادة، والنظر إلى المرأة المشتبه فيها عند تحقيق الجرائم، ونظر الطبيب المعالج إلى المرأة بشروطه، والنظر إلى المراد خطبتها، وهذا كله يكون بقدر الحاجة فقط لا يجوز له أن يتعداها، فإن دعته نفسه إلى الزيادة عن قدر الحاجة فهو مأمور بغض البصر عنها، واللَّه أعلم. الوجه الخامس: أن اعتبار أمر اللَّه تعالى المؤمنين بغض الأبصار دليلاً على أن وجوه المسلمات كانت مكشوفة للأجانب مجرد وهم وظن، بدليل ترتيب آيات الحجاب حسب نزولها؛ وذلك لأن الأمر بالحجاب الكامل الذي جاء في قوله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (٢) الآية.

стр. 424

وقوله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١). وقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢)، كل هذه الأوامر بالحجاب إنما نزلت في سورة الأحزاب في السنة الخامسة من الهجرة النبوية، وشاع الحجاب بعدها في المجتمع المسلم بعد نزولها، وقبل الأمر بغض البصر، الذي نزل في سورة النور التي نزلت في السنة السادسة من الهجرة (٣). ومما يدل على ذلك أيضاً قول أم المؤمنين عائشة ﵂ في قصة الإفك: «بينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرت - وفي رواية: فسترت - وجهي بجلبابي» (٤). فهذا الحديث يؤكد أن الأمر بغض البصر الوارد في سورة النور متأخر عن الأمر بالحجاب الذي ورد في سورة الأحزاب التي نزلت

стр. 425

في السنة الخامسة، ثم جاء الأمر بغض البصر في السنة السادسة بعد عام من شيوع الحجاب وامتثال المجتمع الإسلامي للأمر بالحجاب حتى صار هو القاعدة. ومن هنا يتضح أن استنباط البعض من الأمر بغض البصر أن وجوه النساء كانت سافرة غير صحيح، بدليل أن الأمر بالحجاب نزل أولاً، وامتثله نساء المؤمنين، ثم نزل في السنة التي تليها الأمر بغض البصر، ولعّل الحكمة في ذلك أن الأمر بغض البصر مع بقاء الوجوه سافرة قد يشق على بعض النفوس، ولكنه مع الحجاب أيسر، ومن ثم فإن الأمر بغض البصر نزل تأكيدًا للحجاب القائم فعلًا، أي أنه - أي إطلاق البصر - لا يجوز للمرأة الأجنبية، وإن كانت محجبة سدّا للذرائع، ودرءًا للفتنة، فتناولت الشريعة الحكيمة إخماد الفتنة وسد ذريعتها من الجانبين: من جانب المرأة حيث كلفتها بالحجاب، ثم من جانب الرجل حيث كلفته بغض البصر. ولقد صار الحجاب بعد نزول الأمر بغض البصر في سورة النور أصلاً من أصول النظام الاجتماعي في الدولة المسلمة، واستمر عليه المسلمون قروناً مديدة، ولم يستطع أحد أن يشكك في وجوب التزامه، ولم يطالب أحد ببتر جزء من هذا الحجاب خوفًا من تفريغ آية غض البصر من مضمونها، أو تعطيلها عن مجال عملها، تاللَّه إنها لشبهة أوْهَى من بيت العنكبوت يغني فسادها عن إفسادها. الوجه السادس: أن الأمر بغض البصر مطلق، فيشمل كل ما

стр. 426

ينبغي أن يُغَضَّ البصر عنه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (١)، ولم يبين الشيء الذي يُغَض عنه البصر، فدل على أن هذا الأمر مطلق فيشمل كل ما ينبغي غض البصر عنه، سواء أكان ذلك عن المسلمة المحجبة حتى في حالة احتجابها لشدة حرمتها، ودرءًا للفتنة، أو حينما يظهر شيء من بدنها عفواً من غير قصد، أو يقصد عند الضرورة أو الحاجة الشرعية، وسواء كان غض البصر عن الإماء المسلمات السافرات، أو عن نساء أهل الكتاب والسبايا اللائي لا يتحجبن، درءًا للفتنة بهن كذلك. ومما ينبغي أن نلتفت إليه أن من مقاصد الأمر بغض البصر: أن لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، وكذلك ألا تنظر المرأة إلى عورة المرأة. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً: «لاَ يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلاَ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلاَ تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ» (٢). وبيّن ﷺ عورة الرجل التي ينبغي غض البصر عنها في قوله ﷺ : «الفخذ عورة» (٣).

стр. 427

وقول النبي ﷺ لجرهد الأسلمي ﵁: «غطِّ فخذك، فإن الفخذ عورة» (١). وقوله ﷺ : «ما بين السرة والركبة عورة» (٢). فإذا تبين لك أن هذه المقاصد كلها تندرج تحت الأمر بغض البصر تبين لك فساد قول السفوريين، وجواب تساؤلهم: ما معنى الأمر بغض البصر إذا لم تكن وجوه النساء مكشوفة؟ والعلم عند اللَّه . الشبهة الحادية عشرة: ما جاء في حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄ - قال: «أرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ يَوْمَ النَّحْرِ خَلْفَهُ عَلَى عَجُزِ رَاحِلَتِهِ، وَكَانَ الْفَضْلُ رَجُلًا وَضِيئًا، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنَّاسِ يُفْتِيهِمْ، وَأَقْبَلَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ وَضِيئَةٌ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَأَخْلَفَ (٣) بِيَدِهِ فَأَخَذَ بِذَقَنِ الْفَضْلِ، فَعَدَلَ وَجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ

стр. 428

إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضِي عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (١). وفي رواية لعلي بن أبي طالب ﵁ قال: « ... قَدْ لَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ؟ قَالَ: " رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا» (٢). قال الشيخ عبد القادر بن حبيب اللَّه السندي: «قلت: لا حجة في الحديث للذين يقولون بجواز كشف الوجه والكفين؛ لأنه ﷺ أنكر على الفضل بن عباس إنكارًا باتاً بأن لوى عنقه، وصرفه إلى جهة أخرى، وكان في هذا الصنيع من رسول اللَّه ﷺ إنكار واضح؛ لأنه أنكر باليد (٣). وقال الحافظ ابن حجر ﵀ مشيرًا إلى هذا الحديث: «ويُقرِّب ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: «كنت رديف النبي ﷺ وأعرابي معه بنت له حسناء، فجعل الأعرابي يعرضها لرسول اللَّه ﷺ رجاء أن يتزوجها،

стр. 429

وجعلتُ ألتفت إليها، ويأخذ النبي ﷺ برأسي فيلويه، فكان يلبي حتى رمى جمرة العقبة» (١). ثم قال الحافظ: «فعلى قول الشابة: إن أبي، لعلها أرادت جدها لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي ﷺ ليسمع كلامها، ويراها رجاء أن يتزوجها» (٢). ثم قال الحافظ: «وفي الحديث: منع النظر إلى الأجنبيات وغض البصر، وقال عياض: «وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة، قال: وعندي أن فعله ﷺ غطى وجه الفضل أبلغ من القول، ثم قال: لعل الفضل لم ينظر نظراً ينكر، بل خشي عليه أن يؤول إلى ذلك، أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب» (٣). ثم قال الحافظ: روى أحمد وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال للفضل حين غطى وجهه: «هذا يوم مَن ملك فيه سمعه وبصره، ولسانه غفر له» (٤) (٥). وقال الشيخ صالح بن فوزان أثناء رده على الدكتور يوسف القرضاوي: «وأما استدلال المؤلف على جواز نظر الرجل الأجنبي

стр. 430

إلى وجه المرأة بحديث الفضل بن العباس ونظره إلى الخثعمية وصرف النبي ﷺ وجه الفضل عنها، فهذا من غرائب الاستدلال لأن الحديث يدل على خلاف ما يقول لأن الرسول ﷺ لم يقر الفضل على ذلك، بل صرف وجهه، وكيف يمنعه من شيء مباح! (١). قال النووي ﵀ عند ذكره لفوائد هذا الحديث: «منها تحريم النظر إلى الأجنبية، ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه» (٢). وقال العلامة ابن القيم: «وهذا منع وإنكار بالفعل، فلو كان النظر جائزًا لأقره عليه» (٣). وقال الدكتور البوطي معلقًا على الحديث نفسه: «قالوا: فلولا أن وجهها عورة لا يجوز نظر الرجل الأجنبي إليه لما فعل رسول الله ﷺ ذلك بالفضل، أما المرأة ذاتها فقد كان عذرها في كشفه أنها كانت محرمة بالحج» (٤). وقال الشنقيطي ﵀ بعد أن ذكر الحديث: «قالوا: فالإخبار عن الخثعمية بأنها وضيئة يفهم منه أنها كانت كاشفة عن وجهها، وأجيب عن ذلك أيضَا من وجهين: الوجه الأول: الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث

стр. 431

التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، وأن النبي ﷺ رآها كاشفة عنه، وأقرها على ذلك، بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: أنها حسناء، ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها، وأنه ﷺ أقرها على ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها». إلى أن قال ﵀: «ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها، ومما يوضح هذا أن عبد اللَّه بن عباس ﵄ الذي روى عنه هذا الحديث لم يكن حاضراً وقت نظر أخيه إلى المرأة، ونظرها إليه لما قدمنا من أن النبي ﷺ قَدَّمه بالليل من مزدلفة إلى منى في ضعفة أهله (١)، ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل، وهو لم يقل له: إنها كانت كاشفة عن وجهها، واطلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصداً لاحتمال أن يكون رأى وجهها وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها، واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها. فإن قيل: قوله إنها وضيئة، وترتيِبه على ذلك بالفاء قوله: «فطفق الفضل ينظر إليها»، وقوله: «وأعجبه حسنها» فيه الدلالة الظاهرة

стр. 432

على أنه كان يرى وجهها وينظر إليه لإعجابه بحسنه. فالجواب: أن تلك القرائن لا تستلزم استلزاماً لا ينفك أنها كانت كاشفة، وأن النبي ﷺ رآها وأقرها لما ذكرنا من أنواع الاحتمال، مع أن جمال المرأة قد يعرف وينظر إليها لجمالها وهي مختمرة، وذلك لحسن قدِّها وقوامها، وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط كما هو معلوم، ولذلك فسر ابن مسعود: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالملاءة فوق الثياب كما تقدم. ومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب قول الشاعر: طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنها من قوام ما ومنتقبا فقد بالغ في حسن قوامها مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفَاً. الوجه الثاني: أن المرأة محرمة، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليها (١)، وعليها ستره عن الرجال في الإحرام كما هو معروف عن أزواج النبي ﷺ وغيرهن، ولم يقل أحد إن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل ابن عباس ﵄ (٢)، والفضل منعه النبي ﷺ من

стр. 433

النظر إليها، وبذلك يُعْلم أنها محرمة لم ينظر إليها فكشفها عن وجهها إذًا لإحرامها لا لجواز السفور (١). فإن قيل: كونها مع الحجاج مظنة أن يرى الرجال وجهها إن كانت سافرة لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج، لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال، فالجواب: أن الغالب على أصحاب النبي ﷺ الورع وعدم النظر إلى النساء، فلا مانع عقلًا ولا شرعًا ولا عادة من كونها لم ينظر إليها أحد منهم، ولو نظر إليها لحُكي كما حُكيَ نظر الفضل إليها، ويفهم من صرف النبي ﷺ بصر الفضل عنها أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة وهي سافرة كما ترى، وقد دلت الأدلة المتقدمة على أنها يلزمها حجب جميع بدنها عنهم. وبالجملة فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغرائز البشرية وداعٍ إلى الفتنة والوقوع فيما لا ينبغي، ألم تسمع

стр. 434

بعضهم يقول: قلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة ... ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم أترضى أيها الإنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك؟ ولقد صدق من قال: وما عجب أن النساء ترجلت ... ولكن تأنيث الرجال عجاب (١) قال الشيخ حمود التويجري ﵀: «وأما قول ابن حزم: لو كان وجهها مغطى ما عرف ابنُ عباس أحسناءُ هي أم شوهاء، فجوابه أن يقال: إن عبد اللَّه بن عباس لم يشهد قصة الخثعمية (٢)، ولم يَرَ وجهها، وإنما حدثه بحديثها أخوه الفضل بن عباس ﵄، ثم قال: وإن كان الفضل قد رأى وجهها فرؤيته له لا تدل على أنها كانت مستديمة لكشفه، ولا أن النبي ﷺ قد رآها سافرة بوجهها وأقرها على ذلك، وكثيرًا ما ينكشف وجه المتحجبة بغير قصد منها، إما بسبب اشتغال بشيء أو بسبب ريح شديدة أو لغير ذلك من الأسباب فيرى وجهها من كان حاضرَاً عندها، وهذا أولى ما حُملت عليه قصة الخثعمية، واللَّه أعلم (٣).

стр. 435

وقال الشيخ أبو هشام الأنصاري ﵀: «هذا هو النص الذي كثيرًا ما يتوكأ عليه من يتصدى لشق ستور النساء من علماء هذا الزمان، يتوكأ عليه لإقامة الحجة على جواز السفور، مع أن هذا الاستدلال لا يتمشى على طريقة الفقهاء المحدثين، فهي واقعة حال لا عموم لها، يتطرق إليها من الاحتمالات ما لا يتركها كمصدر للدليل، فمعلوم أن كشفها عن وجهها كان لأجل الإحرام (١) لا لجواز السفور، ثم يحتمل أن تلك المرأة كانت راكبة فكانت تحتاج إلى كشف وجهها للتثبت على راحلتها والتمكن عن ظهرها وزمامها، أو التجأت إلى ذلك لازدحام الحجيج وإيابهم وذهابهم فكان ما انكشف منها من قبيل ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٢)، أو تعمدت من كشف وجهها أن يراها النبي ﷺ شابة وضيئة حسناء فلعله يميل إلى التزوج بها، أو كشفت وجهها لأنها علمت أنها بمأمن من نظر الرجال، ويستأنس لذلك أن الراوي ذكر نظر الفضل إليها، ولم يذكر نظر أحد غيره إليها، فلو نظر إليها أحد غيره، لحكى ذلك كما حكى نظر الفضل إليها، ولما صرف النبي ﷺ وجه الفضل عنها لم يبق أحد ينظر إليها حتى تحتاج إلى ستر الوجه وتؤمر به، ويفهم من صرف نظر الفضل عنها أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة وهي سافرة، وأن وجه المرأة هو مصدر الفتن ومزلة الأقدام، فمن شاء فليفتح بابها، ومن شاء فليغلق.

стр. 436

والحاصل أن كل ما قدمنا من النصوص الدالة على وجوب الحجاب من الكتاب والسنة هي أصول وقوانين كلية، وهذه واقعة عين، وقد علمت ما فيها من الاحتمالات، فهي لا تصلح لمقاومة تلك النصوص، ولا يترك الدليل الكلي في مقابلة واقعة عين مثل هذه» (١). الشبهة الثانية عشرة: ما جاء عن عائشة ﵂ قالت: «كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ، لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَسِ». وفي رواية: «ثم ينقلبن إلى بيوتهن، وما يُعْرَفن من تغليس رسول اللَّه ﷺ بالصلاة، وفي رواية للبخاري: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ لاَ يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ، أَوْ لاَ يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا» (٢). قال الأصمعي: التلفع: أن تشتمل بالثوب حتى تجلل به جسدك، وقال الجوهري [في الصحاح]: تلفعت المرأة بمرطها: أي تلفحت به (٣)، وكذا قال ابن الأثير، وزاد: وتغطت، قال: واللفاعُ: ثوبٌ يُجلل به الجسد كله (٤)، قال الجوهري: وتلفع الرجل بالثوب

стр. 437

والشجرُ بالورق إذا اشتمل به (١). قال العلامة التويجري ﵀: «وهذا الحديث يدل على أن نساء الصحابة كن يغطين وجوههن، ويستترن عن نظر الرجال الأجانب، حتى إنهن من شدة مبالغتهن في التستر وتغطية الوجوه لا يَعْرِفُ بعضهُن بعضَاً، ولو كُنَ يكشفن وجوههن لعرف بعضهُن بعضاً كما كان الرجال يعرفُ بَعضهم بعضَاً، قال أبو بَرْزَة ﵁: «وكان - يعني النبي ﷺ ينفتل من صلاة الغداة حين يعرفُ الرجل جليسه» (٢). قال الداودي في قوله: «ما يعرفن من الغَلَس» معناه: لا يعرفْن أنساء أم رجال؟ أي لا يظهر للرائي إلا الأشباح خاصَّة. قيل: لا يُعْرَفُ أعيانهن، فلا يُفَرَّقُ بين خديجة وزينب - قال النووي: «وهذا ضعيف؛ لأن المتلفعة في النهار لا يُعْرف عينُها فلا يبقى في الكلام فائدة» (٣). وقول النووي هذا مع ما تقدم عن أئمة اللغة في تفسير التلفع يؤيد ما ذكرتُه من مبالغة نساء الصحابة ﵃ في التستر وتغطية وجوههن عن الرجال الأجانب، ويؤيد هذا ما تقدم (٤) عن عائشة

стр. 438

- ﵂ أنها ذكرت نساء الأنصار وفضلهن، وأنهن لما أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (١) قامت كل امرأة منهن إلى مِرْطها فاعتجرت به، فأصبحن وراء رسول اللَّه ﷺ معتجراتِ كأن على رؤوسهن الغربان، رواه ابن أبي حاتم - وقد تقدم تفسير الاعتجار وأنه لف الخمار على الرأس مع تغطية الوجه» (٢). قال بدر الدين العيني ﵀: «ثم عدم معرفتهن يحتمل أن يكون لبقاء ظلمة من الليل، أو لتغطيتهن بالمروط غاية التغطي، وقيل: معنى «ما يعرفهن أحد» يعني ما يعرف أعيانهن، وهذا بعيد، والأوجه فيه أن يقال: «ما يعرفهن أحد» أي: نساء هم أم رجال، وإنما يظهر للرائي الأشباح خاصة» (٣). وقال في موضع آخر: «قوله: «متلفعات» حال، أي متلحفات

стр. 439

من التلفع، وهو شد اللفاع، وهو ما يغطي الوجه، ويتلحف به» (١). الشبهة الثالثة عشرة: قول بعضهم: «إن الدين يسر» وإباحة السفور مصلحة تقتضيها مشقة التزام الحجاب في عصرنا. والجواب أن تقرير التيسير ورفع الحرج في الدين عن المسلمين ثبت بأدلة القرآن والسنة: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣). وقال : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤). وقال جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٥). وقال ﵎ في وصف رسول اللَّه ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ (٦) حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ

стр. 440

رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، وقال في صفته في التوراة والإنجيل: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢). فهذه الآيات صريحة في التزام مبدأ التخفيف والتيسير على الناس في أحكام الشرع، قال الشاطبي ﵀: «إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع» (٣). أما السنة القولية: فمنها: قوله ﷺ : «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» (٤). وقوله ﷺ : «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ» (٥). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «ادْعُوَا النَّاسَ، وَبَشِّرَا، وَلاَ تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا، وَلاَ تُعَسِّرَا [وتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا]» (٦).

стр. 441

وقال للصحابة في حادثة الأعرابي الذي بال في المسجد: «فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرْينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» (١). وقال ﷺ : «بشروا، ولا تنفروا، ويسروا، ولا تعسروا» (٢). وقال ﷺ : «إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ» (٣). وأما سنته الفعلية ﷺ : فـ «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بينَ أَمْرَيْنِ إلاَّ أَخَذَ أيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إثْماً، فَإِنْ كَانَ إثْماً، كَانَ أبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ» (٤) الحديث. أضف إلى ذلك ما ثبت من مشروعية الرخص، وهو أمر مقطوع به، ثم إجماع علماء الأمة على عدم وقوع المشقة غير المألوفة في التكاليف الشرعية. والحاصل: أن الشارع لا يقصد أبدًا إعنات المكلفين أو تكليفهم ما لا تطيقه أنفسهم، فكل ما ثبت أنه تكليف من اللَّه للعباد فهو داخل في مقدورهم وطاقتهم (٥).

стр. 442

الشبهة الرابعة عشرة: حديث قيس بن أبي حازم، قال: دخلت مع أبي على أبي بكر _ وكان رجلاً خفيف اللحم أبيض، فرأيت يدي أسماء موشومة» (١). قال دعاة السفور: هذا الأثر يدل على أن أسماء كانت كاشفة لوجهها حال دخول قيس بن أبي حازم مع أبيه عليها؛ إذ لو كانت ساترة لوجهها ما عرف بياضها. وأجيب بأنه لا يدل على أنها كانت كاشفة لوجهها في تلك الحادثة من وجوه: الوجه الأول: أن الحديث ليس فيه ذكر أنهما رأيا وجه أسماء البتة، ولا يجوز أن يحمل ما لا يتحمله. فقد يعرف البياض من رؤية

стр. 443

اليدين أو نحو ذلك مما يظهر ضرورة. الوجه الثاني: أن إسلام أسماء قديم، وقد هاجرت إلى الحبشة والمدينة فهي من المهاجرات الأول. وقد قالت عَائِشَةُ ﵀: «يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا» (١). قال الحافظ ابن حجر: «أي غطين وجوههن» (٢). وقال العيني: «أي غطين وجوههن بالمروط التي شققنها» (٣) (٤).

стр. 444

المبحث السابع: الفتاوى المحققة المعتمدة في الحجاب والتبرج والسفور أولاً: فتاوى الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية سابقاً ﵀ ١ - (٢٦٤٠ - استفتاء عن حكم كشف المرأة وجهها ويديها للرجال الأجانب ، وعن معنى آيات في الحجاب، وعن جواز اختلاط النساء بالرجال). من محمد بن إبراهيم إلى صاحب الفضيلة رئيس المحكمة الكبرى بأبها ... سلّمه اللَّه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد بالإشارة إلى خطابكم لنا رقم ٤٦١٩ وتاريخ ٩ - ٨ - ٧٨هـ وبرفقة الاستفتاء المقدم من محمد مرعي علي القحطاني وصل وقد سأل فيه عما يأتي: الأول: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرُهِنَّ عَلَى جُيُوبِهُنَّ﴾ (١)؟ الجواب: اختلف المفسرون في معنى هذه الآية، على أقوال: الأول: روى الحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه وسعيد بن منصور في سننه وابن أبي شيبة في المصنف وغيرهم بأسانيدهم، عن ابن مسعود أنه قال: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة

стр. 445

السوار والدملج والخلخال والقرط والقلادة ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الثياب والجلباب. الثاني: روى عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد في تفسيره بسنديهما، عن ابن عباس ﵁، أنه قال: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال: هو خضاب الكف، والخاتم. الثالث: روى ابن أبي شيبة في مصنفه وابن أبي حاتم في تفسيره بسنديهما، عن ابن عباس ﵄، أنه قال في قوله: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ الوجه، والكفان، والخاتم. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن عكرمة في قوله: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ قال الوجه والكفان، وبه قال سعيد بن جبير، وعطاء. وروى أبو داود والبيهقي في سننهما بسنديهما، عن عائشة ﵂ قالت: «إن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها، وقال: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفه» (١). وروى أبو داود في المراسيل عن قتادة، أن النبي ﷺ قال: «إن

стр. 446

الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل» (١). إذا علمت ما سبق من الأقوال، فالراجح منها هو قول ابن مسعود ﵁، لدلالة الكتاب والسنة على مشروعية التستر للنساء في جميع أبدانهن إذا كن بحضرة الرجال الأجانب. أما أدلة الكتاب فهي ما يلي: الأول: قال تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ (٢). وجه الدلالة أن المرأة إذا كانت مأمورة بسدل الخمار من رأسها على وجهها لتستر صدرها، فهي مأمورة بدلالة التضمن أن تستر ما بين الرأس والصدر وهو الوجه والرقبة، وروى البخاري في الصحيح عن عائشة ﵂، أنها قالت: رحم اللَّه نساء المهاجرين الأول لما نزل ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ شققن أزرهن فاختمرن بها.

стр. 447

و «الخمار» ما تغطي به المرأة رأسها. و «الجيب» موضوع القطع من الدرع والقميص، وهو من الأمام كما تدل عليه الآية لا من الخلف كما تفعله نساء الإفرنج، ومن تشبه بهن من نساء المسلمين. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). قال الراغب في مفرداته، وابن فارس في معجمه: القاعدة لمن قعدت عن الحيض والتزوج. وقال البغوي في تفسيره: قال ربيعة الرأي: هن العجز اللاتي إذا رآهن الرجال استقذروهن، فأما من كانت فيها بقية من جمال وهي محل الشهوة فلا تدخل في هذه الآية. انتهى كلام البغوي. وأما «التبرج» فهو إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الأجانب، ذكر ذلك صاحب اللسان والقاموس وغيرهما. وجه الدلالة من الآية أنها دلت بمنطوقها على أن اللَّه تعالى رخص للعجوز التي لا تطمع في النكاح أن تضع ثيابها فلا تلقي عليها جلباباً ولا تحتجب لزوال المفسدة الموجودة في غيرها، ولكن إذا تسترن كالشابات فهو أفضل لهن، قال البغوي: ﴿وإن يستعففن﴾ فلا يلقين الحجاب والرداء ﴿خير لهن﴾، وقال أبو حيان

стр. 448

﴿وإن يستعففن﴾ عن وضع الثياب ويستترن كالشابات فهو أفضل لهن. انتهى كلام أبي حيان. ومفهوم المخالفة لهذه الآية أن من لم تيأس من النكاح وهي التي قد بقي فيها بقية من جمال وشهوة للرجال فليست من القواعد ولا يجوز لها وضع شيء من ثيابها عند الرجال الأجانب لأن افتتانهم بها وافتتانها بهم غير مأمون. الثالث: قال تعالى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (١). وجه الدلالة أن اللَّه تعالى أمر نساء النبي بلزوم بيوتهن ونهاهن عن التبرج، وهو عام لهن ولغيرهن كما هو معلوم عند الأصوليين أن خطاب المواجهة يعم، ولكن خصهن بالذكر لشرفهن على غيرهن ومن التبرج المنهي عنه إظهار الوجه واليدين. الرابع: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٢) المتاع عام في جميع ما يمكن أن يصلب من مواعين وسائر المرافق للدين والدنيا. وجه الدلالة من الآية أن اللَّه تعالى أذن في مسألة نساء النبي ﷺ في ذلك جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنه أصول الشريعة من أن المرأة

стр. 449

عورة: بدنها وصوتها فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها وداء يكون ببدنها وسؤال عما يعرض وتعين عندها، وهذا يدل على مشروعية الحجاب؛ ولهذا قال: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١) يريد الخواطر التي تعرض للنساء في أمر الرجال. وبالعكس: أي ذلك أنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية، وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له. الخامس: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢). وجه الدلالة من الآية ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه في تفاسيرهم بأسانيدهم، عن ابن عباس ﵄ وعبيدة السماني ﵁، أنهما قالا: أمر اللَّه نساء المسلمين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عيناً واحدة. انتهى كلامهما. وقوله: (عَلَيْهِنَّ) أي من على وجوههن؛ لأن الذي كان يبدو في الجاهلية منهن هو الوجه. والجلابيب جمع جلباب. قال ابن منظور في «لسان العرب» نقلاً عن ابن السكيت أنه قال: قالت العامرية:

стр. 450

الجلباب الخمار. وقال ابن الأعرابي: الجلباب الإزار، لم يرد به إزار الحقو، ولكنه أراد إزاراً يشتمل به فيجلل جميع البدن، وكذلك إزار الليل وهو كثوب السابغ الذي يشتمل به النائم فيغطي جسده كله. انتهى كلام ابن منظور. وفي صحيح مسلم عن أم عطية ﵂: «قالت: يا رسول اللَّه، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: لتلبسها أختها من جلبابها» (١)، وقال أبو حيان في تفسيره: كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة وهما مكشوفتا الوجه في درع وخمار، وكان الزناة يتعرضون لهن إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والمحيطان للإماء، وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة يقولون حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن زي الإمام بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن. وإذ قد أتينا على الأدلة من الكتاب فيحسن أن نختم الكلام عليها بكلام لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم عبد السلام ابن تيمية يتعلق بهذه الآيات. قال ﵀: «والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة؟ على قولين، فقال ابن مسعود ومن وافقه هو ما في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم. قال: وحقيقة الأمر أن اللَّه جعل الزينة زينتهن: زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة وجوَّز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذي المحارم.

стр. 451

وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذي المحارم. وقبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا حجاب يرى الرجال وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل اللَّه آية الحجاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ حجب النساء عن الرجال وكان ذلك لما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش، فأرخى النبي ﷺ الستر ومنع أنساً من أن ينظر، ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك على خيبر قالوا إن حجبها فهي من نساء المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه، فحجبها، فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، «والجلباب» هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره (الرداء)، وتسمية العامة (الإزار الكبير) الذي يغطي رأسها ويستر بدنها، وقد حكى عبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، وجنسه «النقاب»، فكان النساء ينتقبن، وفي الصحيح «أن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين» (١)، وإذا كن مأمورات بالجلباب وهو ستر الوجه بالنقاب كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت أن لا تظهرها للأجانب فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن

стр. 452

عباس أول الأمرين» (١). انتهى كلام شيخ الإسلام. وأما الأدلة من السنة فنقتصر منها على ما يأتي: الدليل الأول: عن أم سلمة ﵂، أنها كانت عند رسول اللَّه ﷺ مع ميمونة، قالت: «بينما نحن عندها أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال ﷺ : احتجبا منه، فقلت: يا رسول اللَّه، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال ﷺ : «أوعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟!». رواه الترمذي وغيره (٢). وقال بعد إخراجه: «حديث حسن صحيح»، وقال ابن حجر: إسناده قوي» (٣). [الدليل] الثاني: عن أنس ﵁ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: «يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرت نساء المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل اللَّه آية الحجاب» (٤). [الدليل] الثالث: عن عائشة ﵂، قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول اللَّه ﷺ محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه» رواه الإمام

стр. 453

أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم (١). [الدليل] الرابع: عن عقبة بن عامر ﵁: «أنه سأل النبي ﷺ عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة , فقال: «ردوها فلتختمر، ولتركب ولتصم ثلاثة أيام»، رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وقال الترمذي بعد إخراجه: «هذا حديث حسن» (٢). أما وجه الدلالة من الأحاديث الثلاثة الأول فظاهر، وأما الرابع فوجه الدلالة منه أن النبي ﷺ أمرها بالاختمار؛ لأن النذر لم ينعقد فيه؛ لأن ذلك معصية، والنساء مأمورات بالاختمار والاستتار. [الدليل] الخامس: عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «المرأة عورة»، رواه الترمذي، والبراز، وابن أبي الدنيا، والطبراني، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحهما، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح غريب» (٣)، وقال المنذري: «رجاله رجال الصحيح». والمقصود أن الأدلة الدالة على جواز كشف الوجه واليدين نسخت بالأدلة الدالة على وجوب تستر المرأة كما يدل عليه حديث

стр. 454

أم سلمة وحديث أنس السابقين (١). [السؤال] (الثاني): من المقصود بقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ (٢)؟ والجواب: أما المراد بقوله: (أو نسائهن) فقد اختلف فيه المفسرون على قولين: [القول] الأول: أن المراد بالنساء المسلمات، ويدخل في هذه الإماء المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم، فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئاً من بدنها بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون أمة لها، فلذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ وقال ابن عباس ﵄: لا يحل لمسلمة أن تراها يهودية أو نصرانية لئلا تصفها لزوجها. وأخرج عبد ابن حميد وابن المنذر في تفسيرهما من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس (أو نسائهن) قال: هن المسلمات لا تبدين ليهودية أو نصرانية- وهو النحر والقرط والوشاح وما حوله (٣). وروى سعيد بن منصور في سننه وابن المنذر في تفسيره والبيهقي في سننه (٤) عن مجاهد، قال، لا تضع المرأة خمارها أي لا

стр. 455

تكون قابلة عند مشركة، ولا تقبلها، لأن اللَّه تعالى يقول (أو نسائهن) فلسن من نسائهن. وروى سعيد بن منصور، والبيهقي (١) في سننهما، وابن المنذر في تفسيره بأسانيدهم عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه كتب إلى عبده: أما بعد: فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فإنه لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها (٢). [القول] الثاني: أنه عام في نساء المسلمين وغيرهم، وهذا قول ابن العربي المالكي، وبناه على اللفظ عام، وأن الضمير إنما جاء للاتباع فقط. والقول الأول أرجح، لما سبق من الأدلة على ذلك. وأما قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فظاهر الآية إنها تشمل العبيد والإماء من كان مسلماً ومن كان كتابياً، يدل على ذلك ما رواه أبو داود في سننه بسنده عن أنس ﵁ «أن رسول اللَّه ﷺ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، قال وعلى فاطمة ثوب إذا غطت به رأسها لم يبلغ إلى رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ إلى رأسها، فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى من ذلك قال: «إنه لا بأس عليك إنما هو أبوك وغلامك» (٣).

стр. 456

وبهذا القول قال ابن عباس، ومجاهد، وجماعة من أهل العلم وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة ﵄. وأما قوله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ فاختلف المفسرون في ذلك على سبعة أقوال، وهو من باب اختلاف التنوع فإن هذه الأقوال تجتمع في أن المقصود من لافهم له ولا همة ينتبه بها إلى النساء كالعنِّين والشيخ الكبير والصبي الذي لم يدرك. والسؤال الثالث: ما معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (١). الجواب: ما روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر في تفاسيرهم بأسانيدهم إلى ابن عباس ﵁ أنه قال: هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال، وتكون على رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال، فنهى اللَّه عن ذلك؛ لأنه من عمل الشيطان. وجاء هذا التفسير أيضاً عن ابن مسعود، وقتادة، ومعاوية بن قرة، وسعيد بن جبير وغيرهم (٢). ٢ - (٢٦٥١ - خلوة الرضيع بأخته من الرضاعة) قوله: ويحرم خلوة ذكر غير محرم بامرأة.

стр. 457

لكن كثير من الرضعاء يخشى منهم، إذا كان ليس صاحب أمانة ومشهور بالشر، فينبغي أن لا يخلو بها، ولا يكون محرماً في الحج كما نبه عليه في المناسك؛ فإنه لا يوجد في الرضيع غيرة على رضيعته والتشيم من ذلك، واستفظاعه، مثل ما عند صاحب القرابة. المقصود التنبيه أن الرضعاء يختلفون، والأصل الإباحة، لكن يصار إلى ملاحظتهم، الذي معروف أنه ما فيه خير لا ينبغي أن يكون محرماً في سفر أو نحوه. ٣ - (٢٦٥٢ - الخلوة بجمع من النسوة) س: جمع نسوة؟ ج: ما يصلح، الشيطان غير مأمون؛ فإنه قد يتسرب إلى واحدة وهي قد تتسرب إليه، أو يخص على من يعلم أنها تجيبه ونحو ذلك، لا تبيت المرأة إلا مع ذي محرم ولو كانت الدار ذات صفف وكل في صفة إذا كان يحويها باب واحد بأن يكون في دار. (تقرير) ٤ - (٢٦٥٣ - ولا يخلو الرجل بالمرأة ولو للتحقيق، ولا تسجن إلا مع نساء ، وكذلك الأحداث) من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي وزير الداخلية ... وفقه اللَّه السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته ... وبعد فقد اطلعنا على برقيتكم رقم ٧٢٦١ وتاريخ ٢٤ - ١١ -

стр. 458

١٣٨٨هـ بخصوص نقل السجينات من جهة لأخرى، أو ترحيلهن وفيهن السعوديات والأجنبيات، وفيهن من لا محرم لها، وتطلبون الحل الشرعي لهذه الحالة وأمثالها؟ والجواب: الحمد للَّه. المعروف في عهد النبي ﷺ وأصحابه أن المرأة لا تسجن مثل هذا السجن الطويل، ومع هذا فإذا دعت الحاجة إلى سجن المرأة فيتعين أن تسجن عند نساء ثقات قويات لا تسلط للرجال عليهن، وإذا سجنت المرأة فلا تخرج من سجنها إلا إذا دعا أمر ضروري لذلك، على أن يرفقها محرمها المأمون في خروجها حتى ترجع إلى محلها، ولا يدع أحداً من الرجال يقربها ولا يخلو بها، حتى ولو كان للتحقيق، فلا يخلو بها الرجل مطلقاً، حتى ولو فرضنا أن التحقيق سري فلا بد من وجود محرمها، فإن لم يكن لها محرم فمع امرأة مأمونة قوية ولا تمكن أحداً يقربها ولا يخلو بها، وإن كانت امرأتان فهما أحوط. هذا إذا لم يكن معها محرم، وإلا فحضور محرمها الذي يغار عليها هو المتعين. وبهذه المناسبة ينبغي تفقد القائمين على سجون النساء والصبيان ومن يتصلون بهم، وأخذ الاحتياطات اللازمة في المحافظة على النساء السجينات والأحداث، غيرة على محارم اللَّه أن تنتهك. وحيطة على محارم المسلمين، ولا يكفي إحسان الظن في مثل

стр. 459

هذا بل المقام مقام خطر عظيم يستدعي الحذر والحزم وأخذ بالأحواط. واللَّه يتولى الصالحين والسلام عليكم. مفتي الديار السعودية (ص-ف ٢٠٢٦ - ١ في ٢٧ - ٣ - ١٣٨٩هـ) ٥ - (٢٦٥٤ - ركوب النساء في سيارات الأجرة (التكاسي) من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي أمير منطقة الرياض ... وفقه اللَّه السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته ... وبعد فقد اتصل بنا مندوبكم عبد الرحمن بن عبيكان بخصوص ركوب النساء مع أصحاب سيارات الأجرة بدون محرم. ووعدته بأن أتأمل المسألة وأكتب الجواب اللازم. والآن لم يبق شك في أن ركوب المرأة الأجنبية مع صاحب السيارة منفردة بدون محرم يرافقها منكر ظاهر، وفيه عدة مفاسد لا يستهان بها، سواء كانت المرأة خفرة (١) أو برزة، والرجل الذي يرضى بهذا لمحارمه ضعيف الدين، ناقص الرجولة، قليل الغيرة على محارمه، وقد قال ﷺ : «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» (٢)، وركوبها معه في

стр. 460

السيارة أبلغ من الخلوة بها في بيت ونحوه لأنه يتمكَّن من الذهاب بها حيث شاء من البلد أو خارج البلد، طوعاً منها أو كرهاً. ويترتب على ذلك من المفاسد أعظم مما يترتب على الخلوة المجردة. ولا يخفى آثار فتنة النساء والمفاسد المترتبة عليها، ففي الحديث: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (١)، وفي الحديث الآخر: «اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (٢). لهذا وغيره مما ورد في هذا الباب وأخذاً بما تقتضيه المصلحة العامة ويحتمه الواجب الديني علينا وعليكم نرى أنه يتعين البت في منع ركوب أي امرأة أجنبية مع صاحب التاكسي بدون مرافق لها من محارمها أو من يقوم مقامه من محارمها أو أتباعهم المأمونين المعروفين. كما يتعين على المسئولين القيام بهذا الأمر بحد وصرامة، ويشكل لجنة وتقرر لذلك من الجزاء ما يتناسب مع حالة مرتكبه، ومن خالف ذلك فيطبق بحقه الجزاء المقرر، فمثلاً يقرر عليه غرامة مالية، فإن عاد ثانية فتضاعف عليه الغرامة مع حبسه مدة معينة وتعزيره أسواطاً معلومة، فإن عاد ثالثاً ضوعفت عليه الغرامة والحبس والتعزير وسحبت منه الرخصة من مزاولة هذه المهنة، كما تعزر المرأة التي ترتكب مثل هذا، ويعزر وليها الذي يرضى لها بمثل ذلك. ولكن لا بد من إعلان ذلك في الجرائد والإذاعة وتحذير الناس أولاً. وعلى
следующие страницы →