← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96549

شرح الدعاء من الكتاب والسنة

ماهر بن عبد الحميد بن مقدم

Полный текст (599 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح الدعاء من الكتاب والسنة للشيخ د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني شرحه ماهر بن عبد الحميد بن مقدم صححه وخرّج أحاديثه وقدم له مؤلف الأصل

стр. 2

مقدمة المصحح مؤلف الأصل إن الحمد للَّه، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد. فقد شرح اللَّه صدر الأخ ماهر بن عبد الحميد بن مقدم أبي عبد الرحمن من الكويت لشرح كتابي: ((الدعاء من الكتاب والسنة))، فشرحه شرحاً مفيداً نافعاً، على منهج أهل السنة والجماعة، وقد طلب مني تصحيحه وتخريج أحاديثه، والتقديم له، فشرفني بذلك، فقرأت ما كتبه كله، وصحّحت ما يحتاج إلى تصحيح، سواء في اللغة، أو في الإملاء، على قدر ما يسّر اللَّه من ذلك، وخرّجنا أحاديثه، وآثاره، وعملنا له فهارس تفصيلية علمية، ثم قرأت الكتاب مرة أخرى بعد الصفّ، وراجعناه مرات عديدة، وقد ألفيت الشرح شرحاً جيّداً، رجع فيه شارحه إلى أصول شروح الأحاديث المعتمدة، وكتب أهل السنة النافعة، فجزاه اللَّه خيراً، وضاعف مثوبته، ونفعني وإياه بهذا الشرح في حياتنا، وبعد مماتنا، ونفع به من انتهى إليه، وصلى اللَّه وسلّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. كتبه سعيد بن علي بن وهف القحطاني حرر في ضحى يوم الجمعة ١٠/ ٩/ ١٤٣١هـ.

стр. 3

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) اللَّهُ ... الأوَّلُ ... الآخِرُ ... الظَّاهِرُ ... الباطِنُ ... العليُّ ... الأعْلَى المُتعالِ ... العظيمُ ... المجيدُ ... الكبيرُ ... السميعُ ... البصيرُ ... العليمُ الخبيرُ ... الحميدُ ... العزيزُ ... القديرُ ... القادرُ ... المقتدرُ ... القويُّ المتينُ ... الغنيُّ ... الحكيمُ ... الحليمُ ... العفوُّ ... الغفورُ ... الغفَّارُ التَّوَّابُ ... الرَّقيبُ ... الشَّهيدُ ... الحفيظُ ... اللَّطيفُ ... القريبُ ... المُجيبُ الودودُ ... الشاكرُ ... الشكورُ ... السيِّدُ ... الصَّمدُ ... القاهِرُ ... القَهَّارُ الجَبَّارُ ... الحَسيبُ ... الهادي ... الحَكَمُ ... القُدُّوسُ ... السَّلامُ ... البَرُّ الوهَّابُ ... الرحمنُ ... الرحيمُ ... الكريمُ ... الأكرمُ ... الرءوفُ ... الفتَّاحُ الرَّازقُ ... الرَّزَّاقُ ... الحيُّ ... القَيُّومُ ... الربُّ ... الملكُ ... المليكُ الواحدُ ... الأحدُ ... المتكبِّرُ ... الخالقُ ... الخلاّقُ ... البارئُ ... المصوِّرُ المؤمنُ ... المهيمنُ ... المحيطُ ... المُقيتُ ... الوكيلُ ... الكافي ... الواسعُ الحقُّ ... الجميلُ ... الرفيقُ ... الحييُّ ... السِّتِّيرُ ... الإلهُ ... القابضُ الباسطُ ... المُعطي ... المُقدِّمُ ... المؤخِّر ... المبينُ ... المنَّانُ ... الوليُّ الموْلى ... النَّصيرُ ... الشَّافي ... مالكُ الملكِ جامعُ الناسِ ... نورُ السمواتِ والأرضِ ... ذو الجلالِ والإكرامِ بديعُ السمواتِ والأرضِ (٢)

стр. 4

مقدمة الشارح إنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام اللَّه تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فمن أعظم نعم اللَّه جل وعلا على المسلم، أن شرّفه بهذا الدين القويم، المحروم منه أكثر العالمين، نعمة مخصصة منه جل وعلا. ومن عظيم نعمه جل وعلا على عباده التي لا تُحصى، أن أذن لهم بالدعاء، وأرشدهم إلى سبله، ووعدهم بالإجابة، والإثابة عليه منه تفضلاً، وتكرماً وإحساناً، وبيّن كتاب ربنا جلّ ثناؤه أهميته وعظم شأنه، فقد افتتح كتابه الحكيم به في أعظم سورة في القرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ*صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١)، واختتم عز شأنه كتابه بسورتين بأفضل ما يتعوذ بهما المتعوذون (المعوذتين)، فأول القرآن وآخره مشتملٌ على الدعاء ((وإذا تأمل العبد آيات التنزيل رأى فيه نحو ثلاثمائة آية في الدعاء وفيها من أسرار التنزيل عجباً)) (٢).

стр. 5

وقد سمى اللَّه الدعاء ديناً، فقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١)، وسماه عبادة، والتي من أجلها خلق الخلق: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٢). والسنة المطهرة عن المصطفى ﷺ حافلة بفضائله، منوهةٌ بعلو شأنه، ومكانته، ورفع منزلته، ولا يخفى في عناية الشارع الكريم بالدعاء، دلالة على أنه أعظم العبادات، وأجلّ الطاعات، وروح العبادات ولبّها، وأفضلها. فعن مطرف بن عبد اللَّه قال: ((تذكرت ما جماع الخير؟ فإذا الخير: كثير الصوم، والصلاة، وإذا هو في يد اللَّه ، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد اللَّه إلا أن تسأله فيعطيك، فإذاً جماع الخير الدعاء)) (٣). ولقد قيّض اللَّه ﵎ في كل زمن وحين، علماء يصونون هذا الدين العظيم من كلّ شائبة، في كل علمٍ من علومه، ولقد قيّض اللَّه جل وعلا من كتب في علمٍ من علومه الجليلة ((الدعاء)) هو الأخ الشيخ الدكتور الفاضل ((سعيد بن علي بن وهف القحطاني)) - حفظه اللَّه وسدده - فقد جمع كتاباً شاملاً مانعاً من أصح ما كتب في هذا

стр. 6

الباب، فقد جعل اللَّه ﵎ لهذا الكتاب القبول الواسع في أرجاء العالم الإسلامي، فلا تكاد ترى بيتاً إلا وفيه هذا الكتاب، وقد لا أكون مبالغاً إذا قلت بل في كل دار من دور البيت، وهذه بشرى نزفها إليه في هذه الدنيا، ونسأل اللَّه ﵎ أن يتم له البشرى الكاملة في الدار الآخرة في أعلى الفردوس، ونحن معه. ولما كان هذا الكتاب الجليل بهذا القبول والأهمية، أحببت أن أقوم بشرحه، وإن كنت لست أهلاً له، لكني آمل أن أكون من الذين قال فيهم الرسول ﷺ : ((المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)) (١)، فقمت مستعيناً باللَّه ، وهو خير المعين، لعلّي أقتطف من هذا المعين من الأجر والثواب العظيم، من رب كريم رحيم، ثم استعنت باللَّه ثم باللآلئ المنثورة من أقوال أهل العلم في الكتب المبسوطة في هذا الفن، فسهَّل عليَّ هذا المسلك والطريق، فلله الحمد والمنة، كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه. أما عملي في الكتاب: فقد قمت بشرح الأدعية التي في الكتاب شرحاً مبسطاً، مع ذكر بعض الفوائد في الآيات القرآنية والسنة النبوية، وقد أضفت بعض الأحاديث في الفضائل، وكذلك في السنن والآداب، وجعلت الرمز (*) حتى يتميز بين الأصل والشرح، واعلم يا عبد اللَّه أن هذا الموضوع العظيم الجليل القدر لا يعطَى حقه في هذا

стр. 7

الجهد المتواضع، لكن العبد يتقرب إلى مولاه ما استطاع إليه سبيلاً، واعلم يا عبد اللَّه أن الإكثار من الدعاء، والتشبث به يدخل العبد في جنة معجلة قبل جنة الآخرة. وختاماً هذا جهد المقل، فإن كان خيراً فمن اللَّه ، وإن كان غير ذلك فمن نفسي، ومن الشيطان، وآمل من كل أخ كريم ألاّ يبخل عليَّ بالنصح والبيان في مواطن الزلل، وأسأل اللَّه جل وعلا أن يجعل هذا العمل المتواضع مباركاً نافعاً، وأن يرزق مؤلفه، وشارحه، وطابعه، وناشره، وقارئه، مرافقة سيّد الأوّلين والآخرين في الفردوس الأعلى ((اللَّهم آمين)). وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين. كتبه ماهر بن عبد الحميد بن مقدم غفر اللَّه له، ولوالديه، ولجميع المسلمين الأحد ٢٨ محرم ١٤٣٠هـ. الموافق٢٥ يناير ٢٠٠٩م

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَةُ المؤلف إنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً. أمَّا بَعْدُ: فَهَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْ كِتَابِي ((الذَّكْرُ وَالدُّعَاءُ وَالعِلاَجُ بِالرُّقَى مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)) (١)، اخْتَصَرْتُ فِيهِ قِسْمَ الدُّعَاءِ؛ لِيَسْهُلَ الانْتِفَاعُ بِهِ، وَزِدْتُ عَلَيْهِ أَدْعِيَةً، وَفَوَائِدَ نَافِعَةً، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَسْأَلُ اللَّهَ بِأسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلاَ أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصَاً لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ، وَسَلَّمَ، وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ، وَأَصْحَابِهِ، وأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين. المؤلف حرر في شعبان ١٤٠٨هـ

стр. 9

تعريف الدعاء الدعاء في اللغة: مأخوذ من مادة (دَعَو) التي تدلّ في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك (١). ويأتي الدعاء باللغة بعدة معانٍ (٢): ١ - الطلب والسؤال: وهو طلب الطالب للفعل من غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء﴾ (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٤). ٢ - العبادة: كما في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ (٥). ٣ - الاستغاثة والاستعانة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٦).

стр. 10

٤ - النداء والصياح: ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (٢). ٥ - القول: ومنه قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ (٣). ٦ - التوحيد: كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ (٤)﴾، يقول: ((لا إله إلا اللَّه ويدعوه)) (٥). ٧ - الثناء: ومنه قوله : ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٦)، وغير ذلك. تعريف الدعاء في الشرع: قال الخطابي ﵀: ((هو استدعاء العبد ربه العناية، واستمداده إياه المعونة، وحقيقة إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة)) (٧). وقال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: ((دعاء المسألة: هو

стр. 11

طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره ودفعه)) (١). وعُرِّف الدعاء كذلك بأنه: ((الرغبة إلى اللَّه ، أو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى اللَّه، والاستكانة له)) (٢)، وهناك تعريفات أخرى لا تخرج عن هذه المعاني، وكل ما ذكر يدخل في معنى الدعاء، الذي يدل: على معاني سمو في العبودية للَّه تعالى من التذلل والخضوع، والاستكانة والرغبة والرهبة، والتعلق في ظاهر العبد وباطنه بين يدي اللَّه تعالى، في مقام عظيم لا يعبر عنه إلا من لازمه، وذاق حلاوته. أنواع الدعاء باعتباره ومعناه: كل دعاء ورد في كتاب اللَّه تعالى، وسنة المصطفى ﷺ ، فإنه يتناول نوعين اثنين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة (٣)، فإن الدعاء في القرآن يُراد به هذا تارة، وهذا تارة، ويُراد به مجموعهما (٤). قال العلامة ابن سعدي ﵀: ((كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء والنهي عن دعاء غير اللَّه تعالى، والثناء على الداعين يتناول: دعاء المسألة، ودعاء العبادة، وهذه قاعدة نافعة، فإن أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء والدعوة، دعاء المسألة فقط،

стр. 12

ولا يظنون دخول جميع العبادات في الدعاء ... )) (١). تلازم نوعي الدعاء: من خلال ما مضى تبين لنا أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وكلٌّ من نوعي الدعاء متلازمان، فإذا أريد به المسألة والطلب يدل على العبادة بطريق التضمن؛ لأن الداعي دعاء المسألة عابد للَّه تعالى بسؤاله، ورغبته، والتضرع إليه، والابتهال إليه، والانطراح بين يديه، وهو يرجو قبول دعوته، وقضاء حاجته، وهو مع ذلك خائف من طرده، وعدم قبول دعوته، فهذا هو لبُّ العبادة، ومخّها، وروحها، وحقيقتها، فالآيات التي ورد فيها الدعاء مراداً به دعاء المسألة، تدل هذه الآيات بطريق التضمن على دعاء العبادة، وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام، وذلك لأن العابد للَّه تعالى كالذي يذكر اللَّه تعالى مثلاً، فهو في الحقيقة سائل للَّه تعالى، يسأله الفوز بالجنة، والنجاة من النار، فإنه يعبد اللَّه تعالى خوفاً من عقابه، وطمعاً في رحمته، ولا يخلو العابد في قرارة نفسه من الخوف والرجاء؛ ولهذا فالعبادة تستلزم السؤال والطلب، فإذا أريد من الدعاء دعاء العبادة، فإنه يدل على دعاء المسألة استلزاماً (٢).

стр. 13

فضل الدعاء ذكر المؤلف وفقه اللَّه فضل الدعاء من الكتاب والسنة على النحو الآتي: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) هذا وعد من اللَّه محقق أن من دعاه، فإنه تعالى سيجيبه، ((فقد علّق في هذه الآية الإجابة بالدعاء تعليق المسبب بالسبب)) (٢). ودلت الآية الكريمة على أن الدعاء عبادة عظيمة، ((وأن ترك دعاء الرب استكبار، ولا أقبح من هذا الاستكبار، وكيف يستكبر العبد من دعاء من هو خالق له، ورازقه، وموجده من عدم، وخالق العالم كله ... فلا شك أن هذا طرف من الجنون، وشعبة من كفران النعم)) (٣). وقد استدل بعض العلماء من قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي﴾ ((أن الدعاء واجب، إذ لا صارف له عن الوجوب)) (٤)؛ لأن الأصل في الأوامر

стр. 14

الوجوب ما لم يأت دليل يصرفه عن الوجوب (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢). وهذا وعد أخر صريح من ربنا ﷻ بإجابة الدعاء، واللَّه لا يخلف الميعاد، وقد علق هذا الوعد العظيم على الدعاء بـ ((إذا)) التي تدل على التحقيق، فدلت هذه الآية الكريمة على غاية الاستعطاف من اللَّه لخلقه بدعائه والتقرب إليه، وذلك: أنه أضافهم إلى نفسه تشريفاً وتكريماً، وأنه ـ رفع الواسطة بينه وبين داعيه، وذلك أن ((كل سؤال في القرآن يأتي التعقيب عليه بالجواب (قل)، أو (فقل)، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ (٣)، وقال جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (٤)، وقال جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ (٥)، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ (٦)، أما

стр. 15

في هذه الآية فلم يقل جلَّ شأنه قل، أو فقل، بل قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيْبٌ﴾ (١). وهذا رد صريح على من جعل بينه وبين اللَّه تعالى من الوسطاء والأنداد من البشر وغيرهم في دعائه؛ فإنه محروم من هذه الوسيلة المباشرة العظيمة مع اللَّه تعالى، وقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ يدل على قرب اللَّه تعالى من الداعي، قرباً خاصاً يدل على العناية التامة بالإجابة، والمعونة، والتوفيق، والسداد، ((ولهذا لم يرد القرب موصوفاً به اللَّه إلا في حال الدعاء، وفي حال السجود كقوله ﷺ : ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)) (٢)) (٣). ٣ - * وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤). أمر اللَّه تعالى عباده المؤمنين بدعائه الذي فيه صلاحهم في دنياهم وأخراهم في تذلل، واستكانة، وخشوع، وقوله: ((خفية)) أي أن يكون سراً في النفس؛ لأنه أدل على الإخلاص الذي فيه السلامة من الرياء والسمعة.

стр. 16

وهذا يدل على أهمية الدعاء، وعلو شأنه، وذلك ((لأن الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب، وأنه عاجز عن تحصيله، وعرف أن ربه ﵎ يسمع الدعاء، ويعلم الحاجة، وهو قادر على إيصالها إليه، ولاشك أن معرفة العبد نفسه بالعجز، والنقص، ومعرفة ربه بالقدرة، والكمال من أعظم العبادات)) (١). ثم قال تعالى: ﴿إنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يقصد تاركي الدعاء: وهذا نهاية في الكرم، وغاية في الإفضال، أنه جعل إمساكك عن دعائه ومسألته التي فها خلاصك، وصلاح دينك ودنياك، اعتداء منك)) (٢). [قال الإمام ابن كثير: ((وقال ابن جُرَيْج: يكره رفع الصوت والنداء والصياحُ في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة، ثم روي عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدعاء ولا في غيره. وقال أبو مِجْلِز: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ لا يسأل منازل الأنبياء)) (٣). وقال الشيخ السعدي ﵀: ((﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي:

стр. 17

المتجاوزين للحد في كل الأمور، ومن الاعتداء كون العبد يسأل اللَّه مسائل لا تصلح له، أو يتنطع في السؤال، أو يبالغ في رفع صوته بالدعاء، فكل هذا داخل في الاعتداء المنهي عنه)) (١)]. * وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٢) ((أمر تعالى أن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوّف، وتأمّل للَّه حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، فيدعو الإنسان خوفاً من عقابه، وطمعاً في ثوابه)) (٣). وهذا يدلنا على فضل الدعاء، وأنه محبوب عند اللَّه ﵎؛ لأنه روح العبادة، ولبُّها، وأفضلها؛ لما فيه من كمال التذلل للَّه تعالى من شدة الافتقار، وإظهار غاية العجز والحاجة إليه ـ. ٤ - ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (٤). نهى اللَّه في هذه الآية الكريمة عن الحسد، وتمني زوال النعم مما في أيدي الغير، ثم بين السبب الأعظم الذي ينال به العبد

стр. 18

مما يتمناه عند غيره، هو الإلحاح على ربه في سؤاله من فضله وخيره، فقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، ففيه حث وترغيب على سؤال اللَّه من إحسانه الدائم، وإنعامه الذي لا ينفد، فإن خزائنه مملوءة لا تنفد، ولا تنقطع أبداً على طوال الزمان والمكان. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأمر بسؤاله تعالى واجب (١). * وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ (٢). أخبر ـ أنه لا يبالي، ولا يعبأ، ولا يكترث بغير هؤلاء، وأنه لولا دعاؤكم إياه دعاء العبادة، ودعاء المسألة، ما عبأ ولا اعتنى بكم، فدل على أن الدعاء سبب لعناية اللَّه تعالى بعبده، وإصلاح شأنه وأموره (٣). ٥ - وعن النعمان بن بشير ﵁ عن النَّبِيُّ ﷺ قال: ((الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ)) ، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ

стр. 19

دَاخِرِينَ﴾ (١). دل هذا الحديث على أن الدعاء هو أفضل العبادة: ((فهذه الصيغة المقتضية للحصر من جهة تعريف المسند إليه، ومن جهة تعريف المسند، ومن جهة ضمير الفصل تقتضي أن الدعاء هو أعلى أنواع العبادة، وأرفعها، وأشرفها)) (٢). ((كقول النبي ﷺ : ((الحج عرفة)) (٣) أي معظم الحج الوقوف بعرفة)) (٤). ((ولم يرد هذا اللفظ في أي نوع من أنواع العبادة الأخرى)) (٥). * وقد جاء كذلك عن النبي ﷺ في بيان أن الدعاء هو أفضل العبادة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵁ أنه قال: ((أفضل العبادة

стр. 20

الدعاء)) (١). ٦ - وقال ﷺ : ((إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا)) (٢). * وجاء في لفظ آخر: ((صفراً خائبتين)) (٣). * ومعنى ((صفراً)): أي فارغة. وفي لفظ: ((حتى يضع فيهما خيراً)) (٤). فحياؤه صفة كمال تليق به، ليس كحياء المخلوقين الذي هو

стр. 21

تغير وانكسار، فإن حياءه تعالى كرم، وبر، وجود، وجلال)) (١). فسعة كرمه، وجوده، وعظيم فضله وإحسانه تقتضي ألا يرد من دعاه وسأله. وهذا الحديث يدل على غاية الإكرام من اللَّه تعالى لعبده، وإغرائه في دعائه، وشد للهمم إليه. ٧ - وقال النبي ﷺ : ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّه بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا))، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟، قَالَ: ((اللَّه أَكْثَرُ)) (٢). هذا الحديث فيه دليل على أنه لابد من الإجابة على إحدى الأوجه الثلاثة، وأن الداعي لن يعدم من دعائه خيراً، فإما أن يُعطَى في العاجل، وإما أن تدخر دعوته لليوم الآخر، وإما أن يصرف اللَّه تعالى عنه من الشر والسوء، ما هو خير من سؤاله، وكل ذلك بمقتضى حكمته تعالى، وما يصلح للداعي.

стр. 22

وقولهم: ((إذاً نكثر)): ((أي إذا كان الدعاء لا يُردّ منه شيء، ولا يخيب الداعي في شيء منه، نكثر الدعاء لعظيم فوائده)) (١). ٨ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ((لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ)) (٢). والمراد بقوله: ((أكرم)): ((أي أسرع ميلاً، وأنفع تأثيراً، وأكثر فضلاً)) (٣)؛ لما فيه من التذلل، والانكسار، والاعتراف بقوة اللَّه تعالى، وكمال قدرته، وغناه، ودلّ هذا الحديث أيضاً على فضل الدعاء، وعلو منزلته؛ لأنه يجتمع فيه من أنوع التعبد ما لا يجتمع في غيره، حيث لم توصف عبادة بهذا اللفظ سواه، فينبغي للعبد أن يلازمه، ويكثر منه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. وبيّن النبي ﷺ أن الدعاء سبب للأمان من غضب اللَّه تعالى. ٩ - قال النبي ﷺ : ((مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ)) (٤).

стр. 23

وفي لفظ: * ((من لا يدعو اللَّه يغضب عليه)) (١)، ((في هذا دليل على أن الدعاء من العبد لربه من أهم الواجبات، وأعظم المفروضات؛ لأن تجنب ما يغضب اللَّه تعالى منه لا خلاف في وجوبه)) (٢). قال ابن القيم: ((وهذا يدل على أن رضاه في مسألته وطاعته، وإذا رضي الرب تعالى، فكل خير في رضاه، كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه)) (٣). قال سفيان الثوري ﵀: ((يا من أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله، وليس كذلك غيرك يا رب)) (٤). وبيّن ﷺ أنّ الدعاء من أقوى الأسباب في رفع البلاء ودفعه وردّه: ١٠ - قال النبي ﷺ : ((لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ

стр. 24

مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإنَّ الْبَلاَءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ (١) إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) (٢). وهو يرد القضاء والقدر قبل نزوله أو بعد نزوله. ١١ - قال النبي ﷺ : ((لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ)) (٣). وفي لفظ: ((ادْعُوا فَإِنَّ الدُّعَاءَ يَرُدُّ القَضَاءَ)) (٤). ١٢ - وقال النبي ﷺ : ((الدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ)) (٥). فدلّت هذه الأحاديث على أنّ اللَّه جلَّ قدْره يدفع بالدعاء ما قد قضاه على العبد، فهو من قدر اللَّه تعالى أيضاً: ((فقد يقضي بشيء

стр. 25

على عبد قضاء مقيداً بألا يدعوه، فإذا دعاه اندفع عنه)) (١). فينبغي للعبد أن يعلم أن للدعاء مع البلاء ثلاثة مقامات: ١ - أن يكون الدعاء أقوى من البلاء ، فيدفعه لاستكماله شروط وواجبات الدعاء ومستحباته. ٢ - أن يكون أضعف من البلاء ، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد لنقص في الداعي: مثل قلة اليقين، أو الغفلة، وغير ذلك من التخلف في واجباته وشروطه، ولكن قد يخففه على قدر تحققه من أسباب الإجابة. ٣ - أن يتقاوما، ويمنع كل منهما صاحبه (٢). وبيّن ﵊ أن ملازمة الدعاء يقي العبد (٣) من الصفات المذمومة: كالعجز وغيره من صفات النقص. * قال النبي ﷺ : ((أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ فِي الدُّعَاءِ، وَأَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ)) (٤).

стр. 26

آداب الدعاء وأسباب الإجابة (١): بعد أن ذكر المؤلف وفقه اللَّه تعالى فضل الدعاء من الكتاب والسنة، ذكر آداب الدعاء، وأسباب الإجابة باختصار على النحو الآتي: ١ - الإخلاص للَّه . وهذا هو أعظم شروط (٢) قبول الدعاء وأهمها، وأوكدها، فالإخلاص في الدعاء للَّه تعالى هو الذي تدور عليه دوائر الإجابة، فهو روح العبادة، وهو أحد شرطي قبول العمل، وقد أمرنا أن ندعوه مخلصين له الدين، قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٣). والإخلاص في الدعاء ((هو تصفية الدعاء، والعمل من كل ما يشوبه، وصرف ذلك كله للَّه تعالى وحده، لا شريك له، ولا رياء ولا سمعة ... )) (٤). وجاءت السنة النبوية في تأكيد هذا المطلب العظيم، فعن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: ((كنت خلف النبي ﷺ فقال: ((يَا غُلامُ، إِنِّي

стр. 27

مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فاَسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ)) (١). ولأهمية الإخلاص في الدعاء للَّه رب العالمين: أنه يجيب الكافر إذا أخلص في توجهه للَّه حال دعائه، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٢). فالواجب على كل مسلم ومسلمة أن يدرك أهمية هذا الأمر الجليل، وأن يعلم أن الدعاء حق للَّه خالص، لا يجوز أن يشرك معه غيره كائناً من كان، فقد أجمع أهل العلم قاطبة أن من صرف شيئاً من الدعاء لغير اللَّه، فقد وقع في الشرك الأكبر الذي لا يُغفر والعياذ باللَّه، فتبيّن من هذا أن الإخلاص للَّه تعالى، وصحة الاعتقاد، له أثره الخاص في استجابة الدعاء، قال شيخ الإسلام: إجابة الدعاء تكون عن صحة الاعتقاد، وعن كمال الطاعة؛ لأنه عقب آية الدعاء بقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ (٣). ٢ - أن يبدأ بحمد للَّه ، والثناء عليه، ثم بالصلاة على

стр. 28

النبي ﷺ ، ويختم بذلك. فمن الأدب في خطاب العظماء أن يُقدّم لهم الثناء والمدائح قبل سؤالهم، وللَّه المثل الأعلى، فهو تعالى أولى بهذا المقصد، وقد جاء هذا الأدب في ثنايا كتاب اللَّه الحكيم، ظاهر في غاية الظهور والبيان في سورة الفاتحة، حيث افتتحها عز شأنه بالحمد والثناء عليه، إرشاداً وتعليماً لنا في تقديم الحمد والثناء عليه تعالى قبل دعائه. وجاء في السنة المطهرة ما يؤكد أهمية هذا الأمر كذلك، فقد سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو في صلاته، فلم يُصلِّ على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : ((عَجَّلَ هَذَا))، ثم دعاهُ فَقَالَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحمِيدِ ربه وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لِيَدْعُ بِمَا شَاءَ)) (١). فقوله: ((عجل هذا)): حيث قدم الوسيلة قبل الغاية، وهو الدعاء، وهذا من الاستعجال الذي لا يستحب في هذا المقام الكريم. لذا ينبغي للعبد أن يتخيَّر لدعائه والثناء على ربه أحسن الألفاظ، وأنبلها، وأعظمها؛ لأنه يخاطب ملك الملوك ربّ

стр. 29

العالمين. ودلَّت السنة كما تقدم على أهمية الصلاة على النبي ﷺ حال الدعاء؛ لأنها أقرب لحصول الإجابة، بل وأكدت على أنَّ تارك الصلاة على النبي ﷺ قد يحجب دعاؤه، ((كُلُّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ حَتَّى يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ )) (١)، وهذا الأثر جاء عن علي ﵁، وهو في حكم المرفوع؛ لأن مثله لايقال من قبل الرأي؛ لأنه من أمور الغيب التي لا تدرك إلابد ليل شرعي. والصلاة على النبي ﷺ حال الدعاء لها ثلاث مراتب: ((إحداها: أن يُصلي على النبي ﷺ قبل الدعاء، وبعد حمد اللَّه تعالى . والثانية: أن يُصلي عليه أول الدعاء، وأوسطه، وآخره . والثالثة: أن يُصلِّي عليه في أوله، وآخره ، ويجعل حاجته متوسطة بينهما)) (٢). ولايخفى أن العبد ينال الجزاء الأوفى في الصلاة عليه دلّ على ذلك قوله ﷺ : ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ أُمَّتِي صَلاةً مُخْلِصَاً مِنْ قَلْبِهِ؛ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَرَفَعَهُ بِهَا عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَكَتَبَ لَهُ

стр. 30

بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ)) (١)، والصلاة في اللغة: هي الدعاء (٢)، فإذا تقدمت أمام الدعاء صارت كالمفتاح له، وكذلك حصول الإجابة للداعي؛ لأنه دعاء بالغيب مستجاب كما في الصحيح. ٣ - الجزم في الدعاء واليقين بالإجابة: ((فمن أعظم الشروط لقبول الدعاء الثقة باللَّه تعالى، وأنه على كل شيء قدير، فاللَّه تعالى لكمال قدرته يقول للشيء كن فيكون، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣)، ومما يزيد ثقة المسلم بربه أن يستيقن أن جميع خزائن الخيرات والبركات عند اللَّه تعالى، قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ (٤) (٥). وقد أمرنا المصطفى ﷺ أن نعزم حال دعائنا فقال: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلْيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ وَلَا يَقُلْ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي فَإِنَّهُ لَا

стр. 31

مُسْتَكْرِهَ لَهُ)) (١). قوله: ((فليعزم)) أي يحسن الظن باللَّه في الإجابة؛ لأنه يدعو رباً كريماً جواداً قديراً، وإذا تأكد هذا الأمر في قلب العبد، فليدعُ مستيقناً بإجابة ربه تعالى له، قال ﷺ : ((ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ)) (٢). واللَّه تعالى يجيب دعاء عبده على قدر حسن ظنه به، قال تعالى في الحديث القدسي: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ))، وفي لفظ: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ)) (٣)، ففيه ترغيب من اللَّه تعالى لعباده بتحسين ظنونهم، وأنه تعالى يعاملهم على حسبها، فمن ظنّ به خيراً أفاض عليه جزيل خيراته، وأسبل عليه جميل تفضلاته، ونثر عليه محاسن كراماته وعطائه، ومن لم يكن في ظنه هكذا، لم يكن اللَّه تعالى له هكذا، فعلى العبد أن يكون حسن الظن بربه في جميع حالاته، ويستعين

стр. 32

على تحصيل ذلك باستحضاره ما ورد من الأدلة الدّالّة على سعة رحمة اللَّه ـ)) (١). ٤ - الإلحاح في الدعاء وعدم الاستعجال . وهذا هو الأدب الجميل للمؤمن الصادق الراغب فيما عند اللَّه تعالى، ويدل على سمة من سمات العبودية الدّالّة على افتقار الداعي، وَذُلِّهِ إلى ربه العزيز الكريم، ففي الإلحاح يلج الداعي إلى باب الملك العظيم، قال أبو الدرداء ﵁: ((من يكثر قرع باب الملك يوشك أن يستجاب له)) (٢). والإلحاح في اللغة: الإقبال على الشيء، ولزومه، والمواظبة عليه، يقال: ألحَّ السحاب: دام مطره (٣). والسنة في الإلحاح أن يلحَّ ثلاثاً، فعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أنه قال: ((كان النبي ﷺ إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً)) (٤). وعنه أيضاً ﵁ أنه قال: ((كَانَ ﷺ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْعُوَ ثَلاَثًا وَيَسْتَغْفِرَ ثَلاَثًا)) (٥).

стр. 33

وفي حديث قصة سحره ﷺ عن عائشة ﵂ ((فدعا، ثم دعا، ثم دعا)) (١). ولا يكره الزيادة على ثلاث لأن النبي ﷺ : ((دعا لجند أحمس ورجالها خمساً)) (٢). ويكون الإلحاح في الدعاء بذكر ربوبيته ، فهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء، كما في غالب أدعية القرآن الكريم، وكذلك التوسل إليه بإلاهيته وأسمائه وصفاته، وأن ذلك من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء كما في الحديث الذي ذكره النبي ﷺ : ((الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب)) الحديث (٣). وما جاء في الإلحاح بذكر أسمائه وصفاته عن النبي ﷺ : ((أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)) (٤). ومعنى ألظوا: أي الزموا هذه الدعوات، وأكثروا منها. ومن الإلحاح في الدعاء تكرير الطلب، كما قال النبي ﷺ : ((مَنْ

стр. 34

سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ النَّارِ)) (١). وجاء في الحديث القدسي أن الإلحاح سبب في غفران الذنوب مهما عظمت وحصول المطالب، قال اللَّه في الحديث القدسي: ((يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي)) (٢). وكان السلف يرون أن أفضل الدعاء الإلحاح على اللَّه تعالى، قال الأوزاعي ﵀: ((كان يُقال: أفضل الدعاء الإلحاح على اللَّه، والتضرع)) (٣). قال ابن القيم ﵀: ((وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالاً، وهو يحب الملحِّين في الدعاء، وكلما ألحَّ العبد عليه في السؤال أحبَّه وأعطاه)) (٤). وقول المؤلف - حفظه اللَّه -: ((وعدم الاستعجال)): يشير إلى

стр. 35

قول النبي ﷺ : ((يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي)) (١)، وفي لفظ لمسلم: ((لا يَزَالُ يُسْتَجابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بإثم أو قَطِيعَةِ رَحِمٍ، ما لم يستعجلْ)) قيل: يا رَسول اللَّه، ما الاستعجال؟ قال: ((يقول: قد دعوتُ، وقد دَعَوتُ، فلَمْ أرَ يَستجيبُ لي، فَيَسْتَحْسِرُ عند ذلك، ويَدَعُ الدعاءَ)) (٢). وهذا يدل على أن من موانع الإجابة: الاستعجال في الدعاء. وقوله: ((قد دعوت، وقد دعوت)): أي مرة بعد مرة، يعني مرات كثيرة، استبطاءً للإجابة، ((وهذا بمنزلة من بذر بذراً أو غرس غرساً، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله)) (٣)، وهذا يدل على جهل الداعي، وعدم معرفته وفهمه لمقاصد الشارع، فإن قول الرسول ﷺ : ((لا يزال يستجاب))، يدلّ على تأكيد حصول الاستجابة وعظمها، هذا ما أفاده حرفا ((السين والتاء))، وكذلك يدلّ على استمرارية الإجابة كلما تكررت الدعوة، كما أفاد الفعل المضارع ((يستجاب))، فيحسن بالعبد الصالح ملازمة الطلب والسؤال، والإلحاح، وإن تأخرت الإجابة، قال بعض الصالحين:

стр. 36

((لا يكنْ تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً ليأسك، فهو الذي ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد)) (١)؛ لأنه تعالى هو أحكم الحاكمين، وهو أرحم الراحمين، فهو أرحم بك من نفسك، فالعبد لا يعرف المصلحة: هل في حصول مطلوبه بالسرعة، أوفي تأخيره، أو دفع بلاء آخر لا يدريه، أو ادخار الأجر في اليوم الآخر، وليجعل أمام عينيه في حال دعائه وسؤاله ما جاء عن النبي ﷺ في بيان سعة فضل اللَّه، وعظيم إحسانه وإنعامه، وخيره الذي لاينفد، قال النبي ﷺ : ((يَدُ اللَّهِ مَلْأَى، لَا يَغِيضُهَا (٢) نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ (٣) اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ ... )) (٤). ولعلّ الحكمة في المنع من ذلك: ١ - أن هذا القول يدل على تضجر قائله وملله ، وهذا يؤدي إلى انقطاعه عن الدعاء، وتركه لأهمّ العبادات وأجلّها. وقد أشير إلى هذا في الحديث بقوله: ((فيستحسرعند ذلك ويدع الدعاء)).

стр. 37

٢ - ((وهذا القول فيه اتهام للرب ﵎، وتبخيل للكريم الجواد الذي لا تعجزه الإجابة، ولا ينقصه العطاء)) (١). وليس معنى الاستعجال: سؤال اللَّه تعالى أن يعجل الإجابة للداعي، فقد دعا النبي ﷺ كما في حديث الاستسقاء ((عاجلاً غير آجل)) (٢) أي آجل، فيشرع للعبد سؤال اللَّه تعالى في تعجيل الإجابة له. ٥ - حُضور القلب في الدعاء . هذا الأدب العظيم الذي هو من أعظم شروط إجابة الدعاء، ينبغي للعبد الداعي أن يحرص عليه أشدّ الحرص، وعليه أن يستحضر أنه يدعو رب السموات والأرض، فلائق بعظمته تعالى أن يدعوه العبد، ويكون قلبه حاضراً، ومستيقظاً للَّه تعالى، قال النووي ﵀: ((اعلم أن مقصود الدعاء هو حضور القلب، والدلائل عليه أكثر من أن تحصر، والعلم به أوضح من أن يذكر)) (٣). وقد بيّن الصادق المصدوق ﷺ خطورة الغفلة، وعدم يقظة القلب حال الدعاء، وأنه من موانع الإجابة، قال ﷺ : ((فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ

стр. 38

أَيُّهَا النَّاسُ، فَاسْأَلُوهُ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ)) (١). وفي لفظ: ((ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ)) (٢). قوله: ((وأنتم موقنون بالإجابة)): أي والحال أنكم موقنون بها، أي: كونوا عند الدعاء على حالة تستحقون بها الإجابة، أو أراد: وأنتم معتقدون أن اللَّه تعالى لا يخيبكم لسعة كرمه، وكمال قدرته، وإحاطة علمه ... )) (٣). قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: ((إن اللَّه لا يقبل من مسمِّعٍ، ولا مراء، ولا لاعب، إلا داعٍ دعا يثبت من قلبه)) (٤). فغفلة القلب حال الدعاء تبطل قوته، وتضعف أثره، فيصبح بمنزلة القوس الرخو جداً، فإن السهم يخرج منه خروجاً ضعيفاً، ولا يبلغ الهدف المقصود، ((هذا إذا كان يمكن للداعي إحضار قلبه، فأما إذا كان لا يمكنه، وليس في وسعه إلا الدعاء، فالدعاء أفضل من تركه)) (٥).

стр. 39

٦ - الدعاء في الرخاء والشدة . قال النبي ﷺ : ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكَرْبِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ)) (١). والعبد الصالح يعرف ربه تعالى في كل أحواله وأوقاته، فهو يدعو ربه في سرائه وضرائه، وشدته ورخائه، وصحته وسقمه، في فقره وفي غناه وفي كل أحواله، فمن كان كذلك كان اللَّه تعالى له سميعاً، قريباً، مجيباً، ومؤيداً ونصيراً إذا ما وقع في شدة وبلاء؛ فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا نجّى اللَّه يونس ﵇ من بطن الحوت؛ لأنه كان من المسبحين في رخائه قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢). قال الحسن البصري: ((ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملاً صالحاً في حال الرخاء، فذكره اللَّه تعالى به في حال البلاء، وإن العمل الصالح يدفع عن صاحبه)) (٣). واستجاب ربنا تعالى لزكريا لدعائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي

стр. 40

الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١). أي أنهم كانوا ملازمين العبادة والطاعة في كل أحوالهم، لا يشغلهم عن ذلك أمر، كما أفاد ذلك الفعل المضارع ((يسارعون))، ومن أدلة السنة ما حكى لنا سيد الأولين والآخرين في قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فنجاهم اللَّه تعالى (٢)؛ لأنهم عرفوه في حال رخائهم، فأنجاهم يوم شدتهم؛ لذا ينبغي للعبد أن يجتهد غاية الاجتهاد في التقرب إلى اللَّه تعالى، وطلب مرضاته، والإكثار من الأعمال الصالحة، ودعائه حال الرخاء، حتى ينال ما يرجوه، فقد كانت وصية النبي ﷺ لابن عباس ﵄: ((تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ)) (٣). والمراد بالمعرفة المطلوبة من العبد في الحديث هي: ((المعرفة الخاصة التي تقتضي ميل القلب إلى اللَّه تعالى بالكلية، والانقطاع إليه، والإنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له)) (٤). ونقل الصحابة هذه الوصية لغيرهم من التابعين، قال رجل لأبي الدرداء: ((أوصني، فقال: اذكر اللَّه في السراء، يذكرك اللَّه في
следующие страницы →