← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96549

شرح الدعاء من الكتاب والسنة

ماهر بن عبد الحميد بن مقدم

Полный текст (599 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

((لا يكنْ تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجباً ليأسك، فهو الذي ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد)) (١)؛ لأنه تعالى هو أحكم الحاكمين، وهو أرحم الراحمين، فهو أرحم بك من نفسك، فالعبد لا يعرف المصلحة: هل في حصول مطلوبه بالسرعة، أوفي تأخيره، أو دفع بلاء آخر لا يدريه، أو ادخار الأجر في اليوم الآخر، وليجعل أمام عينيه في حال دعائه وسؤاله ما جاء عن النبي ﷺ في بيان سعة فضل اللَّه، وعظيم إحسانه وإنعامه، وخيره الذي لاينفد، قال النبي ﷺ : ((يَدُ اللَّهِ مَلْأَى، لَا يَغِيضُهَا (٢) نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ (٣) اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ ... )) (٤). ولعلّ الحكمة في المنع من ذلك: ١ - أن هذا القول يدل على تضجر قائله وملله ، وهذا يؤدي إلى انقطاعه عن الدعاء، وتركه لأهمّ العبادات وأجلّها. وقد أشير إلى هذا في الحديث بقوله: ((فيستحسرعند ذلك ويدع الدعاء)).

стр. 37

٢ - ((وهذا القول فيه اتهام للرب ﵎، وتبخيل للكريم الجواد الذي لا تعجزه الإجابة، ولا ينقصه العطاء)) (١). وليس معنى الاستعجال: سؤال اللَّه تعالى أن يعجل الإجابة للداعي، فقد دعا النبي ﷺ كما في حديث الاستسقاء ((عاجلاً غير آجل)) (٢) أي آجل، فيشرع للعبد سؤال اللَّه تعالى في تعجيل الإجابة له. ٥ - حُضور القلب في الدعاء . هذا الأدب العظيم الذي هو من أعظم شروط إجابة الدعاء، ينبغي للعبد الداعي أن يحرص عليه أشدّ الحرص، وعليه أن يستحضر أنه يدعو رب السموات والأرض، فلائق بعظمته تعالى أن يدعوه العبد، ويكون قلبه حاضراً، ومستيقظاً للَّه تعالى، قال النووي ﵀: ((اعلم أن مقصود الدعاء هو حضور القلب، والدلائل عليه أكثر من أن تحصر، والعلم به أوضح من أن يذكر)) (٣). وقد بيّن الصادق المصدوق ﷺ خطورة الغفلة، وعدم يقظة القلب حال الدعاء، وأنه من موانع الإجابة، قال ﷺ : ((فَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ

стр. 38

أَيُّهَا النَّاسُ، فَاسْأَلُوهُ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ)) (١). وفي لفظ: ((ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ)) (٢). قوله: ((وأنتم موقنون بالإجابة)): أي والحال أنكم موقنون بها، أي: كونوا عند الدعاء على حالة تستحقون بها الإجابة، أو أراد: وأنتم معتقدون أن اللَّه تعالى لا يخيبكم لسعة كرمه، وكمال قدرته، وإحاطة علمه ... )) (٣). قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: ((إن اللَّه لا يقبل من مسمِّعٍ، ولا مراء، ولا لاعب، إلا داعٍ دعا يثبت من قلبه)) (٤). فغفلة القلب حال الدعاء تبطل قوته، وتضعف أثره، فيصبح بمنزلة القوس الرخو جداً، فإن السهم يخرج منه خروجاً ضعيفاً، ولا يبلغ الهدف المقصود، ((هذا إذا كان يمكن للداعي إحضار قلبه، فأما إذا كان لا يمكنه، وليس في وسعه إلا الدعاء، فالدعاء أفضل من تركه)) (٥).

стр. 39

٦ - الدعاء في الرخاء والشدة . قال النبي ﷺ : ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكَرْبِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ)) (١). والعبد الصالح يعرف ربه تعالى في كل أحواله وأوقاته، فهو يدعو ربه في سرائه وضرائه، وشدته ورخائه، وصحته وسقمه، في فقره وفي غناه وفي كل أحواله، فمن كان كذلك كان اللَّه تعالى له سميعاً، قريباً، مجيباً، ومؤيداً ونصيراً إذا ما وقع في شدة وبلاء؛ فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا نجّى اللَّه يونس ﵇ من بطن الحوت؛ لأنه كان من المسبحين في رخائه قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢). قال الحسن البصري: ((ما كان له صلاة في بطن الحوت، ولكنه قدم عملاً صالحاً في حال الرخاء، فذكره اللَّه تعالى به في حال البلاء، وإن العمل الصالح يدفع عن صاحبه)) (٣). واستجاب ربنا تعالى لزكريا لدعائه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي

стр. 40

الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (١). أي أنهم كانوا ملازمين العبادة والطاعة في كل أحوالهم، لا يشغلهم عن ذلك أمر، كما أفاد ذلك الفعل المضارع ((يسارعون))، ومن أدلة السنة ما حكى لنا سيد الأولين والآخرين في قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فنجاهم اللَّه تعالى (٢)؛ لأنهم عرفوه في حال رخائهم، فأنجاهم يوم شدتهم؛ لذا ينبغي للعبد أن يجتهد غاية الاجتهاد في التقرب إلى اللَّه تعالى، وطلب مرضاته، والإكثار من الأعمال الصالحة، ودعائه حال الرخاء، حتى ينال ما يرجوه، فقد كانت وصية النبي ﷺ لابن عباس ﵄: ((تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ)) (٣). والمراد بالمعرفة المطلوبة من العبد في الحديث هي: ((المعرفة الخاصة التي تقتضي ميل القلب إلى اللَّه تعالى بالكلية، والانقطاع إليه، والإنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له)) (٤). ونقل الصحابة هذه الوصية لغيرهم من التابعين، قال رجل لأبي الدرداء: ((أوصني، فقال: اذكر اللَّه في السراء، يذكرك اللَّه في

стр. 41

الضراء)) (١). وعنه أيضاً ﵁: ((ادع اللَّه في يوم سرائك؛ لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك)) (٢). ٧ - لا يسأل إلا اللَّه وحده . لأنه هو تعالى المنفرد في الإجابة والعطاء، فلا يسأل غيره، ولا يشرك معه أحداً كائناً من كان، كما في حديث ابن عباس ﵄: (( ... وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ)) (٣). وفي أمره ﷺ أن لا يسأل إلا اللَّه ﵎؛ ((لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل، والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على دفع الضرر، ونيل المطلوب، وجلب المانع، ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلاللَّه تعالى وحده؛ لأنه حقيقة العبودية)) (٤). ومما لا يخفى أن إفراد اللَّه جل وعلا في السؤال، وغيره من أمور العبادة: من أعظم أسباب الغنى باللَّه تعالى، والانقطاع عن

стр. 42

غيره، وهذا من كمال العبودية للَّه ربِّ العالمين، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((أصابتني فاقة، فأتيت النبي ﷺ ، فوجدته يخطب الناس، وهو يقول: ((أَيُّهَا النَّاسُ وَاَللَّه مَهْمَا يَكُنْ عِنْدَنَا مَنْ خَيْرٍ فَلَنْ نَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ)) (١). ٨ - عدم الدعاء على الأهل، والمال، والولد، والنفس . قال النبي ﷺ : ((لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ، ولاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لاَ تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةَ يُسْألُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ)) (٢). ((لأن مقصود الدعاء منه جلب النفع، ودفع الضر، فإن الدعاء على هؤلاء لا مصلحة وراءه، بل هو الضرر المحض على الداعي نفسه)) (٣). بل أمرنا الشارع أن ندعو لأنفسنا ولأهلينا بالخير، دخل رسول اللَّه ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره، ثم قال: ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر))، فضج ناس من أهله، فقال: ((لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ

стр. 43

بِالخَيْرِ، فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ)) (١). ٩ - خفض الصوت بالدعاء بين المخافتة والجهر . قال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢). وقال جل وعلا: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٣). ((دلّت هذه الآية الكريمة على أن الأمر في الدعاء الوسط، وهو بقدر ما يسمع الداعي نفسه، ولا يسمع غيره)) (٤). وذكر ابن القيم رحمه اللَّه تعالى في فوائد خفض الصوت والإسرار بالدعاء فوائد عديدة، وأسراراً بديعة، منها: ١ - ((أنه أعظم إيماناً . ٢ - أنه أعظم في الأدب والتعظيم . ٣ - أنه أبلغ في التضرع والخشوع . ٤ - أنه أبلغ في الإخلاص .

стр. 44

٥ - أنه أبلغ في حضور القلب على اللَّه تعالى في الدعاء . ٦ - أنه دال على قرب صاحبه من اللَّه -. ٧ - أنه أدعى لدوام الطلب والسؤال ... )) (١). ١٠ - الاعتراف بالذنب والاستغفار منه، والاعتراف بالنعمة وشكر اللَّه عليها . ((وهذا الأدب من أهم الآداب العظيمة أن يقدم الداعي بين يدي دعائه التوبة إلى اللَّه من الذنوب، فإن تراكم الذنوب واجتماعها قد يكون سبباً من أسباب عدم إجابة الدعاء، قال يحيى بن معاذ الرازي: ((لا تستبطئ الإجابة إذا دعوت، وقد سددت طرقها بالذنوب (٢)) (٣). كما أن التوبة والأوبة والتقوى من أهم الأسباب لقبول الدعاء، ورفعه إلى رب الأرض والسماء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤). وقد جمع هذه المطالب المهمة سيد الاستغفار: قال النبي ﷺ : ((سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ

стр. 45

إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ))، قَالَ: ((وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)) (١). ١١ - عدم تكلف السجع في الدعاء . ((السجع هو: موالاة الكلام على روي واحد، ومنه سجعت الحمامة إذا رددت صوتها، وقال الأزهري: هوالكلام المقفى من غير مراعاة وزن)) (٢). والمنهي عنه من السجع هو التكلف فيه، وذلك أن حال الداعي حال ذلة وضراعة، فالتكلف لا يناسب هذه الصفة، فقد يذهب الخشوع والتذلل حال الدعاء. وأما إذا جاء السجع على اللسان دون تكلف وعلى سليقته، فلا بأس بذلك، فإن معظم الأدعية في الكتاب والسنة قد جاءت مسجوعة. وقد ذم السلف السجع في الكلام، فعن عائشة ﵂ أنها

стр. 46

قالت لابن أبي السائب [من قُصَّاص التابعين]: ((اجتنب السجع من الدعاء، فإن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه كانوا لا يفعلون ذلك)) (١). وجاء في صحيح البخاري من نصيحة ابن عباس ﵄ لأحد أصحابه، ومما قال فيها: ((فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول اللَّه ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك، يعني لا يفعلون إلا الاجتناب)) (٢). ١٢ - التَّضرع والخشوع والرغبة والرهبة . ((الضراعة: الذل والخضوع والابتهال، يقال: ضَرَع، يضرعُ ضراعةً: خَضع وذلَّ، واستكان وتضرع إلى اللَّه: ابتهل (٣). وهذا الأدب في غاية الأهمية للداعي: أن يدعو في حال تضرع وخشوع وخضوع وذلّ، فإن ذلك ((هو روح الدعاء ولبُّه ومقصوده، فإن الخاشع الذليل إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه)) (٤). واللَّه تعالى يحب من عبده أن يتضرَّع إليه، ويتملق له، وأن يديم قرع بابه، قال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ

стр. 47

الْمُعْتَدِينَ﴾ (١). وبيَّن تعالى أن من حكم البلاء كالأمراض والخوف ونقص الأموال والأنفس من أجلِّ مقاصده حمل العباد على الدعاء، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٣). ومن حسن الدعاء الجمع فيه بين الرغبة والرهبة، فإنها من سنن الأنبياء قبلنا، قال تعالى عن زكريا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٤). ١٣ - ردُّ المظالم مع التوبة . وهذا المطلب من أعظم المطالب والمقاصد للداعي، ذلك أن الذنوب وتراكمها من الأسباب الرئيسة المانعة من قبول الدعاء والتوبة، ومفهوم المخالفة أن الأوبة من المعاصي والآثام توجب قبول الدعاء، وخير مثال على ذلك دعاء يونس ﵇: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا

стр. 48

أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، وجاء من السنة ما يدل على ذلك. فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢)، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٣)، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) (٤). وهذا الحديث الجليل دلّ في منطوقه ومفهومه على خطورة الظلم، وذلك أن الظلم نوعان: ١ - ظلم العبد مع ربه -. ٢ - وظلم العبد مع خلقه تعالى . ولا شك أن مأكل الحرام وملبسه ومشربه والتغذي به داخل في هذه المظالم بنوعيها، والعبد مأمور باجتنابهما في كل أحواله،

стр. 49

حتى يكون دعاؤه مقبولاً عند ربه . وقوله ﷺ : ((فأنى يستجاب لذلك)): استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وليس صريحاً في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية، وفضل اللَّه واسع)) (١). قال بعض السلف: ((لا تستبطئ الإجابة وقد سدَدْتَ طرقها بالمعاصي)) (٢). والمظالم توجب العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، قال النبي ﷺ : ((مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ)) (٣). والبغي: هو الظلم. ولاشك أن من أعظم العقوبات الدنيوية: ردّ الدعاء. ١٤ - الدّعاء ثلاثاً . وقد تقدّم عند شرح الإلحاح في الدعاء.

стр. 50

١٥ - استقبال القبلة . ((إن من آداب الدعاء أن يستقبل الداعي القبلة وقت دعائه، ذلك أن القبلة هي الجهة الفاضلة التي أمر اللَّه المسلمين بالاتجاه إليها في عبادتهم، فكما أنها قبلة للمسلمين في الصلاة، فهي قبلة لهم في الدعاء)) (١). وكلما كانت الدعوة من الأهمية بمكان كبير تأكد هذا الاستحباب، وقد دلّ على ذلك فعل النبي ﷺ في وقائع كثيرة: ففي يوم بدر حين نظر رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل النبي ﷺ القبلة، ثم مدّ يديه فجعل يهتف بربه (٢). وعن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عنه قال: ((استقبل النبي ﷺ الكعبة فد عا على نفر من قريش ... )) (٣). وهذا الأدب في الدعاء حال استقبال القبلة هو الأكمل للداعي والأفضل، إلا أنه قد ثبت عن النبي ﷺ الدعاء غير مستقبل القبلة في عدة أحاديث.

стр. 51

ولهذا عقد البخاري ﵀ في صحيحه: باب الدعاء غير مستقبل القبلة. قال القرطبي: والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان؛ لإظهار وضع الفقر والحاجة إلى اللَّه ، والتذلل له والخضوع، فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا، فقد فعل ذلك النبي ﷺ حسبما ورد في الأحاديث (١). ١٦ - رفع الأيدي في الدعاء . وهذا أدب عظيم يدلّ على ذُلِّ الداعي، واستكانته، وخضوعه بين يدي خالقه العظيم يمد يديه إليه راغباً راهباً، طامعاً بنزول بركاته، وخيراته، ونعمائه الجليلة، وكلما عظمت حاجة المخلوق، واشتدت رغبته، زاد في إلحاحه، وبالغ في رفع يديه متذللاً متوسلاً، وقد جاء رفع اليدين عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة حتى عدها بعض أهل العلم في جملة ما تواتر عن النبي ﷺ (٢). وقد تقدم في فضائل الدعاء ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْن)) (٣). وفي رفع اليدين فوائد ومنافع كثيرة في العبودية للَّه تعالى:

стр. 52

١ - في مدّ اليدين زيادة في التذلّل والتّمسكن والافتقار للَّه رب العالمين حال الدعاء، وهذا هو روح العبادة. ٢ - فيه إيقاظ القلب والفكر، وعدم الغفلة حال الدعاء . ٣ - فيه وسيلة إلى خشوع القلب والجوارح ، واستحضار ما يدعو به الداعي. ٤ - فيه إقرار بقيومية اللَّه تعالى ، وأنه قائم على كل شيء في تدبير كل الأمور، ومنها حال الداعي، فيستدعي ذلك كمال المراقبة للَّه تعالى. ٥ - فيه إقرار لكرم اللَّه تعالى، وعظيم إحسانه ، واستشعار جوده، وكرمه، كمثل الفقير يمدّ يديه إلى الغني، يأمل منه العطاء، والحالة هنا أجلّ، وأكبر؛ لأنّها كمال الفقر من العبد، وكمال العز والغنى للرب. ٦ - فيه إقرار من العبد لعلو ربه تعالى فوق كل شيء ، فله العلو المطلق من كل الوجوه: علوّ القدر، وعلوّ القهر، وعلوّ الذات، فيصير [اللَّه ] للقلب صمداً يتجه إليه تعالى في دعائه المطلق. ٧ - فيه استشعار عظمة الخالق تعالى، وأنه فوق عرشه ، فوق سبع سمواته، وهو يسمعه ويراه، ويعلم بحاله، ولا يخفى عليه شيء، فيثمر له الحب والتعظيم، وكمال التوحيد والعبودية.

стр. 53

فدلّ هذا الأدب الجليل على استجماع مراتب العبودية للَّه تعالى الظاهرة والباطنة. * صفة رفع الأيدي حال الدعاء: عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً وموقوفاً: ((المسألة: أن ترفع يديك حذو منكبيك، أو نحوهما، والاستغفار: أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال: أن تمدّ يديك جميعاً))، وفي رواية: ((والابتهال هكذا: ورفع يديه، وجعل ظهورهما مما يلي وجهه)) (١). وقال العلامة بكر أبو زيد ﵀ معلقاً على هذا الحديث: ((وقد جاءت الأحاديث من فعل النبي ﷺ مُبيِّنة مقام كل حالة من هذه الصفات الثلاث، لا أنها من اختلاف التنوع فلينتبه، وبيانها كالآتي: المقام الأول: مقام الدعاء العام ، ويسمى المسألة، ويقال الدعاء: وهو رفع اليدين إلى المنكبين، ونحوهما: ضاماً لهما، باسطاً لبطنهما نحو السماء، وظهورهما إلى الأرض ... وهذه هي الصفة العامة لرفع اليدين حال الدعاء مطلقاً ... المقام الثاني: الاستغفار ، ويقال للإخلاص: وهو رفع إصبع واحدة، وهي السبابة من اليد اليمنى، وهذه الصفة خاصة بمقام الذكر والدعاء حال الخطبة على المنبر، وحال التشهد في الصلاة،

стр. 54

وحال الذكر والتمجيد والتهليل، خارج الصلاة. المقام الثالث: الابتهال: وهو التضرع والمبالغة في المسألة، ويسمى أيضاً: دعاء الرهب، وصفته: رفع اليدين مداً نحو السماء حتى تُرى عفرة إبطيه: أي بياضهما، وهذه الصفة أخصّ من الصفتين السابقتين في المقام الأول، والثاني، وهي خاصّة في حال الشدة والرهبة، كحال الجدب، والنازلة، بتسلط العدو، ونحو ذلك من مقامات الرهب)) (١). وقد صحّ عن النبي ﷺ ما يدلّ على جواز رفع السّبابة في الدعاء، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَدْعُو بِإِصْبَعَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَحِّدْ أَحِّدْ))، أي الذي تطلب منه واحداً هو اللَّه تعالى، قَالَ الترمذي: إِذَا أَشَارَ الرَّجُلُ بِإِصْبَعَيْهِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الشَّهَادَةِ، لَا يُشِيرُ إِلَّا بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ)) (٢). ١٧ - الوضوء قبل الدعاء إن تيسَّر . وهذا من كمال الأدب وحسنه أن يكون الداعي على أحسن الأحوال من الطهارة: الحسية، والمعنوية، للتهيؤ لدعاء اللَّه تعالى وسؤاله، كما دلّ على ذلك دعاء النبي ﷺ حين فرغ من حنين ...

стр. 55

فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ)) وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ)) (١). وهذا الوضوء ليس بلازم، إذ المضطر قد لا يسعفه الوقت للاستعداد بالوضوء، فيتجه إلى اللَّه تعالى بالسرعة، فيجيبه اللَّه تعالى على حسب قوة إخلاصه ورجائه وتضرعه وخشوعه، ثم إنَّ الوضوء للدعاء ليس صفة دائمة في جميع دعوات النبي ﷺ ، فقد نقلت عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يذكر اللَّه في كل أحيانه (٢)، ولايخفى أن الدعاء نوع من الذكر (٣). ١٨ - أن لا يعتدي في الدعاء . نهى ربنا جل وعلا عن الاعتداء في الدعاء، فقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤). وإن كان هذا النهي عن الاعتداء عموماً إلا أنّ فيه ما يدلّ على النهي عن الاعتداء في الدعاء من باب أولى؛ لأنه جاء النهي عقب الأمر بالدعاء، ((وتدلّ هذه المادة على التجاوز في الشيء، وتقدم

стр. 56

لما ينبغي أن يقتصر عليه، والتعدي: تجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه، والاعتداء مشتق من العدوان)) (١). وصور الاعتداء كثيرة لا تحصى في هذه الوريقات، فمنها ما قد يبلغ إلى حد الكفر والعياذ باللَّه كدعاء غير اللَّه تعالى، فإنه أعظم أنواع الاعتداء وأشده، ومنها دون ذلك ومن صور الاعتداء في الدعاء ما يأتي: ١ - سؤال ما لا يليق بالشخص كطلب منازل الأنبياء ، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ أنَّه سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهَا، فَقَالَ أَيْ بُنَىيّ، سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ وَالدُّعَاءِ)) (٢). ٢ - ومنها: سؤال اللَّه تعالى ما لا يجوز أن يسأله: كسؤاله المعونة على المحرمات، وارتكاب الذنوب. ٣ - ومنها: أن يسأل اللَّه ما عُلم من حكمته سبحانه أنه لا يفعله كأن يسأل تخليده إلى يوم القيامة، أو أن يكون ملكاً. ٤ - ومن العدوان أن يدعو اللَّه تعالى بغير تضرّع وخشوع ، كالمستغني

стр. 57

عن ربه. ٥ - أن يدعو على أهله وماله وولده . ٦ - ويدخل كذلك الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا . ٧ - أو يدعو على نفسه بالموت دون سبب شرعي كالفتنة في الدين. ١٩ - أن يبدأ الداعي بنفسه إذا دعا لغيره (١). عن أُبيّ بن كعب ﵁ أن رَسُولُ اللَّه ﷺ : ((كانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا، فَدَعَا لَهُ، بَدَأَ بِنَفْسِهِ)) (٢)، ويستشهد لذلك بعموم: ((ابدأ بنفسك)) (٣). وجاء مثله في القرآن الكريم من دعاء إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٤)، ومن دعوات

стр. 58

المؤمنين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (١)، وكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢). قال الساعاتي ﵀: ((يعني إذا دعا لأحد بخير بدأ بنفسه، ثم عمم، اقتداء بأبيه إبراهيم ﵊ حيث قال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾، فتتأكد المحافظة على ذلك، وعدم الغفلة عنه، وإذا كان لا أحد أعظم من الوالدين ولا أكبر حقاً على المؤمنين منهما، ومع ذلك قدم الدعاء لنفسه عليهما في القرآن الكريم في غير موضع، فيكون على غيرهما أولى)) (٣). قال المؤلف حفظه اللَّه: ((وثبت أنه ﷺ لم يبدأ بنفسه، كدعائه لأنس، وابن عباس، وأم إسماعيل ﵃)) (٤). ٢٠ - أن يتوسَّلَ إلَى اللَّهِ بأسمائِهِ الحُسْنَى وصفاتِهِ العُلا ، أو بِعَملٍ صالحٍ قامَ به الدَّاعي نفسُه، أو بِدِعاءِ رجلٍ صالحٍ حيٍّ حاضرٍ. ذكر المؤلف حفظه اللَّه أنواع التوسل المشروعة حال الدعاء، فإنها أرجى في قبول الدعاء واستجابته.

стр. 59

والتوسل من الوسيلة وهي: القربة والطاعة، وما يتوصّل به إلى الشيء، ويتقرب به إليه (١)، قال الراغب: ((الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة لتضمنها لمعنى الرغبة)) (٢). قا ل اللَّه تعا لى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (٣). ومعنى قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ((أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه)) (٤). وأول هذه الأنواع في التوسلات وأعظمها وأفضلها: التوسل إلى اللَّه تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلا، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٥). وهو أن يقدم الداعي اسماً من أسمائه الحسنى ما يناسب المطلوب: كأن يقول: يا رحمن ارحمني، يا غني اغنني، يا غفور اغفر لي، أو أن يتوسل بالأسماء الحسنى المضافة، كأن تقول: ارزقني يا خير الرازقين، ارحمني يا أرحم الراحمين، ومثل ذي الجلال والإكرام، قال النبي ﷺ : ((أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)) (٦).

стр. 60

ومعنى ألظوا: الزموه، واثبتوا عليه، وأكثروا من قوله والتلفظ به في دعائكم (١). أو يتوسل باسم دالٍّ على معانٍ كثيرة: مثل: ((الرب)) كما في غالبية أدعية القرآن، وكذلك اسم ((الصمد))، و ((المجيد))، و ((العظيم))، وكذلك بالاسم الأعظم المتضمن لكل الأسماء الحسنى والصفات العلا، أو يتوسل بصفة من صفاته كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢)، فقنا: من الوقاية وهي من الصفات الفعلية، وكالتوسل بصفة العلم والقدرة، كما في دعاء النبي ﷺ : ((اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي)) (٣). وكذلك يستعاذ بصفاته جل وعلا: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي)) (٤). النوع الثاني: ((التوسل)): بعمل صالح قام به الداعي نفسه: ((كأن يقول الداعي: اللَّهم بإيماني بك، أو محبتي لك، أو باتباعي لرسولك أن تغفر لي)). ومن ذلك أن يذكر الداعي عملاً صالحاً ذا بال، فيه خوف من

стр. 61

اللَّه سبحانه، وتقواه إياه، وإيثار رضاه على كل شيء، وطاعته له جل شأنه ... ثم يتوسل به إلى اللَّه تعالى في دعائه ليكون أرجى لقبوله وإجابته)) (١). والأدلة على ذلك كثيرة جداً، منها دعاء المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢). وقصة أصحاب الغار، فقد كان كل واحد منهم يقول: ((فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا)) (٣). النوع الثالث: أو بدعاء رجل صالح حي حاضر له: ((كأن يقع المسلم في ضيق شديد، أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم في نفسه التفريط في جنب اللَّه ﵎، فيحب أن يأخذ بسبب قوي إلى اللَّه تعالى، فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوى، أو الفضل والعلم بالكتاب والسنة، فيطلب منه أن يدعو له ليُفْرَج عنه كربه، ويزول عنه همه)) (٤). يدل على ذلك حديث أنس ﵁ عندما جاء الأعرابي والنبي ﷺ

стр. 62

يخطب يوم الجمعة، فشكا له ما هم فيه من الشدة، فدعا له ﷺ فلم ينزل من منبره حتى رأيت المطر، يتحادر من لحيته (١). ومن ذلك سؤال أبي هريرة ﵁ للنبي ﷺ أن يدعو لأمه بالهداية إلى الإسلام، فدعا لها، فهداها اللَّه تعالى (٢). وكذلك توسل الصحابة ﵃ بدعاء العباس، فقد ثبت ((أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا ﷺ فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ)) (٣). والمراد بقوله: ((إنا نتوسل إليك بعمّ نبينا)) أي: بدعائه، والمعنى إنا كنا نتوسل بنبينا ﷺ بدعائه لك، والآن بعد موته نتوسل إليك بدعاء عمّه. * التوسل إلى الله بذكر حال الداعي وعجزه وضعفه: ((فكما أن اللَّه تعالى يحب من الداعي أن يتوسل إليه بأسمائه وصفاته ونعمه العامة والخاصة، فإنه يحب منه أن يتوسل إليه بضعفه وعجزه وفقره، وعدم قدرته على تحصيل مصالحه، ودفع

стр. 63

الأضرار عن نفسه)) (١). كما كان، من دعاء موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢). وكما في دعاء زكريا ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٣)، ((فتوسل إلى اللَّه تعالى بضعفه وعجزه، وهذا من أحب الوسائل إلى اللَّه تعالى؛ لأنه يدل على التبري من الحول، والقوة، وتعلق القلب بحول اللَّه وقوته)) (٤). * التوسل إلى الله بسابق نعمه وآلائه: كما في دعاء زكريا ﵇، فكان في آخره: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٥). فتوسل إلى اللَّه تعالى بسابق إنعامه عليه، وإحسانه في إجابة دعائه، ولم يرُدّه خائباً. ودعاء يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا

стр. 64

وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (١). وكما جاء من دعوات الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢). فتوسلوا إلى اللَّه تعالى بسابق نعمته عليهم من الهداية والصلاح. ودعاء الوتر يدل على هذا المقصد: ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ)) (٣). ففيه توسل للَّه تعالى بإحسانه وإنعامه على من سبق عليهم بالهداية والعافية والولاية ... فدل على أهمية هذا التوسل في إعطاء ما يرجو العبد في دينه ودنياه. واللَّه ـ يحبّ من عبده أن يتوسل إليه بأنواع التوسلات له في دعائه؛ لما في ذلك من كمال العبودية، [والتَّذَلُّلِ] له تعالى في كل الأحوال. ٢١ - أن يكون المطعم والمشرب والملبس من حلال . فمن أراد أن يكون مجاب الدعوة، فليجتهد في أن يكون مأكله

стр. 65

ومشربه وملبسه من الحلال، فللحلال سر عجيب في قبول الأعمال عند اللَّه تعالى، ومن آكدها الدعاء، وقد تقدم آنفاً قول النبي ﷺ : ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، ... ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، ثُمَّ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) (١). وفي الحديث إشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء بالحلال لمن أراد الدعاء أكثر من غيره (٢). ولما سُئل سعد بن أبي وقاص ﵁ تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: ((ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها، ومن أين خرجت)) (٣). ٢٢ - لا يدعو بإثم أو قطيعة رحم . قال النبي ﷺ : ((مَا عَلَى الأرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّه تَعَالَى بِدَعْوَةٍ إِلاَّ آتَاهُ اللهُ إيَّاها، أَوْ صَرفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: إِذاً نُكْثِرُ، قَالَ: ((اللهُ أكْثَرُ)) (٤)،

стр. 66

فدلّ على أن الدعاء بالإثم بجميع أنواعه، وقطيعة الرحم مانع من موانع إجابة الدعاء، ((ويدخل في الإثم الدعاء على سبيل الاختبار، فليس للعبد أن يختبر الرب ، ويدخل في قطعة الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم)) (١)، فليحذر الداعي من ذلك، وفي الحديث بشارة عظيمة لكل مسلم بأن اللَّه تعالى يجيبه إذا دعاه. وقوله ﷺ : ((اللَّهُ أَكْثَر)) يعني: اللَّه أكثر إجابة، ففي هذا الحديث حثٌّ على الإكثار من الدعاء قدر الإمكان، فإنّ دعاءه مجاب في الحال، أو في المآل، أو يصرف السوء والضر عنه بما هو خير له من السؤال. ٢٣ - أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . قال النبي ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ)) (٢). قال ابن علان ﵀: ((والخطاب للأمة الموجودين حقيقة، ولمن سيأتي بطريق التبع، وقوله: (أو ليوشكن اللَّه): [أو: عاطفة]: أي: ليكونن أحد الأمرين: إما امتثال ما أُمرتم به، أو وقوع ما أُنذرتم به

стр. 67

في قوله: (ليوشكن اللَّه أن يبعث عليكم عقاباً منه) بجور الولاة، أو تسليط العداة، أوغير ذلك من البلاء، (ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)؛ لكون الحكمة الإلهية جعلته جزاء لما فرطتم فيه من ترك، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)) (١). ٢٤ - الابتعاد عن جميع المعاصي . الابتعاد عن المعاصي والذنوب بجميع أنواعها من أهم الأسباب لقبول الأعمال، ومنها الدعاء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). فقد كان الأنبياء والمرسلون يحثون أممهم على التوبة والاستغفار؛ لما في ذلك من عظيم الثمرات الدنيوية والأخروية، قال تعالى مُبيِّناً عن نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٣).

стр. 68

أوقات وأحوال وأماكن يستجاب فيها الدعاء (١): من واسع فضل اللَّه ﵎؛ الذي لا يحد ولا يعد، أنه - تعالى- مجيب للدعاء دون قيد بوقت أوحال أو زمان أو مكان على الإطلاق، إلا أنه تعالى من كمال كرمه وفضله، كذلك جعل في بعض الأوقات والأحوال والأماكن مزيداً من العناية بالإجابة والقربة؛ حثاً منه تعالى إلى اقتناصها، وتشمير ساعد الجد إلى العناية بها، وقد ذكر المؤلف وفقه اللَّه بعض الأوقات والأحوال والأماكن التي يستجاب فيها الدعاء، وهي على النحو الآتي: ١ - ليلة القدر . قال اللَّه : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٢). فعن عائشة ﵂ قالت: ((قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: ((قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي)) (٣). ٢ - جوف الليل الآخر .

стр. 69

قال النبي ﷺ : ((أقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ)) (١)، وهذا قربٌ خاص يقتضي الإجابة والإثابة والعناية. وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قيل: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الدُّعاءِ أسْمَعُ؟ قال: ((جَوفُ اللَّيلِ الآخِرُ، ودُبُرَ الصلواتِ المكتوباتِ)) (٢). اعلم يا عبد اللَّه أن هذا الوقت هو أشرف الأوقات، حيث ينزل رب العالمين إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل [نزولاً يليق بجلاله؛ والنزول من صفاته الفعلية التي يفعلها إذا شاء]، قال النبي ﷺ : ((يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ)) (٣). قال ابن بطال ﵀: ((هو وقت شريف، خصّه اللَّه تعالى [بالنزول فيه إلى السماء الدنيا في الثلث الآخر من الليل]، فيتفضل على عباده لإجابة دعائهم، وإعطاء سؤالهم، وغفران ذنوبهم،

стр. 70

وهو وقت غفلة وخلوة، واستغراق في النوم، واستلذاذ له، ومفارقة اللذة والدعة، صعب، ولا سيما أهل الرفاهية، وفي زمن البرد، وكذا أهل التعب، ولاسيما في قصر الليل، فمن آثر القيام لمناجاة ربه تعالى، والتضرع إليه مع ذلك، دلّ على خلوص نيته، وصحّة رغبته فيما عند اللَّه جل وعلا؛ فلذلك نبّه اللَّه عباده إلى الدعاء في هذا الوقت الذي تخلو فيه النفس من خواطر الدنيا، وعلقها، ليستشعر العبد الجد والإخلاص لربه)) (١). وهذا الوقت الشريف يا عبد اللَّه قد أثنى ربك جل وعلا على المستغفرين به، قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْاسْحَارِ﴾ (٢)، قال القرطبي: ((خصَّ السحر بالذكر؛ ... لأنه مظنة القبول، وقت إجابة الدعاء، وهو وقت التجليات الإلهية، وتنزل الفيوضات الربانية)) (٣). والاستغفار نوع من أنواع الدعاء؛ لأن الدعاء يعمُّ ما كان دفعاً للمضارِّ، أو جلباً للمسارِّ، وذلك: إمّا ديني، أو دنيوي، والاستغفار من النوع الأول، وهو طلب دفع السوء والشرّ (٤). ٣ - دُبُر الصلوات المكتوبات . كما في حديث أبي أمامة ﵁ حين سأل النبي ﷺ : أَيُّ الدُّعَاءِ

стр. 71

أَسْمَعُ؟ قَالَ: ((جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ)) (١). اختلف أهل العلم في معنى ((دبر)): هل هو آخر جزء من الصلاة، أي قبل السلام؛ لأن دبر كل شيء مؤخره؟، أو المراد به بعد انقضاء الصلاة، أي بعد السلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (٢). أو المراد مجموع الأمرين؟ ذهب شيخ الإسلام وابن القيم أنه آخر الصلاة بعد التشهد وقبل السلام، قال ابن القيم: ودبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام، فراجعته فيه فقال: دبر كل شيء منه، كدبر الحيوان (٣). وقال شيخ الإسلام ﵀ عن حديث معاذ الذي قال فيه النبي ﷺ لمعاذ: ((يَا مُعَاذُ إِنِّي لأُحِبُّكَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أُحِبُّكَ، قَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) (٤).

стр. 72

يتناول ما قبل السلام، ويتناول ما بعده أيضاً (١). والذي يظهر أنه يُراد به مجموعهما، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه كان يدعو قبل السلام وبعد السلام، واليك الأدلة: ١ - رغب النبي ﷺ بالذكر دبر كل صلاة، فقال: ((مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، أَوْ فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً)) الحديث (٢). والمراد بعد السلام إجماعاً، ... والذكر نوع من الدعاء. ٢ - ثبت عنه ﷺ أنه دعا بعد الصلاة من ذلك، ففي حديث علي في صفة صلاة النبي ﷺ دعا: ((اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، ... )) (٣)، فقد جاء أنه دعا قبل السلام، وثبت أنه دعا بعد التسليم، وفيه: ((فإذا سلم من الصلاة قال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللَّهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) (٤).

стр. 73

ولفظ رواية الترمذي: ((ويقول عند انصرافه من الصلاة)) (١). ولهذا قال ابن القيم: ((ولعله كان يقوله في الموضعين)) (٢). ومن الأدعية عن أبي أيوب قال: ما صليت وراء نبيكم إلا سمعته حين ينصرف يقول: ((اللهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ، وَذُنُوبِي كُلَّهَا ... )) (٣). ومن دعائه ﷺ بعد الصلاة: أن كعباً ﵁ ذكر أن صهيباً حدثه أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول عند انصرافه من الصلاة: ((اللَّهمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي جَعَلْتَهُ لِي عِصْمَةَ أَمْرِي ... )) (٤). وغيره من الأدعية، فدل على أن للدعاء بعد السلام موطناً عظيماً من مواطن الإجابة، واللَّه أعلم. ٤ - بين الأذان والإقامة . قال النبي ﷺ : ((إِنَّ الدُّعَاءَ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَادْعُوا)) (٥).

стр. 74

وهذا الوقت المبارك ينبغي أن يشغل بالدعاء عن غيره من العبادات، فـ ((كثير من الناس يهملون الدعاء بين الأذان والإقامة، ويشتغلون بتلاوة القرآن، لا شك أنه عمل جليل، ولكن تلاوة القرآن لها وقت آخر، فكونك تستغل هذا الوقت بالدعاء والذكر أفضل؛ لأن الدعاء المقيد في وقته أفضل من الدعاء المطلق)) (١)، [ويشرع له أيضاً أن يجمع بين ذلك كله فيدعو، ويقرأ، والحمد للَّه] (٢). ٥ - ساعة من كل ليلة . قال النبي ﷺ : ((إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ)) (٣). فينبغي للعبد أن يعتني بهذه البشارة الكريمة من النبي ﷺ ، فإن العبد لا بد له من صحوة حال تقلبه بالليل، فليغتنم أن يدعو فيها.

стр. 75

٦ - عند النداء للصلوات المكتوبة . قال النبي ﷺ : ((ثِنْتَانِ لاَ تُرَدَّانِ - أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ - الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُ بَعْضًا)) (١). ٧ - عند نزول الغيث . قال النبي ﷺ : ((اُطْلُبُوا إجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَنُزُولِ الْغَيْثِ)) (٢). وقال النبي ﷺ : ((ثِنْتَانِ مَا تُرَدَّانِ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَتَحْتَ المَطَرِ)) (٣). ٨ - عند زحف الصفوف في سبيل اللَّه . قال النبي ﷺ : ((ثِنْتَانِ لاَ تُرَدَّانِ - أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ - الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُ بَعْضًا)) (٤). ٩ - ساعة من يوم الجمعة . عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: ((فِيهِ
следующие страницы →