← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96549

شرح الدعاء من الكتاب والسنة

ماهر بن عبد الحميد بن مقدم

Полный текст (599 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أَسْمَعُ؟ قَالَ: ((جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ)) (١). اختلف أهل العلم في معنى ((دبر)): هل هو آخر جزء من الصلاة، أي قبل السلام؛ لأن دبر كل شيء مؤخره؟، أو المراد به بعد انقضاء الصلاة، أي بعد السلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (٢). أو المراد مجموع الأمرين؟ ذهب شيخ الإسلام وابن القيم أنه آخر الصلاة بعد التشهد وقبل السلام، قال ابن القيم: ودبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا يرجح أن يكون قبل السلام، فراجعته فيه فقال: دبر كل شيء منه، كدبر الحيوان (٣). وقال شيخ الإسلام ﵀ عن حديث معاذ الذي قال فيه النبي ﷺ لمعاذ: ((يَا مُعَاذُ إِنِّي لأُحِبُّكَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أُحِبُّكَ، قَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) (٤).

стр. 72

يتناول ما قبل السلام، ويتناول ما بعده أيضاً (١). والذي يظهر أنه يُراد به مجموعهما، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه كان يدعو قبل السلام وبعد السلام، واليك الأدلة: ١ - رغب النبي ﷺ بالذكر دبر كل صلاة، فقال: ((مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ، أَوْ فَاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً)) الحديث (٢). والمراد بعد السلام إجماعاً، ... والذكر نوع من الدعاء. ٢ - ثبت عنه ﷺ أنه دعا بعد الصلاة من ذلك، ففي حديث علي في صفة صلاة النبي ﷺ دعا: ((اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، ... )) (٣)، فقد جاء أنه دعا قبل السلام، وثبت أنه دعا بعد التسليم، وفيه: ((فإذا سلم من الصلاة قال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللَّهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) (٤).

стр. 73

ولفظ رواية الترمذي: ((ويقول عند انصرافه من الصلاة)) (١). ولهذا قال ابن القيم: ((ولعله كان يقوله في الموضعين)) (٢). ومن الأدعية عن أبي أيوب قال: ما صليت وراء نبيكم إلا سمعته حين ينصرف يقول: ((اللهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ، وَذُنُوبِي كُلَّهَا ... )) (٣). ومن دعائه ﷺ بعد الصلاة: أن كعباً ﵁ ذكر أن صهيباً حدثه أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول عند انصرافه من الصلاة: ((اللَّهمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي جَعَلْتَهُ لِي عِصْمَةَ أَمْرِي ... )) (٤). وغيره من الأدعية، فدل على أن للدعاء بعد السلام موطناً عظيماً من مواطن الإجابة، واللَّه أعلم. ٤ - بين الأذان والإقامة . قال النبي ﷺ : ((إِنَّ الدُّعَاءَ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَادْعُوا)) (٥).

стр. 74

وهذا الوقت المبارك ينبغي أن يشغل بالدعاء عن غيره من العبادات، فـ ((كثير من الناس يهملون الدعاء بين الأذان والإقامة، ويشتغلون بتلاوة القرآن، لا شك أنه عمل جليل، ولكن تلاوة القرآن لها وقت آخر، فكونك تستغل هذا الوقت بالدعاء والذكر أفضل؛ لأن الدعاء المقيد في وقته أفضل من الدعاء المطلق)) (١)، [ويشرع له أيضاً أن يجمع بين ذلك كله فيدعو، ويقرأ، والحمد للَّه] (٢). ٥ - ساعة من كل ليلة . قال النبي ﷺ : ((إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ)) (٣). فينبغي للعبد أن يعتني بهذه البشارة الكريمة من النبي ﷺ ، فإن العبد لا بد له من صحوة حال تقلبه بالليل، فليغتنم أن يدعو فيها.

стр. 75

٦ - عند النداء للصلوات المكتوبة . قال النبي ﷺ : ((ثِنْتَانِ لاَ تُرَدَّانِ - أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ - الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُ بَعْضًا)) (١). ٧ - عند نزول الغيث . قال النبي ﷺ : ((اُطْلُبُوا إجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَنُزُولِ الْغَيْثِ)) (٢). وقال النبي ﷺ : ((ثِنْتَانِ مَا تُرَدَّانِ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَتَحْتَ المَطَرِ)) (٣). ٨ - عند زحف الصفوف في سبيل اللَّه . قال النبي ﷺ : ((ثِنْتَانِ لاَ تُرَدَّانِ - أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ - الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُ بَعْضًا)) (٤). ٩ - ساعة من يوم الجمعة . عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: ((فِيهِ

стр. 76

سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئاً، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ)). وأشار بِيَدِهِ يقللها (١). وعند مسلم: ((وهي ساعة خفيفة))، وقوله: ((وهي ساعة خفيفة))، وفي اللفظ الآخر: ((أشار بيده يقللها)) ترغيباً فيها، وحضاً عليها؛ ليسارة وقتها، وغزارة فضلها، فإذا لم يعلم العبد وقت هذه الساعة، وكذا وقت ليلة القدر بالتحديد _ بعثه ذلك على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بيَّن لاتّكل الناس على ذلك، وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها (٢). وقال النبي ﷺ : ((يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ». يُرِيدُ سَاعَةً «لاَ يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ)) (٣). وجاء عنه ﷺ : ((هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ)) (٤). ورجح ابن القيم ﵀ وغيره من أهل العلم: ((أنّ الساعة

стр. 77

في يوم الجمعة هي بعد العصر)) (١). وقال ابن القيم ﵀: ((وعندي أن ساعة الصلاة ساعة ترجى فيها الإجابة أيضاً، فكلاهما ساعة إجابة، وان كانت الساعة المخصوصة هي آخر ساعة العصر)) (٢). والعبد يحرص على الدعاء في هذين الوقتين، وخاصة آخر العصر، واللَّه أعلم. وأرجح الأقوال فيها أنها آخر ساعة من ساعات العصر يوم الجمعة، وقد تكون ساعة الخطبة والصلاة. ١٠ - عند شرب ماء زمزم مع النية الصادقة . قال النبي ﷺ : ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)) (٣). ١١ - في السجود . قال النبي ﷺ : ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ)) (٤).

стр. 78

وقال النبي ﷺ : ((وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهَدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ)) (١). قوله: ((فقمن)): أي حقيق وجدير أن يستجاب لكم، قال النووي ﵀: ((فيه الحث على الدعاء في السجود، فيستحب أن يجمع في سجوده بين الدعاء والتسبيح)) (٢)؛ لأن العبد يكون في غاية الذل والخضوع للَّه تعالى، وهذا قربٌ خاصٌّ يقتضي الإجابة والمعونة والتسديد كما سبق بيانه، حيث يضع أعز الأعضاء في الأرض للَّه تعالى ساجداً خاشعاً، فهو موقف ذليل، بين يدي عزيز. ١٢ - عند الاستيقاظ من النوم ليلاً، والدعاء بالمأثور في ذلك . قال النبي ﷺ : ((مَنْ تَعَارَّ (٣) مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ

стр. 79

وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ)) (١). قال ابن بطال ﵀: ((وعد اللَّه على لسان نبيه ﷺ أن من استيقظ من نومه لهجاً لسانه بتوحيد ربه، والإذعان له بالملك، والاعتراف بنعمه يحمده عليها، وينزهه عما لا يليق به، بتسبيحه والخضوع له بالتكبير والتسليم له بالعجز عن القدرة إلا بعونه، أنه إذا دعاه أجابه، وإذا صلّى قبلت صلاته، فينبغي لمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به، ويخلص نيته لربه ـ)) (٢). ولا يخفى عليك يا عبد للَّه أهمية التوحيد، فإنه من أعظم الأسباب على الإطلاق في إجابة الدعاء، وقبول الأعمال، والفوز برضى الرحمن، ودخول أعلى الجنان. ١٣ - إذا نام على طهارة ثم استيقظ من الليل ودعا . قال النبي ﷺ : ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَبِيتُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ طَاهِرًا، فَيَتَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ، فَيَسْأَلُ اللَّهَ خَيْراً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ)) (٣). ١٤ - عند الدعاء بـ ((لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ

стр. 80

مِنَ الظَّالِمِينَ)). قال النبي ﷺ : ((دَعْوَةُ ذِي النُّونِ، إِذْ دَعَا وهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ)) (٢). لأنها جمعت من كمال التوحيد: ١ - الإقرار بوحدانية اللَّه ﵎. ٢ - تنزيهه عن الظلم لكمال عدله وحكمته. ٣ - الإقرار بالذنب. ٤ _ كمال الأد ب في السؤال؛ حيث لم يطلب من اللَّه تعالى بصيغة الطلب الصريحة، وإنما بالتعريض بالحال (٣). ١٥ - دعاء الناس عقب وفاة الميت . عن أم سلمة ﵂ قالت: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ))، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: ((لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ، فَإِنَّ

стр. 81

الْمَلاَئِكَةَ يُؤْمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ)). ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ)) (١). ١٦ - الدعاء بعد الثناء على اللَّه والصلاة على النبي ﷺ في التشهّد الأخير: وهو موطن عظيم من مواطن الإجابة، فقد كان النبي ﷺ يدعو ويستعيذ فيه في الأمور المهمة العظام، فعن أبي هريرة ﵁ قال: ((مَا صَلَّى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ أرْبَعَاً أوِ اثْنَتَيْنِ إلاَّ سَمِعْتُهُ يَدْعُو: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَسُوءِ الْمَحْيَا وَالمَمَاتِ)) (٢). وفي رواية: ((كَانَ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ)) (٣). والأحاديث في فعله ﷺ وإقراره كثيرة، فمنها: عن عبد اللَّه بن مسعود ﷺ قال: ((كُنْتُ أُصَلِّي وَالنَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ دَعَوْتُ لِنَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ)) (٤).

стр. 82

ورواية أبي يعلى: ((كنت في المسجد أُصلي، فدخل رسول اللَّه ﷺ ومعه أبو بكر وعمر، ... ثم دعوت لنفسي، فقال رسول اللَّه ﷺ : ((سل تعط))، ثم قال: ((من أحب أن يقرأ القرآن غضاً فليقرأه كما يقرأ ابن أم عبد))، قال: فرجعت إلى منزلي، فأتاني أبو بكر فقال: هل تحفظ مما كنت تدعو شيئاً؟ قلت: نعم، اللَّهمَّ إني أسألك إيماناً لا يَرتدُّ، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة نبينا محمد ﷺ في أعلى جنة الخلد، فأتى عمر عبد اللَّه ليبشره فوجد أبا بكر خارجاً قد سبقه، فقال: إن فعلت إنك لسبّاق بالخير)) (١). ١٧ - عند دعاء اللَّه باسمه العظيم الذي إذا دُعي به أجاب ، وإذا سُئل به أعطى (٢). أخبر الصادق المصدوق ﷺ أن للَّه تعالى الاسم الأعظم، من دعا به أجابه تعالى، وأعطاه منواله، وقد جاءت عدة أحاديث، منها: سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْأَحَدُ، الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ))، فَقَالَ: ((قَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ)) (٣).

стр. 83

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الْمَنَّانُ، [يا] بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ)) (١). قال النبي ﷺ عندما سمع رجلاً يصلي ويدعو بهذا الدعاء: ((لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى)) (٢). فاحرص عليهما في دعائك. ١٨ - دعاء المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب . قال النبي ﷺ : ((مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدعُو لأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ إلاَّ قَالَ المَلَكُ: وَلَكَ بِمثْلٍ))، وفي لفظ: ((دَعوَةُ المَرءِ المُسْلِمِ لأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُستَجَابَةٌ، عِندَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأخِيهِ بخيرٍ قال المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمين، وَلَكَ بِمثْلِ)) (٣). قال النووي ﵀: ((بظهر الغيب)): أي في غيبته المدعو له وفي سره، لأنه أبلغ في الإخلاص، ولو دعا لجماعة من المسلمين

стр. 84

حصلت هذه الفضيلة ولو دعا لجملة المسلمين، فالظاهر حصولها أيضاً، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة، لأنها تُستجاب ويحصل له مثلها)) (١). قال العلامة ابن عثيمين ﵀: (( ... فالملك يؤمّن على دعائك إذا دعوت لأخيك بظهر الغيب، ويقول: ((لك بمثله، وهذا يدل على فضيلة هذا، لكن هذا فيمن لم يطلب منك أن تدعو له، أما من طلب منك أن تدعو له فدعوت له، فهذا كأنك شاهد، لأنه يسمع كلامك؛ لأنه هو الذي طلب منك، لكن إذا دعوت له بظهر الغيب بدون أن يخبرك، ويطلب منك فهذا هو الذي فيه الأجر، وفيه الفضل واللَّه الموفق)) (٢). وهذه البشارة الجليلة من النعم العظيمة للداعي والمدعو له، فإن الداعي ينال الإجابة المتحققة له، وللمدعو له، والأجر والثواب العظيم لاتّباعه أمر الشارع، فاحرص على الدعاء لإخوانك المسلمين كي تنال هذه الفضائل الزكية في الدنيا والآخرة، ولا تنسَ أن يكون لك نصيبٌ من الدعاء للمستضعفين من المؤمنين كما كان من دعاء المصطفى ﷺ : ((اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)) (٣).

стр. 85

١٩ - دعاء يوم عرفة في عرفة . قال النبي ﷺ : ((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) (١). ٢٠ - الدعاء في شهر رمضان . قال النبي ﷺ : ((إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ)) (٢)، وفي لفظ لمسلم: ((إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ)) (٣). وفتح أبواب الجنة إيذان بقبول الدعاء والأعمال . ٢١ - عند اجتماع المسلمين في مجالس الذكر . كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: ((إِنَّ للَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ ... ))، وفي آخر الحديث يقول اللَّه :

стр. 86

((فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ)) (١). ٢٢ - عند الدعاء في المصيبة بـ ((إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا)). عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِّ ﷺ يَقُولُ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: مَا أَمَرَه اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا)) (٢). ٢٣ - الدعاء حالة إقبال القلب على اللَّه، واشتداد الإخلاص . فهو السبب الأعظم والأهم لإجابة الدعاء، فكلما اشتد الإخلاص، وإقبال القلب على اللَّه جل وعلا وحده، كانت الإجابة أرجى وأقرب للإجابة والقبول: قال الشوكاني ﵀: ((أقول: هذا الأدب هو أعظم الآداب في إجابة الدعاء، لأن الإخلاص هو الذي تدور عليه دوائر الإجابة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ

стр. 87

الْكَافِرُونَ﴾ (١)، فمن دعا ربه غير مخلص، فهو حقيق ألا يجاب إلا أن يتفضل اللَّه عليه، وهو ذو الفضل العظيم)) (٢). فحيثما وجد الإخلاص كانت الإجابة معه؛ وللإخلاص عند اللَّه تعالى موقع وذمة: وجد من مؤمن أو كافر، طائع، أو فاجر (٣). وهذا من كمال فضل اللَّه تعالى، وسعة عدله ورحمته حتى مع أشد أعدائه. وقد بيَّن اللَّه تعالى لنا في كتابه كيف أجاب دعاء الكافرين حال كربهم واضطرارهم، وذلك لشدة إخلاصهم وتعلق قلوبهم به، وإفراده بالدعاء والسؤال. قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٤)، فهو تعالى يعلم أنهم سيعودون إلى شركهم وكفرهم، فأجابهم لشدة ضرورتهم وإخلاصهم، فدلَّ على عظم هذا المطلب الجليل. وقد تقدَّم ما جاء في قصة أصحاب الغار. قال ابن عقيل ﵀: ((يقال: لا يُستجاب الدعاء بسرعة إلا لمخلص أو مظلوم)) (٥). ٢٤ - دعاء المظلوم على من ظلمه .

стр. 88

قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ عندما بعثه إلى اليمن: ((اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ)) (١). وقال النبي ﷺ : ((دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ)) (٢)، وقال: ((اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ)) (٣). وقال النبي ﷺ : ((ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: ... وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ : وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ)) (٤). لأنه ﵎ من كمال عدله أنه حرَّم الظلم على نفسه، وحرمه على عباده، والظلم محرم حتى مع الكافر والفاجر، قال النووي ﵀ عن معنى: ((فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب)): ((أي

стр. 89

أنها مسموعة لا ترد)) (١). وقال ابن حجر: ((أي ليس لها صارف يصرفها ... )) (٢). ٢٥ - دعاء الوالد لولده، وعلى ولده . فإن من عظم حق الوالد على ولده أنّ اللَّه تعالى بحكمته قد جعل دعاءه له مستجاباً، قال النبي ﷺ : ((ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ لاَ تُرَدُّ دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ)) (٣). وكذلك مستجابة إذا دعا عليه، قال ﷺ : ((ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ)) (٤). فلخطورة هذا الأمر ينبغي للوالد أن يعوّد نفسه الدعاء لولده بالصلاح، والخير، والتوفيق، والسداد، وأن يكتم غيظه قدر ما أمكن، فإن في ساعة الغضب تخرج دعوات لا يُؤمن شرُّها. فليتأس بدعوات الأنبياء والصالحين لذرياتهم، فمن دعوات

стр. 90

إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء﴾ (١)، ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ (٢)، وعباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (٣). ٢٦ - دعاء المسافر . كما في الحديث السابق: ((ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ)) لما كان السفر قطعة من العذاب كما قال النبي ﷺ : ((السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ)) (٤). وانفراده عن الصديق والحميم والأهل فينشأ عن ذلك انكسار النفس الذي من أعظم أسباب إجابة الدعاء، وهو حقيقة العبودية والذل والافتقار إلى اللَّه ﵎، ويخلص العبد في ذلك للَّه تعالى، واللَّه تعالى لسعة كرمه ورحمته بعباده، يجيب دعاءه لمن هذه حاله، ومتى طال السفر كان أقرب إلى الإجابة.

стр. 91

٢٧ - دعاء الصائم حتى يُفطر . قال النبي ﷺ : ((ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهم: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرُ، والإِمَامُ العادلُ، ودعوةُ المَظْلُومِ، يَرْفَعُها اللهُ فوقَ الغَمَامِ، ويَفْتَحُ لها أَبْوَابُ السماء، ويقول الرَّبُّ: وعِزَّتي لأنصُرَنَّكِ وَلَو بَعدَ حِينٍ)) (١). قال الحكيم الترمذي: (( ... فالصوم منع النفس عن الشهوات، وإذا ترك شهوته من أجله [اللَّه] صفا قلبه، وصارت دعوته بقلب فارغ، قد زايلته ظلمة الشهوات، وتولته الأنوار، فاستجيب له ... )) (٢). ٢٨ - دعاء الصائم عند فطره . قال النبي ﷺ : ((إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَة مَا تُرَدُّ)) (٣). وهذه مزية ومنقبة عظيمة للصائم، فينبغي له أن يشغل حال صومه بالدعاء، قال النووي ﵀: ((يُستحب للصائم أن يدعو في حال صومه بمهمات الآخرة والدنيا له وللمسلمين))، ثم (ذكر

стр. 92

الحديث) ثم قال: فيقتضي باستحباب دعاء الصائم من أول اليوم إلى آخره؛ لأنه يسمى صائماً في ذلك)) (١). والصوم هنا يعم الفرض والنفل؛ لأنه ﷺ أطلق الصائم، ولم يقيده بوصف، والأصل بقاء الإطلاق على إطلاقه، وقد جعل اللَّه ـ آية الدعاء وسط آيات الصوم إرشاداً إلى الاجتهاد في الدعاء، والسبب أن الصوم من أخلص العبادات للَّه تعالى، وهو سر بين العبد وربه ، فكان جزاؤه الإجابة والقبول جزاء وفاقاً. ٢٩ - دعاء المضطرّ. قال تعالى: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢)، قال النبي ﷺ : ((أدْعُوكَ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ الَّذِي إِذَا مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَ عَنْكَ ... )) (٣). والمضطر: ((المكروب المجهود)) (٤)، وهو الذي انقطعت به السبل، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فيلجأ إلى اللَّه تعالى باضطراره، واللَّه ﵎ يجيب المضطر إذا دعاه، ولو كان مشركاً لكمال عدله، وفضله، وسعة رحمته جل وعلا، فكيف

стр. 93

بالمؤمن الموحِّد للَّه تعالى؛ ولهذا ينبغي للمضطر ألا يذهل عن الدعاء في حال الاضطرار، فإنه مستجاب بالحال بوعد حق صادق من رب العالمين. جاء رجل إلى مالك بن دينار فقال له: إني أسألك باللَّه أن تدعو لي فأنا مضطر، فقال: إذاً فاسأله أنت، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه (١). قال القرطبي ﵀: ((ضمن اللَّه تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجأ ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده ـ موقع وذمة، وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر)) (٢). ومن أقوى الأدلة وأبينها في أنّ اللَّه تعالى يجيب دعاء المضطر في الحال: دعاء يونس ﵇، وأصحاب الصخرة الثلاثة في الغار. وذكر بعض أهل العلم صفة المضطر: كالغريق، أو المعطل في مفازة وقد أشرف على الهلاك، فكل من كان صاحبه مضطراً لا بد له أن يدعو لأجله (٣). - دعاء الذاكر اللَّه كثيراً: قال النبي ﷺ : ((ثَلَاثَةٌ لَا يُرَدُّ دُعَاؤُهُم: الذَّاكِرُون اللهَ كَثِيرًا، وَدَعْوَةُ

стр. 94

الْمَظْلُومِ، وَالْإِمَامُ الْمُقْسِطُ)) (١)؛ لأنّ الذاكر معلق قلبه ولسانه في ذكر اللَّه تعالى، في ليله ونهاره، في سفره وحضره، فهو مع معية اللَّه ﵎ له حال ذكره، التي تقتضي الإجابة، والعناية والولاية، قال اللَّه في الحديث القدسي: ((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي)) (٢)، ومن كمال عدل اللَّه وفضله أن جعل قاعدة عظيمة في الجزاء والبلاء في الدنيا والآخرة: ((الجزاء من جنس العمل))، فمن ذكر اللَّه تعالى في كل أحواله، جازاه اللَّه تعالى بالاستجابة حال دعائه، فإذا أردت أن تكون مجاب الدعوة، فالزم هذا المقام العظيم. ٣٠ - دعاء الإمام العادل . قال النبي ﷺ : ((ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ ... )) (٣). ٣١ - دعاء الولد البار بوالديه . أخبر النبي ﷺ أنّ من النعم على الوالدين أن يرزقا بولد صالح يكون سبباً للدعاء لهما بعد موتهما. قال ﷺ : ((إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقةٍ جَاريَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ

стр. 95

صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)) (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((تُرْفَعُ لِلْمَيِتِ بَعْدَ مَوْتِهِ دَرَجَتُهُ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَيُّ شَيْءٍ هَذَهِ؟ فَيُقَالُ: وَلَدُكَ اسْتَغْفَرَ لَكَ)) (٢). وفي هذا حث للوالدين على إصلاح ولدهما حال حياتهما، وتربيته على أحسن الأعمال، ووصيتهما له بالدعاء لهما بعد موتهما. ٣٢ - الدعاء عقب الوضوء إذا دعا بالمأثور في ذلك . فقد جاء عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ (أوْ فَيُسْبِغُ) الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ)) (٣). ٣٣ - ٣٤ - الدعاء بعد رمي الجمرة الصغرى. والوسطى: ((كَانَ [النبيُّ ﷺ ] إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، وَكَانَ يُطِيلُ الْوُقُوفَ، ثُمَّ يَأْتِي

стр. 96

الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الْيَسَارِ مِمَّا يَلِي الْوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا)) (١). - ولا شك أن الدعاء في مكة له ميزة؛ لحديث: عبد اللَّه بن مسعود ﵁: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ، قَالَ وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ)) (٢). ففي الحديث تعظيم الدعاء بمكة عند الكفار، وما زادت عند المسلمين إلا تعظيماً (٣). ٣٥ - الدعاء داخل الكعبة، ومن صلى داخل الحِجْر فهو من البيت . عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄: ((أَنَّ النبي ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ, دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا)) (٤).

стр. 97

وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْبَيْتَ هوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلاَلٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِم، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ في أَوَّلِ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلاَلاً، فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ)) (١). وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الْجَدْرِ (٢): أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: ((إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ)) (٣)، ((ومن دعا داخل الحجر، فقد دعا داخل الكعبة لأن الحجر من البيت لما سبق من الأحاديث)) (٤). ٣٦ - الدعاء على الصفا: كما في حديث جابر ﵁ في صفة حجة النبي ﷺ ، وفيه: ((فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فاستقبل القبلة، فوحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرهُ، وَقَالَ: ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ))، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا

стр. 98

ثَلاَثَ مَرَّاتٍ)) (١). ٣٧ - الدعاء على المروة . ففعل النبي ﷺ على المروة كما فعل على الصفا (٢). ٣٨ - الدعاء عند المشعر الحرام . قال جابر ﵁ عن حجة النبي ﷺ : ((ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقبلَ القِبْلَةً، فَدعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ، ووَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ)) (٣). - وإذا كان الدعاء في المساجد، كان لذلك فضيلة على غيرها من البقاع؛ لأن المساجد أحبُّ البقاع إلى اللَّه تعالى. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٤). أمر اللَّه ﵎ نبيه والمؤمنين أن يخلصوا للَّه تعالى الدعوة إذا دخلوا المساجد كلها (٥). وتخصيص الدعاء بالمساجد يدل على أن الدعاء فيها أفضل وأجوب من الدعاء في غيرها، وكلما فضل المسجد كالمساجد

стр. 99

الثلاثة كانت الصلاة والدعاء فيه أفضل (١). ((والمؤمن يدعو ربه دائماً أينما كان: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (٢)، ولكن هذه الأوقات، والأحوال، والأماكن تُخَصُّ بمزيد عناية)) (٣).

стр. 100

الدعاء من الكتاب والسنة الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. ١ - ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (١). بدأ المؤلف حفظه اللَّه تعالى بحمد اللَّه تعالى، والصلاة على النبي ﷺ قبل الدعاء من الكتاب؛ لأن هذا هو الأدب الجميل الذي ينبغي للداعي أن يبدأ به كما تقدم في آداب الدعاء التي ذكرها المؤلف (٢). وأوّل هذه الأدعية الكريمة في كتاب ربنا ﷻ في أعظم سورة من سور القرآن الكريم، وهي الفاتحة، التي سماها النبي ﷺ ((أم القرآن))؛ حيث قال: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ: أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي)) (٣)، وفي لفظ: ((أُمُّ الْقُرْآنِ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ

стр. 101

الْعَظِيمُ)) (١). و هي أعظم سورة كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ لأبي سعيد بن المعلى ﵁: ((لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ... ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾)) (٢). وجاء في فضلها كذلك أنه ﷺ قال: ((مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلَ أُمِّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَهِيَ مَقْسُومَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)) (٣). وقد أخبر النبي ﷺ أن ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هي آية من آياتها، حيث قال: ((إِذَا قَرَأْتُمُ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاقْرَءُوا (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) إِحْدَاهَا)) (٤).

стр. 102

وسُمِّيت هذه السورة الجليلة بـ (أم القرآن)؛ لأنها شملت كل أنواع التوحيد الثلاثة: من ((معرفة الذات، والصفات، والأفعال، وإثبات الشرع، والقدر، والمعاد، وتجريد توحيد الربوبية والإلهية، والتوكل، والتفويض)) (١)، واشتملت كذلك على ((أنفع الدعاء، وأعظمه، وأحكمه)) (٢)، وهو طلب الهداية التي هي أصل السعادة والفلاح في الدارين. قول تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: ((الجار والمجرور متعلق بمحذوف؛ وهذا المحذوف يُقَدَّر فعلاً متأخِّراً مناسباً؛ فإذا قلت: ((باسم اللَّه))، وأنت تريد أن تأكل، تقدر الفعل: ((باسم اللَّه آكل)) قلنا: إنه يجب أن يكون متعلقاً بمحذوف؛ لأن الجار والمجرور معمولان؛ ولا بد لكل معمول من عامل. وقدرناه متأخراً لفائدتين: الفائدة الأولى: التبرُّك بتقديم اسم اللَّه -. والفائدة الثانية: الحصر ؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركاً به، ومستعيناً به، إلا باسم اللَّه ... )) (٣). ((أي: أبتدئ بكل اسم للَّه تعالى؛ لأنّ لفظ (اسم) مفرد

стр. 103

مضاف، فيعمّ جميع الأسماء الحسنى)) (١). (اللَّه): هذا الاسم الجليل هو أعظم الأسماء الحسنى، وأعلاها، تفرّد به ﵎، وقد قبض اللَّه تعالى أفئدة الجاهلين، وألسنتهم على التسمّي به، من غير مانع، ولا وازع (٢)، فلم يتجاسر أحد على التسمي به. ((فعلم أن اسمه (اللَّه) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دالٌّ عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم اللَّه، واسم اللَّه دالٌّ على كونه مألوهاً معبوداً، تألهه الخلائق محبةً وتعظيماً وخضوعاً وفزعاً)) (٣). وقد ذكر هذا الاسم في القرآن (٢٧٢٤) مرة (٤). ولهذا عدّ جمعٌ من أهل العلم أنه اسم اللَّه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى (٥). وأصله: من (الإله): ((والإله في لغة العرب: أطلق لمعانٍ أربعة، وهي: المعبود، والملجأ، والمفزوع إليه، والمحبوب حباً عظيماً)) (٦).

стр. 104

و ﴿الرَّحْمَن، الرَّحِيم﴾: اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة، التي وسعت كل شيء، وعمَّت كل حيٍّ، و ﴿الرَّحمن﴾: أشد مبالغة من ﴿الرَّحيم﴾؛ لأن بناء فعلان أشد مبالغة من فعيل (١). ((وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿الحمد﴾ وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم: الكمال الذاتي، والوصفي، والفعلي؛ فهو كامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله، ولا بدّ من قيد وهو ((المحبّة، والتعظيم))؛ قال أهل العلم: لأن مجرد وصفه بالكمال دون محبة، ولا تعظيم: لا يسمّى حمداً؛ وإنّما يُسمّى مدحاً؛ ... و (أل) في ﴿الحمد﴾ للاستغراق: أي استغراق جميع المحامد. وقوله تعالى: ﴿للَّه﴾: اللام للاختصاص، والاستحقاق)) (٢). وقوله تعالى: ﴿ربِّ الْعَالَمِينَ﴾: الرب يطلق على: المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيّم، والمُنعم، ولا يُطلق غير مضاف إلاَّ على اللَّه ﵎ (٣). و ﴿العالمين﴾: ... هو كلّ ما سوى اللَّه تعالى، فهو من العالَم؛

стр. 105

وُصفوا بذلك؛ لأنهم عَلَم على خالقهم ـ (١). والعوالم كثيرة: كعالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الملائكة، وعالم الطير، وعالم الدوّاب، وغيرها الكثير ما علمنا منها، وما لم نعلم، وقد ثبت في الحديث القدسي الجليل أن اللَّه ﵎ يقول: ((قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قاَلَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي ... )) (٢). وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: الملك: احتواء الشيء والقدرة على الاستبدادية، النافذ الأمر في ملكه، المتصرف فيه كيف يشاء (٣). و ﴿الدين﴾: الجزاء والحساب. وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: جاء في الحديث القدسي السابق الذكر: ((فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذِهِ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)) (٤).

стр. 106

وقوله: ﴿إياك﴾: ((مفعول به مقدَّم، وعامله: ﴿نعبد﴾؛ وقُدِّم على عامله لإفادة الحصر؛ فمعناه: لا نعبد إلا إياك)) (١). والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه اللَّه تعالى ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة، والباطنة، والاستعانة: طلب العون، وهي الاعتماد على اللَّه تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار مع اليقين في تحصيل ذلك (٢). فينبغي للعبد حينما يقرأ هذه الآية أن يستحضر أنه يخص ربَّه بالعبادة والاستعانة في كل أموره وأحواله فلا غنى للعبد عن ربه تعالى طرفة عين. ثم شرع في سؤال أجلِّ المطالب، وأشرف المواهب، وهو سؤال اللَّه تعالى الهداية؛ فإن هذا الطلب أنفع الدعاء، وأعظمه، وأحكمه، وحاجة الناس إليه أعظم من حاجتهم إلى سائر الأدعية، ولهذا أُمر به كل مسلم أن يدعو به في كل ركعة من الصلاة، سبع عشرة مرة فرضاً، ولم يكن لأي دعاء آخر مثله. وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الهداية هي الدلالة

стр. 107

والإرشاد (١)، وهي نوعان: ١ - هداية دلالة وإرشاد وعلم ، وهذه الدلالة التي يملكها الرسل، والعلماء والدعاة. ٢ - هداية دلالة توفيق وعمل ، التي لا يملكها إلا ربّ العزة والجلال، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) (٣). فالعبد حينما يدعو بهذا الدعاء العظيم ينبغي له أن يستحضر هذا المطلب العظيم، وما دلّ عليه من معانٍ جليلة، فيقول: أي يا ربنا دلّنا وأرشدنا، ووفقنا إلى التمسك بصراطك المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، الموصل إلى دارك جنات النعيم، فإن من ثبت عليه في الدنيا، ثبت ((قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط)) (٤). وقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: فيه توسل إلى اللَّه تعالى بنعمه، وإحسانه إلى من أنعم اللَّه عليه، وإحسانه إلى من أنعم عليه بالهداية، وهذا من التوسلات الجليلة (٥)، التي يحسن بالداعي

стр. 108

الاعتناء بها حال دعائه، أي أن الداعي يقول: ((قد أنعمت بالهداية على من هديت، وكان ذلك نعمة منك، فاجعل لي نصيباً من هذه النعمة، واجعلني واحداً من هؤلاء المنعم عليهم، فهو توسّل إلى اللَّه بإحسانه ... ولما كان سؤال اللَّه الهداية إلى الصراط المستقيم، أجلّ المطالب، ونيله أشرف المواهب: علّم اللَّه عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده، والثناء عليه، وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء)) (١). وقوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقد فسّر ﷺ ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، قال: ((هم اليهود))، و ﴿الضَّالِّينَ﴾، قال: ((النصارى))، ((فإن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضُلاَّل)) (٣). ويدخل في المغضوب عليهم: ((كل من علم بالحق ولم يعمل

стр. 109

به)) (١). وكذلك يدخل في الضالين: ((كل من عمل بغير الحق جاهلاً به)) (٢). فقد جاء في الحديث القدسي أن اللَّه تعالى يقول: (( ... فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٣)،قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)) (٤). ((ويستحب كذلك [التأمين] لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي، وسواء كان منفرداً أو إماماً أو مأموماً، وفي جميع الأحوال؛ لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: ((إذَا أمَّنَ الإمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلاَئِكةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (٥)) (٦). ومعنى ((آمين)): قال الجوهري: ((معنى آمين: كذلك فليكن، وقال الترمذي: معناه: لا تُخَيِّبْ رجَاءَنا. وقال الأكثرون: معناه:

стр. 110

اللَّهُمَّ استَجِبْ لَنَا)) (١). فاحرص يا عبد اللَّه أن تؤمِّن في دعائك حينما تقرأ هذه السورة العظيمة؛ فإن ((التأمين طلب الإجابة من الرب سبحانه، واستنجازها فهو تأكيد لما تقدم من الدعاء وتكرير له)) (٢). وأختم بكلام نفيس لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في أهمية تدبر وتأمل ما جاء في هذه السورة الجليلة ((فإذا تأمل العبد هذا، وعلم أنها نصفان: نصف للَّه تعالى، وهو أولها إلى قوله: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، ونصف للعبد دعاء يدعو به لنفسه، وتأمل أن الذي علّمه هذا هو اللَّه تعالى، وأمره أن يدعو به، ويكرره في كل ركعة، وأنه سبحانه من فضله وكرمه، ضمن إجابة هذا الدعاء إذا دعاه، وأخلص، وحضور قلب تبيّن له ما أضاع أكثر الناس)) (٣). ويقول ﵀ فيما ينبغي للمعلم أن يعلمه: ((ومن أعظم ما تنبهه عليه: التضرع عند اللَّه، والنصيحة، وإحضار القلب في دعاء الفاتحة إذا صلَّى)) (٤). وإذا أردت يا عبد اللَّه أن تقتطف من ثمار هذه السورة الكريمة، فاستحضر كل كلمة تقرؤها، وما دلّت عليه من معنى، وكذلك فاجعل الحديث القدسي السابق الذكر مرآة أمام
следующие страницы →