← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96549

شرح الدعاء من الكتاب والسنة

ماهر بن عبد الحميد بن مقدم

Полный текст (599 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

يوازيه من الأعمال الصالحة)) (١). فقد بيّن لك يا عبد اللَّه نبي الرحمة محمد ﷺ منزلة الفردوس عن باقي الجنان، وأرشدك إلى أعظم الأسباب والأبواب إلى نيلها، وهو دعاء اللَّه ﵎ وسؤاله. وهو أعظم الأسباب، وأيسر الأبواب، فشدَّ ساعد الجد والعمل من هذه اللحظة، ولا تسوِّف، ولا تتأخر أبداً من الآن في الإلحاح، وطرق الباب آناء الليل وأطراف النهار؛ فإنه سوف يفتح لك الباب [إن شاء اللَّه]. قال أبو الدرداء ﵁: ((جدوا في الدعاء، فإنه من يُكثر قرع الباب يوشك أن يُفتح له)) (٢). وتَذَكَّر قول المصطفى ﷺ : ((من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة اللَّه غالية، ألا إن سلعة اللَّه الجنة)) (٣)؛ فإن هذه السلعة غالية، نفيسة، لاتنال بالأماني، والتسويف، والقعود، وإنما تنال بالهمة، والعزيمة في القول والفعل، فكن كيِّساً، ولا تكن عاجزاً. وقد رُوي: ((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ،

стр. 527

وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ [الأماني])) (١). والكيس هو العاقل (٢) الذي عنده ((القدرة على جودة استنباط ما هو أصلح في بلوغ الخير)) (٣)، وهذا هو اللبيب الحازم، الذي ينظر في عواقب الأمور، فينظر إلى الدنيا وقد علم أنها دار الفناء، وأن الجنة هي دار القرار، وهذه الدار عالية، وعليَّة، درجات بعضها فوق بعض، كلما علت اتسعت، وعلت في المنزلة والمكانة، وأن الفردوس هي أعلى الجنان، فعند ذلك تعلو همّته، وتصدق عزيمته، فجعل هذه المنزلة العظيمة هي مقصده الأعظم، فشمّر في العمل في لحظته وآنه، فقوله: ((دان نفسه)): ((أي حاسبها، وأذلها، واستبعدها، وقهرها، فجعلها منقادة لأوامر اللَّه تعالى وطاعته، ((وعمل لما بعد الموت)): قبل نزوله؛ لأن الموت عاقبة أمور الدنيا، فالكيس من أبصر العاقبة، ((والعاجز من اتبع نفسه هواها)): أي الذي غلبت عليه نفسه وقهرته، فأعطاها ما تشتهيه. ((وتمنى على اللَّه الأماني)): أي أنه يتمادى بالمعصية، ويتمنى على اللَّه المغفرة، فالتمني مذموم؛ لأنه يُفضي بصاحبه إلى الكسل، بخلاف

стр. 528

الرجاء؛ فإنه تعليق القلب بمحبوب يحصل حالاً)) (١)، فيجمع ما تتوق نفسه إلى المحبوب بالجد والعمل، مع حسن الظن بربه تعالى. وختاماً أذكر لك رعاك اللَّه ما جاء في فضل الفردوس من الكتاب والسنة من أوصاف عظيمة، عسى أن تكون لك حافزاً في العمل، والهمّة، والسؤال لربك بالرغبة، والإلحاح، والضراعة. ((الفردوس: ربوة الجنة، وأوسط الجنة، وأعلى الجنة، وأفضلها، وأحسنها، فإنه سر الجنة (٢)، وأعلاها (الجنة) درجة، وأن العرش على الفردوس، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة الأربعة)) (٣)، وإن من دخلها لا يبغي عنها تحولاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ (٤). ((أي: خالدين في جنات الفردوس، لا يبغون عنها حولاً، أي تحولاً إلى منزل آخر؛ لأنها لا يوجد منزل أحسن منها، يرغب فيها إلى التحول إليه عنها، بل هم خالدون فيها دائماً من غير تحول، ولا انتقال ... )) (٥).

стр. 529

جعلني اللَّه وإياك من أهلها ((اللَّهم آمين))، اللَّهم يا خير الرازقين، ارزقنا مرافقة نبينا محمد ﷺ في أعلى الفردوس. ١٣٤ - ((اللَّهُمَّ جَدِّدِ الإيْمَانَ فِي قَلْبِي)) (١). قال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: رسول اللَّه ﷺ : ((إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم، كما يخلق الثوب، فاسألوا اللَّه أن يجدد الإيمان في قلوبكم)). المفردات: ليخلق: أي يكاد أن يبلى (٢). الشرح: هذا الدعاء فيه من عظيم المقصد، وأجلّ مطلب، في إصلاح أهم مضغة في الجسد، التي هي محلّ نظر الرب ﵎، التي إن صلحت صلح سائر الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله؛ فلهذا اهتم الشارع الحكيم إلى سؤال اللَّه ﵎ في إصلاح هذه المضغة. [وقد] تقدم من أدعية المصطفى ﷺ : ((اللَّهم مصرف القلوب

стр. 530

صرف قلوبنا على طاعتك))، ((يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك))، ((اللَّهم حبِّب إلينا الإيمان، وزيّنه في قلوبنا))، وغير ذلك الكثير من الأدعية. قوله ﷺ : ((إن الإيمان ليخلق)): أكد الأمر بـ (إنّ)) أي الإيمان ليتلف ويبلى ويتغير، ثم شبهه بالأمر المحسوس المشاهد بالثوب الذي يبلى ولا يبقى، وهذا في غاية الأهمية في تثبيت الأمر المهم في الذهن، وتأكيد الحقائق المهمة الجليله، بالأمور المحسوسة، الذي يقتضي المراقبه، وحسن المجاهدة ((شبه ﷺ الإيمان بالشيء الذي لا يستمر على هيئته)) (١)؛ فإن الثوب يبلى لرداءته، أو كثرة استعماله، وكذلك الإيمان، لا يبقى على حال، فهو يضعف، ويفتر بسبب كثرة المعاصي والآثام، والبعد عن ذكر اللَّه ، وقلّة [الأعمال] الصالحات والطاعات، وعدم تجديد التوبة بعد الذنوب والسيئات. ففيه دليل على صحة اعتقاد أهل السنة والجماعة، كما هو مقرَّر في كتب العقيدة: إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي والآثام. ثم أمر النبي ﷺ فقال: ((فاسألوا اللَّه أن يجدد الإيمان في قلوبكم))، وقد تقدم أن في أمره ﷺ بالدعاء، أفضل من غيره من الأدعية التي لم يأمر بها. وفي صيغة المضارع ((أن يجدد)): الذي يدلّ على الاستمرارية

стр. 531

والتجدّد، فيه حث على الاعتناء بهذا الدعاء، وملازمته، والاعتناء به على الدوام، وتضمّن هذا الدعاء المبارك سؤال اللَّه ﵎ التوفيق إلى صالح الأعمال، والتي من أجلّها: مسائل الإيمان من حسن الاعتقاد، المنافي للشبهات، والبدع، والضلالات، وكذلك تضمّن سلامته من الشرك، والرياء، والسمعة، والنفاق، وباقي الذنوب، والشرور، والسيئات. فخذ بوصية المصطفى ﷺ تكن من الفائزين. ١٣٥ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ صَلَاةٍ لَا تَنْفَعُ)) (١). الشرح: الصلاة أعظم صلة بين العبد وربه , وهي أفضل الأعمال، وأحبها إلى اللَّه , كما جاء في الأدلة الوفيرة في عظم منزلتها, فهي من أعظم الأعمال الرافعة في الدرجات الآخرة, فلا عمل بعد توحيد اللَّه ﵎ أفضل منها، وذلك لاشتمالها على التوحيد، والتعظيم والثناء على اللَّه بكلِّ أنواعه، واشتغال كل الأعضاء، والحركات في البدن للَّه ﵎, وثمراتها, وفوائدها لا تعدّ، ولا تحصى, فمن منافعها, أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر, قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ (٢).

стр. 532

لذا استعاذ منها نبي الرحمة, التي جعلت الصلاة قرة عينه من عدم منافعها, وذلك يكون لعدم الإتيان بها على الوجه الصحيح من الإخلاص، وصحة الأركان, والواجبات, والشروط (١). فتضمّنت هذه الاستعاذة الطيبة, التوفيق إلى القيام بها على الوجه الأكمل والأتمّ, فإذا أقامها العبد كما ينبغي, اقتطف من ثمار، ومنافع الخيرات في الدنيا والآخرة. ١٣٦ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أّعُوذُ بِكَ مِنْ جَارِ السُّوءِ، وَمِنْ زَوْجٍ تُشَيِّبُنِي قَبْلَ المَشِيبِ، وَمِنْ وَلَدٍ يَكُونُ عَليَّ رَبّاً، وَمِنْ مَالٍ يَكُونُ عَلَيَّ عَذَابَاً، وَمِنْ خَلِيْلٍ مَاكِرٍ عَيْنُهُ تَرَانِي، وَقَلْبُهُ يَرْعَانِي؛ إِنْ رَأَى حَسَنَةً دَفَنَهَا، وَإِذَا رَأَى سَيِّئَةً أَذَاعَهَا)) (٢). الشرح: هذا الدعاء المبارك فيه استعاذة من خمسة مجاورين من الصفات الذميمة التي لا ينفك عنها العبد في عيشه في هذه الدار. فأولها: ((جار السوء)):وتقدم شرحه في الدعاء رقم (٩٥) , (٩٧). وقوله: ((ومن زوج تُشِّيبني قبل المشيب)): ((وهي المرأة السوء,

стр. 533

وهي التي تراها فتسوؤك لقبح ذاتها, أو أفعالها, وتحمل لسانها عليك بالبذاءة, وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك)) (١). فينشأ بسببها الشيب قبل وقته، بسبب ما يحصل من الهم، والغم، وكدر العيش. قوله: ((ومن ولد يكون عليَّ ربَّاً)): أي أستعيذ بك أن ترزقني ولداً يكون عليَّ مالكاً، لعقوقه وعدم برّه, وتسلّطه عليَّ كأنه هو المالك السيد، وأنا العبد المملوك عنده. قوله: ((ومن مال يكون عليَّ عذاباً)): ومن مال يكون سبباً لعذابي وخسارتي, لحرصي على جمعه من غير حِلِّه, وهذا المال الحرام الذي تفقد بركته وخيره في معاش العبد، ويورد شرّ الموارد في الآخرة, وتضمّنت هذه الاستعاذة والتي قبلها وبعدها أضداد هذه الشرور في سؤال اللَّه تعالى الرزق من الزوجة الصالحة, والولد الصالح, والمال الحلال في الكسب والإنفاق, وكذلك مصاحبة الصالحين الذين يعينون العبد في دينه ودنياه وآخرته. قوله: ((ومن خليل ماكر)): أي أعوذ بك من صديق يظهر المحبة, والخلّة والودّ, وهو في باطن الأمر محتال مخادع. قوله: ((عينه تراني)): أي ينظر إليَّ نظر الخليل لخليله خداعاً، ومداهنة، ومكراً. قوله: ((وقلبه يرعاني)): أي قلبه يراعي إيذائي، وهو لي بالمرصاد، يتربص بي الشرّ والسوء.

стр. 534

قوله: ((إن رأى حسنة دفنها)): أي إذا علم مني بفعل حسنةً فعلتها. ((دفنها)): سترها، وغطّاها، وكتمها، ولم ينشرها. قوله: ((وإذا رأى سيئة أذاعها)): أي إذا علم مني بفعل سيئة زللت بها, نشرها، وأظهرها خبراً بين الناس (١) , فهذا والعياذ باللَّه ليس بخليل ولا صديق, إنما [هو] عدوّ غشوم, ظلوم, وحاله هذه: حال المنافقين التي بيّنها اللَّه ﵎ في كتابه العزيز: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ (٢). ١٣٧ - ((اللَّهُمَّ لاَ تُخْزِنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (٣). أصل هذا الدعاء المبارك, أن رجلاً من بني كنانة قال: ((صليت خلف النبي ﷺ عام الفتح, فسمعته يقول: ((اللَّهم لا تخزني يوم القيامة)). وجاء عن النبي ﷺ أنه كان يقول هذه الدعوات, فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: ((كان رسول اللَّه ﷺ يدعو بهذه الدعوات كلّما سلّم)): ((اللَّهم لا تخزني يوم القيامة, ولا تخزني يوم البأس, فإن من تخزه يوم البأس فقد أخزيته)) (٤).

стр. 535

المفردات: الخزي: يقال خزي الرجل: لحقه انكسار, إما من نفسه, أو من غيره (١) , وخزي يخزي خزياً, أي: ذلَّ وهان (٢). البأس: البأس والبؤس والبأساء كلها الشدة والمكروه (٣). الشرح: دلّ قول الصحابي: ((كان رسول اللَّه يدعو بهذه الدعوات كلّما سلّم)) على أهمية هذه الدعوات، وذلك أن فعل المضارع بعد كان يدل على المداومة على الفعل, والاستمرارية عليه, وقد تقدَّم ذكر ذلك مراراً, وقوله: ((كلما سلم)): يحتمل قبل السلام أو بعد السلام, وكلا الموطنين موطن عظيم في الإجابة، كما بينا في آداب الدعاء. هذه الدعوة المباركة شبيهةٌ بدعوة خليل الرحمن في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ (٤)، وقد شرحناها، وهي برقم (٣٥)، فاجتمع عليهما الصلاة والسلام في هذه الاستعاذة المهمة. قوله ﷺ : ((اللَّهم لا تخزني يوم القيامة)) أي: يا اللَّه لا تذلّني، وتهينني بالتوبيخ على الذنوب والمعاصي, والعقوبة عليها, والفضيحة بها أمام الخلائق يوم القيامة, استعاذ ﷺ ليكون ملازماً

стр. 536

للخوف والخشية، وهضم النفس, وتعليماً لأمته بملازمة هذه الدعوة, وإلا فهو ﷺ مغفور له ما قدم وما أخر. قوله: ((ولا تخزني يوم البأس)): أي يوم الشدة، والمكاره, وشدة الحاجة، والافتقار. ثم علّل سبب دعوته: ((فإن من تخزه يوم البأس فقد أخزيته)): أي فقد ذلّلته وأهنته, وفي هذا التفصيل في الدعاء, وتعليل سبب الدعوة، دون الإيجاز والاختصار, كما بيَّنا سابقاً (١)؛ لأنه مقام عبودية، فكلّما بسط العبد الدعاء، وزاد فيه, زادت عبوديته المقتضية لكثرة الثواب والأجر, وكذلك بثّ الشكوى إلى اللَّه تعالى, واستحضار ما يدعو به العبد, فتضمن هذا الدعاء سؤال اللَّه تعالى السلامة من كل المكاره في الدنيا والآخرة, وأنه يحسن بالداعي أن يذكر علة وسبب دعوته؛ فإنها من سنن الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، كما تقدّم في أدعية الكتاب, واللَّه تعالى الموفق إلى الهدى والصواب. ١٣٨ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)) (٢).

стр. 537

المفردات: المعافاة: هي أن يعافيك اللَّه من الناس, ويعافيهم منك, وأن يُغْنِيك اللَّه عنهم، ويُغْنيهم عنك، ويَصْرف أذاهُم عنك، ويصرف أذَاكَ عنهم (١)، وحقيقتها حفظ اللَّه ﵎ للعبد, عن كل ما يكرهه, ويحزنه, ويسوءه في دينه, ودنياه, وآخرته. الشرح: هذه الدعوة المباركة, أخبر سيد الأولين والآخرين, أنها أفضل دعوة, فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ((ما من دعوة يدعو بها العبد، أفضل من: اللَّهم إني أسألك المعافاة في الدنيا والآخرة)). وجاء عن أبي بكر ﵁ أنه خطب الناس على منبر رسول اللَّه ﷺ فقال: قام رسول اللَّه في مقامي هذا عام الأوَّل، ثم بكى أبو بكر ﵁ ثم سُرِّي عنه فقال: سمعت رسول اللَّه يقول: ((إِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطَوْا فِي الدُّنْيَا خَيْرًا مِنَ الْيَقِينِ وَالْمُعَافَاةِ، فَسَلُوهُمَا اللَّهَ )) (٢). وقد تقدّم في الدعاء رقم (٧١) ((اللَّهم إني أسألك اليقين, والعفو, والعافية في الدنيا والآخرة)) , بشرح موسَّع لمعنى هذه

стр. 538

الدعوات. دلّت هذه الدعوة على عظم شأنها, وجلالة قدرها، وأنها لا يعدلها شيء، وذلك أن السلامة والحفظ والأمان هي أجلّ المقاصد، والمطالب التي يتشوّف إليها كل العباد؛ فإنه من أُعطي هذا المطلوب، نجا من كل مرهوب, وحصل له كل مطلوب, وهذه الدعوة يا عبد اللَّه من جوامع الكلم كما تقدّم؛ لأنه ليس شيء يعمل للآخرة يتلقى إلا باليقين, وهو الإيمان الثابت الراسخ الذي لا ريب فيه ولا شك, وهذا أفضل العمل, فعن عبد اللَّه بن حبشي الخثعمي ﵁ قال: سُئل رسول اللَّه ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: ((إيمان لا شك فيه)) (١). وعلى قدر الإيمان يكون رفع المنازل في الجنان، فعَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ فِي الْغُرْفَةِ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الشَّرْقِيَّ أَوْ الْكَوْكَبَ الْغَرْبِيَّ الْغَارِبَ فِي الْأُفُقِ أوالطَّالِعَ فِي تَفَاضُلِ الدَّرَجَاتِ)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُولَئِكَ النَّبِيُّونَ؟ قَالَ: ((بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَأَقْوَامٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ)) (٢).

стр. 539

قوله: ((وأقوام آمنوا باللَّه ورسوله، وصدقوا المرسلين)): أي أن هذه الغرف، والمنازل العُلا، ينالها أيضاً أقوام غير الأنبياء المرسلين ((ولم يذكر عملاً، ولا شيئاً سوى الإيمان، والتصديق للمرسلين, وذلك ليعلم أنه عنى الإيمان البالغ، وتصديق المرسلين من غير سؤال، ولا تلجلج, وإلاّ كيف تنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة, ولو كان كذلك, كان جميع الموحدين في أعلى الغرفات, وأرفع الدرجات, وهذا محال)) (١) قوله: ((المعافاة في الدنيا والآخرة)): أي السلامة والأمان في الدارين: ففي الدنيا, فإنه ليس شيء يهنأ فيها إلا مع السلامة, والعناية والوقاية, من شرورها كلها: ظاهرها وباطنها، ومن جملتها السلامة من الخلق, والاستغناء عنهم. قوله: ((والمعافاة في الآخرة)): السلامة، والنجاة من الذنوب وتبعاتها، ومن جملة ذلك من القصاص، والحقوق التي بينك وبين العباد، وبين العباد وبينك، فمن رُزق المعافاة، ضمن دخول منازل وجنان الرحمن، فتضمّنت هذه الدعوات المباركة خيري الدنيا والآخرة، فاعتني بها يا عبد اللَّه في دعائك، وأكثر منها في ليلك ونهارك. ١٣٩ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ ، وَعَمَلٍ

стр. 540

لاَ يُرْفَعُ، وَقَلَبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَقَولٍ لاَ يُسْمَعُ)) (١). هذا الدعاء المبارك فيه استعاذة من أربعة مطالب مهمة: ١ - علم لا ينفع . ٢ - وعمل لا يُرفع ، ٣ - وقلب لا يخشع ، ٤ - وقول لا يُسمع . وقد تقدم في شرح الدعاء رقم (٦٠)، والدعاء رقم (٩٦) بعض معاني هذا الدعاء، مثل: ((علم لا ينفع))، و ((قلب لا يخشع))، فارجع إليها غير مأمور. قوله: ((عمل لا يُرفع)): أي لا يصعد إلى اللَّه ﵎، وكونه لا يصعد أي لا يُقبل؛ لفقدانه، شروط القبول، والإجابة والتي أعظمها: أ- الإخلاص . ب- المتابعة . فهو تعالى يصعد إليه العمل الصالح، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه﴾ (٢).

стр. 541

قوله: ((وقولٍ لا يُسمع)): القول يشمل: الذِّكْر، والدعاء، وقوله: (لا يُسمع): أي لا يُستجاب، ولا يُقبل، فحُكمه حكم عدم السماع؛ لأنه تعالى هو السميع، الذي وسع سمعه [ما في] السموات و [وما في] الأرض، فكونه لا يَسمعه تعالى أي لا يقبله؛ لأنه فَقَدَ شروط الإجابة والقبول كما سبق. وتضمّنت هذه الاستعاذات الأربع إلى ضدِّها، بالتوفيق إلى علمٍ نافعٍ، وعملٍ صالحٍ مقبولٍ يُرفع إلى اللَّه ﵎، وقلب خاشع للذكر والموعظة، وقولٍ مقبولٍ مستجاب مسموع. ١٤٠ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ)) (١). عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت أخدم رسول اللَّه ﷺ كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول. الحديث. المفردات: الهمّ: المكروه المؤلم على القلب على أمر مستقبل يتوقعه. الحزن: المكروه المؤلم على القلب على أمر قد مضى. ضَلع الدين: أصل الضلع وهو بفتح المعجمة واللام: الاعوجاج، يقال: ضلَع - بفتح اللام - يضلع: أي مال، والمراد به

стр. 542

هنا ثِقل الدين وشدّته، الذي يميل بصاحبه عن الاستواء. غلبة الرجال: شدّة تسلّطهم وقهرهم بغير حق تغلباً وجدلاً (١). [الشرح]: العجز، والكسل، والبخل، والجبن: تقدم شرحها سابقاً. استعاذ النبي ﷺ من هذه الأمور؛ لأنها منغصات للحياة، من جميع الوجوه، في النفس، والجسد، والعقل، والقلب. قوله: ((اللَّهم إني أعوذ بك من الهم والحزن)): استعاذ منهما لما فيهما من شدة الضرر على البدن، وإذابة قواه، وتشويش الفكر والعقل، والإنشغال بهما يفوِّتان على العبد الكثير من الخير، وانشغال الفؤاد والنفس عن الطاعات والواجبات، هذا إن كان الهمّ والحزن في أمور الدنيا، أما همّ الآخرة، فهو محمود؛ لأنه يزيد في الطاعة، ويبعث النفس على الجدّ، والعمل، والمراقبة، قال النبي ﷺ : ((مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا: هَمَّ الْمَعَادِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ في أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِ هَلَكَ)) (٢). وقال النبي ﷺ : ((مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ

стр. 543

جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ)) (١). قوله: ((وضلَعَ الدين)): أي شدّته وثقله، حتى يميل صاحبه عن الاستواء والاعتدال؛ فلهذا استعاذ منه ﷺ : لما فيه كذلك من شغل العبد عن القيام بالعبادة على الوجه الأكمل، والوقوع في المحذورات الشرعية كما سبق، مثل: الإخلاف في الوعد، والوقوع في الكذب. واستعاذ النبي ﷺ : ((من غلبة الرجال)): وهو تسلّطهم، وظلمهم، وغلبتهم بغير الحق، يؤدي إلى وهن النفس، وضعفها، وإلى الذلة والهوان، فيفتر عن الطاعة والعبادة (٢)؛ لما يوقع في النفس من الخور والأحزان، والأوهام، الذي قد يؤدّي إلى الحقد، والانتقام. فينبغي لكل مؤمن أن يُعنى بهذا الدعاء الجليل، فنحن في أشدّ الحاجة إليه في زمننا هذا، وقد تكالبت علينا الهموم، والغموم والأعداء من كل مكان، فنسأل اللَّه السلامة في ديننا ودنيانا. ١٤١ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ

стр. 544

مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجالِ)) (١). قد تقدّم شرح بعض كلمات هذا الدعاء، مثل ((عذاب النار، وعذاب القبر، فتنة الدجال)) في دعاء رقم (٥٥)، ورقم (٨٣)، ورقم (١٥١). أمر النبي ﷺ بالاستعاذة من هذه الأمور الأربعة؛ لأنها أشد الشرور في الدنيا والآخرة؛ ولهذا أمر ﷺ بالاستعاذة منها، وقد بيَّنا سابقاً أن الدعاء الذي فيه أمر من النبي آكدَ من غيره من الأدعية، وكان ﷺ يتعوذ منها في دبر كل صلاة لشدة خطورتها. عن ابن عباس ﵃ قال: ((كان رسول اللَّه ﷺ يتعوّذ في دبر كل صلاة من هذه الأربع)) (٢). وأمرنا المصطفى ﷺ التعوذ (من الفتن ما ظهر منها وما بطن): لأنها في غالب سبب هتك الحُرَم، وسفك الدماء، ونهب الأموال، ومع هذا فهي أعظم الأسباب في الوقوع بالإثم، ولهذا سأله نبيه ﷺ ، أنه إذا أراد بقوم فتنة أن يتوفاه غير مفتون (٣). وأرشدنا إلى أن نقول ذلك، وندعوه به، ففي ذلك دليل على أن ((خطبها عظيم، وإثمها وخيم، وعقابها جسيم، وفيه دليل على أن

стр. 545

الفتنة أعظم من الموت كما وصفها اللَّه بأنها أكبر من القتل)) (١)، قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل﴾ (٢)، وقال عز شأنه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْل﴾ (٣)، فإن فتنة المؤمن في دينه حتى يرد إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند اللَّه تعالى من القتل (٤). قوله: ((ما ظهر منها وما بطن)): إن من الفتن ما يكون ظاهراً، وما يكون باطناً خفياً لا يُرى ولا يُعلم، وهذا أشدّ ما يكون من الفتن، والعياذ باللَّه، فتضمّنت هذه الاستعاذة العظيمة من جميع أنواع الفتن. ((ثم عطف فتنة المسيح الدجال على الفتن العامة، وهو من عطف الخاص على العام، ويستفاد منه أن فتنة المسيح الدجال، أشدّ الفتن وأعظمها، كما يقتضيه نكتة هذا العطف)) (٥). ١٤٢ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ)) (٦). قال ﷺ : ((من سأل اللَّه الشهادة بصدق، بلّغه اللَّه منازل الشهداء وإن مات على فراشه)). وفي لفظ آخر: ((من طلب الشهادة صادقاً أعطيها ولو لم

стр. 546

تصبه)) (١). [الشرح]: قوله ﷺ : ((بصدق)): قيد السؤال بهذا المطلب الجليل. لأنه هو أساس قبول الأعمال، ومعيار صحة النية من الأقوال والأعمال والأخلاق. قوله: ((بلغه اللَّه منازل الشهداء وإن مات على فراشه)): أي جازاه اللَّه ﵎ تفضلاً منه ونعمه، على صدق نيته وإخلاصها، المنازل العلا للشهداء، وإن مات على فراشه، أو على أي حالٍ مات فيها. قال النووي ﵀: ((فيه استحباب سؤال الشهادة، واستحباب نية الخير)) (٢). وفي هذا دليل على سعة كرم اللَّه تعالى وفضله أنه يعطي العبد على صدق نيته مع حسن الدعاء، وقوة الرجاء، المنازل العلا وإن لم يعملها، وأدلة ذلك في الكتاب والسنة لا حصر لها، فينبغي للعبد أن يحسن نيته، ويصلحها في طلب الأعمال الجليلة حتى يُعطاها وإن كان لم يفعلها، وقد بيّن النبي ﷺ معنى الشهادة في سبيل اللَّه تعالى: ((من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا فهو سبيل اللَّه)) (٣). وقد بين كتاب ربنا ﷻ في كثير من الآيات عظم منزلة الشهداء،

стр. 547

وأنها بعد درجة الصديقية، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١). وسنة المصطفى ﷺ حافلةٌ بذكر فضل الشهداء فمنها: قال النبي ﷺ : ((مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَإِنَّ لَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ الشَّهِيد، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ)) (٢). وفي رواية: ((لما يرى من فضل الشهادة)) (٣). قوله ﷺ : ((إن في الجنة مائة درجة أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيل اللَّه، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ... )) الحديث (٤). فلمّا كان عظم الشهادة، وعلوّ منازل أهلها، كان أكثر دعاء الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ لها، فعن عبد اللَّه بن عمر ﵃ قال: ((كان جُلَّ (٥) دعاء عمر ﵁ بها: ((اللَّهم ارزقني الشهادة في سبيلك)). وعن حفصه ﵂، أن عمر قال: ((اللَّهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك)) فقالت حفصه: ((أنى يكون

стр. 548

هذا؟ قال: يأتيني به اللَّه إن شاء)) (١). فانظر رعاك اللَّه تعالى، وسددك على الهدى، لما صدق عمر ﵁ مع اللَّه تعالى في سؤاله ربه تعالى، وأحسن الظن بربه الكريم، الذي لا يخيب من أحسن الظن به، وصدق في دعائه وسؤاله، أعطاه ما تمنى مع خلاف حصول ذلك عادة؛ ولهذا قالت حفصة ﵂: ((أنَّى يكون هذا))؟ ١٤٣ - ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَأَدْخِلْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلاً كَرِيمًا)) (٢). [الشرح]: هذا الدعاء المبارك جاء في دعاء النبي ﷺ لهذين الصحابيين الجليلين، فعن أبي موسى ﵁ قال: ((لما فرغ النبي ﷺ من حنين، بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دُريد بن الصِّمَّة، فُقتل دُريد، وهزم اللَّه أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرُمي أبو عامر في رُكبته، رماه رجل من بني جُشم بسهم، فأثبته في رُكبته، فانتهيت إليه فقلت: يا عمِّ من رماك؟ فأشار إلى أبي موسى

стр. 549

فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقته، فلما رآني ولَّى، فاتبعته، وجعلت أقول له: ألا تستحي، ألا تثبت؟ فكفّ، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل اللَّه صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء، قال: يا ابن أخي، أقرئ النبي ﷺ السلام وقل له: استغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيراً ثم مات، فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته على سرير مُرمل، وعليه فراش قد أثَّر رمال السرير بظهره وجبينه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، فدعا رسول اللَّه ﷺ بماء فتوضأ منه ثم رفع يديه، ثم قال: ((اللَّهم اغفر لعبيد أبي عامر)) ((حتى رأيت بياض إبطيه))، ثم قال: ((اللَّهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس))، فقلت: ولي يا رسول اللَّه! استغفر))، فقال ﷺ : ((اللَّهم اغفر لعبد اللَّه بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مُدخلاً كريماً))، ((قال أبو بُرده: إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى)). هذا الحديث العظيم مشتمل على فوائد عديدة في الدعاء، فمنها: ١ - استحباب طلب الدعاء من الرجل الصالح . ٢ - ((استحباب الوضوء لإرادة الدعاء . ٣ - استحباب رفع اليدين في الدعاء خلافاً لمن خص ذلك بالاستسقاء)) (١).

стр. 550

٤ - يستحب لمن دعا لشخص أن يذكر اسمه ، وكذلك كنيته، واسم أبيه, أو قبيلته. ٥ - أهمية سؤال اللَّه تعالى المغفرة وأنها أحق بالتقديم في السؤال , وهذا هدي الأنبياء والمرسلين, كما في دعوة إبراهيم ﵇ ونوح كما تقدم. ٦ - أن التخلية مقدمة على التحلية ؛ حيث قدم ﷺ سؤال اللَّه تعالى المغفرة، وهي التخلية من الذنوب وآثارها على التحلية في قوله ((اللَّهم اجعله فوق كثير من خلقك من الناس)) أي في المنزلة، والرتبة في الجنان، وقوله كذلك لعبد اللَّه بن قيس: ((وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً)). ٧ - تعظيم الرغبة والهمة في حال الدعاء ، كما دل [عليه] قوله: ((اللَّهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من الناس)). ٨ - أن من طلب منه الدعاء أن يدعو في حاله وحينه, ولا يؤخرّه , وهذه سنة الأنبياء, كما في دعاء النبي ﷺ وكذلك في دعاء زكريا: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ (١). ١٤٤ - ((اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ،

стр. 551

وَقِنِي شَرَّمَا قْضَيْتَ، إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ)) (١). [الشرح]: هذا الدعاء الجليل، عظيم القدر والشأن, مشتمل على مقاصد ومطالب عظيمة, في الدين, والدنيا, والآخرة، وفيه معان جلال, في مسائل العقيدة والتوحيد, من التوسلات: بأسماء اللَّه تعالى وصفاته, وأفعاله, وتوسلٌ بآلائه وإنعامه, وكذلك إثبات وإقرار بصفاته تعالى المثبتة والمنفية, وإيمان بالقضاء والقدر, والمشيئة, بأجمل المباني، وأوسع المعاني, وقد ثبت هذا الدعاء المبارك في حالتين: في دعاء قنوت الوتر الذي علمه النبي ﷺ للحسن بن علي ﵁ , وثبت عن أنس ﵁ في قوله: ((كان يعلمنا هذا الدعاء)) كما في تخريج المؤلف حفظه اللَّه في الحاشية, فدلّ على أهمية هذا الدعاء المبارك من أمرين: تعليمه لابن ابنته الحسن كما سبق, وكذلك للصحابة، كما قال أنس ((وكان يعلمنا .. )) فقد ذكرنا في عدة مواضع أن فعل المضارع بعد كان, يدل على

стр. 552

المداومة على الفعل، والاستمرارية عليه. فبدأ بأولى المطالب وأجلّها, الذي عليها الفلاح في الدارين الهداية: ((اللَّهم اهدني)): سأل اللَّه ﵎ الهداية التامة النافعة, الجامعة لعلم العبد بالحق, والسير عليه, فإن أصل الهداية كما سبق: الدلالة, وهي نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهي معرفة الحق، والعلم به, وهداية توفيق وسداد وثبات, وهذه الهداية لا يملكها إلا هو , فينبغي للعبد حين يسأل اللَّه ﷻ الهداية أن يستحضر هاتين الدلالتين التي تجمع بين: العلم, والعمل. قوله: ((فيمن هديت)): فيه فوائد: أولاً: أن يدخله في جملة المهديين وزمرتهم ، وهم كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١). ثانياً: أن فيه توسلاً إليه بإحسانه وإنعامه , وهو من التوسّلات الجليلة المقتضية للإجابة كما سبق في توسّل زكريا ﵇: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (٢) أي: يا رب قد هديت من عبادك بشراً كثيراً فضلاً منك وإحساناً, فأنعم عليَّ بالهداية كما أنعمت عليهم. ثالثاً: أن ما حصل لأولئك من الهدى لم يكن منهم ، ولا بأنفسهم, وإنما كان منك، فأنت الذي هديتهم.

стр. 553

رابعاً: أن الهداية التي نطلبها لا تحصل هكذا غالباً , بل لابد لها من أسباب نبذلها, وأهم هذه الأسباب، وأجلها الدعاء, وصدق التوجه إليك، والمجاهدة في تحصيلها (١). قوله: ((وعافني فيمن عافيت)): فيه سؤال اللَّه ﵎ العافية المطلقة الظاهرة, والباطنة, في الدين, والدنيا, والآخرة؛ لأن مفرد المضاف يفيد العموم, فلم يخص نوعاً معيناً من أنواع العافية, والعافية كما تقدم مراراً هي السلامة, والوقاية من أمراض القلوب, وأمراض الأبدان, فيدخل في ذلك العافية عن الكفر, والشرك, والفسوق, والغفلة, والأسقام, وكل الخزايا, والبلايا, وفعل ما لا يحبه, وترك ما يحبه, فهذه هي حقيقة العافية؛ ولهذا ما سُئل الربّ شيئاً أحب إليه من العافية؛ لأنها كلمةٌ جامعة للتخلص من الشر كله, وأسبابه, ونتائجه, وتبعاته, ولقد شرحنا معاني هذه الكلمة الجامعة في الدعاء رقم (٧١) , ورقم (١٣٨). قوله: ((وتولّني فيمن توليت)): فيه توسل إلى اللَّه ﵎ بفعل الولاية, وهو مشتق من اسمين للَّه تعالى من الأسماء الحسنى: (الولي، والمولى): اللذين يدلان على معنى الولاية العامة: وهي لكل الخلائق, قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَق﴾ (٢) ,وولاية خاصة: وهي ولاية اللَّه تعالى للمؤمنين، كما قال

стр. 554

تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١) , وهذه هي الولاية المقصودة في هذا الدعاء المبارك التي تقتضي: التوفيق, والنصرة, والعناية, والصبر عن كل ما يغضب اللَّه ﵎ , وفي هذا تنبيه على أن من حصل له ذلّ في الناس، فهو بنقصان ما فاته من تولى اللَّه تعالى, وإلا فمع الولاية الكاملة ينتفي الذل كله، ولو سلّط عليه من في أقطار الأرض. قوله: ((فيمن توليت)) كسابقه توسّلُ اللَّه من أنعم عليهم بالولاية الخاصة. قوله: ((وبارك لي فيما أعطيت)): البركة هي النماء والخير الكثير الثابت, وتكون حسية أو معنوية, ففي هذا سؤال اللَّه البركة في كل ما أعطاه الرب ﷻ : من علم أو مال, وفي العمر، والأهل, والذرية, والمسكن، وغير ذلك, بأن ينميه, ويثبته, ويحفظه ويسلمه من كل الآفات. قوله: ((وقني شر ما قضيت)): أي شر الذي قضيته, فإن اللَّه ﷻ يقضي بالخير, ويقضي بالشر لحكمته البالغة, التي لا تحيط بها كل الخلائق, أما قضاؤه بالخير, فهو خير محض في القضاء والمقضي, أي في الفعل, والمفعول, مثل القضاء للناس بالرزق الواسع, والآمن والهداية والنصر ونحو ذلك, أما قضاؤه بالشر فهو خير في القضاء؛ لأنه فعله فهو خير محض من كل الوجوه, وشر في المقضي وهو المفعول أي: المخلوق, مثل ((القحط)) فهو خير من

стр. 555

ناحية تذكير الناس بربهم، ولجوئهم إليه, كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١) , (٢)، فظاهر هذه الأمور, من المصائب شر, ولكنها في حقيقة الأمر خير من وجه آخر, وينبغي أن يعلم أن اللَّه ﵎ لا يخلق شراً محضاً لا خير فيه البتة, فكل شر مهما عظم وكبر، فلابد فيه من الخير، فالشر واقع في بعض مخلوقاته, لا في خلقه, ولا في فعله, ولا في صفاته, وهذا من كمال الرب عز شأنه, ((وهذا الدعاء يتضمّن سؤال اللَّه تعالى الوقاية، من الشرور, والسلامة من الآفات, والحفظ من البلايا والفتن)) (٣). قوله: ((قني)): توسّل بصفة من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيئته وحكمته. قوله: ((إنك تقضي)): فيه التوسل إلى اللَّه بأنه يقضي على شيء؛ لأن له الحكم التام، والمشيئة النافذة، والقدرة الشاملة، فهو يقضي في عباده بما يشاء، ويحكم فيهم بما يريد، لا رادَّ لحكمه، ولا معقِّب لقضائه، والقضاء هنا يعمُّ القضاء الشرعي، وهي أحكامه الشرعية، وقضاؤه الكوني: وهي أقداره التي قدرها لمن في السموات والأرض من مخلوقاته. قوله: ((إنك تقضي)): وقع كالتعليل لسؤال ما قبله، أي: لا يعطي تلك الأمور المهمة إلا من كملت فيه حقائق القدرة، ولم يوجد منها

стр. 556

شيء في غيره (١). قوله: ((ولا يقضى عليك)): أي: لا يقضي عليك أحد كائناً من كان، فالعباد لا يحكمون على اللَّه بشيء، بل هو الذي يحكم عليهم بما شاء، ويقضي فيهم فيما يريد، ((ويدخل في هذا حكمه الشرعي، والقدري والجزائي)) (٢). فقوله: ((ولا يقضى عليك)) من الصفات المنفيه عن اللَّه تعالى، فأي صفة تنفي عن اللَّه تعالى تقتضي نقصاً، فلا بد أن تتضمن كمالاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٣)، فنفى اللَّه تعالى أن يقتضي عليه أحد، أو يعقّب في حكمه ((وذلك لكمال ملكه، وعزته، وعظمته، وسلطانه، وحكمته، وعدله ﵎) (٤). قوله: ((إنه لا يذل من واليت)): هذا كالتعليل لما سبق في قوله: ((وتولني فيمن توليت))، يذلّ: بفتح فكسر، وكذا يعزّ (٥) أي: لا يصير ذليلاً حقيقة من واليته، فإن اللَّه إذا تولّى العبد، فلا يذلّ، ولا يلحقه هوان في الدنيا، ولا في الآخرة. قوله: ((لا يعز من عاديت)) يعني: إذا عادى اللَّه ﵎

стр. 557

العبد، فإنه لا يعزّ، ولو اجتمع أهل الأرض والسموات معه، بل حاله الذل والخسران، فمن أراد العز فليطلبه من اللَّه ، ومن أراد أن يتّقي الذلّ فليكن مع اللَّه جل وعلا، قال اللَّه جلَّ ثناؤه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (١)، ودلّ قوله: (عاديت) على صفة العداوة الفعلية للَّه تعالى، تقتضي العقاب، والعذاب، والذلّ، والخسران. قوله: ((تباركت ربنا وتعاليت)): قوله: تباركت أي: تعاظمت يا اللَّه، فلك العظمة الكاملة من كل الوجوه والاعتبارات، ومن ذلك كثرة بركاتك، وعمّت خيراتك التي يتقلّب بها أهل السموات والأرض (٢). قوله: ((وتعاليت)): أي أن لك العلو المطلق من كل الوجوه من الكمال: علوّ الذات، وعلوّ الغلبة والقهر، وعلوّ النزاهة عن كل العيوب والنقائص والآفات. ١ - أمّا علوّ الذات: فهو عليَّ بذاته، فوق كل خلقه ، مستوٍ على عرشه، كما يليق بجلاله. ٢ - وعلوّ الصفات: فله علوّ الكمال في صفاته التي لا أكمل منها ، ولا أعلى منها، التي لا تحيط كل الخلائق ببعض معاني صفة واحدة من صفاته. ٣ - وعلوّ الغلبة والقهر: هو الغالب والقاهر لكل شيء ، فلا ينازعه

стр. 558

منازع، ولا يغالبه مغالب، فدانت له كل الكائنات، وخضعت تحت سلطانه كل المخلوقات. ٤ - وعلوّ النزاهة عن كل العيوب، والنقائص، لكماله من كل الوجوه (١). ٥ - وهو المتعالي عن الشريك، والنظير، والمثيل . فقد تضمّن هذا الدعاء العظيم أعظم مسائل الإيمان، وأصول السعادة والأمان في الدارين، فمن أعظم مسائل الإيمان تضمنه في إثبات صفات وأفعال الكمال والجلال للَّه تعالى التي منها: صفة (الهداية)، المشتقة من اسم (الهادي)، وصفة (الولاية) المشتقة من اسم (الولي، والمولى)، وصفة (البركة والتبارك) للَّه ، وصفة (الوقاية)، وصفة (القاضي)، وصفة (العداوة)، وصفة (التعالي) المشتقة من أسماء (العلي، الأعلى، المتعال)، وصفة من صفاته المنفيه: (ولا يقضى عليك)، والإقرار بالمشيئة الكاملة، والإرادة النافذة لكل المخلوقات، وتضمّن أصول السعادة في سؤال: الهداية، والعافية، والتولي، والبركة، والوقاية، فإن هذه المطالب الجليلة عليها السعادة، والهناء في الدنيا، والآخرة. ١٤٥ - ((رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)) (٢).

стр. 559

[الشرح]: هذه الدعوة جاءت عن النبي ﷺ عن ابن جدعان، كما في التخريج في الحاشية: أنه لم يقل: ((رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)): ((أي لم يكن مصدّقاً بالبعث، ومن لم يصدّق به فهو كافر، ولا ينفعه عمل، قال القاضي عياض رحمه اللَّه تعالى: ((وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم، ولا يثابون عليها بنعيم، ولا تخفيف عذاب، لكن بعضهم أشد عذاباً من بعض، بحسب جرائمهم)) (١). ومما لا يخفى في تخصيص النبي ﷺ بهذه الدعوة في الذكر دلالة جليلة على أهميتها، وكذلك أنها جاء عن خليل الرحمن في قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٢). فإذا كان خليل الرحمن يطمع أن يغفر له خطيئته يوم القيامة، فمن باب أولى نحن أن نسأل اللَّه تعالى، ونلحَّ عليه في ذلك، فدلّت هذه الدعوة على أنها مطلب [إبراهيم أحد] أولي العزم من الرسل، وذلك: أن من غفر اللَّه تعالى له ذنوبه، قد نجى من كل مرهوب، وتحصَّل له كل مرغوب في ذلك اليوم العظيم، وقوله: ((يوم الدين)) دون ذكر غيره من أسماء يوم القيامة، لا ستحضار أهمية هذا المطلب في ذلك اليوم الذي يكون فيه العبد أحوج ما يكون إلى

стр. 560

مغفرة الرب العظيم؛ فإن يوم الدين يوم الجزاء والحساب على الأعمال؛ لأن الرب عز شأنه من أسمائه ((الدَّيان)) (١). ومعناه: الذي يحاسب ويجازي العباد أجمعين. فيفصل بينهم بالحق المبين، بميزان العدل، والحق، والفصل يوم الدين، فينبغي للعبد أن يعتني بهذه الدعوة المباركة اقتداءً واتباعاً. ١٤٦ - ((أسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ، الحَيُّ القَيُّومُ ، وَأتُوبُ إلَيهِ)) (٢). [الشرح]: هذا الدعاء فيه استغفار عظيم، وتوسّلات جليلة، ومعانٍ عظيمة في طلب المغفرة من رب العالمين، بأجمل العبارات، وأسمى الكلمات، فإن في مضامينه: ١ - طلب المغفرة بأجمل العبارات وأجلّها في اقتران الطلب بأجمل الأسماء وأجلها (اللَّه).

стр. 561

٢ - وفيه توسّل بأسماء اللَّه الحسنى: (اللَّه، العظيم، الحي، القيوم). ٣ - وإقرار بألوهية اللَّه ﵎ (لا إله إلا هو) المتضمّن لتوحيد الربوبية. ٤ - وعزم على التوبة في الحال والاستقبال . قوله: ((من قال استغفر اللَّه)): أي من سأل اللَّه ﵎ المغفرة للذنوب كما دل حرف الـ ((سين)) الطلب، أي من طلب التجاوز عن الذنوب وسترها وترك العقاب عليها. وفي قرنه بـ (اللَّه العظيم) الذي يدل على الإقران على كمال آخر زائد في كمال كل اسم على انفراده: على عظم وجلالة ألوهيته ﵎، التي تدل على عظم الذات، والصفات، والأفعال، والسلطان، المستحق للتعظيم من جميع العالمين، وفي تخصيص اسم (العظيم): مناسب في طلب المغفرة من الذنوب العظام، فإن العظيم لا يتعاظم عليه شيء مهما كبر، وإن كانت من أكبر الكبائر كالفرار من الزحف. قوله: ((لا إله إلا هو)): إقرار وإذعان من العبد باستحقاق العبودية الحقة للَّه ﵎. قوله: ((الحي القيوم)): ذكر هذين الاسمين الجليلين يدل في غاية المناسبة في طلب المغفرة كذلك؛ لأن جميع الأسماء الحسنى والصفات العُلا الذاتية والفعلية ترجع إليهما، فالصفات الذاتية: ترجع كلها إلى اسم (الحي)، والفعلية إلى اسم (القيوم).

стр. 562

قوله: ((وأتوب إليه)): فيه إقرار وتأكيدٌ وعزمٌ على التوبة إلى اللَّه ﵎ ((فينبغي ألا يتلفظ بهذا إلا إذا كان صادقاً فيه في باطن الأمر كظاهره، وإلا كان كاذباً بين يدي اللَّه ، فيخشى عليه مقته)) (١). قوله: ((وإن كان فر من الزحف)): هذه بشارة عظيمة، وكريمة من رب العالمين، وهذا من ((فضل اللَّه على عباده، إن من ارتكب كبيره، بل وإن كانت من أعظم الكبائر، كالفرار من الزحف، الذي أخبر النبي ﷺ أنها من الموبقات المهلكة، قال ﵊: ((اجتنبوا السبع الموبقات ... (فذكر منها) التولي يوم الزحف)) (٢) أنه يغفر له. والفرار من الزحف: الفرار من الجهاد في سبيل اللَّه، حال قتال الكفار في الحرب، فدلّ هذا الاستغفار العظيم على أنه تعالى يغفر الذنوب العظام التي لا توجب على مرتكبها حكماً في النفس، أو المال، كالفرار من الزحف، أو مثله من الذنوب)) (٣) إذا قال العبد مخلصاً، صادقاً، مستحضراً معانيه، ينال هذه البشارة العظيمة، من المغفرة. فائدة: فوائد الاستغفار محو الذنوب، وستر العيوب، وإدرار الرزق ، وسلامة الخلق، والعصمة في المال، وحصول الآمال،

стр. 563

وجريان البركة في الأموال، وقرب المنزلة من الديان، ورضى الغفور الرحمن (١)، وكثرة [الأموال، والبنين، ونزول الأمطار]، وقوة في الأبدان، والعيش بأمان في الدنيا وإلى دخول الجنان. ١٤٧ - ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي، وَأَعِذْنِي مِنْ مُضِلاتِ الْفِتَنِ)) (٢). المفردات: الغيظ: أشد الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه (٣). جاء هذا الدعاء المبارك من النبي ﷺ لأم المؤمنين عائشة

стр. 564

رضي اللَّه عنها، فعن محمد بن أبي بكر قال: ((كانت عائشة ﵂، إذا غضبت عرَّك النبي ﷺ بأنفها ثم يقول: ((يا عويش! قولي: اللَّهم ربَّ محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن)) (١). قوله: ((اللَّهم ربَّ محمد)): فيه توسل بربوبيته تعالى لنبيه ﷺ ، وهو تعالى ربّ كل شيء ومليكه؛ لعظم شأنه ﷺ ، وأن التوسل بربوبيته له، أقرب للإجابة في حصول المطلوب، هذا الدعاء فيه طلب السلامة من أشد الشرور الظاهرة، والباطنة، في الدين والدنيا، والآخرة، فبدأ في سؤال اللَّه تعالى السلامة من أشدها فقال: ((اللَّهم اغفر لي)): سأل اللَّه تعالى المجاوزة عن الذنوب، وترك العقاب عليها، وهذا المطلب الجليل غالب في أدعية الكتاب والسنة؛ لأن الذنوب تورد العبد شر الموارد في الدنيا والآخرة، فكان في تقديم هذا المطلب أولى من غيره من المطالب، ثم شرع في سؤال اللَّه تعالى السلامة من أشد الشرور الباطنة. فقال: ((وأذهب غيظ قلبي)): ((أي شدة الغضب الذي يكون منشأه غليان دم القلب وفورانه لأمر يعرض على خلاف المراد)) (٢). سأل اللَّه تعالى أن يذهب الغيظ في القلب؛ لأنه منهك للنفس، متعب للقلب والبدن، فقد يتولّد منه الحقد، والكراهية، والبغضاء، والتعدي، والانتقام، وسوء المآل والحال، لهذا دعا اللَّه ﵎ العباد إلى إمساك النفس عند اعتراء الغيظ، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ

стр. 565

الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس﴾ (١). وقال النبي ﷺ : ((من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه اللَّه على رؤوس الخلائق يوم القيامة، حتى يخيره من الحور العين ما شاء)) (٢). قوله: ((وأعذني من مضلات الفتن)): فيه استعاذة من مهلكات، ومعضلات الفتن الشديدة، الموقعة في الحيرة، والمفضية إلى الهلاك، التي تضيع من شدتها الدين، والدنيا والآخرة، فتضمّنت هذه الاستعاذة النجاة والسلامة من الوقوع بها. دلّ هذا الدعاء المبارك على أهميته؛ حيث علّمه ﷺ إلى أحب زوجاته، التي أبوها هو أحب أصحابه، فاعتنِ به في دعائك؛ فإن السلامة من الشرور فيها الهناء، والسعادة، والمنى. ١٤٨ - ((اللَّهُمَّ أَحْيِنِي عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ وَتَوَفَّنِي عَلَى مِلَّتِهِ ، وَأَعِذْنِي مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ)) (٣).
следующие страницы →