← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 96549

شرح الدعاء من الكتاب والسنة

ماهر بن عبد الحميد بن مقدم

Полный текст (599 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أخبر بذلك النبي ﷺ ، والانشغال عن الطاعات؛ ولما فيه كذلك من الغم على القلب، وإتعاب العقل، ووهن الجسد، والنفس, وإنما استعاذ من غلبته؛ لأن الاستدانة بدون غلبة قد يحتاج إليها كثير من العباد, وقد مات ﷺ ودرعه مرهونة في أصواع من شعير. قوله: ((وغلبة العدو)): والاستعاذة من تسلط العدو بغير حق؛ لأنه يتحكم بمن يعاديه، وينزل به أنواع المضار في دينه ودنياه. قوله: ((وشماتة الأعداء)): والاستعاذة من شماتة الأعداء، وهي فرحهم ببلية تنزل على من يعادونه؛ فإن في ذلك موقعاً عظيماً في القلب، وتأثيراً كبيراً في النفس (١). ولا يخفى أن الاستعاذة من كل الأمور السابقة لما فيها من المضار والمساوئ في الدين والدنيا. ١٢٤ - ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافِنِي ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ضِيقِ الْمَقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (٢).

стр. 492

الشرح: أصل هذا الدعاء الجامع أن عائشة ﵂ أخبرت عن قيام الليل للنبي ﷺ ، واستفتاحه بالصلاة بهذا الدعاء والذكر, فقالت: كان يكبر عشراً, ويسبح عشراً, ويستغفر عشراً, ثم ذكرت هذا الدعاء, وفي رواية أنه قال: ((اللَّهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا، وضيق القيامة)) (١). وهذا الدعاء قد جمع خيري الدنيا والآخرة، وكذلك فيه استعاذة من عظام الشرور في الدنيا والآخرة. قوله: ((اللَّهم اغفر لي)): أي استر يا اللَّه ذنوبي، وتجاوز عنها، ((واهدني)): فيه سؤال اللَّه الهداية الكاملة, وهي الدلالة والمعرفة إلى طرق الحق، والتوفيق على هذا الطريق المستقيم بأن لا يزيغ عنه إلى أن يلقى ربه , فعندما يسأل العبد ((الهداية)) ينبغي له أن يستحضر هذه المعاني. قوله: ((وارزقني)): الرزق النافع الطيب الحلال الذي يعود على العبد بالبركة، والخير, و ((عافني)): أي من جميع البلايا والشرور في الدين والدنيا والآخرة, ففيه سؤال اللَّه السلامة الكاملة من كل شرّ, المتضمن العافية والصحة, ثم استعاذ اللَّه من ضيق المقام يوم القيامة؛ فإنه مقام عظيم من كثرة الخلق, والحر الشديد, والبلاء الرهيب, في هذا اليوم العصيب، فتلك الاستعاذة تتضمن سؤال اللَّه

стр. 493

تعالى النجاة والسلامة من شرّ هذا اليوم الموعود, وفي الرواية الأخرى: ((اللَّهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا)): لأن ضيقها يشتّت العقل, ويشغل القلب بالهمّ, والحزن, وضيق النفس، فينشغل عن كثير من العبادات النافعة، والمصالح المهمّة، وتضمّن هذا الدعاء كذلك سؤال اللَّه الراحة النفسية، والبدنية، وطيب النفس والحياة. وهذا يدلنا على أهمية التمسك، والعناية بالأدعية الشرعية؛ فإنها كاملة في ألفاظها، شاملة في معانيها، ومدلولاتها، فهي تجمع من كل خير في الدين، والدنيا، والآخرة. ١٢٥ - ((اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِسَمْعِي، وَبَصَرِي، وَاجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنِّي ، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ يَظْلِمُنِي، وَخُذْ مِنْهُ بِثَأْرِي)) (١). المفردات: ((الوارث مني)): استعارة من وارث الميت. ((انصرني)):النصر هو الظفر، والغلبة. ((وخذ منه بثأري)): أي اثأر لي.

стр. 494

الشرح: قوله: ((اللَّهم متّعني بسمعني وبصري)): يا اللَّه انفعني بسمعي وبصري, واجعلهما سليمين صحيحين، واحفظهما من جميع الأسقام والأمراض حتى أستعملهما في مرضاتك وطاعتك. قوله: ((واجعلهما الوارث مني)): أي أبقي لي هاتين الحاستين بكامل قوامهما عند الكبر صحيحاً سليماً إلى أن أموت, فيكون البصر والسمع هما الوارث مني سائر القوى، والباقي بعدها. قوله: ((وانصرني على من يظلمني)): اجعلني غالباً منتصراً على من تعدَّى عليَّ بغير حق، وعلى من تعدَّى على دينك، فأنتقم منه, لأنه لا قدرة للعبد على الإنصاف والانتصار إلا بإقدار الرب جل وعلا له. قوله: ((وخذ منه بثأري)): اجعل إدراك ثأري مقصوراً على من ظلمني، ولا تجعلني ممَّن تعدَّى في طلب ثأره، فأخذ به غير الجاني، وفيه إشارة إلى قوة المخالفين والأعداء حثاً على تصحيح الالتجاء، والصدق في الرغبة (١) إلى الربِّ العظيم، حتى يكون منصوراً محفوظاً في كل الأحوال والأوقات من الظلمة والأعداء. جاء بحرف الاستعلاء (على) الذي يفيد التمكين والاستعلاء, أي اجعلني متمكناً مستعلياً عليه بالنصرة والغلبة, ولا يخفى مجيء الفعل المضارع: (يظلمني) ليفيد الاستمرارية والتجدّد, أي سؤال اللَّه

стр. 495

النصرة في الحال وفي الاستقبال، وفي كل الأحوال, واللَّه أعلم. ١٢٦ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ عِيشَةً نَقِيَّةً، ومِيتَةً سَوِيَّةً، ومَرَدّاً غَيْرَ مَخْزٍ ولا فاضِحٍ)) (١). المفردات: ((عيشة نقية)): أي عيشة مملوءة بالاستقامة والصلاح. ((عيشة تقيَّة)): خالية من الأكدار والمصائب. ((وميتة سويَّة)): معتدلة. ((مردّاً غير مخز)): مرجعاً إلى الآخرة، سالماً من الذل، والعذاب، والهوان. ((ولا فاضح)): غير كاشف للمساوئ والعيوب. الشرح: قوله: ((اللَّهم إني أسألك عيشة نقية ((وتقية)): اللَّهم إني أسألك حياة مليئة بالاستقامة، والصلاح على دينك وطاعتك, ونقية من المعاصي والأكدار والمصائب, فإن النقيّ من كل شيء خياره،

стр. 496

وأطيبه؛ لأنه لم يشب بما يلحقه، ولا خالطه ما يكدره (١). ((وميتةً سويةً)): وأسألك عند الموت ميتة نقية معتدلة خالية من الأمراض، فلا أردّ إلى أرذل العمر، ولا أقاسي مشاق الهرم, وتكون بحسن خاتمة, من النطق بالشهادتين، والتوبة النصوح، والختام على عمل صالح. قوله: ((ومرداً غير مُخزٍ ولا فاضح)): وأسألك مرتجعاً إلى دار الآخرة سالماً من الذُل والعذاب، ولا كاشف للمساوئ والعيوب (٢)، وتضمَّن هذا الدعاء سؤال اللَّه العافية في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا معافىً من كل شرٍّ وبلاء، وفي الممات سلامة من سوء الخاتمة، وفي الآخرة السلامة من عذاب القبر، وأهوال الحشر، وعذاب جهنّم، والفوز والستر والتجاوز. ١٢٧ - ((اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللَّهُمَّ لاَ قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ ، وَلاَ بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلاَ هَادِيَ لِمَنْ أَضْلَلْتَ، وَلاَ مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلاَ مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ، اللَّهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ،

стр. 497

وَرَحْمَتِكَ، وَفَضْلِكَ، وَرِزْقِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لاَ يَحُولُ وَلاَ يَزُولُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ يَوْمَ الْعَيْلَةِ، وَالأَمْنَ يَوْمَ الْخَوْفِ، اللَّهُمَّ إِنِّي عَائِذٌ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا وَشَرِّ مَا مَنَعْتَنَا، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزِيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ مَفْتُونِينَ، اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ، اللَّهُمَّ قَاتِلِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، إِلَهَ الْحَقِّ [آمِينْ])) (١).

стр. 498

المفردات: ((لا قابض لما بسطت)): القبض هو الإمساك والتضييق, والبسط: السعة. ((بركاتك)): الخير، والنماء، والزيادة. ((العيلة)): الفقر. ((غير خزايا)): جمع خزيان وهو من وقع في ذل المعصية ((ولا مفتونين)): غير واقعين في الفتنة، والبلية الأخروية. ((رجزك)): العذاب المعلق، قال تعالى: ﴿عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (١) أي مزلزل مزعج. الشرح: قوله: ((اللَّهم لك الحمد كله)): يا اللَّه لك المحامد، نخصك بها لكمالك وعظمتك. بدأ بالحمد والثناء على اللَّه، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وذلك أرجا وأوقع في قبول الدعاء، كما تقدم في آداب الدعاء. قوله: ((اللَّهم لا قابض لما بسطت, ولا باسط لما قبضت)): اللَّهم لا أحد يستطيع أن يُضيِّق ما وسعت، وبسطت له لكمال قدرتك ومشيئتك, ولا أن يُوسع إذا أردت أن تضيق عليه، فلك المشيئة والقدرة الكاملة. قوله: ((ولا هادي لمن أضللت، ولا مُضلَّ لمن هديت)): أي لا

стр. 499

أحد يقدر أن يهدي من أردت إضلاله، ولو اجتمع عليه جميع الخلائق, ولا يقدر أحد أن يُضلَّ من هديت، لنفوذ مشيئتك، وقدرتك، وحكمتك. قوله: ((ولا معطي لما منعت, ولا مانع لما أعطيت)): من علم، أو رزق، أو مال، أو سلطان، أو جاه، أو غير ذلك، فلا أحد يقدر على المنع أو الإعطاء إلا بإذنك. ولا يخفى في تعظيم كمال صفاته جل وعلا، حيث نفى ما يُضادّ كمال صفاته من كل وجه. قوله: ((اللَّهم ابسط علينا من بركاتك، ورحمتك، وفضلك، ورزقك)): بعد أن قدم الثناء على اللَّه جل وعلا، والتوسل بأسمائه وصفاته, شرع بمطلوبه من خيري الدنيا والآخرة، اللَّهم وسِّع علينا وكثِّر من خيراتك, ورحماتك، وفضلك، ورزقك، وأدمها, فأنت مالك كل شيء، فنسأله منك لا من أحد سواك. قوله: ((اللَّهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول)): أسألك يا اللَّه النعيم الدائم الذي لا يتحول, ولا يتغير، وهو نعيم الآخرة. قوله: ((اللَّهم إني أسألك النعيم يوم العيلة)): أسألك يا اللَّه أن تكمل علي النعيم يوم الشدة والفقر, وأن تُغنيني عن السؤال، والافتقار لسواك من الخلق. قوله: ((والأمن يوم الخوف)): وأسألك الأمان, والاطمئنان, يوم أن يحل الخوف والفزع.

стр. 500

وفي رواية: ((والأمن يوم الحرب)) (١): سؤال اللَّه الأمان, وثبات الأقدام في الحرب والقتال. قوله: ((اللَّهم إني عائذ بك من شرِّ ما أعطيتنا)): فيه طلب الاستعاذة من شر ما يُعطاه, من الرزق والخير, فيؤدي به إلى ترك ما يجب عليه من الزكاة، وصلة الأرحام, وبأن يكون سبباً للطغيان والعصيان والاستكبار، قال اللَّه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٢)، وقد لا يوظّف ما أعطاه اللَّه ورزقه في الطاعات والخيرات. قوله: ((وشرِّ ما منعتنا)): استعاذ من الشر الذي منعه اللَّه منه, لكمال علمه, وحكمته بحاله, فيؤدي إلى الحسد، وما يتولَّد عن الحسد, كالسعي في هلاكه بغياً وعدواناً، ومن الحزن، والهمّ المانع من الأمور المهمّة في الدين, والدنيا, بسبب عدم القناعة والرضى بما قسم اللَّه له. قوله: ((حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا)): أي اجعل الإيمان محبوباً لنا في نفوسنا، مُزيناً في قلوبنا، فيتزَّين ظاهرنا بالأعمال الصالحة، بما زيّنت به باطننا، فإنه أعظم أعمال القلوب الموصلة إلى دار الخلود. قوله: ((وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان)): أي اجعل قلوبنا ونفوسنا تكره وتبغض هذه المعاصي العظام من الكفر، والخروج

стр. 501

عن الطاعة، والعمل بالمعصية. قوله: ((واجعلنا من الراشدين)): اجعلنا راشدين مستقيمين، في أعمالنا على طاعتك، وحسن عبادتك في الظاهر والباطن، وفي كل أحوالنا، كما أفادته الجملة الاسمية من الدوام والثبات. قوله: ((اللَّهم توفنا مسلمين)): اللَّهمّ أمتنا على الإسلام، ففيه سؤال اللَّه تعالى الموت بحسن الخاتمة. كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١)، فمن مات عليه بُعث سالماً من العذاب. قوله: ((وأحْيِنا مسلمين)): بأن نحيا على الإسلام، وذلك بالاستسلام لك في الظاهر والباطن. قوله: ((وألحقنا بالصالحين)): بأن نلحق في ركبهم، وهذا لا يكون إلا إذا صحبهم العبد في الدنيا وأحبهم، كما قال النبي ﷺ : ((المرء مع من أحبّ)). قوله: ((غير خزايا)): أصل الخزي، هو الذل الذي يُستحيا من مثله لما يخاف من الفضيحة منه، والمعنى لا تذلّني بمعصيتك، ولا تُهني بترك أوامرك. قوله: ((ولا مفتونين)): أي غير واقعين في الفتنة الدينية، والبلية الأخروية، أو لا معذبين، نسأل اللَّه الحفظ والسلامة في الدنيا

стр. 502

والآخرة (١). قوله: ((اللَّهم قاتل الكفرة الذين يُكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك)): بتثبيتنا، وقذف الخوف والوهن في قلوبهم، أو بإمداد الملائكة، وفيه بيان من يستحق عليهم القتال، وبيان العلّة في قتالهم، وهو من يصدّ عن سبيل اللَّه، ويكذّب الرسل. قوله: ((واجعل عليهم رجزك وعذابك)) أي أنزل عليهم الرجس والعذاب، وإنما خصّ الرجس بالذكر مع كونه داخلاً تحت العذاب لبيان شدته وقوته (٢). قوله: ((اللَّهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله الحق آمين)) هذا الدعاء كسابقه، فذاك للكافرين عامّة، وهذا في كفار أهل الكتاب، ثم ختم باسمين من أسمائه جلّ وعلا، وهذا من حسن الختام، ومعنى اسمه تعالى ((الإله)) هو المألوه، أي المستحقّ أن يؤلّه: يعبد، ويفرد بالعبادة دون أحد سواه. واسمه ((الحق)) هو الإله الحق: ضد الباطل، وكل معبود دونه باطل، فهو سبحانه متحقق في وجوده، وفي ربوبيته، وإلهيته، وأسمائه، وصفاته أزلاً وأبداً. قوله: ((آمين)) أي استجب، فهو طلب الإجابة من الرب واستنجازها، والتأمين: تأكيد لما تقدّم من الدعاء، وتكرير له بأوجز عبارة، فيُندب للداعي أن يؤمّن في نهاية دعائه - كما تقدم سابقاً في

стр. 503

آداب الدعاء- ويدلّ كذلك على تضرّع العبد للربّ، وذلّه، وعبوديته في الطمع في إجابة مسألته، ففيه نوع من الإلحاح. ١٢٨ - ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي)) (١). (( ... وَاجْبُرْنِي، وَارْفَعْنِي)) (٢). الشرح: قوله: ((اللَّهم اغفر لي)): سؤال اللَّه المغفرة، وهو محو الذنوب، وسترها عن الناس. قوله: ((وارحمني)): أي تعطَّف عليَّ، ففيه سؤال اللَّه الرحمة التي تقتضي توالي الخيرات والبر والإحسان والنعم، ففي المغفرة يأمن العبد من كل مرهوب، وفي سؤال الرحمة يفوز العبد بكلّ مرغوب. قوله: ((وعافني)): أي سلّمني من جميع الآفات، والفتن، والنجاة من البلايا والمحن في الدين والدنيا والآخرة. قوله: ((وارزقني)): أعطني ما ينفعني عطاءً واسعاً بما يغنيني عن

стр. 504

سواك، من الرزق الحلال أستعين به على القيام بالتكاليف المطلوبة من الإنفاق على الأهل، والولد، والفقير وغير ذلك، سأل الرزق الذي تقوم به الأبدان، ثم سأل ما به قوام الأرواح، وارزقني العلم والإيمان واليقين، وهذا الأخير أفضل أنواع الرزق الذي يعود نفعه على العبد في الدنيا والآخرة، كما كان من دعاء النبي ﷺ : (( ... وارزقني علماً تنفعني به)) (١). قوله: ((واهدني)): أرشدني ووفقني للحق الذي الصلاح فيه الحال، والمآل حتى أتوصَّل به إلى أبواب السعادة في الدنيا والآخرة؛ فإن الهداية هديتان: كما سبق هداية علم وبيان، وهداية توفيق ورشد، فالعبد يسألهما ربه . قوله ﷺ : ((هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك)): أي تجمع لك كل الخيرات التي تطلبها في دنياك وآخرتك، وتتضمن الوقاية من كل شر فيهما. قوله ﷺ : ((اجبرني)) [سأل اللَّه] أن يجبره لما فيه سدّ حاجته، وأن يردَّ عليه ما ذهب من خير، وأن يعوّضه، ويصلح ما نقص منه، فإن من أسمائه تعالى ((الجبار))، ((ومن معانيه الجليلة: الذي يجبر الضعيف والكسير، ويغني الفقير، وييسّر كل عسير)) (٢)، فعندما يدعو العبد به ينبغي أن يستحضر هذه المعاني الجليلة.

стр. 505

قوله: ((وارفعني)) [سأل اللَّه] أن يرفع قدره في الدنيا والآخرة؛ لحذفه المفعول الذي يفيد العموم، ففي الدنيا من رفع المكانة من الثناء الحسن، والقبول عند الناس، والرفعة في العلم والقدر، وفي الآخرة في الدرجات العُلا في أعالي الجنان. ((اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَأرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا)) (١). قوله: ((اللَّهم زدنا)): يا اللَّه زدنا من خيرك وفضلك، وعطائك من خيري الدارين، ومن العلوم والمعارف, وفي هذا مشروعية طلب الزيادة من نعم اللَّه الواسعة، ولما كانت الزيادة ربما تكون في شيء من أمور الدنيا والآخرة، ويلحق النقص بشيء آخر، قال: ((ولا تنقصنا)): أي لا تُذهب منا شيئاً مما أعطيتنا إياه. قوله: ((وأكرمنا)): من عطاياك [الدينية، و] الدنيوية المباركة، ومنها قضاء حاجاتنا في هذه الدار, ومن أعظم الإكرام تقوى اللَّه، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢)، وأكرمنا بالآخرة برفع

стр. 506

درجاتنا في الجنان، لأنك أنت أكرم الأكرمين. قوله: ((ولا تهنا)) أي لا تذلنا بتسليط الكفار والأعداء علينا بسبب ذنوبنا وتقصيرنا [،ولا تهنّا بردّ دعائنا]. قوله: ((وأعطنا ولا تحرمنا)): قال الطيبي: عطف الأوامر، وهي ((زدنا, وأكرمنا, وأعطنا)) على النواهي ((لا تنقصنا, ولا تُهنا، ولا تحرمنا)) تأكيداً, ومبالغة, وتعميماً (١) , أي: وأعطنا ما سألناك، ومن خير ما لم نسألك، ولا تمنعنا من خيرك وفضلك، ولا تجعلنا من المحرومين, تضمّن هذا الدعاء سؤال اللَّه تعالى من كل خير في الدنيا والآخرة. قوله: ((وآثرنا، ولا تؤثر علينا)): اخترنا بعنايتك، ورحمتك, ولا تؤثر علينا غيرنا، فتعزّه وتذلّنا، ففيه سؤال اللَّه تعالى أن يجعله من الغالبين على أعدائه، لا من المغلوبين. قوله: ((وارضنا، وارض علينا)): أي اجعلنا راضين بما قضيت لنا, أو علينا بإعطائنا: الصبر، والقناعة، والرضا في كل ما هو آت منك حتى ندرك رضاك. قوله: ((وارض عنا)): فهو أعظم مطلوب ومرغوب يأمله منك العبد في الدنيا والآخرة. سأل الرضى: ((لأن منزلة ((الرضى)): هي أشرف المنازل بعد النبوة، فمن ﵁, فقد ﵁؛ لقوله تعالى: ﴿رَضِيَ

стр. 507

اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ (١) , فجعل أحد الرضاءين مقروناً بالآخر)) (٢). ١٣٠ - ((اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي)) (٣). الشرح: أي كما جعلت يا اللَّه خلقي مستقيماً معتدلاً في غاية الإحسان والإتقان, أسألك أن تُحسّن أخلاقي فتكون في غاية الحسن، والكمال كهيئة خَلْقي. فيه توسل إلى اللَّه تعالى بصفاته، وأفعاله من كمال القدرة, وحسن التصوير، وهو من أعظم أنواع التوسل إلى اللَّه تعالى. قوله: ((كما أحسنت)) فيه توسلٌ آخر، وهو توسل بنعمه السابقة، فجمع بين توسلين عظيمين, قبل الدعاء لما يترتب عليها من الاستجابة والقبول. وسؤال النبي ﷺ أن يُحسّن خُلُقَه تعليماً له ولأمته في سؤال لما له من شأن عظيم، وفضل كبير, وموقع جليل في قلوب العباد، فقد جاءت الأحاديث الكثيرة في بيان فضله، وعلو شأنه: فعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لم يكن رسول اللَّه ﷺ فاحشاً، ولا

стр. 508

متفحشاً, وكان يقول: ((إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً)) (١). وعن أبي الدرداء ﵁، أن النبي ﷺ قال: ((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة, من حسن الخُلق)) (٢)، وهو من أعظم الأسباب في القرب من النبي ﷺ في الجنة، فعن جابر ﵁ أن رسول ﷺ قال: ((إن من أحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً)) (٣). وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة في فضل حسن الخلق. ((وحسن الخلق يكون مع اللَّه تعالى, ويكون مع عباد اللَّه، فحسن الخلق مع اللَّه تعالى: يكون الرضا بحكمه شرعاً وقدراً, وتلقي ذلك بالانشراح وعدم التضجر، وعدم الأسى والحزن، وحمده وشكره على بلائه ونعمائه سراً وعلناً، وحسن الخلق مع الخلق هو كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه. كف الأذى: بألا يؤذي الناس لا بلسانه، ولا بجوارحه. وبذل الندى: يعني العطاء, من مال وعلم وجاه وغير ذلك.

стр. 509

وطلاقة الوجه: أن يلاقي الناس بوجه منبسط (١). ١٣١ - ((اللَّهُمَّ ثَبِّتْنِي وَاجْعَلْنِي هَادِياً مَهْدِيَّاً)) (٢). الشرح: وأصل هذا الدعاء المبارك أن جرير بن عبد اللَّه البجلي ﵁ شكا إلى النبي ﷺ أنه لا يثبت على الخيل، فضرب ﷺ بيده الكريمة على صدره ثم دعا له فقال: ((اللَّهم ثبته، واجعله هادياً مهدياً)). قوله: ((اللَّهم ثبته)): تضمن هذا الدعاء المبارك التوفيق إلى الثبات في كل الأحوال، ومن كل الأنواع من الثبات الحسي والمعنوي، الدنيوي والأخروي, كما أفاد حذف المفعول الذي يفيد العموم, وهذا من جوامع الكلم في الدعاء؛ فإن سؤال اللَّه تعالى الثبات في الدنيا يكون: في ثبات القلب أمام ملاقاة أعداء اللَّه تعالى يستلزم ثبات الأقدام والجسد، وكذلك الثبات أمام الفتن، والضلالات، والزيغ، والشهوات، والشبهات, وكذلك تضمّن سؤال اللَّه تعالى الثبات عند الاحتضار الذي يأتي الشيطان لإضلال العبد، وكذلك في البرزخ عند سؤال منكر ونكير, وكذلك في اليوم الآخر على الصراط, فتضمّنت هذه الكلمات القليلة المعاني الكثيرة والجليلة في الدين والدنيا والآخرة.

стр. 510

قوله: ((واجعلني هادياً مهدياً)): وهذه أكمل الحالات، وأفضل الدرجات أن يجتمع في العبد الهداية القاصرة والمتعدية, أي أن يكون مهدياً بنفسه، هادياً لغيره, وهذا من أجل النعم من الرب أن يثبت العبد، ويهديه على الهدى، ثم يرزقه التوفيق إلى دعوة الناس من الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر، وما يترتب على ذلك من الأجر العظيم له, وهذا يدل على أهمّية الأدعية النبوية, التي فيها أجلّ المقاصد، والمطالب الدنيوية والأخروية بأوجز الألفاظ. ١٣٢ - ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ ، وَأَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبَاً سَلِيمَاً، وَلِسَانَاً صَادِقَاً، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ، إِنَّكَ أنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ)) (١).

стр. 511

هذا الدعاء العظيم المبارك, في غاية الأهمية, فقد اشتمل على أعظم مطالب الدين, والدنيا, والآخرة, [و] فيه من جوامع الكلم التي لا تستقصيها هذه الوريقات لجلالة قدرها (١). ولهذا أمر النبي ﷺ شداد بن أوس, والصحابة ﵃ بالإكثار من هذا الدعاء بأجمل الألفاظ، وأجلّ المعاني فقال: ((يا شداد بن أوس، إذا رأيت الناس قد اكتنزوا الذهب والفضة, فاكنز هؤلاء الكلمات)) (٢). وفي لفظ ((إذا اكتنز الناس الدنانير والدراهم, فاكتنزوا الكلمات ... )) (٣). ومما يدل على أهمية هذه الدعوات الطيبات أن النبي ﷺ [كان يقولها في صلاته، ففي رواية عند ابن حبان، والطبراني، ولفظ الحديث عند النسائي عن شداد ﵁ أن النبي ﷺ ] [كان يقول في صلاته]: اللهم إني أسألك الثبات ... )) الحديث (٤). أي أنه كان يكثر من هذه الدعوات (٥) في أعظم الأعمال، وهي الصلاة, فقوله ﷺ : ((فأكثروا))، وأمر ﷺ (باكتنازها)؛ لأن نفعها دائم لا

стр. 512

ينقطع في الدنيا وفي الآخرة, كما قال اللَّه تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (١)، وهذا هو الكنز الحقيقي الذي لا يفنى. ف تضمَّن هذا الدعاء المبارك على عدة مقاصد ومطالب جليلة في أعظم مهمات الدين، والمعاش، والمعاد، منها: ١ - سؤال اللَّه تعالى الثبات على الهدى في كل الأحوال . ٢ - التوفيق إلى صالح الأعمال على التمام . ٣ - الشكر على النعم والآلاء في الليل والنهار . ٤ - إصلاح أعمال القلب, والأركان . ٥ - الفوز بكل خير ومنوال على الدوام . ٦ - السلامة من كل شر في كل الأحوال والأزمان . ٧ - مغفرة الذنوب في الماضي, والحال, والمآل . المفردات: الكنز: ((أصل الكنز المال المدفون تحت الأرض؛ فإذا أخرج منه الواجب عليه لم يبق كنزاً, وإن كان مكنوزاً)) (٢)، والكنز: هو الشيء النفيس المدخر, ومنه قول النبي ﷺ : ((لا حول ولا قوة إلا باللَّه كنز من كنوز الجنة)) (٣). ((أي المدخر لقائلها، والمتصف بها، كما يدخر

стр. 513

الكنز)) (١). العزيمة: العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر, يقال: عزمتُ الأمر, وعزمت عليه, واعتزمت, قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢). (٣) الرشد: الرَّشَدُ والرُّشْدُ: خلاف الغي (٤) , وهو الصلاح والفلاح, والصواب (٥). القلب السليم: هو الخالي من الشرك والكفر, والنفاق والإثم وكل وصف ذميم. الشرح: قوله: ((اللَّهم إني أسألك الثبات في الأمر)): سأل اللَّه تعالى الثبات في الأمر, وهي صيغة عامة يندرج تحتها كل أمر من الأمور)) (٦) من أمور الدنيا, والدين, والآخرة؛ فإن الثبات عليها يكون بالتوفيق [إليها] بالاستقامة، والسداد, وأعظم ذلك الثبات على الدين والطاعة، والاستقامة على الهدى، وأحوج ما يكون العبد [لهذه] الاستقامة, عند الاحتضار من نزغات الشيطان وإغوائه, والثبات في

стр. 514

سؤال الملكين, وعند المرور على الصراط وقد جمع اللَّه ﵎ كل هذه الأمور, في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (١)، فتضمّنت هذه الدعوة الجليلة الثبات في كل الأحوال, والأوقات, والأماكن. وقوله: ((والعزيمة على الرشد)): ((سأل اللَّه تعالى عزيمة الرشد، وهي الجد في الأمر, بحيث ينجز كل ما هو رشد من أموره)) (٢) في أمور معاشه وآخرته, والرشد كما [تقدم] هو الصلاح، والفلاح, والصواب، فلذلك كانت العزيمة على الرشد مبدأ الخير؛ فإن الإنسان قد يعلم الرشد، وليس له عليه عزيمة، فإذا عزم على فعله أفلح, والعزيمة: هي القصد الجازم المتصل بالفعل, وهو عقد القلب على إمضاء الفعل, ولا قدرة للعبد على ذلك إلا باللَّه تعالى؛ فلهذا كان من أهم الأمور سؤال اللَّه تعالى العزيمة على الرشد؛ ولهذا علَّم النبي ﷺ أحد الصحابة أن يقول: ((قل اللَّهم قني شر نفسي، واعزم لي على أرشد أمري)) (٣). فالعبد يحتاج إلى الاستعانة باللَّه, والتوكل عليه في تحصيل العزم, وفي العمل بمقتضى العزم بعد حصول العزم, قال اللَّه تعالى:

стр. 515

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١). والرشد: هو طاعة اللَّه ورسوله، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (٢). وكان النبي ﷺ يقول في خطبته: ((من يطع اللَّه ورسوله فقد رشد، ومن يعصي اللَّه ورسوله فقد غوى)) (٣). والرشد ضد الغي, قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي﴾ (٤)، فمن لم يكن رشيداً, فهو: إما غافل, أو ضال. والعزم نوعان: أحدهما: عزم المريد على الدخول في الطريق , وهو من البدايات. والثاني: العزم على الاستمرار على الطاعات بعد الدخول فيها , وعلى الانتقال من حال كامل, إلى حال أكمل منه, وهو من النهايات, ولهذا سمَّى اللَّه تعالى خواصّ الرسل أولي العزم, وهم خمسة، وهم أفضل الرسل. فالعزم الأول يحصل للعبد به الدخول في كل خير, والتباعد من كل شر, إذ به يحصل للكافر الخروج من الكفر، والدخول في

стр. 516

الإسلام, وبه يحصل للعاصي الخروج من المعصية, والدخول في الطاعة, فإن كانت العزيمة صادقة, وصمم عليها صاحبها, وحمل على هوى نفسه, وعلى الشيطان حملة صادقة, ودخل فيما أُمِرَ به من الطاعات فقد فاز. وعون اللَّه للعبد على قدر قوة عزيمته، وضعفها, فمن صمَّم على إرادة الخير أعانه، وثبّته. ومن صَدَقَ العزيمة يئس منه الشيطان, ومتى كان العبد متردداً طمع فيه الشيطان, وسوّفه، ومنَّاه. سُئل بعض السلف متى ترتحل الدنيا من القلب؟ قال: إذا وقعت العزيمة ترحّلت الدنيا من القلب, ودرج القلب في ملكوت السماء, وإذا لم تقع العزيمة اضطرب القلب, ورجع إلى الدنيا (١). قوله ﷺ : ((وأسألك موجبات رحمتك)): موجبات- بكسر الجيم-: جمع موجبة، وهي ما أوجبت لقائلها الرحمة، من قربة, أيّ قربةٍ كانت, أي: نسألك من الأفعال, والأقوال، والصفات التي تتحصَّل بسببها رحمتك (٢) , والتي توجب بها الجنة التي هي أعظم رحماتك، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّه هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣). قوله: ((وعزائم مغفرتك)): العزائم: جمع عزيمة: وهي عقد

стр. 517

القلب على إمضاء الأمر كما مر, أي أسألك أن ترزقنا من الأعمال والأقوال والأفعال التي تعزم، وتتأكد بها مغفرتك, وهذا الدعاء من جوامع الكلم النبوية, فإنه سأله أولاً أن يرزقه ما يوجب له رحمة اللَّه , ومن فعل ما يوجب له الرحمة, فقد دخل بذلك تحت رحمته التي وسعت كل شيء, واندرج في سلك أهلها, وفي عداد مستحقها, ثم سأله أن يهب له عزماً على الخير يكون به مغفوراً له؛ فإن من غفر اللَّه تعالى له ذنوبه، وتفضّل عليه برحمته، فقد ظفر بخيري الدنيا والآخرة, واستحق العناية الربانية في محياه ومماته؛ لأنه قد صفا من كدورات الذنوب (١). وهذان المطلبان قد تقدما كثيراً في أدعية القرآن، وكذلك السنة؛ لأن في المغفرة التخلية من كل الذنوب وتبعاتها, وهي التصفية، والتنقية من آثارها وشؤمها في الدنيا والآخرة, والرحمة تحلية، التي تتحصل بمقتضاها النعم, والآلاء, ومن أجلها النعيم المقيم، في جنات النعيم. قوله: ((وأسألك شكر نعمتك)): أي أسألك التوفيق لشكر نعمك التي لا تُحصى؛ لأن شكر النعمة يوجب مزيدها، وحفظها، واستمرارها على العبد، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (٢)، والشكر يكون: بالقلب, واللسان, والأركان. فالشكر بالقلب: ذكرها، وعدم نسيانها.

стр. 518

والشكر باللسان: الثناء، والحمد بالنعم، وذكرها, وتعدادها, والتحدث بها. والشكر بالأركان, أن يستعان بنعم اللَّه تعالى على طاعته, وأن يجنب في استعمالها في شيء من معاصيه (١). قوله: ((وحسن عبادتك)): يكون بإتقانها، والإتيان بها على أكمل وجه، ويكون ذلك على ركنين: ١ - الإخلاص للَّه تعالى فيها . ٢ - المتابعة فيما جاء في الكتاب الحكيم, وسنة المصطفى ﷺ - الرؤوف الرحيم، وأعظم الإحسان في العبادة مقام (الإحسان): قال النبي ﷺ حينما سأله جبريل عن الإحسان، فقال: ((الإحسان أن تعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه, فإنه يراك)) (٢). ((ف أشار إلى مقامين: أحدهما: أن يعبد اللَّه تعالى مستحضراً لرؤية اللَّه تعالى إياه ، ويستحضر قرب اللَّه منه، واطّلاعه عليه, فيخلص له العمل، ويجتهد في إتقانه، وتحسينه.

стр. 519

والثاني: أن يعبده على مشاهدته إياه بقلبه , فيعامله معاملة حاضر لا معاملة غائب)) (١). فينبغي للداعي حينما يدعو ربه تعالى المجيب أن يستحضر هذه المعاني. وقوله: ((وأسألك قلباً سليماً)): هو القلب النقي من الذنوب، والعيوب ((الذي ليس فيه شيء من محبة اللَّه ما يكرهه اللَّه تبارك وتعالى, فدخل في ذلك سلامته من الشرك الجلي والخفي, ومن الأهواء والبدع، ومن الفسوق والمعاصي: كبائرها، وصغائرها، الظاهرة، والباطنة، كالرياء، والعجب, والغِلِّ, والغش, والحقد, والحسد، وغير ذلك, وهذا القلب السليم هو الذي لا ينفع يوم القيامة سواه, قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٢) , فإذا سلم القلب لم يسكن فيه إلا الرب ﵎) (٣). قوله: ((ولساناً صادقاً)): أي محفوظاً من الكذب, والإخلاف بالوعد, سأل اللَّه تعالى لساناً صادقاً؛ لأنه من أعظم المواهب, وأجلّ المنح والرغائب؛ فإنه أول الطريق إلى درجة الصدِّيقيَّة التي هي أعلى الدرجات بعد الأنبياء, قال النبي ﷺ : ((عليكم بالصدق, فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة, وما يزال الرَّجُل

стр. 520

يصدق, ويتحرى الصدق, حتى يكتب عند اللَّه صديقاً ... )) (١). قوله: ((وأسألك من خير ما تعلم)): هذا سؤال جامع لكل خير ما علمه العبد، وما لم يعلمه، فما من خير إلا وقد دخل فيه؛ لهذا أسنده إلى ربه تعالى العليم, الذي وسع علمه كل شيء, في العالم السفلي والعلوي, ((وهذا السؤال العام بعد سؤال تلك الأمور الخاصة من الخير, هو من باب ذكر العام بعد الخاص)) (٢). قوله: ((وأعوذ بك من شر ما تعلم)): وهذه الاستعاذة شاملة من كل الشرور: صغيرها، وكبيرها, الظاهر منها، والباطن, حيث قيد الاستعاذة من الشرور الذي يعلمها سبحانه؛ لأن الرب ﵎ يعلم كل شيء, وهذا في غاية التلطف، والأدب، والتعظيم للرب حال الدعاء. قوله: ((وأستغفرك لما تعلم)): ختم الدعاء بطلب الاستغفار الذي عليه المعوَّل، والمدار؛ فإنه خاتمة الأعمال الصالحة, كما في كثير من العبادات. وهذا الاستغفار يعمّ كل الذنوب التي عملها العبد في الماضي, والحاضر, والمستقبل, ((فإن من الذنوب ما لا يشعر العبد بأنه ذنب بالكلية، كما قال النبي ﷺ لأبي بكر: ((يا أبا بكر لَلشرك فيكم، أخفى

стр. 521

من دبيب النمل ... )) الحديث (١) , ومن الذنوب ما ينساه العبد، ولا يذكره وقت الاستغفار, فيحتاج العبد إلى استغفار عام من جميع ذنوبه، ما علم منها، وما لم يعلم, والكل قد علمه اللَّه، وأحصاه)) (٢). ثم ختم دعاءه, بأحسن ختام, من صفات اللَّه تعالى العظام ((إنك أنت علام الغيوب)): باسم من أسمائه المضافة, التي تدل على سعة العلم, فإن (علَّام) صيغة مبالغة لكثرة العلم وشموله, فهذا توسّل جليل, لهذا المقام العظيم, فيه غاية الأدب والتعظيم, للرب الجليل, وذلك أنه أكّده بـ (إنَّ) وضمير الفصل (أنت) الذي يفيد التأكيد, والحصر والقصر, في اختصاص رب العالمين بالعلم الواسع, ومن ضمنه ذلك الداعي السائل لهذه المطالب العلية, في الدين, والدنيا, والآخرة. وأنت ترى رعاك اللَّه, إلى جلالة هذه الكلمات في هذه الدعوات, من المقاصد, والمطالب, والمضامين المهمّة؛ لذا أمر ﷺ باكتنازها؛ لأنها هي الكنز الحقيقي الذي ينمو في ازدياد من الخير في الدار الدنيا, والادخار في الدار الآخرة. ١٣٣ - ((اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْفِرْدَوْسَ أَعْلَى الْجَنَّة)) (٣).

стр. 522

المفردات: الفردوس: الفردوس اسم من أسماء الجنة, وأصله البستان الواسع الذي يجمع كل ما في البساتين, من أصناف الثمر, والمراد هنا مكان الجنة من أفضلها (١). الشرح: هذا الدعاء المبارك فيه أعظم مطلب, وأسمى مقصد, وأجلّ مأمل في الدار الآخرة؛ فإن الرب الحكيم العليم, جعل الجنة جنان عالية, عليَّة مكاناً, ومكانةً, بعضها فوق بعض، على قدر أعمال العباد, حتى تتسابق الهمم على نيل أعلاها, كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (٢)، وقال النبي ﷺ : ((من آمن باللَّه، وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقاً على اللَّه تعالى أن يدخله الجنة, جاهد في سبيل اللَّه أو جلس في أرضه [أو جلس في بيته] فقالوا: يا رسول اللَّه, أفلا نبشِّرُ الناس؟ قال: ((إن في الجنة مائة درجة أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيل اللَّه, ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض, فإذا سألتم اللَّه فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة, وأعلى الجنة, وفوقه عرش الرحمن, ومنه تفجر أنهار

стр. 523

الجنة)) (١). وفي لفظ: ((ألا أخبر الناس؟ فقال: ((ذر الناس يعملون؛ فإن في الجنة مائة درجة, ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض, والفردوس أعلى الجنة, وأوسطها)) (٢) فقوله ﷺ : ((في الجنة مائة درجة)): ((تعليل لترك البشارة المذكورة)) (٣). قال الطيبي ﵀: ((هذا الجواب من أسلوب الحكيم، أي بشرهم بدخولهم الجنة بما ذكر من الأعمال, ولا تكتف بذلك, بل بشرهم بالدرجات, ولا تقتنع بذلك, بل بشرهم بالفردوس الذي هو أعلاها)) (٤). قوله: ((ذر الناس يعملون)): ((أي لا تطمعهم في ترك العمل, والاعتماد على مجرد الرجاء)) (٥). قوله ﷺ : ((أوسط الجنة وأعلى الجنة)): ((المراد بالأوسط هنا الأعدل، والأفضل, كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٦) ,

стр. 524

فعلى هذا فعطف الأعلى عليه للتأكيد, وقال الطيبي: المراد بأحدهما العلوّ الحسّي, وبالآخر العلوّ المعنوي, وقال ابن حبان: أي ((الفردوس وسط الجنة في العرض, (وأعلى الجنة) يريد به في الارتفاع)) (١). قلت: قول الطيبي، وكذلك قول ابن حبان هو الصحيح؛ لأنه كما هو معلوم أن لعطف يفيد المغايرة, والأمر الثاني: ((أن التأسيس مقدم على التأكيد)) (٢). لأن فيه زيادة للمعنى، وهذا هو الأصل. وقول ابن حجر ﵀: أن معنى الأوسط: الأعدل، والأفضل فصحيح، إذا لم يقر معه لفظ يغايره كما هنا, ومما يدل على ذلك, ما جاء عن سمرة بن جندب ﵁ , عن النبي ﷺ أنه قال: ((الْفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا وَأَفْضَلُهَا)) (٣). والربوة - بالضم والفتح-: ما ارتفع من الأرض (٤)، فغاير بين رفعتها مكاناً، وبين ((أوسطها وأفضلها)) مكانة، أي علوّ شأنها وقدرها.

стр. 525

قال ابن القيم ﵀: ((أنزه الموجودات، وأظهرها، وأنورها، وأعلاها ذاتاً وقدراً عرش الرحمن، وكلّما قرب إلى العرش كان أنور، وأزهر، فلذا كان الفردوس أعلى الجنان وأفضلها)) (١). ولما كانت الفردوس أعلى الجنان درجة، كما قال النبي ﷺ : ((والفردوس أعلاها درجة ... )) (٢)، فهي كذلك تتفاوت في العلو والرفعة كما قال النبي ﷺ لأم حارثة، حينما سألت عنه حين أصيب يوم بدر، فقال لها: ((ويحك، أهبلت، أوَجنةٌ واحدةٌ هي؟ إنها جنان في جنة))، وفي رواية: ((إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى)) (٣)، فلذلك حثّنا ﷺ أن نسأل أعلاها، فقال: ((فإذا سألتم اللَّه فسلوه الفردوس [الأعلى])) (٤). ففي بيان النبي ﷺ في تفصيل لدرجات الجنة، وإن الفردوس هي أعلاها، وحثّه ﷺ لنا في سؤالها يدل دلالة واضحة على حرصه، وعنايته للخير لأمته في أحسن أسلوب من الترغيب والتشويق، وفي أمر النبي ﷺ الجميع بالدعاء بالفردوس، بل بالفردوس الأعلى ((إن درجة المجاهد قد ينالها غير المجاهد، إما بالنية الخالصة، أو بما

стр. 526

يوازيه من الأعمال الصالحة)) (١). فقد بيّن لك يا عبد اللَّه نبي الرحمة محمد ﷺ منزلة الفردوس عن باقي الجنان، وأرشدك إلى أعظم الأسباب والأبواب إلى نيلها، وهو دعاء اللَّه ﵎ وسؤاله. وهو أعظم الأسباب، وأيسر الأبواب، فشدَّ ساعد الجد والعمل من هذه اللحظة، ولا تسوِّف، ولا تتأخر أبداً من الآن في الإلحاح، وطرق الباب آناء الليل وأطراف النهار؛ فإنه سوف يفتح لك الباب [إن شاء اللَّه]. قال أبو الدرداء ﵁: ((جدوا في الدعاء، فإنه من يُكثر قرع الباب يوشك أن يُفتح له)) (٢). وتَذَكَّر قول المصطفى ﷺ : ((من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة اللَّه غالية، ألا إن سلعة اللَّه الجنة)) (٣)؛ فإن هذه السلعة غالية، نفيسة، لاتنال بالأماني، والتسويف، والقعود، وإنما تنال بالهمة، والعزيمة في القول والفعل، فكن كيِّساً، ولا تكن عاجزاً. وقد رُوي: ((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ،

стр. 527

وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ [الأماني])) (١). والكيس هو العاقل (٢) الذي عنده ((القدرة على جودة استنباط ما هو أصلح في بلوغ الخير)) (٣)، وهذا هو اللبيب الحازم، الذي ينظر في عواقب الأمور، فينظر إلى الدنيا وقد علم أنها دار الفناء، وأن الجنة هي دار القرار، وهذه الدار عالية، وعليَّة، درجات بعضها فوق بعض، كلما علت اتسعت، وعلت في المنزلة والمكانة، وأن الفردوس هي أعلى الجنان، فعند ذلك تعلو همّته، وتصدق عزيمته، فجعل هذه المنزلة العظيمة هي مقصده الأعظم، فشمّر في العمل في لحظته وآنه، فقوله: ((دان نفسه)): ((أي حاسبها، وأذلها، واستبعدها، وقهرها، فجعلها منقادة لأوامر اللَّه تعالى وطاعته، ((وعمل لما بعد الموت)): قبل نزوله؛ لأن الموت عاقبة أمور الدنيا، فالكيس من أبصر العاقبة، ((والعاجز من اتبع نفسه هواها)): أي الذي غلبت عليه نفسه وقهرته، فأعطاها ما تشتهيه. ((وتمنى على اللَّه الأماني)): أي أنه يتمادى بالمعصية، ويتمنى على اللَّه المغفرة، فالتمني مذموم؛ لأنه يُفضي بصاحبه إلى الكسل، بخلاف

стр. 528

الرجاء؛ فإنه تعليق القلب بمحبوب يحصل حالاً)) (١)، فيجمع ما تتوق نفسه إلى المحبوب بالجد والعمل، مع حسن الظن بربه تعالى. وختاماً أذكر لك رعاك اللَّه ما جاء في فضل الفردوس من الكتاب والسنة من أوصاف عظيمة، عسى أن تكون لك حافزاً في العمل، والهمّة، والسؤال لربك بالرغبة، والإلحاح، والضراعة. ((الفردوس: ربوة الجنة، وأوسط الجنة، وأعلى الجنة، وأفضلها، وأحسنها، فإنه سر الجنة (٢)، وأعلاها (الجنة) درجة، وأن العرش على الفردوس، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة الأربعة)) (٣)، وإن من دخلها لا يبغي عنها تحولاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ (٤). ((أي: خالدين في جنات الفردوس، لا يبغون عنها حولاً، أي تحولاً إلى منزل آخر؛ لأنها لا يوجد منزل أحسن منها، يرغب فيها إلى التحول إليه عنها، بل هم خالدون فيها دائماً من غير تحول، ولا انتقال ... )) (٥).

стр. 529

جعلني اللَّه وإياك من أهلها ((اللَّهم آمين))، اللَّهم يا خير الرازقين، ارزقنا مرافقة نبينا محمد ﷺ في أعلى الفردوس. ١٣٤ - ((اللَّهُمَّ جَدِّدِ الإيْمَانَ فِي قَلْبِي)) (١). قال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: رسول اللَّه ﷺ : ((إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم، كما يخلق الثوب، فاسألوا اللَّه أن يجدد الإيمان في قلوبكم)). المفردات: ليخلق: أي يكاد أن يبلى (٢). الشرح: هذا الدعاء فيه من عظيم المقصد، وأجلّ مطلب، في إصلاح أهم مضغة في الجسد، التي هي محلّ نظر الرب ﵎، التي إن صلحت صلح سائر الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله؛ فلهذا اهتم الشارع الحكيم إلى سؤال اللَّه ﵎ في إصلاح هذه المضغة. [وقد] تقدم من أدعية المصطفى ﷺ : ((اللَّهم مصرف القلوب

стр. 530

صرف قلوبنا على طاعتك))، ((يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك))، ((اللَّهم حبِّب إلينا الإيمان، وزيّنه في قلوبنا))، وغير ذلك الكثير من الأدعية. قوله ﷺ : ((إن الإيمان ليخلق)): أكد الأمر بـ (إنّ)) أي الإيمان ليتلف ويبلى ويتغير، ثم شبهه بالأمر المحسوس المشاهد بالثوب الذي يبلى ولا يبقى، وهذا في غاية الأهمية في تثبيت الأمر المهم في الذهن، وتأكيد الحقائق المهمة الجليله، بالأمور المحسوسة، الذي يقتضي المراقبه، وحسن المجاهدة ((شبه ﷺ الإيمان بالشيء الذي لا يستمر على هيئته)) (١)؛ فإن الثوب يبلى لرداءته، أو كثرة استعماله، وكذلك الإيمان، لا يبقى على حال، فهو يضعف، ويفتر بسبب كثرة المعاصي والآثام، والبعد عن ذكر اللَّه ، وقلّة [الأعمال] الصالحات والطاعات، وعدم تجديد التوبة بعد الذنوب والسيئات. ففيه دليل على صحة اعتقاد أهل السنة والجماعة، كما هو مقرَّر في كتب العقيدة: إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي والآثام. ثم أمر النبي ﷺ فقال: ((فاسألوا اللَّه أن يجدد الإيمان في قلوبكم))، وقد تقدم أن في أمره ﷺ بالدعاء، أفضل من غيره من الأدعية التي لم يأمر بها. وفي صيغة المضارع ((أن يجدد)): الذي يدلّ على الاستمرارية
следующие страницы →