← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

إلا طمستها ولا قبراً مشرِفاً إلا سويته)) (١) (٢). وعن جابر ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، أو يقعد عليه، وأن يبنى عليه)) (٣). ولفظ النسائي: ((أن يبنى على القبر، أو يزاد عليه، أو يجصص، أو يكتب عليه)) (٤). وفي سنن أبي داود: ((نهى أن يُقعد على القبر، وأن يُقصص، ويُبنى عليه، أو يزاد عليه، أو أن يُكتب عليه)) (٥). ولفظ الترمذي: ((نهى رسول الله ﷺ : أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ)) (٦). ولفظ ابن ماجه: ((نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور)) (٧). وفي لفظ له: ((أن يكتب على القبر شيء)) (٨). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((والزيادة عليه من غير ترابه تُفضي إلى رفعه، فلا يزاد عليه بل يكتفى بما أخذ من تراب لحده)) (٩)، وسمعته في موضع آخر يقول: ((لا يجوز البناء على القبور، والتجصيص، ولا يقعد عليها، ولا البناء عليها، ولا توطأ، ولا يزاد عليها

стр. 1297

من غير ترابها)) (١).وجاء في ذلك آثار كثيرة أنه لا يزاد على تراب اللحد الذي أخذ من القبر، بل يكفي ذلك للدفن (٢). الأمر الخامس والعشرون: يسنم القبر كهيئة سنام الجمل ؛ لحديث سفيان التمار: ((أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً)) (٣). ولفظ ابن أبي شيبة: ((دخلت البيت الذي فيه قبر النبي ﷺ فرأيت قبر النبي ﷺ ، وقبر أبي بكر، وقبر عمر مسنمة)) (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد، والمزني وكثير من الشافعية ... )) (٥). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وتسنيم القبر أفضل من تسطيحه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري ... )) (٦). السادس والعشرون: توضع على القبر الحصباء ؛ لحديث القاسم قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أُمَّهْ! اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه ﵄ فكشفت لي عن ثلاثة قبور: لا مُشرفة، ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرْصَةِ الحمراء)) قال أبو علي [اللؤلؤي] يقال: إن رسول الله ﷺ مُقدّمٌ، وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه، رأسه عند رجلي رسول الله ﷺ )) (٧).

стр. 1298

والبطحاء في هذا الحديث: هو الحصى الصغار، ويقال: بطحاء الوادي وأبطحه: هو حصاه اللين في بطن المسيل (١)، وقوله: ((ولا لاطئة)) يقال: لطئ بالأرض ولطأ بها إذا لزق)) (٢)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((والمشرف ما رفع كثيراً)) (٣)، وقال ﵀: ((ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر؛ ليعلم أنه قبر، فيتوقى، ويترحم على صاحبه)) (٤)، وقد جاء آثار كثير تدل على وضع الحصباء على القبور، ومن ذلك ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ رشَّ على قبر إبراهيم ابنه الماء ووضع عليه حصباء)) (٥)، وغير ذلك من الآثار (٦). ولا منافاة بين التسنيم للقبر وبين قوله: مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء، فبطحاء العرصة هو الحصباء الصغير؛ ولهذا جمع الإمام ابن القيم ﵀ بين حديث سفيان التمار في قوله: ((إنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً))، وحديث القاسم: ((لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء)) فقد جمع بين الحديثين فقال: ((وقبره ﷺ مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء لا مبني ولا مطيَّن، وهكذا كان قبر صاحبيه)) (٧). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول في الجمع بين الحديثين: ((السنة أن يكون القبر مسنماً، وحديث عائشة ﵂ لا ينافي ذلك، فهو يكون مسنماً حتى يرد عنه الماء وتوضع عليه حصباء ويرش)) (٨).

стр. 1299

السابع والعشرون: يُعلّم القبر بحجر أو لبن، أو خشبة ؛ لأن النبي ﷺ علَّم قبر عثمان بن مظعون ﵁ بحجر وضعه عند رأسه وقال: ((أتعلَّم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي)) (١). قال الإمام شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀: ((لا بأس بوضع علامة على القبر ليعرف: كحجر، أو عظم، أو حديد، من غير كتابة ولا أرقام؛ لأن الأرقام كتابة، وقد صح النهي عن النبي ﷺ عن الكتابة على القبر، أما وضع حجر على القبر، أو صبغ الحجر بالأسود أو الأصفر حتى يكون علامة على صاحبه فلا يضر)) (٢). الثامن والعشرون: رشّ القبر بالماء بعد الانتهاء من أعمال الدفن ، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويستحب أن يرش على القبر ماء؛ ليلتزق ترابه)) (٣). وقد ورد في ذلك آثار كثيرة منها ما جاء عن جعفر بن محمد عن أبيه: ((أن الرش على القبر كان على عهد رسول الله ﷺ )) (٤)، وغير ذلك من الآثار (٥). قال الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ في حكم وضع الحصباء على القبر ورشه بالماء: ((هذا مستحب إذا تيسر ذلك؛ لأنه يثبّت التراب ويحفظه، ويروى أنه وضع على قبر النبي ﷺ بطحاء، ويستحب أن يرش

стр. 1300

بالماء حتى يثبت التراب ويبقى القبر واضحاً معلوماً حتى لا يمتهن)) (١)، وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((لا بأس أن يرش؛ لأن الماء يمسك التراب فلا يذهب يميناً ويساراً)) (٢). الأمر التاسع والعشرون: يقف الحاضرون بعد الفراغ من الدفن على القبر يدعون للميت بالتثبيت ويستغفرون له، ويؤمر جميع الحاضرين بذلك؛ لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: ((استغفروا لأخيكم، وسلُوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل)) (٣). قال الإمام الشوكاني رحه الله: ((فيه مشروعية الاستغفار للميت عند الفراغ من دفنه، وسؤال التثبيت له؛ لأنه يُسأل في تلك الحال، وفيه دليل على ثبوت حياة القبر، وقد ورد بذلك أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر)) (٤).وقد تقدمت الأدلة على فتنة القبر في أول الكتاب. أسأل الله لي ولجميع المؤمنين العفو والعافية والثبات في الحياة الدنيا وبعد الممات (٥). التاسع عشر: آداب الجلوس والمشي في المقابر كثيرة، منها: ١ - استقبال القبلة في الجلوس لمن كان ينتظر دفن الجنازة ؛ لحديث

стр. 1301

البراء بن عازب ﵁ قال: ((خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولم يلحد بعد، فجلس النبي ﷺ مستقبلاً القبلة وجلسنا معه)) (١)، قال الإمام الشوكاني ﵀: ((فيه دليل استحباب الاستقبال في الجلوس لمن كان منتظراً دفن الجنازة)) (٢). ٢ - تحريم الجلوس على القبر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر)) (٣). ٣ - لا يُصلى إلى القبور ؛ لحديث أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها)) (٤). ٤ - لا يُتكأ على القبر ؛ لحديث عمرو بن حزم الأنصاري ﵁ قال: رآني رسول الله ﷺ متكئاً على قبر فقال: ((لا تؤذِ صاحب هذا القبر - أو لا تؤذه -)) (٥). ٥ - لا يمشى بالنعال بين القبور إلا لضرورة ؛ لحديث بشير مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يمشي ين القبور عليه نعلان فقال: ((يا صاحب السبتيتين: ويحك ألق سبتيتيك)) فنظر الرجل فلما عرف رسول الله ﷺ خلعهما فرمى بهما)) (٦). قال الإمام الشوكاني ﵀: ((وفي ذلك دليل على أنه لا يجوز

стр. 1302

المشي بين القبور بالنعلين ... [و] سماع الميت لخفق النعال (١) لا يستلزم أن يكون المشي على قبر أو بين القبور فلا معارضة)) (٢). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول في حديث بشير: ((وهذا يدل على كراهة المشي بين القبور بالنعال، وإسناده جيد، لكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك: كالحر وغيره زالت الكراهة، أما حديث: ((يسمع قرع نعالهم)) فلا يلزم بأنه على القبور، فيكون خارجاً، أو يقال: ذلك عند الحاجة)) (٣). وأوضح العلامة ابن عثيمين ﵀: أن المشي بين القبور بالنعال مكروه وخلاف السنة إلا لحاجة، كشدة حر، أو يكون في المقبرة شوك، أو حصى يؤذي الرجل فلا بأس به (٤). ٦ - تحريم الصلاة في المقبرة ؛ لأن النبي ﷺ بيّن أن القبور ليست من مواضع الصلاة، فقال: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) (٥). وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً)). وفي لفظ: ((صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً)) (٦)،والمعنى: صلوا فيها ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة (٧).

стр. 1303

٧ - المقابر ليست من المواضع التي يرغب في قراءة القرآن فيها ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)) (١). ٨ - لا تبنى عليها المساجد ؛ لحديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ﵄ حينما ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة في الحبشة فيها تصاوير قال: ((إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)) (٢). ٩ - لا تتخذ مساجد ؛ لحديث جندب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ((إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)) (٣). وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) قالت عائشة ﵂: يحذر ما صنعوا)) (٤).

стр. 1304

١٠ - لا تُبنى عليها القباب ولا تُرفع أكثر من شبر ؛ لحديث أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : ((ألاّ تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سوّيته)) (١). ١١ - لا تتخذ عليها السرج ؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: ((لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج)) (٢)، ولحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ : ((لعن زوَّارات القبور)) (٣). ١٢ - لا تُجصص القبور ؛ لحديث جابر ﵁: ((نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، أو يقعد عليه، أو يُبنى عليه)) (٤). ١٣ - لا يُقعد على القبر ؛ لحديث جابر السابق. ١٤ - لا يُزاد عليها من غير ترابها ، لحديث جابر في لفظ عند النسائي (٥). ١٥ - لا يُكتب عليها شيء ؛ لحديث جابر في لفظه عند أبي داود (٦)، والترمذي (٧).

стр. 1305

١٦ - لا تُوطأ ؛ لحديث جابر في لفظه عند الترمذي (١). ١٧ - لا يبنى عليها ؛ لحديث جابر في لفظه عند الترمذي (٢)، وعند ابن ماجه (٣). ١٨ - لا تتخذ القبور عيداً فيتردد إليها الناس في أوقات محددة وفي أزمان مؤرخة لا يأتونها إلا فيها؛ لقوله ﷺ : ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) (٤). ١٩ - لا تُشد الرحال إلى زيارتها ؛ لقوله ﷺ : ((لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى)) (٥). ٢٠ - لا يُذبح ولا يُنحر عن القبور ؛ لحديث أنس ﵁ يرفعه: ((لا عقر في الإسلام)) قال عبد الرزاق بن همام: كانوا يعقرون بقرة أو شاة (٦)، هذا إذا كان الذبح أو النحر عند القبور يتقرب به إلى الله تعالى فهو بدعة، أما إذا كان الذبح لصاحب القبر فهو شرك أكبر يخرج صاحبه من الملة (٧). ٢١ - لا تكسر عظام أهل القبور ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حيًّا)) (٨). ٢٢ - لا يُسبُّ الأموات ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : ((لا تسبُّوا

стр. 1306

الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)) (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا هو الأصل؛ إلا إذا كان في سبهم مصلحة للناس، كمن قال لهم النبي ﷺ : ((وجبت)) عندما مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيراً، [ومُرَّ بأخرى فأثني عليها شرًّا] (٢). العشرون: التعزية: العزاء يقال: تعزيتُ عنه: أي تصبرت، أصلها تعزَّزت، والاسم منه العزاء (٣) والتعزي: التأسي والتصبر عند المصيبة، وأن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون)) (٤). والتعزية: التصبير على ما أصاب من المكروه (٥)، والتعزية يُراعى فيها الأمور الآتية: الأمر الأول: فضل تعزية المصاب ، جاء في ذلك فضل عظيم؛ لحديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ قال: ((ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة)) (٦). وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من عزّى أخاه المؤمن في مصيبة كساه الله حُلة خضراء يُحْبَرُ بها يوم القيامة)) قيل: يا رسول الله، ما

стр. 1307

يُحبرُ؟ قال: ((يغبط)) (١). الأمر الثاني: ألفاظ التعزية، وصفتها، يقوم المعزّي بتعزية المصاب بما يسلّيه ، ويصبّره، ويحمله على: الرضا، والصبر، واحتساب المصيبة عند الله تعالى، والثقة بالله سبحانه وأنه لا يخلف الميعاد، ويكون ذلك بما تيسر من الترغيب في الأجر والثواب، والاحتساب من القرآن الكريم والسنة الصحيحة، أو بما تيسر من الكلام الذي يخفف المصيبة، ويبرّد حرارتها (٢) على حسب نوع المصيبة وحال المصاب، من ذلك ما يأتي: ١ - ما قاله رسول الله ﷺ لابنته حينما كان ولدها في الغرغرة: ((إن لله ما أخذ و [لله] ما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب)) (٣). ٢ - يناسب أن يقال لمن فقد ولده ما ثبت في حديث قرة بن إياس، قال: كان نبي الله ﷺ إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه، وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه، فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلْقة لذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي ﷺ فقال: ((ما لي لا أرى فلاناً؟)) قالوا: يا رسول الله بُنيَّه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي ﷺ فسأله عن بُنيّهُ؟ فأخبره أنه هلك فعزَّه عليه ثم قال: ((يا فلان أيُّما كان أحبَّ إليك أن تمتَّع به عُمرك؟ أو لا تأتي غداً إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتح لك؟)) قال: يا نبي الله بل يسبقنى إلى باب الجنة فيفتحها

стр. 1308

لي؛ لهو أحبُّ إليَّ، قال: ((فذاك لك)) (١). ٣ - مما يقال لمن فقد ولدين أو ثلاثة ما ثبت من حديث بريدة بن الحصيب قال: كان رسول الله ﷺ يتعهد الأنصار ويعودهم، ويسأل عنهم فبلغه عن امرأة من الأنصار مات ابنها وليس لها غيره وأنها جزعت عليه جزعاً شديداً، فأتاها النبي ﷺ ومعه أصحابه، فلما بلغ باب المرأة، قيل للمرأة: إن نبي الله يريد أن يدخل يعزّيها، فدخل رسول الله ﷺ فقال: ((أما إنه بلغني أنكِ جزعتِ على ابنك))، فأمرها بتقوى الله وبالصبر، فقالت: يا رسول الله [ما لي لا أجزع] وإني امرأة رقوبٌ لا ألد، ولم يكن لي غيره؟ فقال رسول الله ﷺ : ((الرقوب: الذي يبقى ولدها)) ثم قال: ((ما من امرئٍ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد [يحتسبهم] إلا أدخله الله بهم الجنة)) فقال عمر [وهو عن يمين النبي ﷺ ] بأبي أنت وأمي واثنين؟ قال: ((واثنين)) (٢)، وقد ثبت في هذا أحاديث كثيرة أن من مات له ثلاثة من الولد، أو اثنين، أو واحد، فصبر واحتسب إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم (٣). ٤ - قال النبي ﷺ حينما دخل على أم سلمة ﵂ عقب موت أبي سلمة: ((اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه)) (٤). فمن السنة أن يقال في التعزية: ((اللهم اغفر لفلان - ويذكر اسمه - وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله

стр. 1309

يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه)). ٥ - وقال النبي ﷺ في تعزيته عبد الله بن جعفر في أبيه: ((اللهم اخلف جعفراً في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه)) قالها ثلاث مرات (١). ٦ - ومما يبرّد حرارة المصيبة في التعزية في الأحباب على وجه العموم، سواء كان الميت من الأولاد، أو الآباء، أو الأمهات، أو الإخوة، أو الأخوات، أو الزوج، أو الزوجة، أو الحبيب المصافي والصديق المخلص، قول النبي ﷺ : ((ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة)) (٢). ٧ - ولو قال: ((أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك)) فلا بأس بذلك (٣). الأمر الثالث: التعزية لا تحدد بثلاثة أيام لا تتجاوزها ، بل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه عزَّى بعد الثلاثة في حديث عبد الله بن جعفر ﵄ (٤) فما دامت حرارة المصيبة قائمة فلا بأس بالتعزية، ولو بعد وقتٍ طويل، فالأمر فيه واسع وفيه مواساة لأهل الميت في مصابهم. قال شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: ((العزاء ليس له أيام محدودة، بل يشرع من حين خروج الروح قبل الصلاة على الميت وبعدها، [وقبل الدفن وبعده]، وليس لغايته حد في الشرع المطهر، سواء كان ذلك ليلاً أو نهاراً، وسواء كان ذلك في البيت، أو في

стр. 1310

الطريق، أو في المسجد، أو في المقبرة، أو في غير ذلك من الأماكن)) (١).وقال رحمه الله تعالى: ((والمبادرة بها أفضل، وتجوز بعد ثلاث من موت الميت لعدم الدليل على التحديد)) (٢). وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((وقت التعزية من حين ما يموت الميت أو تحصل المصيبة إذا كانت التعزية بغير الموت إلى أن تُنسى المصيبة وتزول عن نفس المصاب؛ لأن المقصود بالتعزية ليست تهنئةً أو تحيةً، إنما المقصود بها تقويةُ المصاب على تحمّل هذه المصيبة واحتساب الأجر)) (٣). الأمر الرابع: السنة في العزاء أن يصنع أقرباء أهل الميت أو جيرانهم طعاماً يشبعهم ؛ لحديث عبد الله بن جعفر ﵁ قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل قال رسول الله ﷺ : ((اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم)) أو: ((أمر يشغلهم)) (٤). وعن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: ((لما أصيب جعفر رجع رسول الله ﷺ إلى أهله فقال: ((إن آل جعفر قد شغلوا بشأن ميتهم، فاصنعوا لهم طعاماً)) قال عبد الله: فما زالت سنة حتى كان حديثاً فتُرِكَ)) (٥). قال الشافعي رحمه الله تعالى: ((وأحبُّ لجيران الميت أو ذي القرابة

стр. 1311

أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموت وليلته طعاماً يشبعهم؛ فإن ذلك سنة، وذكر كريم، وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا)) (١). وقال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجملته أنه يستحب إصلاح طعام لأهل الميت، يبعث به إليهم، إعانة لهم، وجبراً لقلوبهم، فإنهم ربما انشغلوا بمصيبتهم وبمن يأتي إليهم من إصلاح طعامٍ لأنفسهم)) (٢). ثم بيّن ابن قدامة ﵀: أنها إذا دعت الحاجة لإصلاح أهل الميت للطعام جاز؛ فإنه ربما جاءهم من يحضر ميتهم من القرى والأماكن البعيدة ويبيت عندهم فلا يمكنهم أن لا يضيفوه (٣). وقال ﵀: ((وتستحب تعزية جميع أهل المصيبة كبارهم وصغارهم، ويخصُّ خيارهم، والمنظور إليه من بينهم، ليستنَّ به غيرُهُ، وذا الضعيف منهم عن تحمل المصيبة؛ لحاجته إليها)) (٤). وقال شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: (( ... السنة التعزية لأهل المصاب من غير كيفية معينة ولا اجتماع معين .. وإنما يشرع لكل مسلم بأن يعزي أخاه بعد خروج الروح في البيت، أو في الطريق، أو في المسجد، أو في المقبرة، سواء كانت التعزية قبل الصلاة أو بعدها، وإذا قابله شُرع له مصافحته والدعاء له بالدعاء المناسب ... وإذا كان الميت مسلماً، دعا له بالمغفرة والرحمة، وهكذا النساء فيما بينهن يعزي بعضهن بعضاً، ويعزي الرجل المرأة، والمرأة الرجل، لكن من دون خلوة ولا مصافحة إذا كانت المرأة ليست محرماً له)) (٥).

стр. 1312

الأمر الخامس: البدع والمنكرات في العزاء كثيرة ، لكن من أكثرها ظهوراً في بعض المجتمعات ما يأتي: ١ - اجتماع أهل الميت خارج المنزل في أماكن واسعة ، سواء كانت من الخيام الكبيرة المضاءة بالأنوار والمفروشة بالفرش؛ لاستقبال الناس فيها أو من قصور الأفراح المجهزة بالإضاءة والفرش، أو فرش الساحات الخالية أمام المنزل وإنارتها استعداداً لاستقبال المعزين، أو إنارة الشوارع وإحضار من يقرأ القرآن، وإعداد القهوة والشاي، وبعض العصيرات والأطياب؛ لتقديمها للمعزين، وغير ذلك من المنكرات البدعية التي يجب على كل مسلم الابتعاد عنها والتزام السنة (١). وإذا صنع الطعام للناس كان ذلك بدعة أخرى (٢). ٢ - الاجتماع في منزل الميت للأكل والشرب وقراءة القرآن ، ودعوة الناس لحضور الطعام المقدم، وربما بعض المعزّين يأتي بالأغنام، أو الإبل، أو البقر، بحجة تقديمها لهؤلاء المعزين، ولأهل البيت، ويدعو كل من قابله ممن يأتون للتعزية لحضور هذا الطعام، وهذا من البدع المنكرة؛ لحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: ((كنَّا نَعُدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة)). ولفظ ابن ماجه: ((كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعَةَ الطعام من النياحة)) (٣). قال شيخنا ابن باز ﵀: ((والنياحة: هي رفع الصوت بالبكاء وهي محرمة، والميت يُعذب في قبره بما يناح عليه، كما صحت به

стр. 1313

السنة عن النبي ﷺ ، أما البكاء فلا بأس به إذا كان بدمع العين فقط بدون نياحة)) (١). وقوله: ((كنا نعدّ)) أو ((كنا نرى)) قال السندي ﵀: ((هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة ﵃، أو تقرير النبي ﷺ ، وعلى الثاني فحكمه الرفع على التقديرين فهو حجة)). ثم قال: ((وبالجملة فهذا عكس الوارد أن يصنع الناس الطعام لأهل الميت، فاجتماع الناس في بيتهم حتى يتكلفوا لأجلهم الطعام قلب لذلك، وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الضيافة لأهل الميت قلب للمعقول؛ لأن الضيافة حقها أن تكون للسرور لا للحزن)) (٢). وقال شيخنا ابن باز ﵀: الاجتماع في بيت الميت للأكل والشرب وقراءة القرآن بدعة ... وإنما يؤتى أهل الميت للتعزية والدعاء والترحم على ميتهم، أما أن يجتمعوا لإقامة مأتم (٣) بقراءة خاصة، أو أدعية خاصة، أو غير ذلك، ولو كان هذا خيراً لسبقنا إليه سلفنا الصالح، فالرسول ﷺ ما فعله، فقد قتل جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وزيد بن حارثة ﵃ في معركة مؤتة فجاءه الخبر ﵊ من الوحي بذلك فنعاهم للصحابة، وأخبرهم بموتهم، وترضَّى عنهم، ودعا لهم، ولم يتخذ لهم مأتماً. وكذلك الصحابة من بعده لم يفعلوا شيئاً من ذلك، فقد مات الصديق ﵁ ولم يتخذوا له مأتماً، وقتل عمر ﵁ وما جعلوا له مأتماً، ولا جمعوا الناس ليقرأوا القرآن، وقُتل عثمان بعد ذلك

стр. 1314

وعلي ﵄ فما فعل الصحابة ﵃ لهما شيئاً من ذلك ... )) (١) (٢). الأمر السادس: مشروعية التلبينة للمحزون ؛ لحديث عائشة ﵂ أنها كانت تأمر بالتلبينة للمريض، والمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((التلبينة تُجِمُّ فؤاد المريض، وتُذهبُ ببعض الحزن)). وفي لفظ: ((أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن - إلا أهلها وخاصتها - أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها، ثم قالت: كلن منها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((التلبينة مَجمَّةٌ لفؤاد المريض، تذهب ببعض الحزن)) (٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((التَّلْبِيْنَة: طعام يُتخذ من دقيق أو نخالة وربما جعل فيها عسل، سميت بذلك لشبهها باللبن في البياض والرقة، والنافع منه ما كان رقيقاً نضيجاً لا غليظاً نيئاً ... وقوله: ((مَجَمَّة: أي مكان الاستراحة)) ورويت بضم الميم [مُجمَّةٌ] أي مريحة، والجِمام: الراحة، ((والثريد: الخبز بمرق اللحم وقد يكون معه اللحم)) (٤). وقال ابن الأثير ﵀: ((التلبينة والتلبين: حساءٌ يُعمل من دقيق أو نُخالة وربما جُعل معه عسل سميت به تشبيهاً باللبن لبياضها ورقتها)) (٥). وقال الحافظ ﵀: ((التلبينة: حساء كالحريرة يتخذ من دقيق أو نخالة سميت بذلك لشبهها باللبن في البياض)) (٦). الواحد والعشرون: وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين ، ينبغي أن ينظر في ذلك إلى أمرين:

стр. 1315

الأمر الأول: ما يلحق الميت من عمله ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علم ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له)) (١). ويدخل في هذا الحديث حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورَّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، يلحق من بعد موته)) (٢)؛ ولحديث معاذ بن أنس أن النبي ﷺ قال: ((من علَّم علماً فله أجر من عمل به، لا ينقص من أجر العامل)) (٣). وعن سهل بن سعد ﵁:أن النبي ﷺ قال يوم خيبر لعلي بن أبي طالب ﵁: (( ... فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حُمْرُ النَّعم)) (٤). وهذا يبين أهمية تعليم الناس الخير، ونشر العلم بينهم، قال الإمام الخطابي ﵀ في معنى الحديث: ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك أجراً وثواباً من أن يكون لك حمر النعم، فتتصدق بها)) (٥)، وقد ذكر القرطبي والأُبّي والسنوسي ﵏: ((إن في هذا الحديث الشريف حضّاً عظيماً على تعلم العلم وبثه في الناس، وعلى الوعظ والتذكير، ويعني أن ثواب تعليم رجل واحد وإرشاده أفضل من ثواب

стр. 1316

الصدقة بهذه الإبل النفيسة؛ لأن ثواب الصدقة بها ينقطع بموتها، وثواب العلم والهدى لا ينقطع إلى يوم القيامة)) (١). وقال ﷺ : ((من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله)) (٢). وقال ﷺ : ((من سنَّ في الإسلام سنَّةً حسنةً فَعُمِل بها بعده كُتِبَ له مثلُ أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فَعُمِلَ بها بعده، كُتِبَ عليه مثل وِزْر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيءٌ)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثلُ أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)) (٤)، وعن أبي أمامة ﵁ يرفعه: ((فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم)) ثم قال رسول الله ﷺ : ((إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، لَيُصلُّون على مُعَلّم الناس الخير)) (٥). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنه ليستغفر للعالم مَن في السموات ومَن في الأرض، حتى الحيتان في البحر)) (٦).

стр. 1317

الأمر الثاني: وصول ثواب القرب المهداة إلى أموات المسلمين ثابت في الكتاب والسنة ، لكن فيه تفصيل لأهل العلم. فمما يدل على وصول ثواب الأعمال المهداة إلى أموات المسلمين من الكتاب والسنة الأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١). ٢ - قوله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (٢). ٣ - وقوله تعالى حكاية عن نوح: ﴿رَبّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً﴾ (٣). ٤ - وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿رَبّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٤). ٥ - وحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((من مات وعليه صيام، صام عنه وليه)) (٥). ٦ - وحديث ابن عباس ﵄: ((أن امرأة ركبت البحر فنذرت، إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم شهراً، فأنجاها الله ، فلم تصم حتى

стр. 1318

ماتت، فجاءت قَرابة لها [إما أختها أو ابنتها] إلى النبي ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: [أرأيتك لو كان عليها دين كنتِ تقضينه؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحقُّ أن يُقضى] [فـ] اقْضِ [عن أمك])) (١). ٧ - وحديث ابن عباس: ((أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ : إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال: ((اقضِهِ عنها)) (٢). ٨ - وحديث سعد بن الأطول ﵁: ((أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً، قال: فأردت أن أُنفقها على عياله، قال: فقال لي النبي ﷺ : ((إن أخاك محبوسٌ بدينه [فاذهب] فاقضِ عنه)) [فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت]، قال: يا رسول الله، قد قضيت عنه إلا دينارين ادَّعتهما امرأة، وليست لها بينة، قال: ((أعطِها فإنها مُحقة))، (وفي رواية: صادقة))) (٣). ٩ - وحديث سمرة بن جندب: ((أن النبي ﷺ صلى على جنازة (وفي رواية: صلى الصبح)،فلما انصرف قال: ((أهاهنا من آل فلان أحد؟))

стр. 1319

[فسكت القوم، وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا] فقال ذلك مراراً [ثلاثاً لا يُجيبه أحدٌ]، [فقال رجل: هّوذا]، قال: فقام رجل يجرُّ إزاره من مؤخر الناس [فقال له النبي ﷺ : ((ما منعك في المرتين الأولين أن تكون أجبتني؟] أما إني لم أنوّه باسمك إلا لخير، إن فلاناً - لرجل منهم - مأسور بدينه [عن الجنة، فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله]،فلو رأيت أهله ومن يتحرون أمره قاموا فقضوا عنه، [حتى ما أحدٌ يطلبه بشيء] (١) (٢). ١٠ - وحديث جابر بن عبد الله قال: ((مات رجل، فغسلناه وكفناه وحنطناه، ووضعناه لرسول الله ﷺ حيث تُوضع الجنائز، عند مقام جبريل، ثم آذنّا رسول الله ﷺ بالصلاة عليه، فجاء معنا، [فتخطى] خطى، ثم قال: ((لعل على صاحبكم ديناً؟)) قالوا: نعم، ديناران، فتخلف، [قال: صلوا على صاحبكم]، فقال له رجل منا يُقال له: أبو قتادة: يا رسول الله هُما عَلَيّ، فجعل رسول الله ﷺ يقول: هما عليك وفي مالك، والميت منهما بريء؟ فقال: نعم، فصلى عليه فجعل رسول الله ﷺ إذا لقي أبا قتادة يقول. (وفي رواية: ثم لقيه من الغد فقال:) ((ما صنعتِ الديناران؟)) [قال: يا رسول الله إنما مات أمس] حتى كان آخر ذلك (وفي الرواية الأخرى: ثم لقيه من الغد فقال: ((ما فعل الديناران؟)) قال: قد قضيتهما يا رسول الله، قال: ((الآن حين بَرَدَتْ عليه

стр. 1320

جلدُه)) (١) (٢). ١١ - وحديث جابر ﵄ أن أباه استشهد يوم أُحُد، وترك ست بنات، وترك عليه ديناً [ثلاثين وسْقاً]، [فاشتد الغرماء في حقوقهم]، فلما حضره جذاذ النخل، أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد، وترك عليه ديناً كثيراً، وإني أُحب أن يراك الغرماء، قال: ((اذهب فبيدر كل تمير على حدة))، ففعلت، ثم دعوت، [فغدا علينا حين أصبح]، فلما نظروا إليه أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون أطاف حول أعظمها بيدراً ثلاثاً [ودعا في ثمرها بالبركة]، ثم جلس عليه، ثم قال: ((ادعُ أصحابك))، فما زال يكيل لهم، حتى أدى الله أمانة والدي (٣)،وأنا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي، ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة، فسلمت والله البيادر كلها حتى إني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله ﷺ كأنه لم ينقص تمرة واحدة، [فوافيت مع رسول الله ﷺ المغرب، فذكرت ذلك له فضحك، فقال: ((ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما))،فقالا: لقد علمنا إذ صنع رسول الله ﷺ ما صنع أن سيكون ذلك)) (٤). ١٢ - وحديث جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقوم فيخطب، فيحمد الله، ويُثني عليه بما هو أهل له، ويقول: ((من يهده الله فلا مضل له، ومَن

стр. 1321

يضلل فلا هادي له، إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، [وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار]، وكان إذا ذكر الساعة احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش [يقول:] صبحكم ومساكم، من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ضياعاً (١) أو ديناً فعليَّ، وإليَّ، وأنا [أ] ولى [بـ] المؤمنين (وفي رواية: بكل مؤمن من نفسه))) (٢). ١٣ - وحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من حَمَل من أمتي ديناً، ثم جهد في قضائه فمات ولم يقضه فأنا وليه)) (٣). ١٤ - ومما يلحقه ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة، فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء؛ لأن الولد من سعيهما وكسبهما، والله يقول: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ (٤)،وقال رسول الله ﷺ : ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإنّ ولده من كسبه)) (٥).

стр. 1322

١٥ - وحديث عائشة ﵂: ((أن رجلاً قال: إن أمي افتلتت (١) نفسها [ولم تُوصِ]، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقتُ عنها [ولي أجر]؟ قال: نعم، [فتصدَّق عنها])) (٢). ١٦ - وحديث ابن عباس ﵄: ((أن سعد بن عبادة - أخا بني ساعدة - توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: نعم، قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف (٣) صدقةٌ عليها)) (٤). ١٧ - وحديث سعد بن عبادة قال: قلت يا رسول الله: إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: ((نعم)) قلت: فأي صدقة أفضل؟ قال: ((سقي الماء)) فتلك سقاية سعد بالمدينة (٥).

стр. 1323

١٨ - وحديث أبي هريرة ﵁: ((أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إن أبي مات وترك مالاً ولم يُوصِ فهل يُكفّر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: نعم)) (١). ١٩ - وحديث عبد الله بن عمرو: ((أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية، قال: حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي أوصى أن يُعتق عنه مائة رقبة، وإن هشاماً أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : ((إنه لو كان مسلماً فأعتقتم أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك، (وفي رواية): فلو كان أقرّ بالتوحيد فصُمت وتصدقت عنه نفعه ذلك)) (٢). ٢٠ - وحديث الشّرّيد بن سويد الثقفي قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن أمي أوصت أن تعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية نوبية أفيجزئ عني أن أعتقها عنها؟ قال: ((ائتني بها)) فأتيته بها فقال لها النبي ﷺ : ((مَن ربك؟)) قالت: الله، قال: ((مَن أنا؟)) قالت: أنت رسول الله، قال: ((أعتقها فإنها مؤمنة)) (٣). ٢١ - وحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: ((نعم)) وذلك في حجة الوداع. وفي رواية لمسلم: ((فحجي عنه)) (٤).

стр. 1324

٢٢ - حديث أبي رزين أنه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: ((فحج عن أبيك واعتمر)) (١). ٢٣ - وحديث ابن عباس ﵄ قال: أمرت امرأة سنان بن عبد الله الجهني أن يسأل رسول الله ﷺ أن أمها ماتت ولم تحج أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: ((نعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها أكان يجزئ عنها؟)) قال: نعم، قال: ((فلتحج عن أمها)) (٢). ٢٤ - وحديث ابن عباس ﵄: أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟ قال: ((نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟)) قالت: نعم. قال: ((اقضوا الله فالله أحق بالوفاء)) (٣). وفي رواية: ((فاقضوا الله الذي له؛ فإن الله أحق بالوفاء)) (٤). وفي رواية: أن رجلاً قال: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال: ((فاقض الله فهو أحق بالقضاء)) (٥). ٢٥ - وحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً

стр. 1325

يقول: لبيك عن شبرمة. قال رسول الله ﷺ : ((من شبرمة؟)) قال: أخ لي أو قريبٌ لي، قال: ((حججت عن نفسك؟)) قال: لا. قال: ((حج عن نفسك ثم عن شبرمة)) (١). ٢٦ - وحديث عائشة وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين، عظيمين، سمينين، أقرنين، أملحين، موجوءين، فذبح أحدهما عن أمته، لمن شهد بالله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد ﷺ )) (٢). ٢٧ - وحديث أبي رافع ﵁ قال: ((ضحى رسول الله ﷺ بكبشين، أملحين، موجبين (٣)، خصيين، فقال: أحدهما لمن شهد بالتوحيد، وله بالبلاغ، والآخر عنه وعن أهل بيته، قال: فكان رسول الله ﷺ قد كفانا))، وفي رواية لأحمد: ((أن رسول الله ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين، سمينين، أقرنين، أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية ثم يقول: ((اللهم إن هذا عن أمتي جميعاً ممن شهد لك بالوحدانية، وشهد لي بالبلاغ))، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: ((هذا عن محمد وآل محمد))، فيطعمها جميعاً المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بني هاشم يضحي قد كفاه الله المؤنة برسول الله ﷺ والغُرْمَ)) (٤). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وأيُّ قربة فعلها، وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك، إن شاء الله، أما الدعاء، والاستغفار، والصدقة،

стр. 1326

وأداء الواجبات فلا أعلم فيه خلافاً، إذا كانت الواجبات مما تدخله النيابة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (١)، وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (٢)، ودعا النبي ﷺ لأبي سلمة حين مات (٣)، وللميت الذي صلى عليه في حديث عوف بن مالك (٤)، ولكل ميت صلى عليه، ولذي النجادين حين دفنه (٥)، وشرع الله ذلك لكل من صلى على ميت، وسأل رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت، فينفعها إن تصدقت عنها؟ قال: ((نعم)) رواه أبو داود (٦)، وروي ذلك عن سعد بن عبادة (٧)، وجاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: ((أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟)) قالت: نعم، قال: ((فدين الله أحق أن يُقضى)) (٨) وقال للذي سأله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: ((نعم)) (٩)، وهذه أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب؛ لأن الصوم، والحج، والدعاء، والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها ... وروي عن عمرو بن

стр. 1327

شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال لعمرو بن العاص: ((لو كان أبوك مسلماً فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك)) (١). وهذا عام في حج التطوع وغيره؛ ولأنه عمل برٍّ وطاعةٍ، فوصل نفعه وثوابه، كالصدقة، والصيام، والحج الواجب ... )) (٢)، ثم رد ﵀ على من قال: لا يصل إلى الميت إلا الواجب، والصدقة، والدعاء، والاستغفار، وبين أن المسلمين يهدون الثواب إلى أمواتهم من غير نكير؛ ولأن الحديث صح عن النبي ﷺ : ((إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه)) (٣)، والله أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه ويحجب عنه المثوبة؛ ولأن الموصل لثواب ما سلموه، قادر على إيصال ثواب ما منعوه، والآية مخصوصة بما سلموه ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ وما اختلفنا فيه في معناه فنقيسه عليه (٤)، وقال: ولا حجة لهم في الخبر الذي احتجوا به ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة)) فإنما يدل على انقطاع عمله، وليس هذا من عمله فلا دلالة فيه عليه ... )) (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((الصحيح أنه ينتفع الميت بجميع العبادات البدنية: من الصلاة، والصوم، والقراءة، كما ينتفع بالعبادات المالية: من الصدقة، والعتق، ونحوها باتفاق الأئمة ... )) (٦). وبين الإمام ابن القيم ﵀ أن أرواح الموتى تنتفع من سعي الأحياء بأمرين:

стр. 1328

الأمر الأول: ما تسبب إليه الميت في حياته. الأمر الثاني: دعاء المسلمين له، واستغفارهم، والصدقة، والحج ... واختلفوا في العبادات البدنية: كالصوم، والصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، فذهب الإمام أحمد وجمهور السلف إلى وصولها وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة ثم قال: ((والدليل على انتفاعه بغير ما تسبب فيه: القرآن، والسنة، والإجماع، وقواعد الشرع)) (١) ثم ساق ﵀ الأدلة على وصول ثواب الدعاء للميت، ووصول ثواب الصدقة، والصوم، والحج، ورد على المخالفين في ذلك، ثم قال: ((هذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحي عنه وهذا محض القياس؛ فإن الثواب حق للعامل فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يُمنع من ذلك، كما لم يُمنع من هبة ماله في حياته وإبرائه له من بعد موته)) (٢). وقال في الروض: ((وأيُّ قربة: من دعاء، واستغفار، وصلاة، وصوم، وحج، وقراءة وغير ذلك فعلها مسلم وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي نفعه ذلك)) (٣) (٤)، قال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((لكن بشرط أن يكون المحجوج عنه [أي الحي] عاجزاً عجزاً لا يرجى زواله)) (٥). وقال: ((هناك أربعة أنواع من العبادات تصل إلى الميت بالإجماع وهي: الأول: الدعاء، والاستغفار. الثاني: الواجب الذي تدخله النيابة.

стр. 1329

الثالث: الصدقة. الرابع: العتق، وما عدا ذلك فإنه موضع خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من يقول: إن الميت لا ينتفع بثواب الأعمال الصالحة إذا أهدي له غير هذه الأمور الأربعة، ولكن الصواب أن الميت ينتفع بكل عمل صالح جُعِلَ له إذا كان الميت مؤمناً ... )) (١)، ثم قال: أما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ (٢) المراد والله أعلم: أن الإنسان لا يستحق من سعي غيره شيئاً، كما لا يحمل من وزر غيره شيئاً، وليس المراد أنه لا يصل إليه ثواب سعي الغير إلى غيره وانتفاعه به إذا قصده به)) (٣)، ثم ساق رحمه الله تعالى الأدلة على وصول ثواب: الدعاء، والصدقة عن الميت، والصيام، والحج، والأضحية، ثم رد على من خصص ذلك بالولد، وبين أنه قد جاء ما يدل على جواز الحج عن الغير حتى من غير الولد، وذلك أنه سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال النبي ﷺ : ((من شبرمة؟)) قال: أخ لي أو قريب لي، قال: ((أحججت عن نفسك؟)) قال: لا. قال: ((حج عن نفسك ثم عن شبرمة)) (٤) (٥). وبين أنه يجوز أن يحج عن الميت الفرض والنفل لهذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ لم يستفصل هذا الرجل عن حجه عن شبرمة هل نفل أو فرض؟ وهل كان شبرمة حيًّا أو ميتاً، قالوا: وإذا جاز أن يحج عن الميت الفرض بالنص الصحيح الصريح فما المانع من النفل؟ (٦). وذكر شيخنا الإمام ابن باز ﵀: أن الميت تصل إليه الصدقة،

стр. 1330

والدعاء، والاستغفار، والحج، والعمرة، وقضاء الدين (١). ويرجح ﵀ أنه يقتصر على ما ورد به النص في وصول ثوابه إلى الميت؛ لأن العبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما دل عليه الشرع (٢). وبين أن الصدقة تنفع الحي والميت، والدعاء، والحج، والعمرة، لكن الحي يحج عنه ويعتمر إذا كان عاجزاً. وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((هذه الأحاديث تدل على انتفاع الميت بالقربات: من الصدقات، والحج، والصوم، والدعاء، وغير ذلك، فهذا كله ينتفع به المسلم، أما غير المسلم فلا يدعى له، ولا يتصدق عنه، والأقرب والله أعلم أن قراءة القرآن عن الميت، والصلاة عنه لا تفعل عنه؛ لأن العبادات توقيفية، وإنما يقتصر على ما شرع الله: كالدعاء، والحج، والعمرة، والصدقة، والصوم وغير ذلك)) (٣). وما ذهب إليه شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى: هو أرجح وأن العبادات توقيفية، وقد جاءت الأدلة في إهداء ثواب: * الدعاء. * والحج: الفرض والنفل. * والعمرة: الفرض والنفل. * والصدقة مطلقاً. * والصوم: الفرض. * والعتق. * والواجبات على الميت: كالنذور، والكفارات، وغير ذلك من العبادات التي

стр. 1331

جاء بها النص، والله أعلم (١). الثاني والعشرون: زيارة القبور، يراعى فيها الأمور الآتية: الأمر الأول: مشروعية زيارة القبور للرجال ؛ لحديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) زاد الترمذي: ((فإنها تذكركم الآخرة))، وعند أبي داود: ((فإن في زيارتها تذكرة)). ولفظ النسائي: ((نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هُجراً)) (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها عبرة [ولا تقولوا ما يسخط الرب])) (٣). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمعُ العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هُجراً)) (٤) (٥). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((وفي لفظ: تُذكّر

стр. 1332

الآخرة، وفي لفظ: تزهّد في الدنيا، والحديث جمع بين الناسخ والمنسوخ، والنهي كان أولاً؛ لأنهم كانوا حدثاء عهد بكفر وشرك، وتعلق بالقبور، ثم شرع الله الزيارة بعد ذلك؛ لأنها تذكر الآخرة، ويدعى للأموات فيها)) (١). الأمر الثاني: زيارة الرجال للقبور بدون سفر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ : ((لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى)) (٢). فدخل في هذا النهي شدّ الرحال لزيارة القبور والمشاهد، وهو الذي فهمه الصحابة ﵃ من قول النبي ﷺ ، ولهذا عندما ذهب أبو هريرة ﵁ إلى الطور، فلقيه بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين جئت؟ قال: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت إليه، سمع رسول الله ﷺ يقول: ((لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد ... )) (٣). ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره ﷺ أو غيره من الأنبياء والصالحين لم يكن عليه أن يوفي بنذره، بل ينهى عن ذلك)) (٤). الأمر الثالث: الزيارة للقبور للرجال دون النساء ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ((لعن زوَّارات القبور)) (٥).

стр. 1333

وعن حسان بن ثابت ﵁ قال: ((لعن رسول الله ﷺ زوَّارات القبور)) (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: ((لعن رسول الله ﷺ زوَّارات القبور)) (٢). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((وهذه الأحاديث الثلاثة (٣) تدل على عدم زيارة النساء للقبور، وأما حديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله: ما أقول عند زيارة القبور، فقال: ((قولي السلام عليكم ... )) الحديث، فهذا والله أعلم كان قبل نهي النساء؛ لأنه ﷺ نهى عن زيارة القبور ثم أذن مطلقاً: أي للرجال والنساء، ثم جاء نهي النساء عن زيارة القبور)) (٤). وذكر العلامة ابن عثيمين ﵀ أن زيارة عائشة لقبر أخيها (٥) اجتهاد منها ﵂، وأن قول النبي ﷺ لا يعارض بقول أحد كائناً من كان، وأن قول النبي ﷺ لعائشة: ((قولي السلام عليكم دار قوم مؤمنين)) (٦)، يدل على أن المرأة إذا مرت بدون قصد على المقبرة فلا حرج أن تسلم على أهل القبور وتدعو لهم؛ فإنه يفرق بين خروجها من أجل الزيارة، ومرورها من غير قصد للزيارة، وأما لفظ: ((لعن رسول الله ﷺ زوَّارات القبور)) بصيغة المبالغة، ولفظ: ((لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور))، فإن كان لفظ: ((زوَّارات)) للنسبة فلا إشكال، وإن كان للمبالغة،

стр. 1334

فإن لفظ زائرات فيه زيادة علم فيؤخذ به؛ لأن ((زائرات)) يصدق بزيارة واحدة، و ((زوَّارات)) في الكثير للمبالغة، ومعلوم أن الوعيد إذا جاء معلقاً بزيارة واحدة ومعلقاً بزيارات متعددة، فإن مع المعلق بزيارة واحدة زيادة علم؛ لأنه يلحق الوعيد على من زار مرة واحدة على لفظ ((زائرات)) دون لفظ: ((زوَّارات))، ولو أخذنا بلفظ ((زوَّارات)) ألغينا دلالة ((زائرات))، وقد تكلم شيخ الإسلام ﵀ على هذه المسألة كلاماً جيداً (١) (٢). قال شيخنا الإمام ابن باز ﵀: ((الصحيح أن زيارة النساء للقبور لا تجوز))، ثم قال: ((فالصواب أن الزيارة من النساء للقبور محرمة لا مكروهة فقط ... )) (٣)، أما حديث النبي ﷺ الذي قال فيه للمرأة التي وجدها تبكي على صبي لها فقال لها: ((اتقي الله واصبري)) (٤) حينما وجدها عند القبر فرجح شيخنا ابن باز ﵀ أن هذا لعله كان في وقت الإذن العام منه ﷺ للرجال والنساء في الزيارة؛ لأن أحاديث النهي عن الزيارة للنساء محكمة ناسخة لما قبلها)) (٥). الأمر الرابع: الزيارة لأهل القبور أنواع على النحو الآتي: النوع الأول: زيارة شرعية يقصد بها ما يأتي: ١ - السلام على الموتى والدعاء لهم، والترحم عليهم، فقد انقطعت أعمالهم . ٢ - تذكر الموت، والآخرة، وحصول رقة القلب ودمع العين . ٣ - إحياء سنة النبي ﷺ ؛ لأنه زار القبور وأمر بزيارتها .

стр. 1335

النوع الثاني: زيارة بدعية وشركية (١)، وهذا النوع ثلاثة أنواع: ١ - من يسأل الميت حاجته، وهؤلاء من جنس عُبَّاد الأصنام، ويخرجون من الإسلام . ٢ - من يسأل الله تعالى بالميت ، كمن يقول: أتوسل إليك بنبيك، أو بحق الشيخ فلان، وهذا من البدع المحدثة في الإسلام، ولا يصل إلى الشرك الأكبر، فهو لا يُخرج عن الإسلام، كما يخرج الأول. ٣ - من يظن أن الدعاء عند القبور مُستجاب ، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، وهذا من المنكرات بالإجماع (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀ في مشروعية زيارة القبور: ((وكان هديه ﷺ أن يقول ويفعل عند زيارتها، من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت: من الدعاء، والترحم، والاستغفار، فأبى المشركون إلا دعاء الميت، والإشراك به، والإقسام على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به والتوجه إليه، بعكس هديه ﷺ ؛ فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعو الميت، أو يدعو به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله ﷺ وأصحابه تبين له الفرق بين الأمرين وبالله التوفيق)) (٣). الأمر الخامس: جواز زيارة قبور المشركين للعبرة والعظة فقط ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)) وفي لفظ: ((زار ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال ﷺ : ((استأذنت ربي في أن أستغفر
следующие страницы →