← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

أنت الغفور الرحيم)) (١). د - ((اللهم عبدك، وابن أمتك، أحتاج إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه)) [ثم يدعو ما شاء الله أن يدعو] (٢). هـ - الدعاء للطفل في الصلاة عليه صلاة الجنازة، يقول: ((اللهم اغفر لحينا وميتنا، وحاضرنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده)) (٣). * ((اللهم أعذه من عذاب القبر)) (٤). * ((اللهم اجعله لنا فرطاً (٥) وسلفاً وأجراً)) (٦).

стр. 1262

((اللهم اغفر لوالديه وارحمهما)) (١). * وإن قال: ((اللهم اجعله فرطاً لوالديه، وذخراً، وسلفاً، وأجراً، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره، اللهم ثقّل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، اللهم اجعله في كفالة إبراهيم، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، وأجره برحمتك من عذاب الجحيم، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، اللهم اغفر لأسلافنا، وأفراطنا، ومن سبقنا بالإيمان)) (٢) فحسن. ١٦ - يكبر التكبيرة الرابعة رافعاً يديه حذو منكبيه أو أذنيه، ويردهما على صدره ؛ لعموم الأدلة؛ ولما تقدم من الأدلة (٣).

стр. 1263

١٧ - يقف بعد التكبيرة الرابعة قليلاً (١).

стр. 1264

١٨ - يسلم تسليمة واحدة عن يمينه قائلاً: ((السلام عليكم ورحمة الله))؛ لأن التسليمة الواحدة ثبتت عن عشرة من أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يسلمون في صلاة الجنازة تسليمة واحدة خفيفة عن يمينه، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة، وواثلة بن الأسقع، وابن أبي أوفى، وزيد بن ثابت، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، قال الإمام ابن القيم: ((فهؤلاء عشرة من الصحابة)) ﵃ (١) وكان عبد الله بن عمر إذا صلى على

стр. 1265

الجنازة يسلم حتى يسمع من يليه)) (١). الأمر التاسع عشر: المسبوق في صلاة الجنازة، يستحب له أن يقضي ما فاته من صلاة الجنازة ؛ لقول النبي ﷺ : ((فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) (٢)، قال الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: (( ... فإذا أدرك الإمام في التكبيرة الثالثة كبر وقرأ الفاتحة، وإذا كبر الإمام الرابعة كبر بعده وصلى على النبي ﷺ ، فإذا سلم الإمام كبر المأموم المسبوق ودعا للميت موجزاً، ثم يكبر الرابعة ويسلم)) (٣). وإذا أدرك الإمام بين تكبيرتين كبر في الحال وقرأ الفاتحة، ثم يكبر بعد إمامه التكبيرة التي أدركها فيصلي على النبي ﷺ ، ثم إذا سلم الإمام يكبر ويدعو للميت بإيجاز، ثم يكبر ويسلم، وهكذا يعتبر ما أدركه هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخرها؛ لقول النبي ﷺ : ((فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) (٤) (٥).

стр. 1266

السابع عشر: حمل الجنازة واتباعها وتشييعها: يراعى في حمل الجنازة واتباعها وتشييعها الأمور الآتية: الأمر الأول: حكم حمل الجنازة فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين (١). الأمر الثاني: أقسام اتباعها: ثلاثة أقسام: ١ - يصلي عليها ثم ينصرف، وله قيراط من الأجر؛ للحديث الآتي . ٢ - يتبعها إلى القبر ثم يقف حتى تدفن ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان أجر كل قيراط مثل أُحُدٍ، ومن صلى عليها ثم رجع كان له مثل أحُدٍ)) (٢). ٣ - يقف بعد الدفن يستغفر للميت ويسأل الله له التثبيت ؛ لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه

стр. 1267

فقال: ((استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل)) (١). والجمع بين هذه الأقسام أكمل في عظم الأجر واتباع السنة. الأمر الثالث: فضل اتباع الجنائز ، فقد ثبت في حديث أبي هريرة ﵁ السابق أن النبي ﷺ قال: ((من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معه حتى يُصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن؛ فإنه يرجع بقيراط)) وفي لفظ: قيل: وما القيراطان؟ قال: ((مثل الجبلين العظيمين)). وفي لفظ لمسلم: ((قيل وما القيراطان؟ قال: ((أصغرهما مثل أحد)) (٢)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أصبح اليوم منكم صائماً؟)) قالو أبو بكر: أنا. قال: ((فمن اتبع منكم اليوم جنازة؟)) قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟)) قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟)) قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ : ((ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة)) (٣). ولفظ البخاري في الأدب المفرد: ((ما اجتمعت هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة)) (٤). الأمر الرابع: اتباع الجنازة حق على المسلم لأخيه المسلم ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((حق المسلم على المسلم ست))، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: ((إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله

стр. 1268

فشمّتْه، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتبعه)) (١). وعن البراء بن عازب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: ((أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ورد السلام، وتشميت العاطس ... )) الحديث (٢)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه: ((عودوا المريض، واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة)) (٣). الأمر الخامس: يحمل الميت على حسب الحال والتيسير ، ولا يتكلف الإنسان ما لم يرد بذلك سنة صحيحة فالأمر فيه واسع (٤).

стр. 1269

الأمر السادس: لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار ولا بما يخالف الشرع ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن تُتبع جنازة معها رانَّةٌ)) (١) (٢). وعن أبي بردة قال: ((أوصى أبو موسى الأشعري حين حضره الموت فقال: لا تتَّبعوني بمجمرٍ، قالوا له: أسمعت فيه شيئاً؟ قال: نعم، من رسول الله ﷺ )) (٣). وأوصى عمرو بن العاص في وصيته: ((فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار)) (٤) (٥). وقال قيس بن عباد: ((كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الجنائز)) (٦).

стр. 1270

الأمر السابع: القيام للجنازة إذا مرت مشروع ؛ لحديث عبد الله بن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي ﷺ قال: ((إذا رأى أحدكم جنازة فإن لم يكن ماشياً معها فليقم حتى يخلّفها أو تخلّفَهُ أو توضع من قبل أن تُخلّفه)). وفي لفظ: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تُخلّفكم (١) أو توضع)) (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع)) (٣). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: مر بنا جنازة، فقام لها النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي؟ قال: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا)) (٤)، ولفظ مسلم: ((إن الموتَ فزعٌ فإذا رأيتم الجنازة فقوموا)). وعن سهل بن حنيف وقيس بن سعد بن أبي ليلى أنهما كانا قاعدين بالقادسية فمرُّوا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض - أي من أهل الذمة - فقالا: إن النبي ﷺ مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: ((أليست نفساً)) (٥). والصواب أن هذه الأحاديث تدل على مشروعية القيام للجنازة إذا مرت لمن كان قاعداً؛ لأمر النبي ﷺ بذلك؛ ولفعله ﵊، أما حديث علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ ((قام ثم قعد))، وفي لفظ:

стр. 1271

((رأينا رسول الله ﷺ قام فقمنا، وقعد فقعدنا -يعني في الجنازة-)) (١) فهذا يدل على أن الأمر بالقيام للجنازة للاستحباب، والقعود للجواز، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر خلاف العلماء: ((فيكون الأمر للندب والقعود بياناً للجواز، ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا؛ لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر والله أعلم)) (٢) (٣). ورجح الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى ما ذهب إليه الإمام النووي في الجمع بين الأحاديث (٤). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول: ((وهذا يدل على أن السنة القيام للجنازة ولو كانت كافرة؛ فإن للموت فزعاً، وهذا القيام سنة وليس بواجب؛ لأن النبي ﷺ قام وقعد، فدل ذلك على أن القيام ليس بواجب وإنما هو سنة)) (٥).

стр. 1272

الأمر الثامن: من تبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع على الأرض ؛ لحديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع)) (١). وقد فسّر الإمام البخاري ﵀ قوله: ((حتى توضع)) فقال: ((باب من تبع جنازة حتى توضع عن مناكب الرجل فإن قعد أمر بالقيام)) (٢)، وهذا يوضح أن معنى قوله ﷺ : ((حتى توضع)) أي على الأرض قبل اللحد. وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: ((والصواب أن الجنازة إذا وضعت في الأرض جلسوا: أي قبل اللحد)) (٣). وحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قام ثم قعد يدل على أن القيام حتى توضع للاستحباب. قال شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀: ((السنة لمن تبع الجنازة ألا يجلس حتى توضع من أعناق الرجال على الأرض، وأما الانصراف فإن المشروع لمتبعها ألا ينصرف حتى توضع في القبر ويفرغ من دفنها، وهذا كله على سبيل الاستحباب ... )) (٤). الأمر التاسع: النساء لا يتبعن الجنائز؛ ويصلين عليها ؛ لحديث أم عطية ﵂ قالت: ((نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا)) (٥). قال شيخنا الإمام عبد العيز ابن باز ﵀: ((المقصود بالنهي: النهي عن اتباعها إلى المقبرة، أما الصلاة عليها فمشروعة للرجال والنساء، وكان النساء يصلين على الجنائز مع النبي ﷺ ، ويفهم [من قول أم عطية ولم يعزم

стр. 1273

علينا] أن النهي عندها غير مؤكد، والأصل في النهي التحريم؛ لقول النبي ﷺ : ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)) (١). وذلك يدل على تحريم اتباع النساء للجنائز إلى المقبرة، أما الصلاة على الميت فإنها مشروعة لهن كالرجال، والله ولي التوفيق. الأمر العاشر: الإسراع بالجنازة من غير رمل مشروع ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أسرعوا بالجنازة، فإن تكُ صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم)) (٢)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدّموني قدّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق)) (٣). قال الإمام شيخنا ابن باز ﵀ في المقصود بالإسراع بالجنازة: ((المقصود: المشي، ويدخل ضمناً الصلاة عليها، وتغسيلها، والسرعة في تجهيزها، وظاهر الحديث يعم الجميع من حيث المعنى)) (٤). وسمعته ﵀ يقول: ((السنة الإسراع بالجنازة، ومعنى ذلك أن يكون مشياً قوياً دون الرمل؛ ليقدمها إلى الخير إن كانت صالحة)) (٥). الأمر الحادي عشر: الماشي يمشي مع الجنازة كيف شاء ، والراكب

стр. 1274

خلفها؛ لحديث المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((الراكب [يسير] خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، [خلفها، وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريباً منها]،والطفل يصلى عليه، [ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة])) (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((والسنة المشي لمن قدر عليه، ولا بأس بالركوب عند الحاجة، والراكب يمشي خلف الجنازة، والماشي أمامها، وعن يمينها، وعن شمالها، [ومن خلفها])) (٢). الأمر الثاني عشر: المشي في تشييع الجنازة أفضل من الركوب ؛ لحديث ثوبان ﵁ أن رسول الله ﷺ أُتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أُتي بدابة فركب، فقيل له؟ فقال: ((إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت)) (٣). ولا بأس بالركوب إذا انصرف من الجنازة؛ لحديث جابر بن سمرة ﵁ قال: أتي النبي ﷺ بفرس معروري (٤) فركبه حين انصرف من جنازة أبي الدحداح ونحن نمشي حوله، وفي لفظ: ((صلى رسول الله ﷺ على أبي الدحداح ثم أُتي بفرس عُري، عقله (٥) رجل فركبه فجعل يتوقّصُ به (٦) ونحن نتبعه نمشي خلفه، قال: فقال رجل من القوم: إن النبي ﷺ

стр. 1275

قال: ((كم من عِذقٍ مُعلَّقٍ - أو مُدلًّى - في الجنة لابن الدحداح أو قال شعبة: لأبي الدحداح)) (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((والسنة المشي لمن قدر عليه، ولا بأس بالركوب عند الحاجة)) (٢). فدل حديث ثوبان وحديث سمرة على أن الركوب بعد الانصراف عن الجنازة جائز (٣). الأمر الثالث عشر: السنة حمل الجنازة على الأعناق إذا تيسر ذلك ، ويجوز حملها على السيارة لغرض صحيح كبعد المقبرة فتحصل بذلك مشقة؛ لأن حملها على السيارة أو غيرها من الوسائل يفوت الغاية المقصودة وهي حملها وتشييعها، وهي تذكر الآخرة كما قال النبي ﷺ : ((واتَّبعوا الجنائز تذكركم الآخرة)) (٤). قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: ((الأفضل حملها على الأكتاف؛ لما في ذلك من المباشرة بحمل الجنازة؛ ولأنه إذا مرت الجنازة بالناس في الأسواق عرفوا أنها جنازة ودعوا لها؛ ولأنه أبعد عن الفخر والأبهة، إلا أن يكون هناك حاجة أو ضرورة فلا بأس أن تحمل على سيارة، مثل: أن تكون أوقات أمطار، أو حر شديد، أو برد شديد، أو قلة المشيعين)) (٥). الأمر الرابع عشر: وضع المكبة التي توضع فوق المرأة على النعش وتغطى بثوب لتستر جسم المرأة عن أعين الناس، والمكبة تعمل من

стр. 1276

خشب، أو جريد، أو قصب مثل القبة فوقها ثوب تكون فوق السرير. قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويستحب أن يترك فوق سرير المرأة شيء من الخشب أو الجريد مثل القبة يترك فوقه ثوب، ليكون أستر لها، وقد روي أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضي الله عنها أول من صُنِعَ لها ذلك بأمرها (١) (٢). ونقل العلامة محمد بن صالح العثيمين ﵀ كلام أهل المذاهب الأربعة وأنهم كلهم أعلنوا أنه أستر للمرأة وأن ذلك يستحب (٣) (٤). الثامن عشر: دفن الميت من نعم الله على عباده: يراعى في دفن الميت الأمور الآتية: الأمر الأول: حكم دفن الميت فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين ، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم (٥)؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (٦) والمعنى أن الله أكرمه بدفنه، ولم يجعله ملقى للسباع والطيور، وهذه مكرمة لبني آدم دون سائر الحيوانات، وقال الله : ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا *حْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (٧)، وقد أرشد الله تعالى قابيل إلى دفن أخيه هابيل: ﴿فَبَعَثَ الله غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ

стр. 1277

فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (١) فكانت سنة في بني آدم؛ ولأن في ترك جثة ابن آدم أذىً وهتكاً لحرمته فوجب دفنه)) (٢). الأمر الثاني: فضل دفن الميت ؛ لحديث أبي رافع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من غسل مسلماً فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة، ومن حفر له فأجنه أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفَّنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة)) (٣)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معه حتى يُصلَّى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد ... )) (٤). الأمر الثالث: لا يدفن الميت في أوقات النهي الثلاثة المضيَّقة إلا لضرورة ؛ لحديث عقبة بن عامر يرفعه: ((ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب)) (٥). الأمر الرابع: لا يدفن مسلم مع كافر ولا كافر مع مسلم ، بل يدفن المسلم في مقابر المسلمين والكافر يُوارى مع المشركين؛ لأحاديث منها: حديث أبي طلحة ﵁ أن النبي ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من قريش فقذفوا في طويٍّ من أطواء بدر خبيث مخبث)) (٦). وحديث بشير مولى رسول الله ﷺ ، قال: بينما أنا أمشي مع رسول الله ﷺ مر بقبور المشركين فقال: ((لقد سبق هؤلاء خيراً كثيراً)) ثلاثاً، ثم مر

стр. 1278

بقبور المسلمين، فقال: ((لقد أدرك هؤلاء خيراً كثيراً)) وحانت من رسول الله ﷺ نظرة فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان فقال: ((يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك)) فنظر الرجل فلما عرف رسول الله ﷺ خلعهما فرمى بهما)) (١)؛ ولحديث علي ﵁ قال: قلت للنبي ﷺ : إن عمك الشيخ الضال مات فمن يواريه؟ قال: ((اذهب فوارِ أباك ولا تُحدثنَّ حدثاً حتى تأتيني)) فواريته ثم جئت فأمرني فاغتسلت، ودعا لي، وذكر دعاءً لم أحفظه)) (٢). الأمر الخامس: السنة الدفن في المقبرة ؛ لأن النبي ﷺ كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت بذلك الأخبار، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة، إلا ما تواترت أن النبي ﷺ دفن في حجرته، وذلك من خصوصياته ﷺ (٣). الأمر السادس: الشهداء يدفنون في أماكن استشهادهم في أرض المعركة ولا ينقلون إلى المقابر؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم، وقال أبي عبد الله: يا جابر بن عبد الله لا عليك أن تكون في نِظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا فإني والله لولا أني أترك بناتٍ لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يديَّ، قال: فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالتي عادلتهما (٤) على ناضح فدخلت بهما المدينة؛ لتدفنهما في مقابرنا إذ لحق رجل

стр. 1279

ينادي: ألا إن النبي ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، فرجعنا بهما فدفناهما حيث قُتلا)) (١). الأمر السابع: الدفن ليلاً فيه تفصيل ، فعن جابر بن عبد الله ﵄: أن النبي ﷺ خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قُبض فكفّن في كفنٍ غير طائل، وقُبِرَ ليلاً، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يُصلَّى عليه إلا أن يضطر الإنسان إلى ذلك، وقال النبي ﷺ : ((إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه)) (٢). وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: مات إنسان كان رسول الله ﷺ يعوده، فمات بالليل فدفنوه ليلاً، فلما أصبح أخبروه فقال: ((ما منعكم أن تعلموني؟)) قالوا: كان الليل فكرهنا - وكانت ظلمة - أن نشقَّ عليك فأتى قبره فصلَّى عليه)) (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل ليلة الأربعاء ... )) (٤) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((وقد اختلف العلماء في الدفن في الليل، فكرهه الحسن البصري إلا لضرورة، وقال جماهير العلماء من السلف والخلف: لا يكره، واستدلوا بأن أبا بكر الصديق ﵁ وجماعة من السلف دفنوا ليلاً من غير إنكار، وبحديث المرأة السوداء، والرجل الذي

стр. 1280

كان يقم المسجد فتوفي ليلاً فدفنوه ليلاً، وسألهم النبي ﷺ عنه فقالوا: توفي ليلاً فدفناه في الليل فقال: ((ألا آذنتموني؟)) قالوا: كانت ظلمة. ولم ينكر عليهم، وأجابوا عن هذا الحديث (١) أن النهي كان لترك الصلاة ولم ينه عن مجرد الدفن بالليل، وإنما نهى لترك الصلاة أو لقلة المصلين، أو عن إساءة الكفن أو عن المجموع كما سبق ... )) (٢). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول على مجموع الأحاديث التي وردت: ((هذه الأحاديث تدل على جواز الدفن ليلاً، وأما ما جاء في النهي عن ذلك فهذا إذا كان فيه تقصير في الصلاة عليه؛ ولهذا جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ نهى عن الدفن ليلاً حتى يُصلى عليه. والخلاصة: أنه إذا كان هناك تقصير في حق الميت: من غسل، أو كفن، أو صلاة على الميت فلا يدفن ليلاً، أما إذا كملت حقوقه فلا بأس بدفنه ليلاً)) (٣). وسمعته في موضع آخر يقول: ((أما رواية مسلم فزجر فيها النبي ﷺ عن قبر الرجل حتى يُصلَّى عليه، فتأخير الميت ليصلى عليه إذا كان تأخيرها أفضل لكثرة الجمع، والحاصل أن مجموع الأحاديث تفيد أن الأفضل تأخير الصلاة عليه إذا كان تأخيرها أكمل، أما إذا صُلّي عليه في العشاء أو المغرب فلا كراهة. ومما يدل على هذا ما جاء في مسلم: ((ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب))، وهذا يدل على أنها إذا غابت زال النهي، وأن الصلاة عليه بعد الغروب والدفن بعده لا حرج فيه، وقد دفن

стр. 1281

النبي ﷺ ليلاً، ودفن الصديق ليلاً، ودفن عمر ليلاً، ودفن عثمان ليلاً ﵃ (١). وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((يجوز دفن الأموات ليلاً إذا قام الإنسان بالواجب: من التغسيل، والتكفين، والصلاة عليه؛ فإنه يجوز أن يدفن بالليل)) (٢) (٣). الأمر الثامن: لا بأس بدفن الاثنين أو أكثر في قبر واحد عند الضرورة والحاجة الشديدة؛ لحديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: ((أيهم أكثر أخذاً للقرآن)) فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: ((أنا شهيد على هؤلاء)) وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم ولم يغسلهم)) (٤). وعن هشام بن عامر قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ يوم أحد، فقلنا: يا رسول الله! الحفر علينا لكل إنسان شديد؟ فقال رسول الله ﷺ : ((احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد))، قالوا: فمن نقدّم يا رسول الله؟ قال: ((قدّموا أكثرهم قرآناً)) قال: فكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد)) (٥). وهذا عند الضرورة، وإذا دعت الحاجة الشديدة لذلك، ككثرة الموتى

стр. 1282

في القتل، أو الطاعون أو غير ذلك من أسباب الموت العام بكثرة، أما عند الاستطاعة والقدرة فيدفن كل إنسان في قبر لوحده (١). قال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((المشروع أن يدفن كل إنسان في قبر وحده، كما جرت به سنة المسلمين قديماً وحديثاً، ولكن إذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى جمع اثنين فأكثر في قبر واحد فلا بأس به ... قال بعض الفقهاء: وينبغي أن يجعل بين كل اثنين حاجز من تراب)) (٢)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ولا يدفن اثنان في قبر واحد إلا لضرورة)) (٣). الأمر التاسع: جمع الأقارب في مقبرة واحدة حسن ؛ لحديث المطلب قال: لما مات عثمان بن مظعون أُخرج بجنازته فدفن، فأمر النبي ﷺ رجلاً أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه، قال كثير: قال المطلب: قال الذي يخبرني ذلك عن رسول الله ﷺ قال: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما، ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: ((أتعلَّمُ بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي)) (٤). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وجمع الأقارب في الدفن حسن؛ لقول النبي ﷺ لما دفن عثمان بن مظعون: ((أدفن إليه من مات من أهله)) (٥)؛ ولأن ذلك أسهل لزيارتهم، وأكثر للترحم عليهم ... )) (٦).

стр. 1283

الأمر العاشر: الموعظة عند القبر أمر لا بأس به؛ لحديث علي ﵁، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة (١) [وفي رواية: عود] (٢) فنكس فجعل ينكت (٣) [في الأرض] بمخصرته، ثم قال: ((ما منكم من أحد [و] (٤) ما من نفس منفوسة إلا [وقد] (٥) كتب مكانها من الجنة [أ] (٦) ومن النار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة)). فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، قال: (([لا] (٧) [اعملوا فكل مسير لما خلق له] (٨)، أما [من كان من] (٩) أهل السعادة فسييسَّرون لعمل أهل السعادة، وأما [من كان من] أهل الشقاوة فسييسَّرون لعمل [أهل] الشقاوة)) ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى *وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى *وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى *وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (١٠). وقد قال الإمام البخاري ﵀ في ترجمة هذا الحديث: ((باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله)) قال الحافظ ابن حجر

стр. 1284

رحمه الله: كأنه يشير إلى التفصيل بين أحوال القعود، فإن كان لمصلحة تتعلق بالحي أو الميت لم يكره)) (١). ومما يدل على الموعظة عند القبر حديث البراء بن عازب الطويل وأوله: ((خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولمَّا يلحد، فجلس رسول الله ﷺ مستقبل القبلة وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض فجعل ينظر إلى السماء وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثاً، فقال: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً))، ثم قال: ((اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ثلاثاً، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة تنزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيب [وفي لفظ] المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ... )) الحديث (٢). قال الإمام شيخنا ابن باز ﵀: ((لقد ثبت عن النبي ﷺ غير مرة أنه وعظ الناس عند القبر وهم ينتظرون الدفن، وبذلك يعلم أن الوعظ عند القبر أمر مشروع قد فعله النبي ﷺ ؛ لما في ذلك من التذكير بالموت، والجنة والنار، وغير ذلك من أمور الآخرة، والحث على الاستعداد للقاء الله)) (٣). وقال العلامة الألباني ﵀: ((ويجوز الجلوس عنده [أي القبر] أثناء الدفن بقصد تذكير الحاضرين بالموت وما بعده؛ لحديث البراء بن

стр. 1285

عازب ... )) (١). وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: (( ... وغاية ما ورد أنه ﷺ أتى إلى البقيع وفيه قوم ينتظرون اللحد؛ ليدفنوا ميتهم، فجلس وجلس الناس حوله وجعل يذكرهم وهو جالس لا على سبيل الخطبة، وكذلك كان ﷺ في المقبرة أيضاً فقال: ((ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ... )) (٢) (٣). الأمر الحادي عشر: تعميق القبر وتوسيعه ؛ لحديث هشام بن عامر قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله ﷺ يوم أحد، فقالوا: أصابنا قرح وجهد! فكيف تأمرنا؟ قال: ((احفروا، وأوسعوا [وأعمقوا] واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر)) قيل: فأيهم يُقدَّم؟ قال: ((أكثرهم قرآنا)) (٤)؛ ولحديث رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار وأنا غلام مع أبي، فجلس رسول الله ﷺ على حفيرة القبر يوصي الحافر، ويقول: ((أوسع من قبل الرأس؛ وأوسع من قبل الرجلين لرب عذق له في الجنة)) (٥). وذكر الإمام ابن قدامة ﵀ عن الإمام أحمد أن القبر يعمّق إلى الصدر، الرجل والمرأة في ذلك سواء، قال: وكان الحسن وابن سيرين يستحبان أن يعمق القبر إلى الصدر، وذكر أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه أمرهم أن يحفروا قبره إلى السرة؛ فإن ما على ظهر الأرض

стр. 1286

أفضل مما سفل منها. وذكر أبو الخطاب أنه يعمق قدر قامة وبسطة وهو قول الشافعي، ثم قال ابن قدامة: ((والمنصوص عن أحمد أن المستحب تعميقه إلى الصدر؛ لأن التعميق قدر قامة وبسطة يشق ويخرج عن العادة)) (١). الأمر الثاني عشر: اللحد أفضل من الشق إذا كانت التربة صلبة لا ينهال ترابها ، وإن كانت رخوة تنهار فالشق أفضل؛ لحديث أنس ﵁ قال: لما توفي النبي ﷺ كان بالمدينة رجل يَلْحدُ وآخر يُضرّحُ (٢) فقالوا: نستخيرُ ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سُبق تركناه، فأُرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي ﷺ )) (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: لما مات رسول الله ﷺ اختلفوا في اللحد والشق، حتى تكلّموا في ذلك وارتفعت أصواتهم، فقال عمر: لا تصخبوا (٤) عند رسول الله ﷺ حيّاً ولا ميتاً، أو كلمة نحوها، فأرسلوا إلى الشاقّ واللاحد جميعاً، فجاء اللاحد، فلحد لرسول الله ﷺ ثم دفن ﷺ (٥). وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص أن سعد بن أبي وقاص قال في مرضه الذي هلك فيه: ((الحدوا لي لحداً، وانصبوا عليّ اللبن نصباً كما صنع برسول الله ﷺ )) (٦). وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللحد لنا والشق

стр. 1287

لغيرنا)) (١). وعن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : ((اللحد لنا والشق لغيرنا)) (٢). * واللحد: هو أن يحفر إذا بلغ قرار القبر في حائط القبر - جانبه مما يلي القبلة - مكاناً يسع الميت، ولا يعمق بحيث ينزل فيه جسد الميت كثيراً، بل بقدر ما يكون الجسد ملاصقاً للبن، هذا إذا كانت الأرض صلبة، وإن كانت الأرض رخوة اتخذ لها من الأحجار ونحوها ما يسندها باللحد ولا يلحد منها؛ لئلا يخر القبر على الميت. * والشق أن يحفر في وسط القبر طولاً كالنهر ويُبْنَى جانباه باللبن وغيره أو يشق وسط القبر فيصير كالحوض ثم يوضع الميت فيه، ويسقف عليه بأحجار ونحوها، ويرفع السقف قليلاً بحيث لا يمس الميت (٣). وهذه الأحاديث السابقة تدل على أن اللحد أفضل؛ لأن الله اختاره لرسوله ﷺ ،والشق جائز عند الحاجة إليه، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((واللحد معروف وهو الشق من الجانب القبلي من القبر، وفيه دليل لمذهب الشافعي والأكثرين في أن الدفن في اللحد أفضل من الشق إذا أمكن اللحد، وأجمعوا على جواز اللحد والشق ... )) (٤).

стр. 1288

وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول عن حديث اللحد: ((يدل على أن اللحد أفضل؛ لأن الله اختاره لرسوله ﷺ ... )) وسمعته أيضاً يقول: (( ... وعمل الصحابة وعمل المسلمين يدل على أن اللحد والشق جائزان، وذكر النووي إجماع العلماء على جواز الأمرين، وقد كان في المدينة لاحِدٌ وشاقٌّ؛ لكن اللحد أفضل، وإذا احتيج إلى الشق جاز كما في الأرض الرخوة)) (١). الأمر الثالث عشر: يتولى إنزال الميت القبر الرجال؛ لأنه المعهود في عهد النبي ﷺ -، وجرى عليه عمل المسلمين في كل عصر من الأعصار إلى يومنا هذا؛ ولأن الرجال أقوى على ذلك؛ ولأن النساء لو تولته أفضى ذلك إلى انكشاف شيء من أبدانهن أمام الرجال الأجانب وهذا محرم (٢). الأمر الرابع عشر: يُغطَّى قبر المرأة عند إدخالها في القبر ؛ لئلا يظهر ولا يبرز من معالم جسمها شيء؛ لما روي وذكر في ذلك من الآثار عن عمر، وعلي، وأنس، وعبد الله بن يزيد، والحسن (٣). قال الإمام الخرقي ﵀: ((والمرأة يخمّر قبرها بثوب)). قال الإمام

стр. 1289

ابن قدامة: ((لا نعلم في استحباب هذا بين أهل العلم خلافاً ... )) ثم قال بعد أن ذكر بعض الآثار: (( ... ولأن المرأة عورة ولا يؤمن أن يبدو منها شيء، فيراه الحاضرون)) (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((يوضع ثوب على المرأة عند إدخالها القبر: بشت أو نحوه حتى لا يظهر من جسمها شيء)) (٢).وبين ﵀ عندما سئل عن تغطية القبر بالنسبة للمرأة ما حكمه؟ فقال: ((هذا أفضل)) (٣). وذكر العلامة ابن عثيمين ﵀: أن هذا مما فعله السلف واستحبه العلماء ﵏؛ لأن هذا أستر لها؛ ولئلا تبرز معالم جسمها، ولكن هذا ليس بواجب، ويكون هذا التخمير أو التسجية إلى أن يصفّ اللبن عليها (٤). الأمر الخامس عشر: أولياء الميت أحق بإنزاله ؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ (٥)؛ ولحديث علي ﵁ قال: ((غسلت النبي ﷺ ، فذهبت لأنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئاً، وكان طيّباً ﷺ حيّاً وميتاً))، وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي، والعباس، والفضل، وصالح مولى رسول الله ﷺ ، ولحد لرسول الله ﷺ لحداً، ونصب عليه اللبن نصباً)) (٦) (٧).

стр. 1290

وعن عامر قال: غسل رسول الله ﷺ : علي، والفضل، وأسامة بن زيد، وهم أدخلوه قبره، قال: حدثنا مرحب - أو أبو مرحب - أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف، فلما فرغ علي قال: إنما يلي الرجل أهله)) (١). وعن عبد الرحمن بن أبزى قال: ((صليت مع عمر بن الخطاب على زينب بنت جحش بالمدينة فكبر أربعاً، ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ من يأمرن أن يدخلها القبر؟ قال: وكان يعجبه أن يكون هو الذي يلي ذلك، فأرسلن إليه: انظر من كان يراها في حال حياتها فليكن هو الذي يدخلها القبر، فقال عمر: ((صدقن)) (٢) (٣). الأمر السادس عشر: لا بأس بإدخال الزوج زوجته قبرها ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((دخل عليَّ رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدئ فيه، فقلت: وارأساه، فقال: ((وَددتُ أن ذلك كان وأنا حيٌّ، فهيأتُك ودفنتك)) قالت: فقلت غَيْرَى: كأني بك في ذلك اليوم عَرُوساً ببعض نسائك، قال: ((وأنا وارأساه! ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتاباً فإني أخاف أن يقول قائل ويتمنَّى متمنٍّ: أنا أوْلىَ ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) (٤).

стр. 1291

الأمر السابع عشر: ينزل المرأة قبرها من لم يطأ في الليلة السابقة ؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: شهدنا بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس على القبر، فرأيتُ عينيه تدمعان، فقال: ((هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟)) فقال أبو طلحة، أنا، قال: ((فانزل في قبرها)) [فنزل في قبرها] فقبرها ... )) (١). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ((وفي هذا الحديث جواز البكاء كما ترجم له، وإدخال الرجال المرأة قبرها؛ لكونهم أقوى على ذلك من النساء، وإيثار البعيد العهد عن الملاذ في مواراة الميت - ولو كان امرأة - على الأب والزوج، وقيل: إنما آثره بذلك؛ لأنها كانت صنعته، وفيه نظر؛ فإن ظاهر السياق أنه ﷺ اختاره لذلك؛ لكونه لم يقع منه تلك الليلة جماع، وعلَّل ذلك بعضهم بأنه حينئذٍ يأمن من أن يذكّره الشيطان بما كان منه في تلك الليلة، وحكى ابن حبيب أن السر في إيثار أبي طلحة على عثمان أن عثمان كان قد جامع بعض جواريه في تلك الليلة فتلطّف ﷺ في منعه من النزول في قبر زوجته (٢) بغير تصريح، ووقع في رواية حماد المذكورة فلم يدخل عثمان القبر، وفيه جواز الجلوس على شفير القبر عند الدفن)) (٣). الأمر الثامن عشر: يدخل الميت من قِبَل رجلي القبر ؛ لحديث أبي إسحاق قال: أوصى الحارث أن يُصلّي عليه عبد الله بن زيد، فصلى عليه ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: ((هذا من

стр. 1292

السنة)) (١) (٢). وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((هذا أحسن ما ورد في ذلك، ورُوي في ذلك نوعان آخران: أحدهما سلَّه من جهة القبلة، والثاني سَلَّه من جهة رأس القبر، والأمر في هذا واسع، ولكن أحسن ما ورد ما رواه عبد الله بن زيد؛ لأن قوله من السنة في حكم المرفوع عند أهل العلم (٣). الأمر التاسع عشر: يقول عند إدخال الميت القبر: ((بسم الله وعلى ملة رسول الله)) ،أو يقول: ((بسم الله وعلى سنة رسول الله ﷺ ))؛لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: ((بسم الله وعلى سنة رسول الله ﷺ )).وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي: ((أن النبي ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر - وقال أبو خالد مرة: إذا وضع الميت في لحده - قال:- مرة -: ((بسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله)).ولفظ ابن ماجه: ((كان النبي ﷺ إذا أدخل الميت القبر قال: ((بسم الله وعلى ملة رسول الله)).وفي لفظ: ((إذا وضع الميت في لحده قال: بسم الله وعلى سنة رسول الله)).وفي لفظ: ((بسم

стр. 1293

الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ )) (١). الأمر العشرون: يجعل الميت في قبره على جنبه الأيمن، ووجهه قبالة القبلة ، ورأسه إلى يمين القبلة، ورجلاه إلى يسار القبلة، على هذا جرى عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وهكذا كل مقبرة على ظهر الأرض (٢)،وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتاً)) (٣).وينبغي أن يُدنى من حائط القبر القبلي الأمامي؛ لئلا ينكب على وجهه، وأن يسند من خلف ظهره بتراب؛ لئلا ينقلب على ظهره (٤) (٥). الأمر الواحد والعشرون: تحل عن الميت العقد إذا وضع الميت داخل القبر على جنبه الأيمن (٦)، قال الإمام الخرقي ﵀: ((وتحل العقد))، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وأما حل العقد من عند رأسه ورجليه فمستحب؛ لأن عقدها كان للخوف من انتشارها وقد أُمن ذلك بدفنه، وروي أن النبي ﷺ لما أدخل نعيم بن مسعود الأشجعي القبر نزع

стр. 1294

الأخلة بفيه (١). وعن ابن مسعود، وسمرة بن جندب نحو ذلك (٢) (٣). وقال شيخنا ابن باز ﵀ في حل العقد عن الميت في القبر: ((هذا هو الأفضل لفعل الصحابة ﵃)) (٤) (٥). الأمر الثاني والعشرون: ينصب على فتحة اللحد اللبن نصباً فيصف على فتحة اللحد من خلف الميت وينصب نصباً مرصوصاً، ويسد ما بين اللبن من خلل بقطع اللبن، فإذا أُحكم جعل الطين فوق ذلك حتى يسد الخلل بإحكام وإتقان؛ لئلا يصل التراب إلى الميت، فإن لم يكن لبن وضع حجر أو نحوه، وأُلحم بالطين حتى يلتحم (٦). الأمر الثالث والعشرون: يُحثى بعد الفراغ من سد اللحد ثلاث حثيات على القبر ؛ لحديث أبي هريرة ﵁: ((أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثاًً)) (٧). قال الإمام الصنعاني ﵀: ((وفيه دلالة على مشروعية الحثي على القبر ثلاثاً، وهو يكون باليدين معاً؛ لثبوته في حديث عامر بن ربيعة ففيه: ((حثى بيديه)) (٨) (٩). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((والحثي

стр. 1295

عليه في هذا الحديث من باب المشاركة إذا كان الناس كثيراً، وجاء في لفظ: ((بيديه)) (١)، وسمعته أيضاً يقول: ((هذا يدل على أنه يستحب لمن حضر الدفن أن يشارك مع الناس ولو بثلاث حثيات)) (٢) (٣). ويُهال على القبر التراب (٤)، ولا يزاد عليه من غير ترابه، وإنما يجعل التراب الذي أخرج من القبر من غير زيادة (٥). الأمر الرابع والعشرون: يرفع القبر عن الأرض قدر شبر ؛ لأن تسويته بالأرض تعرضه للإهانة؛ ولأن رفعه عن الأرض بهذا القدر يجعله يتميز ولا يهان؛ لحديث جابر ﵁ ((أن النبي ﷺ أُلحد له لحداً، ونصب عليه اللبن نصباً، ورفع قبره عن الأرض نحواً من شبر)) (٦).قال العلامة الألباني ﵀: ((ويؤيد ما سيأتي من النهي عن الزيادة على التراب الذي أُخرج من اللحد الذي شغله جسم الميت وذلك يساوي القدر المذكور في الحديث)) (٧). قال شيخنا ابن باز ﵀ ما ملخصه: ((وإذا دفنوا القبر بتراب، جعلوا عليه حصباء، ورشوه بالماء حتى يثبت بها التراب فكل هذا لا بأس به؛ لأن فيه حفظاً لترابه، وبقاء له، والمشروع [في رفع القبر] شبر، أو ما حوله، أما رفعه كثيراً فلا يجوز؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لعلي ﵁: ((لا تدع صورة

стр. 1296

إلا طمستها ولا قبراً مشرِفاً إلا سويته)) (١) (٢). وعن جابر ﵁ قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، أو يقعد عليه، وأن يبنى عليه)) (٣). ولفظ النسائي: ((أن يبنى على القبر، أو يزاد عليه، أو يجصص، أو يكتب عليه)) (٤). وفي سنن أبي داود: ((نهى أن يُقعد على القبر، وأن يُقصص، ويُبنى عليه، أو يزاد عليه، أو أن يُكتب عليه)) (٥). ولفظ الترمذي: ((نهى رسول الله ﷺ : أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ)) (٦). ولفظ ابن ماجه: ((نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور)) (٧). وفي لفظ له: ((أن يكتب على القبر شيء)) (٨). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((والزيادة عليه من غير ترابه تُفضي إلى رفعه، فلا يزاد عليه بل يكتفى بما أخذ من تراب لحده)) (٩)، وسمعته في موضع آخر يقول: ((لا يجوز البناء على القبور، والتجصيص، ولا يقعد عليها، ولا البناء عليها، ولا توطأ، ولا يزاد عليها

стр. 1297

من غير ترابها)) (١).وجاء في ذلك آثار كثيرة أنه لا يزاد على تراب اللحد الذي أخذ من القبر، بل يكفي ذلك للدفن (٢). الأمر الخامس والعشرون: يسنم القبر كهيئة سنام الجمل ؛ لحديث سفيان التمار: ((أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً)) (٣). ولفظ ابن أبي شيبة: ((دخلت البيت الذي فيه قبر النبي ﷺ فرأيت قبر النبي ﷺ ، وقبر أبي بكر، وقبر عمر مسنمة)) (٤). قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد، والمزني وكثير من الشافعية ... )) (٥). قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((وتسنيم القبر أفضل من تسطيحه، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والثوري ... )) (٦). السادس والعشرون: توضع على القبر الحصباء ؛ لحديث القاسم قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أُمَّهْ! اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه ﵄ فكشفت لي عن ثلاثة قبور: لا مُشرفة، ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرْصَةِ الحمراء)) قال أبو علي [اللؤلؤي] يقال: إن رسول الله ﷺ مُقدّمٌ، وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه، رأسه عند رجلي رسول الله ﷺ )) (٧).

стр. 1298

والبطحاء في هذا الحديث: هو الحصى الصغار، ويقال: بطحاء الوادي وأبطحه: هو حصاه اللين في بطن المسيل (١)، وقوله: ((ولا لاطئة)) يقال: لطئ بالأرض ولطأ بها إذا لزق)) (٢)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((والمشرف ما رفع كثيراً)) (٣)، وقال ﵀: ((ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر؛ ليعلم أنه قبر، فيتوقى، ويترحم على صاحبه)) (٤)، وقد جاء آثار كثير تدل على وضع الحصباء على القبور، ومن ذلك ما رواه جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي ﷺ رشَّ على قبر إبراهيم ابنه الماء ووضع عليه حصباء)) (٥)، وغير ذلك من الآثار (٦). ولا منافاة بين التسنيم للقبر وبين قوله: مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء، فبطحاء العرصة هو الحصباء الصغير؛ ولهذا جمع الإمام ابن القيم ﵀ بين حديث سفيان التمار في قوله: ((إنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً))، وحديث القاسم: ((لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء)) فقد جمع بين الحديثين فقال: ((وقبره ﷺ مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء لا مبني ولا مطيَّن، وهكذا كان قبر صاحبيه)) (٧). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول في الجمع بين الحديثين: ((السنة أن يكون القبر مسنماً، وحديث عائشة ﵂ لا ينافي ذلك، فهو يكون مسنماً حتى يرد عنه الماء وتوضع عليه حصباء ويرش)) (٨).

стр. 1299

السابع والعشرون: يُعلّم القبر بحجر أو لبن، أو خشبة ؛ لأن النبي ﷺ علَّم قبر عثمان بن مظعون ﵁ بحجر وضعه عند رأسه وقال: ((أتعلَّم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي)) (١). قال الإمام شيخنا عبد العزيز ابن باز ﵀: ((لا بأس بوضع علامة على القبر ليعرف: كحجر، أو عظم، أو حديد، من غير كتابة ولا أرقام؛ لأن الأرقام كتابة، وقد صح النهي عن النبي ﷺ عن الكتابة على القبر، أما وضع حجر على القبر، أو صبغ الحجر بالأسود أو الأصفر حتى يكون علامة على صاحبه فلا يضر)) (٢). الثامن والعشرون: رشّ القبر بالماء بعد الانتهاء من أعمال الدفن ، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويستحب أن يرش على القبر ماء؛ ليلتزق ترابه)) (٣). وقد ورد في ذلك آثار كثيرة منها ما جاء عن جعفر بن محمد عن أبيه: ((أن الرش على القبر كان على عهد رسول الله ﷺ )) (٤)، وغير ذلك من الآثار (٥). قال الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ في حكم وضع الحصباء على القبر ورشه بالماء: ((هذا مستحب إذا تيسر ذلك؛ لأنه يثبّت التراب ويحفظه، ويروى أنه وضع على قبر النبي ﷺ بطحاء، ويستحب أن يرش

стр. 1300

بالماء حتى يثبت التراب ويبقى القبر واضحاً معلوماً حتى لا يمتهن)) (١)، وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: ((لا بأس أن يرش؛ لأن الماء يمسك التراب فلا يذهب يميناً ويساراً)) (٢). الأمر التاسع والعشرون: يقف الحاضرون بعد الفراغ من الدفن على القبر يدعون للميت بالتثبيت ويستغفرون له، ويؤمر جميع الحاضرين بذلك؛ لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: ((استغفروا لأخيكم، وسلُوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل)) (٣). قال الإمام الشوكاني رحه الله: ((فيه مشروعية الاستغفار للميت عند الفراغ من دفنه، وسؤال التثبيت له؛ لأنه يُسأل في تلك الحال، وفيه دليل على ثبوت حياة القبر، وقد ورد بذلك أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر)) (٤).وقد تقدمت الأدلة على فتنة القبر في أول الكتاب. أسأل الله لي ولجميع المؤمنين العفو والعافية والثبات في الحياة الدنيا وبعد الممات (٥). التاسع عشر: آداب الجلوس والمشي في المقابر كثيرة، منها: ١ - استقبال القبلة في الجلوس لمن كان ينتظر دفن الجنازة ؛ لحديث
следующие страницы →