وفي السنن ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنَّ الْعَبْدَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إلَّا نِصْفُهَا، إلَّا ثُلُثُهَا، إلَّا رُبُعُهَا، إلَّا خُمُسُهَا، إلَّا سُدُسُهَا، إلَّا سُبُعُهَا، إلَّا ثُمُنُهَا، إلَّا تُسْعُهَا، إلَّا عُشْرُهَا)) (١).
ويُقال: إن النوافل شُرِعَتْ لجبر النقص الحاصل في الفرائض، كما في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: ((أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ أَكْمَلَهَا، وَإِلَّا قِيلَ: اُنْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتْ بِهِ الْفَرِيضَةُ، ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ)) (٢)، وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقاً.
وأما الوسواس الذي يكون غالباً على الصلاة، فقد قال طائفة، منهم أبو عبد الله بن حامد، وأبوحامد الغزالي، وغيرهما: إنه يوجب الإعادة أيضاً لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى التَّأْذِينَ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ فَإِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولَ: اُذْكُرْ كَذَا اُذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلَ لاَ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلّمَ)) (٣)، وقد صحّ عن النبي ﷺ : الصلاة مع الوسواس مطلقاً، ولم يفرق بين القليل والكثير.
ولا ريب أن الوسواس كلّما قلّ في الصلاة، كان أكمل، كما في الصحيحين من حديث عثمان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أنَّ مَنْ تَوَضَّأَ
стр. 282
مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُحَدّثْ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (١)، وكذلك فى الصحيح أنه قال: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِوَجْهِهِ، وَقَلْبِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (٢).
وما زال في المصلين من هو كذلك، كما قال سعد بن معاذ ﵁: ((فيَّ ثلاث خصال، لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن: كنت أنا أنا؛ إذا كنت في الصلاة لا أُحَدّث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله حديثاً لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أُحَدّث نفسي بغير ما تقول، ويقال لها)) (٣).
وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد، فانهدم طائفة منه، وقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر (٤).
وكان عبد الله بن الزبير ﵁ يسجد، فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه، وهو في الصلاة لا يرفع رأسه (٥).
وقالوا لعامر بن عبد القيس أتُحَدّثُ نفسك بشيء في الصلاة؟ فقال
стр. 283
أو شيء أحب إليّ من الصلاة أُحَدّثُ به نفسي؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبا لجنة والحور، ونحو ذلك؟ فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، فقال: لأن تختلف الأسنّة فيَّ أحبُّ إليَّ وأمثال (١)، هذا متعدد.
تاسعاً: الخشوع في الصلاة من إقامتها
لا شك أن الخشوع في الصلاة من إقامتها؛ فإن إقامة الصلاة لا يكون إلا بإقامة: شروطها، وأركانها، وواجباتها، والخشوع واجب على الصحيح؛ لأمر الله ورسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢)، فأمرنا بإقامتها، وهو الإتيان بها: قائمة تامة القيام، والركوع، والسجود، والأذكار، وقد علّق الله سبحانه الفلاح بخشوع المُصلّي في صلاته، فمن فاته خشوع الصلاة لم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعاً؛ بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة، وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوعاً، وكلما قلّ خشوعه اشتدت عجلته، حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع، ولا إقبال على العبودية، ولا معرفة حقيقة العبودية، والله سبحانه قد قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣)، وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (٥)، وقال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ (٧)، وقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبّ
стр. 284
اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ (١)، وقال لموسى: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢)، فلن تكاد تجد ذكر الصلاة في موضع من التنزيل إلا مقروناً بإقامتها، فالمصلُّون في الناس قليل، ومقيم الصلاة منهم أقل القليل، كما قال عمر ﵁: ((الحاج قليل والركب كثير)) (٣).
فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على الترويج تحلَّةَ القسم، ويقولون: يكفينا أدنى ما يقع عليه الاسم، وليتنا نأتي به، ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بصلاتهم فتعرضها على الربّ ﷻ بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم، فليس من عمد إلى أفضل ما يقدر عليه، فيُزيّنه ويُحسّنه ما استطاع، ثم يتقرّب به إلى من يرجوه ويخافه، كمن يعمد إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه، فيستريح منه، ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع (٤).
عاشراً: التحذير من ترك الخشوع في الصلاة
ترك الخشوع في الصلاة يسبب: ترك أركانها: وواجباتها، فلا يمكن للخاشع لله في صلاته أن ينقر صلاته، أو يترك شيئاً من أركانها أو واجباتها على أقل الأحوال؛ لأنه يستحضر عظمة الله تعالى، ويخاف عقابه، ويرجو ثوابه؛ ولهذا جاءت النصوص الثابتة بالتحذير من الأمور الآتية:
١ - قد يُصلّي المرء ستين سنة، وما قبل الله منه صلاة واحدة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلّي سِتّينَ سَنَةً، ومَا
стр. 285
تُقْبَلُ لَهُ صَلاَةٌ، لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ، وَلاَ يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ، وَلاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ)) (١).
٢ - أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته ؛ لحديث أبي قتادة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: ((لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا))، أَوْ قَالَ: ((لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)) (٢).
٣ - لا ينظر الله إلى صلاة عبدٍ لا يُقيم صلبه بين ركوعها وسجودها ؛ لحديث طلق بن علي الحنفي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى صَلَاةِ عَبْدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: ((لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى صَلَاةِ رَجُلٍ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ)) (٤).
٤ - من مات وهو لا يُتمّ ركوعه، وينقر في سجوده ، مات على غير ملّة محمد ﷺ ؛ لحديث أبي عبد الله الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً لا يُتمّ ركوعه [و] ينقر في سجوده وهو يصلي، فقال رسول الله
стр. 286
- ﷺ : ((لَوْ مَاتَ هَذَا عَلَى حَالِهِ هَذِهِ، مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ )) ثُمَّ قَالَ ﷺ : ((مَثَلُ الَّذِي لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ، وَيَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ، مَثَلُ الْجَائِعِ يَأْكُلُ التَّمْرَةَ وَالتَّمْرَتَيْنِ لَا يُغْنِيَانِ عَنْهُ شَيْئًا)) (١).
٥ - قد ينصرف المصلّي ولم يكتب له من صلاته إلا عشرها ؛ لحديث عمار بن ياسر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا)) (٢).
وعن أبي اليَسَر: كعب بن عمرو السلمي ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: ((مِنْكُمْ مَنْ يُصَلّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلّي النّصْفَ، وَالثُّلُثَ، وَالرُّبُعَ))، حَتَّى بَلَغَ: ((الْعُشْرَ)) (٣).
٦ - قد يُصلّي المرء أربعين سنة، ولا يكتب له صلاة واحدة ؛ لحديث حذيفة موقف عليه: أنَّهُ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَإَذَا رَجُلٌ يُصَلّي، فَجَعَلَ لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلاَ السُّجُودَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مُنْذُ كَمْ تُصَلّي هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: ((مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَوْ مِتَّ وَهَذِهِ صَلاتُكَ لَمِتَّ عَلَى غَيْرِ الفِطْرَةِ الَّتِي فُطِرَ عَلَيْهَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ يُعَلّمُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُخَفّفُ فِي
стр. 287
صَلاتِهِ وإنَّهُ لَيُتِمُّ الرُّكُوعَ والسُّجُودَ)) (١).
٧ - نقر الصلاة كنقر الغراب، أو الطائر بمنقاره من علامات النفاق الخالص ؛ لحديث أنس بن مالك ﵁، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا)) (٢)، ورجَّح النووي ﵀: أن قول النبي ﷺ : ((بين قرني شيطان)) على حقيقته، وظاهر لفظه، والمراد: أن الشيطان يحاذي الشمس عند غروبها بقرنيه، وكذا عند طلوعها؛ لأن الكفار يسجدون لها حينئذٍ فيقارنها ليكون الساجدون لها في صورة الساجدين له، ويُخيَّل لنفسه ولأعوانه أنهم إنما يسجدون له (٣).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: ((فَوَصَفَهُ بإضاعة الوقت بقوله: ((يرقب الشمس))، وبإضاعة الأركان، بذكره النقر، وبإضاعة حضور القلب بقوله: ((لا يذكر الله فيها إلا قليلاً)))) (٤).
٨ - بكاءُ أنس بن مالك ﵁ على تأخير الصلاة عن وقتها وتضييعها ، فعن الزهري ﵀ قال: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: ((لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيّعَتْ)) (٥)، ومعنى تضييعها: أي تأخيرها عن وقتها، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((وقد صحَّ أنّ الحَجَّاج
стр. 288
وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخّرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة)) (١).
الحادي عشر: الصلاة بخشوع: قرّةٌ للعين وراحةٌ للقلب
لا شك أن الصلاة قرة لعين النبي ﷺ ، وراحة لقلبه وروحه؛ لحلاوة مناجاته لربّه؛ ولخشوعه، وحضور قلبه بين يدي الله تعالى، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((حُبّبَ إلَيَّ: النّسَاءُ، وَالطّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ)) (٢).
وقوله ((حبب إلي النساء .. )) قيل: إنما حُبّبَ إليه النساء لينقلن عنه من أمور الشريعة ما لا يطّلع عليه الرجال، ومن أحواله ويستحيا من ذكره، وقد جعل الله له نسوة ينقلن: أحكام الحيض، والنفاس، والغسل، والعدة، وينقلن من الشرع ما يشاهدنه من أفعاله ﷺ . وقيل: حبب إليه زيادة في الابتلاء والاختبار، والتكليف، فيكون ذلك أكثر لمشاقّه، وأعظم لأجره، وقيل غير ذلك والعلم عند الله تعالى (٣).
стр. 289
وقوله: ((والطيب)) فكأنه حُبّبَ إليه؛ لأنه يناجي ربَّه ، ويقابل جبريل، والملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم، والعلم عند الله تعالى (١).
قوله: ((وجعلت قرة عيني في الصلاة)) النبي ﷺ يحصل له السرور العظيم، واللذة العظيمة في صلاته؛ لأنه يستحضر عظمة الله ويناجيه، ويدعوه، فيحصل له كمال المناجاة مع الرب ﵎ (٢).
قال الراغب الأصفهاني ﵀: (( ... وقرّت عينُهُ تقرُّ: سُرَّت، قال: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ (٣)، وقيل لمن يُسَرُّ به: قرّة عينٍ، قال: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ (٤) وقوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (٥) قيل: أصله من القُرّ: أي البرد، فقرّت عينُه، قيل: معناه بردت فصحَّت، وقيل: لأن للسرور دمعة باردة قارة، وللحُزن دمعة حارة؛ ولذلك يقال لمن يُدعى عليه: أسخن الله عينه، وقيل: هو من القرار، والمعنى: أعطاه الله ما تسكن به عينه، فلا يطمح إلى غيره)) (٦).
والنبي ﷺ مهما يحصل له من السرور العظيم، وحلاوة مناجاة الله، تحصل له الراحة فيها؛ لكمال مناجاته لربه، واستحضاره لعظمته، والوقوف بين يديه؛ ولهذا قال ﷺ : ((قُمْ يَا بِلالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلاةِ)) وفي
стр. 290
لفظ: ((يَا بِلالُ أَقِمْ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا)) (١).
قال الإمام ابن القيم ﵀: (( ... الصلاة إنما تُكفّر سيئات من أدَّى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه، فهذا إذا انصرف منها وجد خِفّةً من نفسه، وأحسَّ بأثقال قد وضعت عنه، فوجد نشاطاً، وراحة، وروحاً، حتى يتمنَّى أنه لم يكن خرج منها؛ لأنها قُرَّة عينه، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها، فيستريح بها، لا منها، فالمحبون يقولون: نُصلّي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم، وقدوتهم، ونبيهم ﷺ : ((يَا بِلالُ أَرِحْنَا بِالصَّلاةِ)) (٢)، ولم يقل: أرحنا منها، وقال ﷺ : ((جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ)) (٣)، فمن جُعلت قرة عينه في الصلاة، كيف تقرّ عينه بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟)) (٤).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ((والمقصود أن ما تقرَّ به العين أعلى من مجرَّد ما يحبه، فالصلاة قُرّة عيون المحبين في هذه الدنيا؛ لما فيها من مناجاة من لا تقرّ ... العيون، ولا تطمئن القلوب، ولا تسكن النفوس إلا إليه، والتنعم بذكره، والتَّذلُّلُ والخضوع له، والقرب منه، ولا سيما في حال السجود، وتلك الحال أقرب ما يكون العبد من ربه فيها، ومن هذا قول النبي ﷺ :
((يا بلال أرحنا بالصلاة)) فأعلم بذلك أن راحته ﷺ في الصلاة، كما أخبر أن قرّة عينه فيها، فأين هذا من قول القائل: نصلي، ونستريح من الصلاة.
стр. 291
فالمحبّ راحته، وقرّة عينه في الصلاة، والغافل المعرض ليس له نصيب من ذلك؛ بل الصلاة كبيرة شاقة عليه، إذا قام فيها كأنَّه على الجمر، حتى يتخلّص منها، وأحب الصلاة إليه أعجلها، وأسرعها؛ فإنه ليس له قُرَّة عين فيها، ولا لقلبه راحة بها، والعبد إذا قرّت عينه بشيء، واستراح قلبه به، فأشقّ ما عليه مفارقته، والمتكلف الفارغ القلب من الله، والدار الآخرة المبتلى بمحبة الدنيا، أشقّ ما عليه الصلاة، وأكره ما إليه طولها، مع تفرّغه وصحته وعدم اشتغاله)) (١).
الثاني عشر: مشاهد الصلاة الخاشعة التي تقرّ بها العين
قال الإمام ابن القيم ﵀: ((ومما ينبغي أن يعلم أن الصلاة التي تقرّ بها العين، ويستريح بها القلب، هي التي تجمع ستة مشاهد)) (٢)، وذكر هذه المشاهد ﵀، وهي على النحو الآتي:
المشهد الأول: الإخلاص: وهو أن يكون الحامل عليها، والداعي إليها، رغبة العبد في الله، ومحبته له، وطلب مرضاته، والقرب منه، والتودُّد إليه، وامتثال أمره؛ بحيث لا يكون الباعث له عليها حظّاً من حظوظ الدنيا البتة؛ بل يأتي بها ابتغاء وجه ربه الأعلى: محبةً له، وخوفاً من عذابه، ورجاء لمغفرته، وثوابه.
المشهد الثاني: مشهد الصدق والنصح: وهو أن يُفرّغ قلبه لله فيها، ويستفرغ جهده في إقباله فيها على الله، وجمع قلبه عليها، وإيقاعها على أحسن الوجوه، وأكملها ظاهراً وباطناً؛ فإن الصلاة لها ظاهر وباطن:
فظاهرها الأفعال المشاهدة والأقوال المسموعة، وباطنها الخشوع والمراقبة، وتفريغ القلب لله والإقبال بكُليَّته على الله فيها بحيث لا
стр. 292
يلتفت قلبه عنه إلى غيره، فهذا بمنزلة الروح لها والأفعال بمنزلة البدن، فإذا خلت من الروح كانت كبدن لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يواجه سيده بمثل ذلك.
المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء: وهو أن يحرص كلّ الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي ﷺ ، ويُصلّي كما كان يُصلّي، ويعرض عما أحدث الناس في الصلاة: من الزيادة، والنقصان، والأوضاع التي لم ينقل عن رسول الله ﷺ شيء منها، ولا عن أحد من أصحابه، ولا يقف عند أقوال المرخّصين الذين يقفون مع أقل ما يعتقدون وجوبه، ويكون غيرهم قد نازعهم في ذلك، وأوجب ما أسقطوه، ولعل الأحاديث الثابتة، والسنة النبوية من جانبه، ولا يلتفتون إلى ذلك، ويقولون: نحن مقلّدون لمذهب فلان، وهذا لا يُخلّص عند الله، ولا يكون عذراً لمن تخلَّف عما علمه من السنة عنده، فإن الله سبحانه إنما أمر بطاعة رسوله، واتباعه وحده، ولم يأمر باتباع غيره، وإنما يطاع غيره إذا أمر بما أمر به الرسول، وكل أحد سوى الرسول ﷺ فمأخوذ من قوله ومتروك، وقد أقسم الله سبحانه بنفسه الكريمة أنا لا نؤمن حتى نحكم الرسول فيما شجر بيننا، وننقاد لحكمه، ونسلم تسليماً.
المشهد الرابع: مشهد الإحسان: وهو مشهد المراقبة، وهو أن يعبد الله كأنه يراه، وهذا المشهد إنما ينشأ من كمال الإيمان بالله، وأسمائه، وصفاته، حتى كأنه يرى الله سبحانه فوق سمواته، مستوياً على عرشه، يتكلم بأمره ونهيه، ويُدبّر أمر الخليقة، فينزل الأمر من عنده، ويصعد إليه، وتُعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عليه، فيشهد ذلك كُلَّه بقلبه، ويشهد أسماءه وصفاته، ويشهد قيُّوماً، حيّاً، سميعاً، بصيراً، عزيزاً، حكيماً، آمراً، ناهياً، يحب ويبغض، ويرضى ويغضب، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو فوق عرشه، لا يخفى عليه شيء من أعمال
стр. 293
العباد، ولا أقوالهم ولا بواطنهم؛ بل يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور.
وحظّ العبد من القرب من الله على قدر حظّه من مقام الإحسان، وبحسبه تتفاوت الصلاة، حتى [أنَّه] يكون بين صلاة الرجلين من الفضل كما بين السماء والأرض، وقيامهما، وركوعهما، وسجودهما واحد.
المشهد الخامس: مشهد المِنَّةِ: وهو أن يشهد أن المنة لله سبحانه كونه أقامه في هذا المقام، وأهَّله له، ووفَّقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته، فلولا الله سبحانه لم يكن شيء من ذلك، كما كان الصحابة يَحْدون بين يدي النبي ﷺ فيقولون:
والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّينا
قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١)، فالله سبحانه هو الذي جعل المسلم مسلماً، والمُصلّي مصلّياً كما قال الخليل ﷺ : ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ (٢)، وقال: ﴿رَبّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرّيَّتِي﴾ (٣)، فالمنّة لله وحده في أن جعل عبده قائماً بطاعته، وكان هذا من أعظم نعمه عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (٥).
وهذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد، وكلّما كان العبد
стр. 294
أعظم توحيداً، كان حظُّه من هذا المشهد أتمَّ.
المشهد السادس: مشهد التقصير: وأن العبد لو اجتهد في القيام بالأمر غاية الاجتهاد، وبذل وسعه، فهو مقصّر، وحق الله سبحانه عليه أعظم، والذي ينبغي له أن يقابل به من الطاعة والعبودية والخدمة فوق ذلك بكثير، وأن عظمته وجلاله سبحانه يقتضي من العبودية ما يليق بها، وإذا كان خدم الملوك وعبيدهم يعاملونهم في خدمتهم بالإجلال لهم، والتعظيم، والاحترام، والتوقير، والحياء، والمهابة، والخشية، والنصح، بحيث يُفَرّغون قلوبهم وجوارحهم لهم، فمالك الملوك، ورب السموات والأرض، أولى أن يعامل بذلك، بل بأضعاف ذلك.
وإذا شهد العبد من نفسه أنه لم يوف ربه في عبوديته حقه، ولا قريباً من حقه، علم تقصيره، ولم يسعْه مع ذلك غير الاستغفار، والاعتذار من تقصيره وتفريطه، وعدم القيام بما ينبغي له من حقه، وأنه إلى أن يغفر له العبودية، ويعفو عنه فيها أحوج منه إلى أن يطلب منه عليها ثواباً، وهو لو وفَّاها حقها كما ينبغي، لكانت مستحقّة عليه بمقتضى العبودية؛ فإن عمل العبد، وخدمته لسيده، مستحقّ عليه بحكم كونه عبده ومملوكه.
ومن هنا يُفْهَم قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود، والإمام أحمد، من حديث زيد بن ثابت، وحذيفة وغيرهما: ((إِنَّ اللَّهَ لَوْ عذَّبَ أهْلَ سَمَوَاتِهِ، وأهْلَ أرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ)) (١)(٢).
الثالث عشر: أقسام الناس في الخشوع في الصلاة
الناس يختلفون في الخشوع في الصلاة على حسب حضور قلب
стр. 295
كل إنسان، وغفلته، وإقباله على صلاته، وانصراف قلبه عن ربه، والعياذ بالله تعالى، والناس في الخشوع في الصلاة على أقسام خمسة على النحو الآتي:
القسم الأول: مرتبة الظالم لنفسه المُفرّط: وهو الذي انتقص من وضوئها، ومواقيتها، وحدودها، وأركانها.
القسم الثاني: من يحافظ على مواقيتها، وحدودها، وأركانها الظاهرة، ووضوئها ، لكن قد ضيّع مجاهدة نفسه في الوسوسة، فذهب مع الوساوس والأفكار.
القسم الثالث: من حافظ على حدودها، وأركانها، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار ، فهو مشغول بمجاهدة عدوّه؛ لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد.
القسم الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها، وأركانها، وحدودها ، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها؛ لئلا يضيع شيئاً منها؛ بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها، وإتمامها قد استغرق قلبه شأن الصلاة، وعبوديّة ربه ﵎ فيها.
القسم الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه، ووضعه بين يدي ربه ، ناظراً بقلبه إليه، مراقباً له، ممتلئاً من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلَّت تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل، وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه ، قرير العين به.
فالقسم الأول معاقبٌ، والثاني محاسبٌ، والثالث مكفَّرٌ عنه، والرابع مُثابٌ، والخامس مُقَرَّبٌ من ربّه؛ لأن له نصيباً ممن جُعِلَتْ قرّة عينه في الصلاة، فمن قرّت عينه بصلاته في الدنيا، قرَّت عينه بقربه من
стр. 296
ربه في الآخرة، وقرّت عينه أيضاً به في الدنيا، ومن قرَّت عينه بالله، قرّت به كل عين، ومن لم تقرَّ عينه بالله تعالى، تقطَّعت نفسه على الدنيا حسرات.
وإنما يقوى العبد على حضوره في الصلاة، واشتغاله فيها بربه إذا قهر شهوته وهواه، وإلا فقلب قد قهرته الشهوة، وأسره الهوى، ووجد الشيطان فيه مقعداً تمكن فيه، كيف يخلص من الوساوس والأفكار؟ (١).
الرابع عشر: خشوع النبي ﷺ في صلاته:
النبي ﷺ : هو أتقى الناس لربه، وأخشاهم، وأشدَّهم خشية وخشوعاً لله تعالى، ومن أعظم خشيته لله، ومحبَّته له، وإجلاله له، وتعظيمه خشوعه في صلاته، ورقّة قلبه في الصلاة، وغيرها من العبادات:
أولاً: خشوعه ﷺ في أفعال الصلاة وأقوالها:
قد كان ﷺ إذا قام في الصلاة، طأطأ رأسَه، ذكره الإِمام أحمد ﵀، وكان في التشهد لا يُجاوز بَصَرُهُ إشارتَه، وقد تقدّم.
وكان قد جعل الله تعالى قُرّة عينه، ونعيمَه، وسرورَه، وروحَه في الصلاة. وكان يقول النبي ﷺ : ((يا بِلاَلُ أرِحْنا بِالصلاَةِ)) (٢). وكان يقول ﷺ : ((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ)) (٣).
стр. 297
ومع هذا لم يكن يشغَلُه ما هو فيه من ذلك عن مراعاة أحوال المأمومين وغيرهم، مع كمال إقباله، وقربه من الله تعالى، وحضورِ قلبه بين يديه، واجتماعِه عليه.
وكان يَدْخُلُ فِي الصّلَاةِ وَهُوَ يُرِيدُ إطَالَتَهَا، فَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصّبِيّ فَيُخَفّفُهَا، وَأَرْسَلَ مَرّةً فَارِسًا طَلِيعَةً لَهُ، فَقَامَ يُصَلّي، وَجَعَلَ يَلْتَفِتُ إلَى الشّعْبِ الّذِي يَجِيءُ مِنْهُ الْفَارِسُ (١)، وَلَمْ يَشْغَلْهُ مَا هُوَ فِيهِ عَنْ مُرَاعَاةِ حَالِ فَارِسِهِ.
وَكَذَلِكَ كَانَ يُصَلّي الْفَرْضَ وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ ابْنِ الرّبِيعِ ابْنَةَ بِنْتِهِ زَيْنَبَ عَلَى عَاتِقِهِ، إذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا رَكَعَ وَسَجَدَ، وَضَعَهَا (٢).
وكان يصلي فيجيء الحسنُ أو الحسين فيركبُ ظهره، فيُطيل السجدة، كَراهية أن يُلقيَه عن ظهره (٣).
стр. 298
وكان يُصلي، فتجيء عائشةُ مِن حاجتها والبابُ مُغلَق، فيمشي، فيفتح لها البابَ، ثمَّ يرجِعُ إلى الصلاة (١).
وكان يَرُدُّ السلامَ بالإِشارة على من يُسلّم عليه وهو في الصلاة.
وقال جابر: بعثني رسولُ الله ﷺ لحاجة، ثم أدركتُهُ وهو يُصلّي، فسلمتُ عليه، فأشار إليَّ (٢).
قال أنس ﵁: ((كان النبيُّ ﷺ يُشير في الصلاة)) (٣).
وقال صُهيبٌ: ((مررتُ برسول الله ﷺ وهو يُصلي، فسلّمتُ عليه، فردَّ إشارةً))، قال الراوي: لا أعلمه، قال: إلا إشارة بأصبعه، وهو في ((السنن))، و ((المسند)) (٤).
стр. 299
وقال عبد الله بن عمر ﵄: ((خرج رسولُ الله ﷺ إلى قُباء يُصلّي فيه، قال: فجاءته الأنصارُ، فسلَّموا عليه وهو في الصلاة، فقلتُ لبلال: كيف رأيتَ رسول الله ﷺ يردُّ عليهم حين كانوا يُسلّمون عليه وهو يصلّي؟ قال: يقول: هكذا، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق)) (١).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((لما قَدِمتُ من الحبشة أتيت النبي ﷺ وهو يصلي، فسلَّمت عليه، فأومأ برأسه)) (٢).
وكان ﷺ يُصلي وعائشة معترِضَةٌ بينَه وبين القبلة، فإذا سجد، غَمَزَهَا بيده، فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتهما (٣).
وكان يُصلي، فجاءه الشيطانُ ليقطع عليه صلاتَه، فأخذه، فخنقه حتى سَالَ لُعابُه عَلَى يَدِه (٤).
стр. 300
وكان يُصلي على المنبر ويركع عليه، فإذا جاءت السجدة، نزل القَهْقَرى، فَسَجَدَ على الأرض ثم صَعِدَ عليه (١).
وكان يُصلي إلى جِدار، فجاءت بَهْمَةٌ تمرُّ من بين يديه، فما زال يُدارئها، حتى لَصِقَ بطنُه بالجدار، ومرّت من ورائه (٢).
يدارئها: يفاعلها، من المدارأة، وهي المدافعة.
وكان يُصلّي، فجاءته جاريتانِ من بني عبد المطلب قد اقتتلتا، فأخذهما بيديه، فَنَزَعَ إحداهما من الأخرى وهو في الصلاة (٣). ولفظ
стр. 301
أحمد فيه: فأخذتا بركبتي النبي ﷺ ، فنزع بينهما، أو فرَّق بينهما، ولم يَنْصَرِفْ (١).
وكان يُصلّي، فمرَّ بين يديه غلام، فقال بيده هكذا، فرجع، ومرّت بين يديه جاريةٌ، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلَّى رسولُ الله ﷺ ، قال: ((هُنّ أَغْلَبُ)) (٢)، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ فِي السّنَنِ.
وَكَانَ يَنْفُخُ فِي صَلَاتِهِ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ فِي السّنَنِ (٣).
قال الإمام ابن القيم: ((وَأَمّا حَدِيثُ: ((النّفْخُ فِي الصّلَاةِ كَلَامٌ))، فَلَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِنّمَا رواه سعيد في سننه عن ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ مِنْ قَوْلِهِ إنْ صَحّ (٤).
وَكَانَ يَبْكِي فِي صَلَاتِهِ، وَكَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ. قَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: ((كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَاعَةٌ آتِيهِ فِيهَا، فَإِذَا أَتَيْتُهُ اسْتَأْذَنْتُ فَإِنْ وَجَدْتُهُ يُصَلّي فَتَنَحْنَحَ، دَخَلْتُ، وَإِنْ وَجَدْته فَارِغًا أَذِنَ لِي))، وَلَفْظُ أَحْمَدَ: ((كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَدْخَلَانِ بِاللّيْلِ وَالنّهَارِ، وَكُنْتُ إذَا
стр. 302
دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلّي، تَنَحْنَحَ (١).وَعَمِلَ بِهِ أحمد، فَكَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ، وَلَا يَرَى النّحْنَحَةَ مُبْطِلَةً لِلصّلَاةِ.
وَكَانَ يُصَلّي حَافِيًا تَارَةً، وَمُنْتَعِلًا أُخْرَى، كَذَلِك قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْهُ (٢)، وَأَمَرَ بِالصّلَاةِ بِالنّعْلِ مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ (٣).
وَكَانَ يُصَلّي فِي الثّوْبِ الْوَاحِدِ تَارَةً، وَفِي الثّوْبَيْنِ تَارَةً، وَهُوَ أَكْثَرُ)) (٤).
ثانياً: رقة قلبه ﷺ وبُكاؤه في الصلاة، وفي مواطن كثيرة:
لم يكن النبي ﷺ يبكي بشهيقٍ ورفع صوتٍ، كما لم يكن ضحكه قهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تَهمُلا ويُسْمَعُ لصدره أزيز، وكان بكاؤُه تارة رحمة للميت، وتارة خوفاً على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية الله تعالى، وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياقٍ ومحبةٍ
стр. 303
وإجلالٍ (١).
ومن الحالات التي بكى فيها النبي ﷺ ما يأتي:
١ - بكاؤه من خشية الله في صلاة الليل ، فقال بلال: يا رسول الله لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت عليّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾» (٢)(٣).
٢ - بكاء النبي ﷺ في الصلاة من خشية الله تعالى ، فعن عبد الله بن الشخّير قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يُصلّي ولصدره أَزِيزٌ كأزيز المِرجل من البكاءِ (٤).
٣ - بكاء النبي ﷺ عند سماع القرآن ، فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ عليَّ القرآن» فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك؛ وعليك أُنزل؟ فقال: «نعم، فإني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري» قال ابن مسعود: فافتتحتُ سورة النساء فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٥)، فإذا عيناه تذرفان (٦).
стр. 304
٤ - بكى ﷺ في ليلة بدر وهو يصلي يناجي ربه ويدعوه حتى أصبح، فعن علي بن أبي طالب ﵁، قال: ما كان فينا فارس يوم بدرٍ غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرةٍ يُصلّي ويبكي حتى أصبح (١).
٥ - بكى ﷺ في صلاة الكسوف ، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: انكسفتِ الشمس يوماً على عهد رسول الله ﷺ ، فقام رسول الله ﷺ يُصلّي، ثم سجد فلم يكد يرفع رأسه، فجعل ينفخ ويبكي، وذكر الحديث، وقال: فقام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «عُرِضَتْ عليَّ النار فجعلت أنفخها، فخفت أن تغشاكم» وفيه: «ربّ ألم تعدني ألا تُعذّبهم» (٢).
الخامس عشر: خشوع الصحابة ﵃ في صلاتهم
الصحابة ﵃ يقتدون بالنبي ﷺ في خشوعه في صلاته، ومن أمثلة ذلك الأمثلة والنماذج الآتية:
١ - خشوع أبي بكر ﵁ في صلاته ، فعن عائشة ﵂ قالت: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ بِلَالٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بِالنَّاسِ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ (٣)، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ؟ فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بِالنَّاسِ)) وفي رواية: أنه قال ﷺ : ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بِالنَّاسِ)) قالت
стр. 305
عائشة: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إذَا قَامَ مَقَامَكَ لم يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاء، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلّ بِالنَّاسِ)) (١).
وهذا فيه من الفوائد: خشوع أبي بكر في صلاته، وقراءته، وأن البكاء في الصلاة من خشية الله تعالى لا حرج فيه، لكن لا يتكلَّف ذلك، ولا يطلبه، فإذا غلبه البكاء في الصلاة بدون اختياره فلا حرج (٢).
٢ - خشوع عمر بن الخطاب ﵁ في صلاته ، كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يصلي بالناس صلاة الفجر، فطعنه أبو لؤلؤة المجوسي، فقال عمر حين رأى نزف الدماء: قولوا لعبد الرحمن بن عوف فليصلّ بالناس، ثم غُشي على عمر ﵁، فحُمل فأدخلوه بيته، ثم صلَّى بالناس عبد الرحمن بن عوف ﵁، فأنكر الناس صوت عبد الرحمن، ولم يزل عمر ﵁ في غشية واحدة، حتى أسفر، فلمَّا أسفر أفاق، فنظر في وجوه مَنْ حوله فقال: ((أصلَّى الناس؟)) قالوا: نعم، فقال: ((لا إسلام لمن ترك الصلاة))، ثم دعا بوضوء فتوضأ، ثم صلَّى، وجرحه ينزف دماً، ثم أمر بعد صلاته من يسأل عن من قتله؟ فأخبروه أنه طعنه أبو لؤلؤة، فقال عمر ﵁: ((الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجّني عند الله بسجدة سجدها له قط)) (٣).
فكان عمر بن الخطاب ﵁ حريصاً على صلاة المسلمين، وكان ذلك أعظم عنده من نفسه، فسأل بقول: ((أصلى الناس؟))، ثم أقبل على
стр. 306
صلاته، ثم بعد أن صلَّى سأل عن من قتله ﵁؟.
وكان عمر ﵁ قد رأى رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة، فقال:
((يا صاحب الرقبة أرفع رقبتك، ليس الخشوع في الرّقاب، إنّما الخشوع في القلوب)) (١).
٣ - خشوع سعد بن معاذ ﵁ في صلاته ، فقد ذُكِرَ أنه قال: ((فيَّ ثلاث خصال لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن كنت أنا أنا: إذا كنت في الصلاة لا أُحَدِّثُ نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أُحدّث نفسي بغير ما تقول ويُقال لها)) (٢).
٤ - خشوع عبد الله بن الزبير ﵁ في صلاته ، قد ذُكِرَ أنه ((كان يسجد فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه)) (٣).
وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ كثير، ولكن هذه من باب الأمثلة والله المستعان.
السادس عشر: خشوع التابعين ومن بعدهم
التابعون من القرون المُفضَّلة، وكذلك أتباعهم ﵃، لهم مواقف في خشوعهم في صلاتهم، تدل على رغبتهم فيما عند الله تعالى، ومنها الأمثلة الآتية:
стр. 307
١ - خشوع عروة بن الزبير في صلاته رحمه الله تعالى (١)، كان عروة يخشع في صلاته خشوعاً عظيماً، فقد ذُكِرَ عنه أنه خرج من المدينة مُتوجّهاً إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وعندما كان في وادٍ قرب المدينة أصابه أكلة في رجله، ولم يصل إلى دمشق إلا وقد وصلت الأكلة إلى نصف ساقه، ودخل على الوليد، فجمع له الأطباء، فأجمعوا على أنه إن لم يقطعها وإلا أكلت رجله كلَّها إلى وركه، وربما ترقَّت إلى الجسد، فطابت نفسه بقطعها، وقالوا له: ألا نسقيك مُرَقّداً؟ فقال: ما ظننت أن أحداً يشرب شراباً، أو يأكل شيئاً يُذْهِبَ عقله حتى لا يعرف ربه، ولكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة؛ فإني لا أحسُّ بذلك، ولا أشعر به، فنشروا رجله من فوق الأكلة من المكان الحي احتياطاً حتى لا يبقى منها شيء وهو قائم يصلي، فما تألَّم ولا اضطرب، فلمَّا انصرف من الصلاة عزّاه الوليد في رجله، فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة، فأخذت واحداً، وأبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد أخذتَ فقد أبقيت، وإن كنت قد ابتليت فَلَطَالَمَا عافيت، فلك الحمد على ما أخذت، وعلى ما عافيت، وكان قد صحبه بعض أولاده ... فمات أحبهم إليه فَعَزَّوْهُ فيه، فقال: الحمد لله كانوا سبعة، فأخذتَ منهم واحداً وأبقيتَ ستة، فلئن كنتَ قد ابتليتَ، فلطالما عافيتَ، ولئن كنتَ قد أخذتَ، فلطالما أعطيتَ، ثم رجع إلى المدينة، وما شكا ذلك إلى أحد، فلمّا دخل المدينة أتاه الناس يسلّمون عليه ويُعزُّونه في رجله وولده، فبلغه أن بعض الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه،
стр. 308
فأنشد عروة في ذلك، والأبيات لمعن بن أوس:
لعمركَ ما أهويتُ كفّي لريبةٍ ... ولا حَمَلَتني نحوَ فاحشةٍ رجلي
ولاقادني سمعي ولابصري لها ... ولا دلَّني رأيي عليها ولا عقلي (١)
٢ - خشوع عامر بن عبد الله بن قيس (٢) في صلاته رحمه الله تعالى كان لهذا الرجل من الأخبار في الخشوع في صلاته الأخبار الكثيرة، ومنها:
* قيل له: أتحدّث نفسك في الصلاة؟ قال: أحدّثها بالوقوف بين يدي الله، ومنصرفي (٣) أيّ إلى أي الدارين.
* وذكروا له بعض ما يجدونه في الصلاة من أمر الضيعة، فقال: أتجدونه؟ قالوا: نعم، قال: والله لأن تختلف الأسنّة في جوفي أحبُّ إليَّ من أن يكون هذا منّي في صلاتي (٤).
* وعندما حضرته الوفاة بكى، فقيل: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي جزعاً من الموت، ولا حرصاً على الدنيا، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل (٥).
* وكان يُقرئ القرآن لمن يتعلَّم عنده، ثم يقوم فيصلّي إلى الظهر،
стр. 309
ثم يصلّي إلى العصر، ثم يُقرئ الناس إلى المغرب، ثم يُصلّي ما بين العشائين، ثم ينصرف إلى منزله فيأكل رغيفاً، وينام نومة خفيفة، ثم يقوم لصلاته، ثم يتسحَّر رغيفاً ويخرج (١).
٣ - خشوع الإمام البخاري ﵀ (٢) في صلاته: قال مسبح بن سعيد: ((كان محمد بن إسماعيل يختم في رمضان كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة (٣)، وكان ﵀ يُصلّي ذات يوم أو ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى صلاته قال: انظروا أي شيء آذاني في صلاتي، فنظروا فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعاً، ولم يقطع صلاته (٤). وقد قيل: إن هذه الصلاة كانت التطوع بعد صلاة الظهر، وقيل له بعد أن فرغ من صلاته: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما لسعك؟ قال: ((كنت في سورةٍ فأحببت أن أتمَّها)) (٥)(٦).
السابع عشر: الخشوع في قراءة القرآن في الصلاة وغيرها
الخشوع في تلاوة القرآن يكون في الصلاة وخارج الصلاة، والخشوع في قراءته في الصلاة أعظم وآكد، وأهل الإيمان يتأثرون بقراءة القرآن فيخشعون لله، داخل الصلاة وخارجها، وهذا التأثير يكون على النفوس والقلوب والأرواح، وهذا التأثير جاء على أنواع على
стр. 310
النحو الآتي:
النوع الأول: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء في القرآن الكريم
القرآن العظيم مُؤثّر في القلوب والنفوس والأرواح؛ لأنه كلام العليم الخبير بما يصلح هذه القلوب والنفوس في الدنيا والآخرة.
والصادقون مع الله تخشع قلوبهم لذكر الله، قال : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَاسِقُون﴾ (١).
عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن أباه أخبره أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن أنزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين (٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلا أربع سنين)) (٣).
النوع الثاني: تأثير القرآن في القلوب والنفوس كما جاء ذلك في سنة النبي ﷺ -:
وجاءت الأحاديث تدل على خشوع النبي ﷺ وتأثُّره بقراءة القرآن الكريم ومن ذلك ما يأتي:
أَمَرَ النبيُّ ﷺ أن يُقرأ عليه القرآن فبكى، فعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((اقرأ عليَّ القرآن))،قال: فقلت: يا رسول الله أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: ((إني أشتهي أن أسمعه من غيري))، وفي لفظ للبخاري: ((فإني أحب أن أسمعه من غيري))، فقرأت عليه النساء
стр. 311
حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ (١)، وفي لفظ للبخاري: ((فقال حسبك الآن))، فرفعت رأسي، أو غمزني رجلٌ فرفعت رأسي، فرأيت دموعه تسيل))، وفي لفظ للبخاري: ((فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان)) (٢).
النوع الثالث: تأثير القرآن الكريم على القلوب والأرواح والنفوس كما جاء في الآثار عن الصحابة ﵃:
ثبت عن جبير بن مطعم ﵁:أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطُّور، فلمَّا بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون* أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُون * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون﴾ (٣) كاد قلبي أن يطير [وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي])) (٤).وهذا من أعظم البراهين على تأثير القرآن في القلوب.
стр. 312
الثامن عشر: درجات الخشوع في الصلاة
الخشوع الكامل في الصلاة: في القراءة فيها، والأدعية، والأذكار يكون على ثلاث درجات على النحو الآتي:
الدرجة الأولى: قراءتها والتلفظ بها مع استحضار معانيها ، وهذه الدرجة أدنى ما يُجزِئ من الخشوع الكامل، فقد ثبت أن النبي ﷺ بكى وهو يصلّي صلاة الليل، فقال بلال ﵁: يا رسول الله لِمَ تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت علي الليلة آية، ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١))) (٢).
قال عبد الرحمن بن سليمان: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلّق المتعلّق وينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هُنية، ثم قال: ((يقرؤهنّ وهو يعقلهنّ)) (٣).
وذلك أن من لم يعقل ما يقول، وسها بتفكيره عن معنى ما يقوله، فقد خرج من الخشوع إلى الغفلة، ومما يدلّ على ذلك حديث عثمان ﵁: أنه توضأ وضوءاً كاملاً ثم قال: ((رأيت النبي ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا، وقال: ((من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلّى ركعتين لا يحدّث
стр. 313
فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه)) (١).
وعن عقبة بن عامر ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلّي ركعتين مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة)) (٢).
ويُؤكّد ذلك قول ابن عباس ﵄: ((ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها)) (٣).
ومما يدل على حضور القلب مع القول قول النبي ﷺ : ((أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه)) (٤)، وفيه حديث عمر بن الخطاب ﵁ في فضل إجابة المؤذن، وفيه: (( ... إذا قال المؤذن: الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر ... )) إلى قوله: (( ... ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة)) (٥)، فهذا والله تعالى أعلم: أدنى الخشوع الكامل: أن يقرأ الآيات والأذكار متفَهّماً لمعانيها، وكذلك أذكار الصلاة: كأذكار الركوع، والرفع منه، وأذكار السجود، والجلسة بين السجدتين، وغير ذلك من أذكار الصلاة، وأدنى
стр. 314
الخشوع في ذلك أن لا يقولها غافلاً عن معناها (١).
الدرجة الثانية: أن يقرأها وهو يعقلها ، ومتأثراً بمعانيها حال قراءتها، وهذه الدرجة تزيد عمّا قبلها بوجود التأثّر من تلك المعاني، حتى يُعرف خشوعه من صوته، ويتأثَّر به من سَمِعَه، ويحسب أنه يخشى الله فيها، فيرغب في آيات الوعد، ويرهب من آيات الوعيد.
الدرجة الثالثة: أن يقرأها مُتأثّراً غاية التأثر بحقائقها تلك ، وهذه الدرجة تزيد عمّا قبلها ببلوغ التأثُّر غايته، وشهود حقائق المعاني بالقلب، حتى كأنَّها رأي عين؛ وفي حديث حنظلة ﵁ أنه قال: قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : ((وما ذاك؟)) قال: قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكّرنا بالجنة والنار حتى كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج، والأولاد، والضّيعات - نسينا كثيراً- فقال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة)) ثلاث مرار، وفي لفظ:
((يا حنظلة ساعة وساعة، لو كانت تكونُ قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلّم عليكم في الطرق)) (٢).
ويشعر صاحب هذه الدرجة من الخشوع بتقصير، وتفريط، فيسأل الله تعالى من فضله راغباً، ويستعيذ من عذابه راهباً، يدفعه إلى ذلك تأثّره؛ ولهذا كان النبي ﷺ في صلاة الليل: ((إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ تعوَّذ ... )) (٣).
стр. 315
ومن أصحاب هذه الدرجة من قال الله عنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (١)، قالت عائشة:
يا رسول، أهو الذي يزني، ويسرق، ويشرب الخمر؟ قال: ((لا يا ابنة أبي بكر))، أو ((يا بنت الصديق)) ولكنه الرجل يصوم، ويتصدّق، ويُصلّي، وهو يخاف أن لا يُتقبَّل منه)) (٢).
التاسع عشر: فوائد الخشوع في الصلاة
الخشوع في الصلاة له فوائد كثيرة منها الفوائد الآتية:
١ - الخشوع يجعل الصلاة محبوبة يسيرة على المصلي ، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ* الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ (٣).
قال العلامة السعدي ﵀: ((وإنها)) أي الصلاة ((لكبيرة)) أي شاقة ((إلا على الخاشعين)) فإنها سهلة عليهم، خفيفة؛ لأن الخشوع وخشية الله، ورجاء ما عنده يوجب له فعلها منشرحاً صدره؛ لترقُّبه للثواب، وخشيته من العقاب، بخلاف من لم يكن كذلك؛ فإنه لا داعي له يدعوه إليها، وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه ... ؛ ولهذا قال: ((الَّذِينَ يَظُنُّونَ)) أي يستيقنون ((أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبّهِمْ)) فيجازيهم بأعمالهم ((وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون)) فهذا الذي خفف عليهم العبادات، وأوجب لهم التسلّي في المصيبات، ونفّس عنهم الكربات، وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم
стр. 316
يؤمن بلقاء ربه، كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه)) (١).
وقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلَّى، فعن حذيفة ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلَّى)) (٢).
وعن صهيب ﵁، عن النبي ﷺ فيما حكاه عن نبي من الأنبياء السابقين، وفيه: أن هذا النبي استشار قومه، فقالوا: أنت نبي الله نَكِلُ ذلك إليك، فَخِرْ لنا، قال ((فقام إلى صلاته)) قال: ((وكانوا يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة)) (٣)، وهذا يدل على أن النبي ﷺ إذا حزبه أمر [أي نزل به أمر شديد] فزع إلى الصلاة، وكان الأنبياء قبله عادتهم الاشتغال بالصلاة في الشدائد)) (٤)(٥).
٢ - الخشوع في الصلاة يجعلها تنهى عن الفحشاء والمنكر:
قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (٦).
فالله تعالى أمر بتلاوة كتابه، ومن تلاوته: اتباع ما يأمر به، والابتعاد
стр. 317
عما ينهى عنه، والاهتداء بهداه، وتصديق أخباره، وتدبُّر معانيه، وتلاوة ألفاظه، فإذا كان هذا معنى تلاوة الكتاب، عُلِمَ أن إقامة الدين كلّه داخلة في تلاوة كتاب الله، فيكون قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة﴾ من باب عطف الخاص على العام لفضل الصلاة، وشرفها، وآثارها الجميلة، وهي ((إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ))، ووجه ذلك أن العبد المقيم لها، المتمّم لأركانها، وشروطها، وخشوعها يستنير قلبه، ويتطهَّر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتعدم رغبته في الشرّ، فبالضرورة مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها، وثمراتها (١).
فالخشوع في الصلاة من الواجبات التي تجب لها، فحينئذٍ تنهى عن الفحشاء والمنكر: إذا قام بها العبد كاملة بما يجب لها. والله تعالى أعلم.
وقد ثبت أنه قيل للنبي ﷺ : ((إن فلاناً يصلّي الليل كلَّه، فإذا أصبح سرق، فقال: ((سينهاه ما تقول))، أو قال: ((ستمنعه صلاته)) (٢).
فإذا صلَّى العبد المسلم الصلاة على الوجه الأكمل: بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وخشوعها، والتدبّر في قراءتها منعته من الفحشاء والمنكر (٣).
٣ - الخشوع الكامل يجلب البكاء من خشية الله تعالى:
لا شك أن الخشوع الكامل في الصلاة يجلب البكاء من خشية الله
стр. 318
تعالى، وإذا حصل هذا العمل الصالح كان من أسباب دخول الجنة، والنجاة من النار؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لاَ يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيةِ الله حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وَلاَ يَجْتَمِعُ غُبَارٌ في سَبيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ)) (١).
وعن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهَرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَثَرَانِ: فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ)) (٢).
وعن ابن عباس ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهِ: إِمَامٌ عاَدِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ في ِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلُمُ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يِمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) (٤).
والمشروع في البكاء أن يكون الباعث عليه: التفكُّر في الذنب، أو
стр. 319
عدد الذنوب، أو التفكُّر في تقصيره، أو خوف عذاب الله تعالى، أو الخوف من أن لا يقبل عمله؛ لفقد شرطاً من شروط صحته، أو خوف الموت قبل الاستعداد، أو توقير الله وتعظيمه، أو خوف الفتن، أو خوف عدم الثبات على الدين، أو التذلّل لله في الدعاء، أو الطَّمع في رضوان الله والجنّة، أو الشوق إلى لقاء الله تعالى، وأعظم البكاء من خشية الله في الخلوات.
٤ - الخشوع في الصلاة يعطي الصلاة معناها الحقيقي ، وهو التوجه والحضور بالقلب، والجسد بين يدي الله تعالى، والتقرُّب له بذلك.
٥ - الخشوع في الصلاة يهوّن الوقوف على العبد يوم القيامة ؛ ولهذا قال الإمام ابن القيم ﵀: ((للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه، فمن قام بحق الموقف الأول هُوّن عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف، ولم يوفّه حقَّه شُدّد عليه ذلك الموقف، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ (١)(٢).
٦ - الخشوع في الصلاة يقرّب العبد من الله ، ويستفيد منه اللذة في مناجاة الله؛ لأن اللذة تابعة للمحبَّة تقوى بقوَّتها، وتضعف بضعفها، فكلما كانت الرغبة في المحبوب والشوق إليه أقوى كانت الّلذَّة بالوصول إليه أتمّ (٣).
٧ - الخشوع الكامل يزداد به الإيمان ، ويليّن القلب، ويورث الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ويبعث في القلب محبة الخير، والرغبة
стр. 320
فيه، وكراهية الشرّ والنفور منه، وبهذا تكون الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر.
٨ - الخشوع في الصلاة يزيل الهمَّ عن القلب، ويشرح الصدر .
٩ - الخشوع في الصلاة يزيد المسلم حُبَّاً في الصلاة حتى تكون أحبَّ شيء إلى النفس فتصبح قُرَّة العين، وراحة النفس، كما تقدم في الأدلة.
١٠ - الخشوع يفتح للعبد أبواب الفقه، والاستفادة من كلام الله تعالى ، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ (١).
١١ - الخشوع يفتح أبواب الدعاء للعبد ، فيدعو الله ويتضرَّع إليه، وكلما ازداد الخشوع كان ذلك أبلغ (٢).
١٢ - الخشوع في الصلاة يجعلها شفاءً من عامة الأوجاع قبل استحكامها، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
((قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (٣).
وَقَالَ: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ إِنّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٤).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتّقْوَى﴾ (٥).