← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

٧ - الإقعاء المذموم ؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ وفيه: ((وكان ينهى عن عقبة الشيطان)) (١)، هذا الإقعاء المكروه وهو: أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب وغيره من السباع، وهذا الإقعاء على هذه الصفة مكروه باتفاق العلماء (٢). وقد جاء نوع آخر في جواز الإقعاء بل سنيته، فعن طاوس، قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين فقال: ((هي السنة)) فقلنا له: إنا لنراه جفاءً بالرجل، فقال ابن عباس: ((بل هي سنة نبيكم ﷺ )) (٣)، وقد ذكر النووي ﵀ أن العلماء اختلفوا اختلافًا كثيرًا في الإقعاء وتفسيره، ثم قال: ((والصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان: أحدهما: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض، كإقعاء الكلب ... ... وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهين، والنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عباس بقوله: ((سنة نبيكم ﷺ )) (٤) فظهر أن الإقعاء الذي اختار ابن عباس وغيره من العبادلة أنه من السنة: هو وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين والركبتين على الأرض (٥) وهناك نوع ثالث للإقعاء وهو أن

стр. 247

يفرش قدميه فيجعل ظهورهما نحو الأرض ويجلس (١) على عقبيه (٢). ٨ - عبث المصلي بجوارحه ، أو مكانه لغير حاجة؛ لحديث معيقيب ﵁ أن النبي ﷺ قال في الرجل يسوّي التراب حيث يسجد، قال: ((إن كنت فاعلاً فواحدة)) (٣). ٩ - تشبيك الأصابع، وفرقعتها في الصلاة ؛ لحديث كعب بن عُجرة، أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا توضأ أحدُكم فأحسنَ وضوءَه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة)) (٤). فمن كان في الصلاة فهو أولى بالنهي (٥)؛ ولقول ابن عمر ﵄ في الذي يصلي وهو مشبك بين يديه: ((تلك صلاة المغضوب عليهم)) (٦). والتشبيك بين الأصابع يكره أثناء الذهاب إلى الصلاة، وفي أثناء الصلاة، أما بعد الصلاة فلا بأس به (٧)؛لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه وفيه: ((صلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه ... الحديث)) (٨).

стр. 248

١٠ - الصلاة بحضرة الطعام ؛ لحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤا بالعشاء)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : ((إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة)) (٢). ويشترط لذلك ثلاثة شروط: أولاً: أن يكون الطعام حاضرًا، والثاني: أن تكون نفس المصلي تتوق إليه، فإذا كان شبعان لا يلتفت إليه فليصلّ ولا كراهية، والثالث: أن يكون قادرًا على تناوله حسًّا وشرعًا: فالحس كأن يكون الطعام حارًّا لا يستطيع تناوله، والشرع كأن يكون المسلم صائمًا ممنوعًا من الطعام شرعًا، فلا كراهة في الصلاة حينئذٍ (٣). ١١ - مدافعة الأخبثين [البول والغائط] في الصلاة ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان)) (٤). ١٢ - بصاق المصلي أمامه أو عن يمينه في الصلاة ؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه،

стр. 249

أو إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم قِبَلَ قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه)) ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض فقال: ((أو يفعل هكذا)) (١)؛ ولحديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة فحكها، ثم قال: ((إذا تنخم أحدكم فلا يتنخم قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى)) (٢). وفي لفظ للبخاري من حديث أبي هريرة ﵁: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنما يناجي الله مادام في مصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها)) (٣). وقد جزم الإمام النووي ﵀ بالمنع من البزاق قِبَل القبلة وعن اليمين مطلقًا سواء كان داخل الصلاة أو خارجها، وسواء كان في المسجد أو غيره؛ لأحاديث دلت على العموم (٤). أما إذا كان المصلي في المسجد فيتعين عليه أن لا يبصق مطلقًا إلا في ثوبه أو في منديل؛ لحديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)) (٥). وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((عرضت علَّي أعمال أمتي: حَسنُها،

стр. 250

وسَيئُها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدتُ في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد ولا تدفن)) (١). ١٣ - كف الشعر أو الثوب في الصلاة ؛ لحديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أُمرت أن أسجد على سبعة أعظُمٍ ولا أكفَّ ثوبًا ولا شعرًا)) (٢). ١٤ - عقص الرأس في الصلاة ؛ لحديث عبد الله بن عباس ﵄ أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص (٣) من ورائه، فقام فجعل يحلّه، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال: مالك ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف)) (٤). ١٥ - تغطية الفم في الصلاة . ١٦ - السدل في الصلاة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : ((نهى عن السدل (٥) في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه)) (٦). ١٧ - تخصيص مكان من المسجد للصلاة فيه دائمًا لغير الإمام ؛ لحديث عبد الحميد بن سلمة عن أبيه أن رسول الله ﷺ : ((نهى عن نقرة

стр. 251

الغراب، وعن فرشة السبع، وأن يوطن الرجل مقامه في الصلاة كما يوطن البعير)) (١). ١٨ - الاعتماد على اليد في الجلوس في الصلاة ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده)) (٢). ١٩ - التثاؤب في الصلاة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع)) (٣)؛ ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه، فإن الشيطان يدخل))، وفي لفظ: ((إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع؛ فإن الشيطان يدخل)) (٤)، وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ يقول: ((والمشروع هنا ثلاثة أمور: ١ - يكظم ما استطاع. ٢ - يضع يده على فيه. ٣ - لا يقل: ها حتى لا يضحك منه الشيطان)) (٥). ٢٠ - الركوع قبل أن يصل إلى الصف ؛ لحديث أبي بكرة، أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: ((زادك الله حرصًا ولا تعد)) (٦).

стр. 252

٢١ - الصلاة في المسجد لمن أكل البصل والثوم أو الكراث ؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أكل ثومًا أو بصلاً فلْيَعْتَزِلْنَا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته)).وفي لفظ لمسلم: ((فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه الإنس)). وفي لفظ لمسلم: ((من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم)) (١). ٢٢ - صلاة النفل عند مغالبة النوم ؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه)) (٢)، ولحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه: ((إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدرِ ما يقول، فليضطجع)) (٣). ثانيًا: مبطلات الصلاة: تبطل الصلاة ويجب إعادتها بقول أو فعل مما يأتي: ١ - الكلام العمد مع الذكر ؛ لحديث زيد بن أرقم ﵁ قال: ((كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿قُومُواْ للهِ قَانِتِينَ﴾ (٤) فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام)) (٥)؛ولحديث معاوية بن الحكم ﵁ وفيه: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام

стр. 253

الناس، إنما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن)) (١)؛ ولحديث عبد الله ﵁ قال: كنا نسلم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا (٢) فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: ((إن في الصلاة شغلاً)) (٣). قال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن من تكلم في صلاته عامدًا وهو لا يريد إصلاح شيء من أمرها، أن صلاته فاسدة)) (٤). ٢ - الضحك بصوت يسمعه المصلي أو غيره، وهو ما يعبر عنه بالقهقهة ، قال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة)) (٥). ٣ - الأكل . ٤ - الشرب ، قال ابن المنذر ﵀: ((وأجمعوا على أن من أكل أو شرب في صلاته الفرض عامدًا أن عليه الإعادة)) (٦). ٥ - انكشاف العورة عمدًا ؛ لأن من شروط الصلاة ستر العورة، فإذا عدم الشرط عمدًا بدون عذر بطل المشروط، وهو هنا الصلاة (٧). ٦ - الانحراف الكثير عن جهة القبلة ؛ لأن استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة. ٧ - العبث الكثير المتوالي لغير ضرورة .

стр. 254

٨ - انتقاض الطهارة ؛ لأنها شرط من شروط الصلاة؛ لحديث أبي هريرة ﵁ يرفعه وفيه: ((لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ يرفعه وفيه: ((لا تقبل صلاة بغير طهور)) (٢)، وكذلك إذا ترك المصلي ركنًا من أركان الصلاة عمدًا، أو شرطًا من شروطها عمدًا، لغير عذر شرعي، وكذلك من تعمد ترك شيء من واجباتها بغير عذر.

стр. 255

المبحث الحادي والعشرون: الخشوع في الصلاة أولاً: مفهوم الخشوع: لغة واصطلاحاً: ١ - الخشوع لغة: قال ابن فارس ﵀: ((خشع: الخاء والشين والعين أصلٌ واحدٌ، يدل على التَّطامُن، يقال: خشع إذا تطامن وطأطأ رأسه، ويخشع خشوعاً، وهو قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن ... والخشوع في الصوت والبصر، قال الله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ (١)، قال ابن دريد: الخاشع: المستكين والراكع ... )) (٢). ٢ - الخشوع اصطلاحاً: قال الجرجاني ﵀: ((الخشوع ... في اصطلاح أهل الحقيقة ... الانقياد للحق، وقيل: هو الخوف الدائم في القلب، قيل من علامات الخشوع: أن العبد إذا غضب أو خُولف أو رُدَّ عليه استقبل ذلك بالقبول)) (٣). وقال الإمام ابن القيم ﵀: ((الخشوع: قيام القلب بين يدي الرب بالخُضُوع والذُّلّ ... )) (٤). وقال العلامة السعدي ﵀: ((الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوَجَل: معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أنَّ خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات، والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية،

стр. 256

فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيباً إليه بقلبه، ويحدث له الوجل، وأما الخشوع، فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه، فهذا خشوع خاص، وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خواصّ المؤمنين، فينشأ من كمال معرفة العبد بربه، ومراقبته، فيستولي ذلك على القلب كما تستولي المحبة)) (١). والتعريف المختار: الخشوع: لين القلب، وخضوعه، ورقته، وسكونه، وحضوره وقت تَلبُّسه بطاعة الله، فتتبعه جميع الجوارح والأعضاء ظاهراً وباطناً؛ لأنها تابعة للقلب، وهو أميرها، وهي جنوده، والله تعالى أعلم. ثانياً: الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق إذا ظهرت آثار الخشوع على الجوارح، ولم يكن في القلب شيء منه، فهذا خشوع النفاق؛ ولهذا قال حذيفة ﵁: ((إياكم وخشوع النفاق، فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً، والقلب ليس بخاشع)) (٢). قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ((والفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق، أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم، والإجلال، والوقار، والمهابة، والحياء، فينكسر القلب لله كسرة ملتئمة من الوجل، والخجل، والحب، والحياء، وشهود نعم الله وجناياته هو، فيخشع القلب لا محالة، فيتبعه خشوع الجوارح.

стр. 257

وأما خشوع النفاق، فيبدو على الجوارح تصنُّعاً وتكلُّفاً، والقلب غير خاشع، وكان بعض الصحابة يقول: أعوذ بالله من خشوع النفاق، قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يُرى الجسد خاشعاً، والقلب غير خاشع، فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته، وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرق فيه نور العظمة، فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي حُشِيَ به، وخمدت الجوارح، وتوقّر القلب، واطمأنّ إلى الله وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه، فصار مُخبِتاً له، والمخبت (١) المطمئنّ، فإن الخبت من الأرض ما اطمأنّ (٢) فاستنقع فيه الماء. فكذلك القلب المخبت قد خشع واطمأن (٣) كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماء فيستقر فيها، وعلامته أن يسجد بين يدي ربه - إجلالاً، وذُلاًّ، وانكساراً بين يديه - سجدة، لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه ... فهذا خشوع الإيمان. وأما التماوت، وخشوع النفاق، فهو حال عبد تكلَّف إسكان الجوارح تَصنُّعاً، ومراعاة، ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات، وإرادات، فهو يتخشع (٤) في الظاهر، وحية الوادي، وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة)) (٥).

стр. 258

ثالثاً: الخشوع لله في الصلاة علم نافع وعمل صالح الخشوع علم نافع، وهو عمل صالح من أعمال القلوب، ويتبعها عمل الجوارح، للأحاديث الآتية: ١ - عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء ﵁ قال: ((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ)) فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ﵁: كَيْفَ يُخْتَلَسُ مِنَّا، وَقَدْ قَرَأْنَا الْقُرْآنَ؟! فَوَاللَّهِ لَنَقْرَأَنَّهُ وَلَنُقْرِئَنَّهُ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا! فَقَالَ: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ (١) يَا زِيَادُ! إِنْ كُنْتُ لَأَعُدُّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ؟)). قَالَ جُبَيْرٌ: فَلَقِيتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، قَالَ: صَدَقَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، إِنْ شِئْتَ لَأُحَدّثَنَّكَ بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنْ النَّاسِ: الْخُشُوعُ؛ يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ الجَامِعِ فَلَا تَرَى فِيهِ رَجُلًا خَاشِعًا)) (٢). ٢ - عن شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أوَّلُ ما يُرْفَعُ مِنَ النّاسِ الخُشُوعُ)) (٣).

стр. 259

٣ - عن زيد بن أرقم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في دعائه: (( ... اللَّهُمَّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا)) (١). وقلب لا يخشع: علمه لا ينفع، وصوته لا يسمع، ودعاؤه لا يرفع (٢). قال الإمام ابن رجب ﵀: ((فالعلم النافع هو ما باشر القلوب فأوجب لها السكينة، والخشية، والإخبات لله، والتواضع، والانكسار، وإذا لم يباشر القلب ذلك من العلم، وإنما كان على اللسان، فهو حجة الله على ابن آدم يقوم على صاحبه، وغيره كما قال ابن مسعود ﵁: أن أقواماً يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب يرسخ فيه نفع صاحبه. وقال الحسن ﵀: العلم علمان: علم باللسان، وعلم بالقلب، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على ابن آدم)) (٣). وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٤)، وقال : ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ

стр. 260

الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١). ووصف اللَّه العلماء من أهل الكتاب قبلنا بالخشوع، فقال سبحانه: ﴿قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (٢)، وقوله سبحانه في وصف هؤلاء الذين أوتوا العلم، ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً: مدحٌ لمن أوجب له سماع كتاب الخشوع لله في قلبه)) (٣). رابعاً: فضائل الخشوع لله تعالى في الصلاة ثبت في الخشوع في الصلاة فضائل كثيرة، منها الفضائل الآتية: ١ - من فرَّغ قلبه لله تعالى في صلاته انصرف من خطيئته كيوم ولدته أمه؛ لحديث عمرو بن عبسة السُّلمي ﵁ الطويل، وفيه أن النبي ﷺ قال بعد أن ذكر فضائل الوضوء: (( .... فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلاَّ انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ .. )) وذكر عمرو بن عبسة ﵁ أنه سمع هذا من النبي ﷺ أكثر من سبع مرات (٤). ٢ - من صلى ركعتين لا يُحَدّث فيهما نفسَه غفر الله له ما تقدم من ذنبه؛ لحديث عثمان ﵁، أنه حين توضأ وضوءاً كاملاً قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي

стр. 261

هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غَفَرَ اللَهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (١). ٣ - من صلَّى صلاةً مكتوبةً فأحسن خشوعها كانت كفّارةً لما قبلها من الذنوب؛ لحديث عثمان ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا، وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ يأْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ)) (٢). ٤ - من صَلَّى ركعتين مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنة ؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁، أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلّي رَكْعَتَيْنِ، مُقْبِلٌ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)) (٣). ٥ - الفوز والنجاح والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين في صلاتهم، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٤). والخشوع في الصلاة: هو حضور القلب بين يدي الله تعالى، مستحضراً لقربه، فيسكن لذلك قلبه، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته، ويقلُّ التفاته، متأدّباً بين يدي ربه، مستحضراً جميع ما يقوله ويفعله في صلاته من أول صلاته إلى آخرها، فتنتفي بذلك الوساوس والأفكار الرديئة، وهذا روح الصلاة، والمقصود منها، وهو الذي يكتب للعبد،

стр. 262

فالصلاة التي لا خشوع فيها، ولا حضور قلب، وإن كانت مجزئة مثاباً عليها، فإن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها (١). ٦ - المغفرة والأجر العظيم للخاشعين ، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدّقِينَ وَالْمُتَصَدّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣). ٧ - الخاشعون والخاضعون لله مُبشَّرون بكل خير في الدنيا والآخرة ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (٤). قال الراغب الأصفهاني ﵀: ((الخبت: المطمئن من الأرض ... ثم استعمل الإخباتُ استعمال اللين والتواضع، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥).

стр. 263

وقال تعالى: ﴿وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (١)، أي المتواضعين، نحو: ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣) أي تلين وتخشع، والإخبات هنا قريب من الهبوط في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (٤). وقال ابن منظور ﵀: ((الخبت ما طمأن من الأرض واتَّسع ... ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبّهِمْ﴾ (٥) أي تواضعوا، وقال الفرّاء: أي تخشَّعوا لربهم ... وأخبت لله: خشع، وأخبت: تواضع، وكلاهما من الخبت، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ (٦) فسَّره ثعلب بأنه التواضع، وفي حديث الدعاء: ((وَاجْعَلْنِي لَكَ مُخْبِتَاً)) (٧) أي خاشعاً مطيعاً، والإخبات: الخشوع والتواضع (٨). وقال ابن الأثير ﵀: ((وَاجْعَلْنِي لَكَ مُخْبِتَاً)) (٩) أي خاشعاً

стр. 264

مطيعاً، والإخبات: الخشوع والتواضع، وقد أخبت لله: يخبت .. وأصلها من الخبت المطمئن من الأرض)) (١). وذكر الإمام ابن القيم ﵀ هذه المعاني السابقة، ثم قال: ((والخبت في أصل اللغة: المكان المنخفض من الأرض ... ))، ثم قال: ((وقال إبراهيم النخعي: المصلُّون المخلصون، وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم .. وهذه الأقوال تدور على معنيين. التواضع، والسكون إلى الله ... )) (٢). ٨ - الخشوع والتواضع لله من أعظم أسباب دخول الجنة ، والنجاة من النار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣). ٩ - الخشوع لله تعالى يورث هداية الله تعالى وتثبيته ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤). قال العلامة السعدي ﵀: ((﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي تخشع، وتخضع، وتسلّم لحكمته، وهذا من هدايته إياهم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ بسبب إيمانهم ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ علم بالحق، وعمل بمقتضاه، فيثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا النوع من تثبيت الله لعبده)) (٥).

стр. 265

١٠ - أفضل الناس أخشعهم لله تعالى ، فالخشوع لله تعالى إذا كان بسبب معرفة الله بأسمائه وصفاته، وأفعاله، والرغبة فيما عنده، والخشية من عقابه، ومبْنيٌّ على حبه، وخوفه مع رجائه، فهذا كلُّه يجعل العبد أفضل الناس؛ ولهذا قال سفيان رحمه الله تعالى: ((أجهل الناس من ترك ما يعلم، وأعلم الناس من عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله)) (١). وقال سفيان أيضاً: ((يراد للعلم: الحفظ، والعمل، والاستماع، والإنصات، والنشر)) (٢). وقال سفيان أيضاً ﵀: ((كان يُقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله يخشى الله ليس بعالم بأمر الله، وعالمٌ بالله، عالم بأمر الله، يخشى الله، فذاك العالم الكامل، وعالم بأمر الله، ليس بعالم بالله، لا يخشى الله، فذلك العالم الفاجر)) (٣). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((هذه الكلمات ينبغي أن تنقل)) (٤). ١١ - مَنْ أتمَّ الصَّلوات الخمس بخشوع كان له على الله عهد أن يغفر له ؛ لحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال ... أَشْهَدُ أَنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ، وَخُشُوعَهُنَّ، كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ

стр. 266

لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ)) (١). ١٢ - مدح الله تعالى الخاشعين في طاعته ووصفهم له بالعلم ؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢)، والقنوت هنا هو الخشوع في الطاعة؛ ولهذا قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: (( ... القنوت يرد في القرآن على قسمين: قنوت عام، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٣) أي الكل عبيد خاضعون لربوبيّته، وتدبيره، والنوع الثاني: وهو الأكثر في القرآن: القنوت الخاص، وهو دوام الطاعة لله على وجه الخشوع، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبّكِ وَاسْجُدِي﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ (٧)، ونحوها)) (٨). وقد قال الراغب الأصفهاني ﵀: ((القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع، وفُسّرَ بكل واحد منهما في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ

стр. 267

قَانِتِينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٢) قيل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساكتون، ولم يُعْنَ به كل السكوت، وإنما عُنِيَ به ما قال عليه الصلاة السلام: ((إِنْ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَمَّا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ)) (٣)، وعلى هذا قيل: أي الصلاة أفضل؟ قال: ((طُولُ القُنُوتِ)) (٤) أي الاشتغال بالعبادة، ورفض كل ما سواه، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ (٥)، وقال: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (٦)، وقال: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (٧)، وقال: ﴿اقْنُتِي لِرَبّكِ﴾ (٨)، وقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٩)، وقال: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ (١٠)، وقال : ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ (١١) (١٢). والقنوت في الحديث يُروَى بمعانٍ متعددةٍ، فيطلق على: الخشوع، والطاعة، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكوت،

стр. 268

والسكون، وإقامة الطاعة، والخضوع (١). ١٣ - أثنى الله على من يوجل قلبه لذكر الله بأنه يخافه ويخشاه ، ووصفه بالإيمان الكامل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (٥). ووجل القلب: الوجل: استشعار الخوف، يقال: وَجِلَ يَوْجَلُ وَجَلاً، فهو وَجِل (٦). قال ابن كثير ﵀: ((﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فرقت: أي فزعت وخافت، وهذه صفة المؤمن ... الذي إذا ذكر الله وجل قلبه: أي خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره)) (٧). وقال السعدي ﵀: ((أي خافت ورهبت فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفاف عن المحارم، فإن خوف الله تعالى أكبر علاماته أن

стр. 269

يحجز صاحبه عن الذنوب)) (١)، وقال ﵀: ((الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوجل معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات، والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية، فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيباً إليه بقلبه، ويحدث له الوجل، وأما الخشوع: فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه، فهذا خشوع خاص، وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خوّاص المؤمنين، فينشأ من كمال معرفة العبد ربه، ومراقبته، فيستولي ذلك على القلب، كما تستولي المحبة)) (٢). ١٤ - وصف الله من يقشعر جلده عند قراءة القرآن بالخشية لله تعالى ؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٣)، فحصل لهم قشعريرة الجلد، ثم لين القلب والجلد. قال الراغب الأصفهاني ﵀: ((﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ (٤) أي يعلوها قشعريرة)) (٥). وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار؛ لما يفهمونه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف، ﴿ثُمَّ

стр. 270

تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ كما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه ... )) (١). وقال العلامة السعدي ﵀: ((﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ لما فيه من التخويف والترهيب المزعج ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي عند ذكر الرجاء والترغيب، فهو تارة يرغبهم لعمل الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر)) (٢). خامساً: الفرق بين الخشوع والوجل والقنوت والسكينة والإخبات والطمأنينة الفرق بين هذه الأمور على النحو الآتي: ١ - الخشوع: لين القلب وخضوعه، ورقته، وسكونه، وحضوره وقت تلبُّسه بالطاعة، فتتبعه جميع الجوارح والأعضاء: ظاهراً وباطناً؛ لأنها تابعة للقلب، وهو أميرها، وهي جنوده، والله تعالى أعلم (٣). ٢ - الوجل: الخوف الموجب لخشية الله تعالى، وأكبر علاماته: أن يقوم صاحبه بفعل أوامر الله، وترك نواهيه رغبة فيما عنده من الثواب، وخوفاً مما عنده من العقاب، والله تعالى أعلم (٤). ٣ - القنوت: القنوت يرد في القرآن على قسمين: القسم الأول: قنوت عام لجميع المخلوقات ، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (٥)، والمعنى: الكل عبيد خاضعون لربوبيَّته، وتدبيره ، لا معبود بحق سواه.

стр. 271

القسم الثاني، وهو الأكثر في القرآن الكريم: القنوت الخاص: وهو دوام الطاعة لله على وجه الخشوع، مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (١)، ونحو ذلك (٢)، والقنوت أيضاً يرد لعشرة معانٍ أخرى، تقدم ذكرها بالتفصيل (٣). ٤ - السكينة: قيل: السكينة: المهابة والرَّزانة والوقار (٤). وقيل: ما يجده القلب من الطمأنينة ... وهي نور في القلب يسكن إلى شاهده، ويطمئن وهو مبادئ عين اليقين (٥). وقيل: السكينة: الطمأنينة (٦)، وتأتي السكينة بمعنى: الوقار، والتَّأنّي في الحركة والسير: ((السكينةَ، السكينةَ)) أي الزموا السكينة (٧)، وفي حديث الخروج إلى الصلاة: ((فليأتِ وعليه السكينة)) (٨). وقال العلامة السعدي ﵀: ((والسكينة ما يجعله الله في القلوب وقت القلاقل، والزلازل، والمفظعات، مما يثبّتها، ويسكّنها،

стр. 272

ويجعلها مطمئنة، وهي من نعم الله العظيمة على العباد)) (١)، وهي: ((الثبات والطمأنينة، والسكون المُثَبّتَة للفؤاد)) (٢). ومن السكينة: سكينة الخشوع عند القيام بالعبادة لله تعالى، وهو الوقار، والخشوع الذي يحصل لصاحب مقام الإحسان. ولما كان الإيمان موجباً للخشوع، وداعياً إليه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ﴾ (٣) دعاهم من مقام الإيمان إلى مقام الإحسان، يعني: أما آن لهم أن يصلوا إلى الإحسان بالإيمان؟ وتحقيق ذلك بخشوعهم لذكره الذي أنزله إليهم؟)) (٤). ٥ - الإخبات: التواضع والخشوع، واللين، والسكون (٥). وهو من أول مقامات الطمأنينة: كالسكينة، واليقين، والثقة بالله تعالى، ونحوها، فالإخبات مقدماتها، ومبدؤها، والإخبات أول مقام يتخلَّص فيه العبد من التردُّد، الذي هو نوع غفلة وإعراض (٦). ٦ - الطمأنينة: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي

стр. 273

جَنَّتِي﴾ (١). (الطمأنينة) سكون القلب إلى الشيء، وعدم اضطرابه وقلقه، ومنه الأثر المعروف: ((دعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيْبُكَ فَإِنَّ الصّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ)) (٢) أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع، ويجد عنده سكوناً إليه، والكذب يوجب له اضطراباً وارتياباً، ومنه قول النَّبيّ ﷺ : ((الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ)) (٣) أي سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه. وقال الإمام ابن كثير ﵀: ((﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولىً ونصيرًا؛ ولهذا قال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: هو حقيق بذلك)) (٤). وقال العلامة السعدي ﵀: ((﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها. ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: حقيق بها، وحريٌّ بها أن لا تطمئنَّ لشيء سوى ذكره؛ فإنه لا شيء ألذ للقلوب، ولا أشهى، ولا أحلى من محبة خالقها، والأنس به ومعرفته)) (٥).

стр. 274

وقال الإمام ابن القيم ﵀: ((وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبّكِ﴾ (١) دليل على أنها لا ترجع إليه إلا إذا كانت مطمئنة، فهناك ترجع إليه، وتدخل في عباده، وتدخل جنته، وكان من دعاء بعض السلف: ((اللهم هب لي نفسا مطمئنة إليك)) (٢). سادساً: حكم الخشوع في الصلاة الخشوع في الصلاة واجب على الصحيح للأدلة الآتية: ١ - قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين ... وإذا كان غير الخاشعين مذمومين دل ذلك على وجوب الخشوع ... فثبت أن الخشوع واجب في الصلاة)) (٤). ٢ - قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ*فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ*أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ*الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٥).

стр. 275

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم، وقد دلَّ هذا على وجوب هذه الخصال، إذ لو كان فيها ما يستحب لكانت جنة الفردوس تورث بدونها؛ لأن الجنة تنال بفعل الواجبات دون المستحبات؛ ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب، وإذا كان الخشوع في الصلاة واجباً، فالخشوع يتضمن السكينة، والتواضع جميعاً ... ولهذا كان النبي ﷺ يقول في حال ركوعه: ((اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خشع لك سمعي وبصري، ومُخّي، وعظمي، وعصبي)) (١)، فوصف نفسه بالخشوع في حال الركوع؛ لأن الراكع ساكن متواضع ... )) (٢). وقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ أقوال: فقيل: ((خائفون ساكنون))، وقيل: ((الخشوع في القلب))، وقيل: ((الخشوع: الرهبة لله))، وقيل: ((الخشوع في القلب، وأن يلين كنفه للمرء المسلم، وأن لا تلتفت في صلاتك، والخوف، وغض البصر في الصلاة، وخفضه وسكونه ضد تقليبه في الجهات، ومن ذلك خشوع الصوت (٣). فإذا كان الخشوع في الصلاة واجباً، وهو متضمن للسكون والخشوع، فمن نقر نقر الغراب لم يخشع في سجوده، وكذلك من لم يرفع رأسه من الركوع ويستقر قبل أن ينخفض، لم يسكن؛ لأن السكون هو الطمأنينة بعينها، فمن لم يطمئن لم يسكن، ومن لم يسكن لم يخشع في ركوعه، ولا في سجوده، ومن لم يخشع كان آثماً عاصياً (٤).

стр. 276

٣ - مما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة: أن الله ينصرف عن من التفت فيها لغير حاجة؛ لحديث أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ)) وهذا لفظ أبي داود، ولفظ النسائي وأحمد: ((لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ انْصَرَفَ عَنْهُ)) (١). ٤ - ومما يدل على وجوب الخشوع أيضاً: حديث الحارث الأشعري ﵁ الطويل عن النبي ﷺ وفيه: (( ... وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ .. )) هذا لفظ الترمذي، ولفظ أحمد: (( ... وَآمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا ... )) (٢). ٥ - ويدل على وجوب الخشوع، حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ((مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ (٣)، اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ .. )) (٤).

стр. 277

٦ - ومما يدل على وجوب الخشوع في الصلاة قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلّينَ*الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (١)، قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وليس السهو عنها تركها، وإلا لم يكونوا مصلين، وإنما هو السهو عن واجبها: إما عن الوقت، كما قال ابن مسعود وغيره، وإما عن الحضور والخشوع، والصواب أنه يعمّ النوعين؛ فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة، ووصفهم بالسهو عنها، فهو السهو عن وقتها الواجب، أو عن إخلاصها، وحضورها الواجب؛ ولذلك وصفهم بالسهو، ولو كان السهو تركاً لما كان هناك رياء .. )) (٢). سابعاً: منزلة الخشوع في الصلاة الخشوع في الصلاة بمنزلة الروح من الجسد، فإذا فُقِدَت الروح مات الجسد، فالخشوع روح الصلاة، ولبُّها. قال الإمام ابن القيم ﵀: (( ... وكذلك فَوتُ الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها بين يدي الرب ﵎، الذي هو روحها، ولبُّها، فصلاةٌ بلا خشوعٍ، ولا حضور، كبدنٍ ميّتٍ لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يُهدي إلى مخلوقٍ مثله عبداً ميّتاً، أو جارية ميّتة؟ فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها: من ملكٍ، أو أميرٍ، أو غيره، فهكذا؛ سواء الصلاة الخالية عن الخشوع، وجمع الهمة على الله تعالى فيها، بمنزلة هذا العبد - أو الأمة - الميّت الذي يريد إهداءه إلى بعض الملوك؛ ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه، وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا، ولا يثيبه عليها؛ فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها .. )) (٣).

стр. 278

وذكر ابن القيم ﵀ قول من قال: إن غلب على المصلّي عدم الخشوع في الصلاة، وعدم تعقُّلِها وجب عليها إعادتها، واحتجوا: بأنها صلاة لا يُثاب عليها، ولم يُضمن له فيها الفلاح، فلم تبرأ ذمته منها ... ؛ ولأن الخشوع، والتعقُّلَ: روح الصلاة، ومقصودها، ولبُّها، فكيف يُعتدّ بصلاةٍ فقدت روحها، ولبَّها، وبقيت صورتها وظاهرها؟ وقالوا: ولو ترك العبد واجباً من واجباتها عمداً لأبطلها تركه، وغايته أن يكون بعضاً من أبعاضها، بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة، فكيف إذا عدمت روحها، ولبَّها، وصارت بمنزلة العبد الميّت، فإذا لم يعتدّ بالعبد المقطوع اليد، يعتقه تقرّباً لله تعالى في كفارة واجبة، فكيف يعتدّ بالعبد الميت .. ؟؟ وذكر بأن حجج أصحاب هذا القول قويّة ظاهرة. ولكنه ﵀ رجّح القول الثاني الذي لا يوجب الإعادة، وإنما يفُوت المصلّي غير الخاشع الثواب بقدر ما فاته من الخشوع في صلاته، ويفوته ما يحصل من الدرجات العُلا في الآخرة، ومرافقة المقرّبين، كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع، وذَكَر أن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحداً، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، فإن أراد الإعادة لتحصل هذه الثمرات والفوائد فذاك إليه إن شاء أن يحصّلها، وإن شاء أن يفوّتها على نفسه فوَّتها، ولا نلزمه بإعادتها ولا نعاقبه على تركها، ولا نرتب عليه أحكام تارك الصلاة، وهذا أرجح القولين (١). وكلام ابن القيم ﵀ هنا مختص بحضور القلب وخشوعه في الصلاة، أما من نقر الصلاة، ولم يتم ركوعها، أو سجودها، أو ترك شيئاً من شروطها، أو أركانها، أو تعمّد ترك واجب من واجباتها، فلا شكّ أن الإعادة تجب عليه.

стр. 279

ومما يدل على عظم منزلة الخشوع في الصلاة: أن الله تعالى يُعرِض عن من التفت بقلبه أو ببصره؛ لحديث أبي ذر ﵁، يرفعه إلى النبي ﷺ : ((لاَ يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ)) (١). ولحديث الحارث الأشعري يرفعه، وفيه: (( ... وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ... )) (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((الالتفات المنهيُّ عنه في الصلاة قسمان: أحدهما: التفات القلب عن الله إلى غير الله تعالى . والثاني: التفات البصر ، وكلاهما منهي عنه، ولا يزال الله مقبلاً على عبده ما دام العبد مقبلاً على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره، أعرض الله تعالى عنه ... ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه مثل رجل قد استدعاه السلطان، فأوقفه بين يديه، وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتف عن السلطان يميناً وشمالاً، وقد انصرف قلبه عن السلطان، فلا يفهم ما يخاطبه به؛ لأن قلبه ليس حاضراً معه، فما ظنُّ هذا الرجل أن يفعل به السلطان، أفليس أقلّ المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتاً مبعداً، قد سقط من عينيه؟ فهذا المُصلّي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته، الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه، فامتلأ قلبه من هيبته، وذلَّ عُنُقه

стр. 280

له، واستحيى من ربه تعالى أن يقبل على غيره، أو يلتفت عنه، وبين صلاتيهما كما قال حسان بن عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض؛ وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله ، والآخر ساهٍ غافلٌ، فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله، وبينه وبينه حجاب لم يكن إقبالاً ولا تقرّباً، فما الظن بالخالق ، وإذا أقبل على الخالق ، وبينه وبينه حجاب: الشهوات، والوساوس، والنفس مشغوفة بها، ملْأى منها، فكيف يكون ذلك إقبالاً، وقد ألهته الوساوس، والأفكار، وذهبت به كل مذهب)) (١). ثامناً: حكم الوسواس في الصلاة الوسواس في الصلاة يدل على عدم كمال الإيمان، وعلى عدم استحضار العبد عظمة الله، وعدم الإحسان الكامل في الصلاة؛ فإن الإحسان في الصلاة: هو أن يصلّي المُصلّي كأنه يرى الله؛ فإن لم يكن يراه فإنه يراه، كما قال النبي ﷺ حينما سأله جبريل ﵇ بقوله: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ؛ فَقَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ؛ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ((الوسواس لا يبطل الصلاة إذا كان قليلاً باتفاق أهل العلم؛ بل ينقص الأجر، كما قال ابن عباس ﵄: ((ليس لك من صلاتك إلا ما عقلْتَ منها)) (٣).

стр. 281

وفي السنن ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إنَّ الْعَبْدَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إلَّا نِصْفُهَا، إلَّا ثُلُثُهَا، إلَّا رُبُعُهَا، إلَّا خُمُسُهَا، إلَّا سُدُسُهَا، إلَّا سُبُعُهَا، إلَّا ثُمُنُهَا، إلَّا تُسْعُهَا، إلَّا عُشْرُهَا)) (١). ويُقال: إن النوافل شُرِعَتْ لجبر النقص الحاصل في الفرائض، كما في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: ((أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلِهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ أَكْمَلَهَا، وَإِلَّا قِيلَ: اُنْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتْ بِهِ الْفَرِيضَةُ، ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ)) (٢)، وهذا الإكمال يتناول ما نقص مطلقاً. وأما الوسواس الذي يكون غالباً على الصلاة، فقد قال طائفة، منهم أبو عبد الله بن حامد، وأبوحامد الغزالي، وغيرهما: إنه يوجب الإعادة أيضاً لما أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذّنُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى التَّأْذِينَ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ فَإِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولَ: اُذْكُرْ كَذَا اُذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلَ لاَ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلّمَ)) (٣)، وقد صحّ عن النبي ﷺ : الصلاة مع الوسواس مطلقاً، ولم يفرق بين القليل والكثير. ولا ريب أن الوسواس كلّما قلّ في الصلاة، كان أكمل، كما في الصحيحين من حديث عثمان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((أنَّ مَنْ تَوَضَّأَ

стр. 282

مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُحَدّثْ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (١)، وكذلك فى الصحيح أنه قال: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِوَجْهِهِ، وَقَلْبِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (٢). وما زال في المصلين من هو كذلك، كما قال سعد بن معاذ ﵁: ((فيَّ ثلاث خصال، لو كنت في سائر أحوالي أكون فيهن: كنت أنا أنا؛ إذا كنت في الصلاة لا أُحَدّث نفسي بغير ما أنا فيه، وإذا سمعت من رسول الله حديثاً لا يقع في قلبي ريب أنه الحق، وإذا كنت في جنازة لم أُحَدّث نفسي بغير ما تقول، ويقال لها)) (٣). وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد، فانهدم طائفة منه، وقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر (٤). وكان عبد الله بن الزبير ﵁ يسجد، فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه، وهو في الصلاة لا يرفع رأسه (٥). وقالوا لعامر بن عبد القيس أتُحَدّثُ نفسك بشيء في الصلاة؟ فقال

стр. 283

أو شيء أحب إليّ من الصلاة أُحَدّثُ به نفسي؟ قالوا: إنا لنحدث أنفسنا في الصلاة، فقال: أبا لجنة والحور، ونحو ذلك؟ فقالوا: لا، ولكن بأهلينا وأموالنا، فقال: لأن تختلف الأسنّة فيَّ أحبُّ إليَّ وأمثال (١)، هذا متعدد. تاسعاً: الخشوع في الصلاة من إقامتها لا شك أن الخشوع في الصلاة من إقامتها؛ فإن إقامة الصلاة لا يكون إلا بإقامة: شروطها، وأركانها، وواجباتها، والخشوع واجب على الصحيح؛ لأمر الله ورسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢)، فأمرنا بإقامتها، وهو الإتيان بها: قائمة تامة القيام، والركوع، والسجود، والأذكار، وقد علّق الله سبحانه الفلاح بخشوع المُصلّي في صلاته، فمن فاته خشوع الصلاة لم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعاً؛ بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة، وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوعاً، وكلما قلّ خشوعه اشتدت عجلته، حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع، ولا إقبال على العبودية، ولا معرفة حقيقة العبودية، والله سبحانه قد قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣)، وقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ (٥)، وقال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ (٧)، وقال إبراهيم ﵇: ﴿رَبّ

стр. 284

اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ (١)، وقال لموسى: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٢)، فلن تكاد تجد ذكر الصلاة في موضع من التنزيل إلا مقروناً بإقامتها، فالمصلُّون في الناس قليل، ومقيم الصلاة منهم أقل القليل، كما قال عمر ﵁: ((الحاج قليل والركب كثير)) (٣). فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على الترويج تحلَّةَ القسم، ويقولون: يكفينا أدنى ما يقع عليه الاسم، وليتنا نأتي به، ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بصلاتهم فتعرضها على الربّ ﷻ بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم، فليس من عمد إلى أفضل ما يقدر عليه، فيُزيّنه ويُحسّنه ما استطاع، ثم يتقرّب به إلى من يرجوه ويخافه، كمن يعمد إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه، فيستريح منه، ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع (٤). عاشراً: التحذير من ترك الخشوع في الصلاة ترك الخشوع في الصلاة يسبب: ترك أركانها: وواجباتها، فلا يمكن للخاشع لله في صلاته أن ينقر صلاته، أو يترك شيئاً من أركانها أو واجباتها على أقل الأحوال؛ لأنه يستحضر عظمة الله تعالى، ويخاف عقابه، ويرجو ثوابه؛ ولهذا جاءت النصوص الثابتة بالتحذير من الأمور الآتية: ١ - قد يُصلّي المرء ستين سنة، وما قبل الله منه صلاة واحدة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلّي سِتّينَ سَنَةً، ومَا

стр. 285

تُقْبَلُ لَهُ صَلاَةٌ، لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ، وَلاَ يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ، وَلاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ)) (١). ٢ - أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته ؛ لحديث أبي قتادة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: ((لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا))، أَوْ قَالَ: ((لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)) (٢). ٣ - لا ينظر الله إلى صلاة عبدٍ لا يُقيم صلبه بين ركوعها وسجودها ؛ لحديث طلق بن علي الحنفي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى صَلَاةِ عَبْدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا)) (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: ((لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى صَلَاةِ رَجُلٍ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ بَيْنَ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ)) (٤). ٤ - من مات وهو لا يُتمّ ركوعه، وينقر في سجوده ، مات على غير ملّة محمد ﷺ ؛ لحديث أبي عبد الله الأشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً لا يُتمّ ركوعه [و] ينقر في سجوده وهو يصلي، فقال رسول الله
следующие страницы →