← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فلا بد من تدبر القرآن، وتعقّله، والتفكر في معانيه؛ لأن الله أمر بذلك. قال الإمام ابن القيم ﵀: ((القرآن حياة القلوب، وشفاء لما في الصدور ... فبا لجملة فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر ... وهذا الذي يورث المحبة، والشوق، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضا، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله. وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها))؛ فإن العبد إذا قرأه بالتدبر حتى مرَّ بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكُّرٍ وتفهُّمٍ خير من قراءة ختمةٍ بغير تَدَبُّرٍ وتفَهُّمٍ، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة الإيمان والقرآن، وهذه كانت عادة السلف يردّد أحدهم الآية إلى الصباح، وقد تقدم أنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قام بآية يُردّدُها إلى الصباح وهي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾ (١). وقد أخبر الله تعالى في القرآن: أن أهل العلم هم الذين ينتفعون بالقرآن، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُون﴾ (٢)،وفي القرآن الكريم بضعة وأربعون مثلاً (٣)، وقد كان بعض السلف الصالح، وهو عمرو بن مرة: إذا مرَّ بِمَثَلٍ من أمثال القرآن ولم يفهمه

стр. 352

يبكي ويقول: ((لست من العالمين)) (١)،ولابد لمن تدبر القرآن أن يجاهد بقلبه وفكره؛ لينال هذا العلم العظيم، وقد قال يحيى بن أبي كثير: ((لا يُنال العلم براحة الجسم)) (٢)، ولا ينال العلم إلا بهجر اللذات وتطليق الراحة، ولا ينال درجة وراثة النبوة مع الراحة (٣). ولا شك أن التأمل في القرآن هو: تحديد ناظر القلب إلى معانيه وجمع الفكر على تبصره، وتَعقُّله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ (٤)،وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ (٥). وينبغي للإنسان أن يبتعد عن مفسدات القلب الخمسة التي تحول بينه وبين التدبر، وتحول بينه وبين كل خير، وهي: التمنّي، وخلطة الناس، والتعلق بغير الله تعالى، وكثرة الطعام أو المحرمات، وكثرة النوم؛ فإنها مفسدات للقلوب (٦). والتدبر للقرآن والعمل به هو المقصود من إنزاله. ولهذا قيل: ذهاب الإسلام على يدي أربعة أصناف من الناس: صنف لا يعملون بما يعلمون، وصنف يعملون بما لا يعلمون، وصنف لا يعملون ولا

стр. 353

يعلمون، وصنف يمنعون الناس من التعلم (١). وليحذر المسلم من هجر القرآن؛ فإن هجرهُ خمسة أنواع: النوع الأول: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه. النوع الثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به. النوع الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه. النوع الرابع: هجر تدبُّره وتفهّمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به منه. النوع الخامس: هجر الاستشفاء به والتداوي به من جميع أمراض القلوب، والأجساد ... وكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٢)، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض (٣). السبب الخامس والثلاثون: تحسين القراءة بالقرآن وترتيله: مما يجلب الخشوع في الصلاة تحسين القراءة بالقرآن، والترنم بذلك، وترتيله، ومن الأفضل والأكمل أن يستاك عند قراءة القرآن؛ لحديث علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد إذا تسوَّك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فيستمع لقراءته، فيدنو منه - أو كلمة نحوها - حتى يضع فاه على فيه، فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلا صار في جوف الملك، فطهّروا أفواهكم للقرآن)) (٤).

стр. 354

وعن علي ﵁ قال: ((إن أفواهكم طرق القرآن فطيّبوها بالسواك)) (١). والقارئ للقرآن إذا تأدَّب بآدابه حصل له الخشوع في صلاته، وقراءته، ومن هذه الآداب الآداب الآتية: أولاً: يُحسّن صوته بقراءة القرآن الكريم ، ويترنَّم به؛ للأحاديث الآتية: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ما أَذِنَ (٢) الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيّ أن يتغنَّى (٣) بالقرآن))، ولفظ مسلم: ((ما أذِنَ الله لشيء ما أذِنَ لنبيّ حَسَن الصوت يتغنّى بالقرآن))، وفي لفظ لمسلم: ((ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبيٍّ يتغنَّى بالقرآن يجهر به)) (٤). ٢ - حديث أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال له: ((يا أبا موسى لقد أوتيت مزماراً من مزامير (٥) آل داود))، وفي لفظٍ لمسلم: ((لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة؟ لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)) (٦).

стр. 355

٣ - حديث البراء بن عازب ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((زيّنوا القرآن بأصواتكم)) (١). قال الإمام النووي ﵀: ((قال القاضي: أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة، وترتيلها، قال أبو عبيد: والأحاديث في ذلك محمولة على التحزين والتشويق)) (٢) (٣). ٤ - حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن)) (٤). ٥ - حديث أبي لبابة، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن))، فقيل لابن أبي مليكة: يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسّن ما استطاع (٥).

стр. 356

وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول: ((والتغنّي بالقرآن: يجهر به ويُحسّن به صوته حتى يستفيد هو ويستفيد الناس، فالمؤمن يجاهد نفسه يخشع ويُخشّع من حوله، ((ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن))،وهذا يدل على الوعيد لمن لم يتغن بالقرآن، وهو مثل قوله ﷺ : ((من غشنا فليس منّا)) فيه الوعيد الشديد لمن لم يتغنَّ بالقرآن؛ لأن الله أنزل القرآن للتدبر والعمل ﴿ليدّبروا آياته﴾ ولم يقل: ليقرؤوا، فقليل بتدبر خير من كثير بلا تدبر)) (١). ٦ - حديث البراء بن عازب ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿وَالتّينِ وَالزَّيْتُون﴾ في العشاء، وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه، أو قراءةً))، وفي لفظ عن عديٍّ، قال: سمعت البراء يُحدّث عن النبي ﷺ أنه كان في سفر فصلَّى العشاء الآخرة فقرأ في إحدى الركعتين: ﴿وَالتّينِ وَالزَّيْتُون﴾)) (٢) (٣). ثانياً: يُرتّل القرآن ترتيلاً ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَرَتّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (٤). والترتيل مصدر رتّل الكلام: أحسن تأليفه. وهو في الاصطلاح: قراءة القرآن على مُكثٍ، وتفهّمٍ من غير عجلةٍ، وهو الذي نزل به القرآن. فيقرأ القرآن: بِتَلَبُّثٍ في قراءتِهِ، وتمهّلٍ فيها، ويفصل الحرف عن

стр. 357

الحرف الذي بعده، وفي ذلك عون على تدبُّرِ القرآن وتفهُّمِهِ، ومرتبة الترتيل أفضل مراتب القراءة. وعن أنس ﵁، قال قتادة: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي ﷺ فقال: كان يمدُّ مداًّ: ثم قرأ: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ يمدّ ((بسم الله))، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم (١) (٢). وعن أم سلمة ﵂ أنها ذكرت قراءة رسول الله ﷺ ((بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم * الْحَمْدُ لله رَبّ الْعَالَمِين * الرَّحْمنِ الرَّحِيم * مَلِكِ يَوْمِ الدّين. يُقطّع قراءته آية آية. قال أبو داود: ((سمعت أحمد يقول: ((القراءة القديمة مالك يوم الدين))، ولفظ الترمذي: ((الْحَمْدُ لله رَبّ الْعَالَمِين))، ثم يقف ((الرَّحْمنِ الرَّحِيم)) ثم يقف ... )) (٣). وعن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يُرجّع)) (٤)، وقال: لولا أن يجتمع الناس

стр. 358

حولي لرجَّعت كما رجَّع))، وفي لفظ للبخاري: ((رأيت النبي ﷺ يقرأ وهو على ناقته أو جمله، وهي تسير به وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة ليّنة يقرأ وهو يرجع))، وفي رواية: (( ... ثم قرأ معاوية [بن قرة] يحكي قراءة ابن مغفل، وقال: لولا أن يجتمع الناس عليكم، لرجَّعت كما رجع ابن مغفل يحكي النبي ﷺ ، فقلت لمعاوية كيف كان ترجيعه؟ قال: آآ آثلاث مرات)) (١)، وفي الحديث ملازمة النبي ﷺ للعبادة؛ لأنه حالة ركوبه الناقة وهو يسير لم يترك العبادة بالتلاوة، وفي جهره بذلك إرشاد إلى أن الجهر بالعبادة قد يكون في بعض المواضع

стр. 359

أفضل من الإسرار، وهو عند التعليم وإيقاظ الغافل ونحو ذلك (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رجلاً قرأ المفصل في ركعة، فقال له: ((هذّاً كهذّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل: سورتين من آل حم في كل ركعة (٢)، وفي لفظ: ((كان النبي ﷺ يقرأهن اثنتين اثنتين في كل ركعة))، وقال: ((عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن من الحواميم ((حم)) الدخان، و ((عم يتساءلون)) (٣)، وفي لفظ لمسلم: ((عشرون سورة في عشر ركعات من المفصل في تأليف عبد الله)) (٤)، وفي لفظ لمسلم: (( ... هذاً كهذ الشعر، إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، وإنَّ أفضل الصلاة: الركوع والسجود، إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن)) (٥). فيستحب للقارئ التالي لكتاب الله تعالى أن يرتل وهذا هو الأفضل أن يرتّل، ولا بأس بالسرعة التي ليس فيها إخلال باللفظ: بإسقاط بعض الحروف، أو إدغام ما لا يصح إدغامه، وهذه قراءة الحدر: وهو إدراج القراءة وسرعتها، ولابد فيه من مراعاة أحكام التجويد: من المدّ، والتشديد، والقطع، والوصل؛ وليحذر فيه من بتر حرف المد، وذهاب الغنة.

стр. 360

فإن حصل إخلال باللفظ في هذه القراءة فهي حرام؛ لأنها تغيير للقرآن (١). ثالثاً: إذا مرَّ بآية رحمة سأل الله من فضله ، وإذا مر بآية عذاب استعاذ بالله تعالى، وإذا مرّ بآية فيها سؤال سأل وهذا في النوافل لا في الفرائض؛ لحديث حذيفة ﵁، قال صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى يُصلّي، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بآية تسبيح سبح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوّذ ... )) (٢). رابعاً: يجهر بالقرآن ما لم يتأذَّ أحد بصوته: دلت الأحاديث في تحسين الصوت بالقرآن، وفي الترتيل والترنيم بالقرآن، والتغنّي به على استحباب رفع الصوت والجهر بالقرآن، كما دلت أحاديث أخرى على الحث على الإسرار بالقرآن؛ فكانت الأحاديث في ذلك على نوعين: النوع الأول: استحباب الجهر برفع الصوت بالقرآن: جاء في هذا النوع من الأحاديث المذكورة آنفاً في الأمر بتزيين الصوت بالقرآن وتحسينه، كقوله ﷺ : ((ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنَّى بالقرآن يجهر به)) (٣)، وقول النبي ﷺ لأبي موسى: ((لقد رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة؟ لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)) (٤)،وقوله ﷺ : ((زينوا القرآن بأصواتكم)) (٥).وغير ذلك مما تقدم في

стр. 361

الترغيب في تحسين الصوت بالقراءة، وعن أبي موسى ﵁،قال: قال رسول الله ﷺ : ((إني لأعرف أصوات رُفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وإن كنت لم أرَ منازلهم حين نزلوا بالنهار ... )) (١). وسمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقول: ((كان لهم أصوات حسنة بالقرآن ﵃)) (٢). وعن عائشة ﵂ قالت: أبطأتُ على عهد رسول الله ﷺ ليلة بعد العشاء، ثم جئتُ فقال: ((أين كنتِ؟))، قلت: كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحدٍ، قالت: فقام وقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إليَّ فقال: ((هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا)) (٣). وعن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله)) (٤). وفي إثبات الجهر بالقرآن أحاديث كثيرة. النوع الثاني: الجهر بالقراءة وإخفاؤها: جاء في ذلك أحاديث منها حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسِرُّ بالقرآن كالمسر بالصدقة)) (٥).

стр. 362

وعن أبي سعيد ﵁، قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: ((ألا إن كُلَّكم مناجٍ ربَّه فلا يؤذينَّ بعضكم بعضاً ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة))،أو قال: ((في الصلاة)) (١). فعلى هذا دلت الأحاديث على النوعين: فجاءت الأحاديث في النوع الأول باستحباب رفع الصوت بالقراءة، والآثار في ذلك عن الصحابة والتابعين: من أقوالهم، وأفعالهم أكثر من أن تُحصر، وأشهر من أن تُذكر (٢). وجاء في النوع الثاني أحاديث وآثار تدل على استحباب الإسرار وخفض الصوت بالقراءة. والجمع بين هذين النوعين: أن القارئ إذا خاف الرياء، أو السمعة، أو يتأذَّى مصلون، أو نيام بجهره، أو خاف إعجاباً، أو يلبَّس على من يقرأ أو غير ذلك من أنواع القبائح فالإسرار بالقراءة والإخفاء بها أفضل. أما من لم يخفْ شيئاً من ذلك فالجهر بالقراءة له أفضل، ويستحب له ذلك؛ لأن العمل في الجهر أكثر؛ ولأن فائدته تتعدَّى للسامعين؛ ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إلى التدبر، ويطرد النوم ويزيد في النشاط، ويطرد الشيطان، فإن كانت القراءة بحضور من يستمع إليه، تأكد استحباب الجهر (٣).

стр. 363

قلت: ويدل على هذا الجمع حديث عبد الله بن أبي قيس ﵀ عن عائشة ﵂ أنه سألها في حديث طويل، وفيه أنه سألها عن قراءة النبي ﷺ ، فقال: ... فقلت: كيف كانت قراءته: أكان يسر بالقراءة أم يجهر؟ قالت: ((كل ذلك قد كان يفعل: قد كان ربما أسر، وربما جهر))، قال: فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعةً ... )) (١). وعن أبي قتادة ﵁، أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: ((يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلّي تخفض صوتك؟))، قال: قد أسمعت من ناجيتُ يا رسول الله!، قال: ((ارفع قليلاً))، وقال لعمر: ((مررت بك وأنت تصلّي رافعاً صوتك؟))، قال: يا رسول الله أُوقظ الوسنان (٢)، وأطرد الشيطان! قال: ((اخفض قليلاً)) (٣). السبب السادس والثلاثون: سجود التلاوة في الصلاة: مما يجلب الخشوع في الصلاة سجود التلاوة؛ لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله [وفي رواية يا ويلي] أُمر ابن آدم بالسجود

стр. 364

فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النار)) (١)، وهذا الحديث فيه الحث على سجود التلاوة والترغيب فيه. السبب السابع والثلاثون: المحافظة على سنن الصلاة: القولية والفعلية: لا شك أن العمل بسنن الصلاة القولية والفعلية يجلب الخشوع في الصلاة، ويزيد ثوابها، ويرفع درجات صاحبها في الدنيا والآخرة، وهي سنن أقوال وأفعال، ولا تبطل الصلاة بترك شيء منها عمدًا ولا سهوًا، وسنن الصلاة، هي ما عدا الشروط، والأركان، والواجبات (٢) (٣). السبب الثامن والثلاثون: ذكر الموت في الصلاة: لا شك أن من دخل في صلاته وهو يذكر الموت، ويخشى أن تكون هذه الصلاة هي أخر صلاةٍ يصلّيها، فإنه سيخشع في صلاته؛ ولهذا أوصى النبي ﷺ بذلك؛ فعن أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ؟ فَقَالَ: ((إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلّ صَلَاةَ مُوَدّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غَدًا، وَأجْمِعِ الْيَأسَ مِمَّا فِي أيدِي النَّاسِ))، وهذا لفظ أحمد، ولفظ ابن ماجه: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ! اللَّهِ عَلّمْنِي وَأَوْجِزْ، قَالَ: ((إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلّ صَلَاةَ مُوَدّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ، وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي

стр. 365

النَّاسِ)) (١). وعن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((اذْكُر المَوْتَ في صَلاَتِكَ؛ فإِنَّ الرَّجُلَ إذا ذَكَرَ المَوْتَ في صَلاَتِهِ لَحَرِيٌّ أنْ يُحْسِنَ صلاتَهُ، وَصَلّ صلاةَ رَجُلٍ لا يَظُنُّ أنَّهُ يُصَلّي صلاةً غَيْرَها، وإِيَّاكَ وكُلَّ أمْرٍ يُعْتَذَرُ مِنْهُ)) (٢). السبب التاسع والثلاثون: الحذر من الغفلة: لا شك أن من أسباب الخشوع في الصلاة الحذر من الغفلة؛ فإن الغفلة من أسباب الخذلان والهلاك في الدنيا والآخرة؛ والغفلة: تركٌ باختيار الغافل، وأما النسيان فهو: تركٌ بغير اختيار الإنسان، والسلامة منهما بالذكر، وهو التخلّص من الغفلة والنسيان (٣)؛ ولعظم خطر الغفلة نهى الله تعالى رسوله عنها فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٤)، والغافلون هم الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم؛ فإنهم حُرِموا خير الدنيا والآخرة، وأعرضوا عن من كلّ السعادة والفوز بذكره، وعبوديَّته، وأقبلوا على من كلّ الشقاوة والخيبة في الاشتغال به (٥). ومن أعظم خطر الغفلة أن من غفل عن الله عاقبه بأن يُغفله عن ذكره، ويجعله يتبع هواه، ويكون أمره ضائعاً معطلاً (٦)، قال الله تعالى:

стр. 366

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (١)، وأكثر الناس يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، ويغفلون عن الله والدار الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (٢). السبب الأربعون: الاستجابة لله ولرسوله مع العلم أن الله يحول الله بين المرء وقلبه: لا شك أن من أسباب الخشوع في الصلاة الاستجابة لله ورسوله ﷺ مع الخوف من أي يحول الله بين العبد وقلبه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٣)، فالله تعالى يأمر عباده المؤمنين بالاستجابة له ولرسوله، والانقياد والمبادرة إلى ذلك، والاجتناب لما نهى عنه الله ورسوله، والدعوة إلى ذلك؛ لأن حياة القلب والروح بعبوديته تعالى، ولزوم طاعته وطاعة رسوله ﷺ ؛ ولهذا حذّر عن عدم الاستجابة لله ولرسوله فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ فإياكم أن تردُّوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم؛ فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلّب القلوب حيث شاء، ويصرّفها كيف شاء (٤). فينبغي للعبد أن يسأل الله أن يصرّف قلبه على طاعته؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ))، ثم قال رسول الله ﷺ : ((اللَّهُمَّ مُصَرّفَ الْقُلُوبِ صَرّفْ قُلُوبَنَا

стр. 367

عَلَى طَاعَتِكَ)) (١). وفي حديث أمّ سلمة ﵂ أن النبي ﷺ حينما يكون عندها- كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: ((يَا مُقَلّبَ الْقُلُوبِ ثَبّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لأَكْثَر دُعَائِكَ: يَا مُقَلّبَ الْقُلُوبِ ثَبّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ؟ قَالَ: ((يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ))، فَتَلَا مُعَاذٌ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (٢). السبب الحادي والأربعون: سؤال الله تعالى الخشوع في الصلاة: من الأسباب العظيمة التي تجلب الخشوع في الصلاة أن يسأل العبد ربه، ويتضرع إليه بسؤاله التوفيق للخشوع الذي يحبه اللَّه سبحانه في الصلاة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٣)، وقال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٤). وعن أبي سعيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلاَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاَثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلِهَا))، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: ((اللَّهُ أَكْثَرُ)) (٥).

стр. 368

وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ)) (١). السبب الثاني والأربعون: العلم بأن العبد ليس له من صلاته إلا ما عقل منها: من الأسباب التي تُعينُ على الخشوع في الصلاة: أن يعلم العبد المسلم أنه ليس له من صلاته إلا ما أقبل عليه بقلبه؛ لحديث عمّار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا)) (٢). وعن كعب بن عمرو السلمي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ((مِنْكُمْ مَنْ يُصَلّي الصَّلَاةَ كَامِلَةً، وَمِنْكُمْ مَنْ يُصَلّي النّصْفَ، وَالثُّلُثَ، وَالرُّبُعَ، حَتَّى بَلَغَ الْعُشْرَ)) (٣). وقال ابن عباس: ((ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها)) (٤). السبب الثالث والأربعون: معرفة خشوع النبي ﷺ في صلاته: مما يُعين على الخشوع في الصلاة ويجلبه معرفة ما كان عليه النبي ﷺ من الخشوع في الصلاة؛ وقد كانت الصلاة قرّة عينه، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((حُبّبَ إِلَيَّ النّسَاءُ، وَالطّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي

стр. 369

فِي الصَّلَاةِ)) (١). وقال النبي ﷺ لبلال: ((قُمْ يَا بِلالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلاَةِ))، وفي لفظ: ((يَا بِلاَلُ أَقِمِ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا)) (٢). وقد كان النَّبيُّ ﷺ إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه، ورمى ببصره نحو الأرض موضع السجود، وكان في التشهد لا يجاوز بصره إشارته، هكذا ذُكِرَ عنه ﷺ (٣) (٤). السبب الرابع والأربعون: معرفة خشوع الصحابة والتابعين وأتباعهم ﵏: المتأمل بتفكّرٍ في خشوع السلف الصالح في صلاتهم يزيده ذلك خشوعاً؛ لما يرى ويعلم من خشوعهم العظيم الذي يدل على إحسانهم في صلاتهم، وأنهم يعبدون الله كأنهم يرونه، وهذه هي الدرجة العظمى من الإحسان في العبادة. فهذا أبو بكر ﵁ يبكي في صلاته كما ذكرت عائشة ﵂ (٥). وهذا عمر الفاروق يُقتل وهو يُصلّي، ثم أغمي عليه، وعندما أفاق قال: ((هل صلَّى الناس؟))، فسأل: عن الصلاة قبل أن يسأل عمن قتله؟ (٦). وذاك سعد بن معاذ إذا صلى لا يحدث نفسه بغير ما هو فيه من صلاته (٧).

стр. 370

وهذا التابعي الجليل عروة بن الزبير يأمر الأطباء بقطع رجله في الصلاة؛ لأنه لا يشعر بذلك؛ لتعلق قلبه بالله ومناجاته (١). وهذا الإمام البخاري يلسعه الزنبور في سبعة عشر موضعاً من جسده تحت ثوبه ولم ينصرف من صلاته، ولم ينظر حتى سلَّم من صلاته (٢)، وغير ذلك كثير (٣). فمن نظر في خشوع السلف الصالح في صلاتهم جلب له ذلك الخشوع إن كان قلبه سليماً. السبب الخامس والأربعون: العلم بما ثبت في التحذير من ترك الخشوع، وما ثبت من الترغيب في الخشوع: مما يُعين على الخشوع معرفة ما جاء عن النبي ﷺ من التحذير من ترك الخشوع في الصلاة وسرقتها، والعلم بما ثبت من فضائل الخشوع وفوائده، ومن ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار ما يأتي: أولاً: ثبت عن النبي ﷺ : إخباره بأن أشدّ الناس سرقة الذي يسرق صلاته، فلا يتم ركوعها ولا سجودها (٤)، وأن الله لا ينظر إلى صلاة عبدٍ لا يُقيم فيها صلبه بين ركوعه وسجوده (٥)، وإن مات وهو لا يُتمّ ركوعه، وينقر في سجوده مات على غير ملة محمد ﷺ (٦)، وقد يُصلّي المرء ستين سنة وما قَبِلَ اللَّهُ منه صلاة واحدة؛ لعله يتم الركوع ولا يتم

стр. 371

السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع (١). ثانياً: الخشوع في الصلاة له فضائل عظيمة، فقد ثبت عن النبي ﷺ : أن من صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه (٢)، وأن من أحسن الوضوء ثم صلَّى ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة (٣)، وجاء في القرآن الكريم أن الفوز والفلاح، والسعادة في الدنيا والآخرة للخاشعين في صلاتهم (٤)، وغير ذلك من الفضائل والفوائد العظيمة (٥). السبب السادس والأربعون: فهمُ وتدبُّر معاني أفعال الصلاة يجلب الخشوع فيها: لا شك أن من تدبَّر معاني أفعال الصلاة خشع في صلاته، ومن ذلك تدبّر الأفعال الآتية: أولاً: فهم وَتّدّبُّر معنى القيام في الصلاة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٦)، فإذا انتصب العبد قائماً لله في صلاته بين يديه سبحانه فليشاهد بقلبه قيُّوميته تعالى (٧)، ويذكر أنه إذا أحسن هذا الوقوف في الصلاة في الدنيا سهُل عليه الوقوف أمام الله يوم القيامة، وإذا استهان بهذا الوقوف، ولم يُوفّه حقه شُدّد عليه الوقوف يوم القيامة (٨)، ومن مقتضى هذا القيام أن يقبل على لله بقلبه وجسده، فلا

стр. 372

يلتفت: لا بقلبه، ولا ببصره، ولا جسده (١). ثانياً: فهم وتدبر معنى رفع الأيدي في الصلاة حذو المنكبين أو حذو الأذنين في أربعة مواضع: إذا كبّر تكبيرة الإحرام، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع من الركوع، وإذا قام من الركعتين - أي من التشهد الأول - يرفعهما كما صنع عند الافتتاح، وهذا هو السنة. والحكمة في ذلك: اتبّاع النبي ﷺ ، ويضاف إلى ذلك من الحكم: أن رفع اليدين في تكبيرة الإحرام فيه الإشارة إلى رفع حجاب الغفلة بينك وبين الله، وفي غير تكبيرة الإحرام إعظاماً لله. وقال بعضهم: إنها استسلام لله وانقياد له تعالى، كالأسير المستسلم. وقال بعضهم: نفي الكبرياء عن غير الله. وقال بعضهم: زينة للصلاة، وعلى كل حال: فهو اتبّاع للسنة الثابتة عن النبي ﷺ (٢)؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبّر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود. وفي لفظ: ((وإذا قام من الركعتين رفع يديه)) (٣)، وفي حديث مالك بن الحويرث ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر رفع يديه حتى يُحاذيَ بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذيَ بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: ((سمع الله لمن حمده))، فعل مثل ذلك، وفي لفظ لمسلم: ((حتى يحاذي بهما فروع أذنيه)) (٤).

стр. 373

والأحاديث الواردة في ابتداء رفع اليدين جاءت على وجوهٍ ثلاثة: الوجه الأول: جاء ما يدل على أنه ﷺ رفع يديه ثم كبّر، فعن ابن عمر ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر)) (١)؛ ولحديث أبي حُميد الساعدي ﵁ يحدّث به في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ وفيه: ((كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يُحاذيَ بهما منكبيه ثم يُكبّر)) (٢). الوجه الثاني: جاء ما يدل على أنه ﷺ كبر ثم رفع يديه، فعن أبي قلابة أنه ((رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبَّر ثم رفع يديه ... وحدَّث أن رسول الله ﷺ كان يفعل هكذا)) (٣). الوجه الثالث: جاء ما يدل على أنه ﷺ رفع يديه مع التكبير، وانتهى منه مع انتهائه، فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((رأيت رسول الله ﷺ افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين كبّر حتى جعلهما حَذْوَ منكبيه)) (٤). فمن فعل صفة من هذه الصفات فقد أصاب السنة (٥). وإن نوَّع بين هذه الصفات الثلاث، فتارة يفعل هذا، وتارة هذا، وتارة هذا، فلا بأس، وهذا يعين على الخشوع في الصلاة، والعلم عند الله تعالى.

стр. 374

ثالثاً: فهم وتدبّر معنى وضع اليدين على الصدر في حال القيام في الصلاة: اليد اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرُّسغ والساعد، وهذا فيه إظهار الذُّل، والانكسار، والخشوع لله تعالى، وقد ذُكِرَ عن الإمام أحمد ﵀ أنه سُئل عن المراد بذلك فقال: ((هو ذُلٌّ بين يدي عزيز)) (١). رابعاً: فهم وتدبّر معنى الركوع؛ فإنه يدل على الذُّل بظاهر الجسد؛ ولهذا كانت العرب تأنف منه ولا تفعله، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (٢)، وتمام الخضوع في الركوع أن يخضع القلب لله، ويذلُّ له، فيتمّ بذلك خضوع العبد بباطنه وظاهره لله (٣). قال العلامة الأصفهاني ﵀: ((الركوع: الانحناء، فتارة يستعمل في الهيئة المخصوصة في الصلاة كما هي، وتارة في التواضع والتذلل: إما في العبادة، وإما في غيرها)) (٤). خامساً: فهم وتدبّر معنى السجود؛ فإنه أعظم ما يظهر فيه ذلّ العبد لربّه تعالى، حيث جعل العبد أشرف أعضائه وأعزّها عليه، وأعلاها عليه، حقيقة أوضع ما يمكنه، فيضعه في التراب مُتعفّراً، ويتبع ذلك انكسار القلب، وتواضعه, وخشوعه لله ؛ ولهذا كان جزاء المؤمن إذا فعل ذلك أن يقرّبه الله إليه؛ فإن ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء)) (٥)، كما صح عن النبي ﷺ . والسجود أيضاً مما كان يأنفه المشركون المستكبرون عن عبادة الله ، وكان بعضهم يقول: أكره أن أسجد فتعلوني استي، وبعضهم يأخذ

стр. 375

كفاً من حصىً فيرفعه إلى جبهته، ويكتفي بذلك عن السجود، وإبليس إنما طرده الله لمّا استكبر عن السجود، لمن أمره الله بالسجود له (١). قال الراغب الأصفهاني ﵀: ((السجود: أصله التطامن والتذلّل، وجُعل ذلك عبارة عن التذلّل لله وعبادته. وهو عام في الإنسان، والحيوان، والجمادات، وذلك ضربان: سجود باختيار، وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحق الثواب. وسجود تسخير وهو: للإنسان، والحيوان، والنبات)) (٢). وسجود التسخير يعم كل شيء ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٣). وغير ذلك من فهم وتدبر معاني أفعال الصلاة: كالجلوس بين السجدتين، والجلوس في التشهد واضعاً يديه على ركبتيه، كل ذلك يدل على الخضوع والتذلل لله تعالى. السبب السابع والأربعون: فهم وتدبُّر معاني أقوال الصلاة: لا شك أن من تدبَّر معاني أقوال الصلاة خشع قلبه في صلاته، ومن ذلك على سبيل الاختصار تدبر المعاني الآتية: أولاً: فهم وتدبّر معنى تكبيرة الإحرام: الله أكبر: ((الله أكبر)) أي: الله تعالى أكبر من كل شيء: في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وحُذِف المفضل عليه ليتناول اللفظ كل شيء، فتكبيره سبحانه جامع لإثبات كل كمال له، وتنزيهه عن كل نقص وعيب، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله. وأكبر من أن يُذكر بغير المدح والتمجيد والثناء الحسن.

стр. 376

وحكمة الاستفتاح بها: ليستحضر المصلّي عظمة من يقف بين يديه، فيخشع له، ويستحيي أن يشتغل بغيره؛ ولهذا أجمع العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها وحضر قلبه، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (١)، والخشوع إنما يحصل لمن استحضر عظمة ملك الملوك، وأنه يناجيه، ويخشى أن يردها عليه، فيفرّغ قلبه لها، ويشتغل بها عمَّا عداها، ويؤثرها على ما سواها، فتكون راحته وقرة عينه، قال النبي ﷺ : ((وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فَي الصَّلاَةِ)) (٢). فإذا استشعر العبد بقلبه أن الله أكبر من كلّ ما يخطر بالبال استحيا منه أن يُشغل قلبه في الصلاة بغيره، فلا يكون موفياً لمعنى ((الله أكبر))، ولا مؤدّياً لحق هذا اللفظ، فقبيح بالمُصلّي أن يقول بلسانه: ((الله أكبر))، وقد امتلأ قلبه بغير الله، فلو قضى حق هذا اللفظ لدخل وانصرف بأنواع التحف والخيرات (٣). ثانياً: فهم وتدبُّر معاني دعاء الاستفتاح في الصلاة ثالثاً: فهم وتدبّر معاني الاستعاذة: رابعاً: فهم وتدبُّر معنى البسملة: خامساً: فهم وتدبُّر معاني الفاتحة أُمّ القرآن: سادساً: فَهْمُ وتدبُّر معاني أذكار الركوع: سابعاً: فَهْمُ وَتدبُّر معاني أذكار الرفع من الركوع: ثامناً: فَهْمُ وَتدبُّر معاني أذكار السجود:

стр. 377

تاسعاً: فَهْمُ وتدبُّر معاني الأذكار في الجلسة بين السجدتين (١): عاشراً: فهم وتدبُّر أذكار سجود التلاوة: ١ - ((سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، ﴿تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾)) (٢). قوله: ((للذي خلقه وشق سمعه وبصره)) تخصيص بعد تعميم؛ أي: فتحهما وأعطاهما الإدراك. قوله: ((بحوله)) أي: بتحويله وصرفه الآفات عنها. قوله: ((وقوَّته)) أي: قدرته بالثبات والإعانة عليهما. ٢ - ((اللَّهُمَّ اكتُبْ لي بها عِندَك أجرًا، وَضَعْ عَنّي بِها وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ)) (٣). قوله: ((وِزْرَاً)) أي: ذنباً. قوله: ((ذخراً)) أي: كنزاً، وقيل: أجراً؛ وكرر لأن مقام الدعاء يناسب الإطناب، وقيل: الأول طلب كتابة الأجر، وهذا طلب بقائه سالماً من محبط أو مبطل. قوله: ((كما تقبَّلْتها من عبدك داود)) حين ﴿خَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ (٤). والصواب: أن السجدات في القرآن خمس عشرة سجدة؛ لأن سورة الحج

стр. 378

فيها سجدتان؛ لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، فُضّلت سورة الحج بسجدتين؟ قال: ((نعم، ومن لم يسجدْهما فلا يقرأْهما)) (١). والصواب: أن سجود التلاوة لا يشترط له ما يشترط لصلاة النفل: من الطهارة عن الحدث والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، ولكن يُستحب ذلك وهو الأفضل، كما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وتلميذه ابن القيم، والشيخ ابن باز، وابن عثيمين رحمهم الله تعالى، أما الجنب فلا يقرأ شيئاً من القرآن حتى يتطهَّر (٢)؛ ولهذا كان ابن عمر ﵄، مع شدة اتباعه للسنة ((ينزل عن راحلته فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد)) (٣)]. الحادي عشر: فهم وتدبر معاني التشهد . الثاني عشر: فهم وتدبر معاني الصلاة على النبي ﷺ -. الثالث عشر: فهم وتدبُّر معاني الاستعاذة والدعاء قبل السلام من الصلاة . الرابع عشر: فهم وتدبر معاني الأذكار بعد السلام من الصلاة (٤). السبب الثامن والأربعون: التنويع في الاستفتاح، والقراءة، والأذكار في الصلاة: المصلّي إذا حافظ على السنة في قراءة الاستفتاحات في الصلاة بأنواعها: فيقرأ هذا النوع تارة، والنوع الآخر تارة أخرى، والثالث تارة ثالثة،

стр. 379

وقد سبق أن ذكرت منها في فهم وتدبر معاني الاستفتاح ثمانية أنواع، فإذا حافظ المسلم على هذه الأنواع منوّعاً لها في صلواته حصل على الخشوع، وعلى ثواب العمل بالسنة، وعلى حفظ هذه الاستفتاحات (١). وكذلك ينوّع في قراءته للقرآن في الصلاة، فيلتزم السنة فيما يقرأ في الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء كما جاءت به السنة، وكذلك قراءة سورة السجدة والإنسان في فجر الجمعة، وقراءة سورة سبح والغاشية في صلاة الجمعة تارة، والجمعة والمنافقون تارة أخرى، والجمعة والغاشية تارة ثالثة، كما ثبتت السنة بذلك عن النبي ﷺ (٢). وكذلك تنويع أذكار الرفع من الركوع بعد قوله: ((سمع الله لمن حمده))، فتارة يقول: ((ربنا لك الحمد))، وتارة يقول: ((ربنا ولك الحمد))، وتارة يقول: ((اللهم ربنا لك الحمد))، وتارة يقول: ((اللهم ربنا ولك الحمد)) (٣). وكذلك تنويع الأذكار أدبار الصلوات كما جاءت بذلك سنة النبي ﷺ ، فقد ذكرت في فهم وتدبر الأذكار بعد السلام من الصلاة أنواع التسبيح، وأنها قد جاءت على ستة أنواع، فيقول المسلم كل نوع في دبر صلاة من صلواته (٤). وكذلك ينوّع في قراءة التشهد، فإنه جاء في السنة على أنواع (٥). وأيضاً الصلاة على النبي ﷺ جاءت على أنواع (٦).

стр. 380

فإذا فعل المسلم ذلك حصل له الخشوع في صلاته بتوفيق الله تعالى. السبب التاسع والأربعون: الاجتهاد في الدعاء في مواضعه في الصلاة: الدعاء مناجاةٌ لله تعالى، فإذا اجتهد العبد في الدعاء، والتذلُّل لله فيه، والإلحاح، والطلب منه تعالى؛ فإن هذا مما يزيد العبد محبة لربّه، وخشوعاً، وتذلُّلاً، ورغبة فيما عنده، ورهبة من عذابه، والدعاء في الحقيقة عبادة عظيمة لله تعالى؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((الدعاء هو العبادة، قال ربّكم: ((ادعوني أستجب لكم)) (١)، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((من لم يسأل الله يغضب عليه)) (٢). وقد شرع الله تعالى الدعاء في الصلاة في مواضع ومواطن أثناء أداء المسلم للصلاة، ومن أعظم هذه المواضع: الدعاء في السجود، فينبغي أن يجتهد المسلم في الدعاء في السجود؛ لقول النبي ﷺ : ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء)) (٣)، وقوله ﷺ : (( ... وأما الركوع فعظموا فيه الربّ [ ]، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن (٤) أن يستجاب لكم)) (٥). فحرِيٌّ بالمسلم أن يجتهد في الدعاء في السجود، وقد شرع النبي

стр. 381

- ﷺ أدعية كثيرة للدعاء في السجود (١)، وأذكار الركوع، والدعاء بها (٢)، وأذكار الرفع من الركوع، وبعد الاعتدال منه (٣)، وأذكار الجلسة بين السجدتين (٤)، والدعاء قبل السلام بعد التشهد الأخير (٥). فينبغي للمسلم أن يجتهد في ذلك، ويقتدي بالنبي ﷺ في ذلك، ويدعو الله وهو موقن بالإجابة، ويجمع بين الخوف من الله تعالى ورجائه، مع المحبة لله تعالى. قال العلامة ابن القيم ﵀: ((القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر: فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سَلِمَ الرأس والجناحان فالطائرُ يطير جيداً، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فُقِدَ الجناحان: فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوّي في الصحة جناح الخوف، وعند الخروج من الدنيا يقوّي جناح الرجاء على جناح الخوف)). وقال بعض السلف: ((أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف، وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنّه وكرمه)) (٦). قال الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ

стр. 382

أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (١). فابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب منه: بالعبوديَّة، والمحبة، فقد ذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه: الحب، والخوف، والرجاء (٢). ومع ذلك ينبغي أن يكون المسلم قبل دعائه متطهّراً من الذنوب بالتوبة، ويكون زاهداً ورعاً: وقد ذكر ابن القيم ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة الزهد والورع فقال: ((الزهد: ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع: ترك ما تخاف ضرره في الآخرة)) (٣). السبب الخمسون: إحسان الطهور وإكماله: لا شك: أن إحسان الطهارة: من الوضوء، والغسل على الوجه الأكمل يعين على الخشوع في الصلاة، وقد حذَّر النبيُّ ﷺ من النقص في ذلك، وتَرْك استيعاب غسل الأعضاء في الوضوء، فعن أبي هريرة ﵁، قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم ﷺ قال: ((ويل للأعقاب من النار))، ولفظ مسلم أن النبي ﷺ رأى رجلاً لم يغسل عقبه، فقال: ((ويل للأعقاب من النار))، وفي لفظ لمسلم: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: ((ويل للعراقيب من النار)) (٤). وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ صلَّى الصبح، فقرأ الروم فالْتَبَسَ عليه، فلما صلَّى قال: ((ما بال أقوام يصلُّون معنا لا يحسنون

стр. 383

الطُّهورَ، فإنما يَلْبِسُ علينا القرآن أولئك)) (١)، وفي لفظ لأحمد من حديث أبي روح الكلاعي: ((إنما يلبّسُ علينا الشيطان القراءة من أجل أقوامٍ يأتون الصلاة بغير وضوء، فإذا أتيتم الصلاة فأحسنوا الوضوء))، وفي لفظ: ((صلى الصبح فقرأ فيها الروم، فأوهم ... ))، وفي لفظ له: (( ... أنه صلى مع النبي ﷺ الصبح، فقرأ بالروم فتردَّد في آية، فلما انصرف قال: ((إنه يلْبِسُ علينا القرآن: أن أقواماً منكم معنا لا يُحسنون الوُضُوءَ، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء)) (٢)، وأورده ابن كثير في تفسيره في آخر سورة الروم، ثم قال: ((وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سرٌّ عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه ﷺ تأثر بنقصان وضوء من ائتمَّ به، فدلّ ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام)) (٣). وقال الإمام ابن كثير ﵀ في موضع آخر: ((فدلَّ هذا على أن إكمال الطهارة يُسهّلُ القيام في العبادة، ويُعين على إتمامها، وإكمالها، والقيام بمشروعاتها)) (٤). وقال السندي رحمه الله تعالى عن الحديث المذكور: ((وفيه تأثير الصحبة، وأن الأكملين في أكمل الأحوال يظهر فيهم أدنى أثر، والله تعالى أعلم)) (٥). ومما تقدم يتضح: أن النقص في الطهارة يؤثر على المُصلّي، ويتعدَّى تأثيره إلى الإمام إذا كان ذلك المُقصّر في الوضوء يصلّي في

стр. 384

جماعة، والله المستعان (١). السبب الحادي والخمسون: المحافظة على صفة الصلاة الكاملة الخاشعة من كل وجه: أعظم الأسباب الجالبة للخشوع في الصلاة: أن يصلّي المسلم الصلاة الكاملة من كل وجهٍ، وذلك: بإكمال شروطها قبل الدخول فيها، والقيام بإكمال أركانها، وواجباتها، وخشوعها، وسننها، والابتعاد عن مبطلاتها، ومكروهاتها. وصفة الصلاة الكاملة من كل وجهٍ: أن يصلي المسلم كما كان النبي ﷺ يصلّي؛ لحديث مالك بن الحويرث ﵁ أن النبي ﷺ قال: (( ... صلوا كما رأيتموني أصلي)) (٢). فينبغي للمسلم أن يصلّي الصلاة بخشوع كما كان النبي ﷺ يصلي (٣). السبب الثاني والخمسون: المحافظة على الأذكار أدبار الصلوات المفروضة: لا شك أن مما يُعين على تثبيت الخشوع في القلب المحافظة على الأذكار المشروعة أدبار الصلوات المفروضة، وفيها من الفوائد مع ما يحصل بسبب ذلك من تثبيت الخشوع في القلب: أن المُصلّي يستغفر ربه عمَّا حصل من التقصير في صلاته، وعما حصل من الخلل في الخشوع، ولا شك أن الأذكار بعد الصلاة مما يجبر النقص فيها، وقد شرع رسول الله ﷺ أذكاراً ودعواتٍ أدبار الصلوات المفروضة (٤). السبب الثالث والخمسون: المحافظة على السنن الرواتب قبل الفريضة وبعدها: المحافظة على أداء السنن الرواتب التي قبل الصلاة يوقظ القلب

стр. 385

السَّلِيم، ويهيئه للخشوع في الفريضة، والمحافظة على السنن الرواتب التي بعد الصلاة يجبر نقصها، ويجبر ما حصل من الخلل في خشوعها، وقد شرع رسول الله ﷺ هذه الرواتب (١).

стр. 386

المبحث الثاني والعشرون: سجود السّهو سجود السهو لما يُبْطِلُ عمدُهُ الصلاة واجب؛ لأمر النبي ﷺ به سواء كان فعلاً أو تركًا من جنس الصلاة (١). وقد كان سهو النبي ﷺ من تمام نعمة الله على أمته، وإكمال دينهم؛ ليقتدوا به ﷺ فيما يشرعه لهم عند السهو؛ فإنه ﷺ كان ينسى فيترتب على سهوه أحكام شرعية تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة (٢)، فقد ثبت عنه ﷺ أنه شرع لأمته في سجود السهو أحكامًا منها: أولاً: حُفِظَ عن النبي ﷺ في السهو أشياء منها: ١ - سلم النبي ﷺ من اثنتين ، ثم أتمّ ما بقي وسجد بعد السلام؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في قصة ذي اليدين، قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي (٣) ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سَرَعانُ الناس فقالوا: أَقُصِرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: ((لم أنس ولم تقصر)) قال: بلى، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه فكبر ثم سلم)) (٤). ٢ - سلم ﷺ من ثلاث ، فأتم الركعة الباقية ثم سجد سجود السهو بعد

стр. 387

السلام؛ لحديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: الخِربَاقُ، وكان في يديه طولٌ فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجرُّ رداءه حتى انتهى إلى الناس فقال: ((أصدق هذا؟)) قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سجد سجدتين ثم سلم. وفي رواية: ((فصلى الركعة التي كان ترك ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم)) (١). ٣ - قام ﷺ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر ولم يجلس للتشهد، حتى قضى صلاته، ثم سجد سجود السهو قبل السلام؛ لحديث عبد الله بن بحينة ﵁ ((أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأُوليين لم يجلس فقام الناس معه حتى إذا قضى صلاته، وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم)) (٢). ٤ - صلَّى الظهر خمسًا فَنُبّهَ ، فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: ((وما ذاك))؟ قالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعدما سلم (٣). ٥ - أما الشك فلم يعرض له ﷺ -، وقد أمر فيه بأمرين على حسب نوعيه: أ - أمر ﷺ من رجع إلى التحري وهو أكثر الوهم أو الظن الغالب القوي بالبناء على غالب الظن، ثم السجود للسهو بعد السلام؛ لحديث

стр. 388

عبد الله بن مسعود ﵁ قال: صلى النبي ﷺ ، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: ((وما ذاك)) قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: ((إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب فليتم عليه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين)). وفي رواية لمسلم: ((فليتحرَّ أقربَ ذلك إلى الصواب)) (١). ب - أمر ﷺ من شك ورجع إلى اليقين - وهو الأقل - بالبناء على اليقين ، وطرح الشك ثم السجود للسهو قبل السلام (٢)؛ لحديث أبي سعيد ﵁ يرفعه: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدْرِ كمْ صلَّى ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرحِ الشكَّ، وليبنِ على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان)) (٣). قال الإمام أحمد ﵀: ((يحفظ عن النبي ﷺ خمسة أشياء: سلم من اثنتين فسجد، وسلم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة والنقصان، وقام من اثنتين ولم يتشهد)) (٤). وقال الخطابي ﵀: ((والمعتمد عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة)) (٥)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((يعني حديثي ابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن بحينة)) (٦).

стр. 389

ثانيًا: سجود السهو قبل السلام في مواضع وبعده في مواضع: ثبت أن النبي ﷺ سجد للسهو قبل السلام في مواضع، وبعده في مواضع (١).فما سجد فيه النبي ﷺ قبل السلام أو أمر به، يُسجد فيه قبله، كسجود السهو لمن ترك التشهد الأول، وسجود السهو لمن شك وبنى على اليقين، وما سجد فيه النبي ﷺ بعد السلام أو أمر به، يُسجد فيه بعده: كسجود السهو لمن سلم قبل تمام الصلاة، أو ذُكّر بالزيادة في صلاته بعد السلام، أو شك وبنى على غالب ظنه، كما دلّت عليه الأحاديث في أوّل المبحث، والأمر في ذلك واسع، فيجوز السجود قبل السلام وبعده (٢) لكن الأفضل أن يكون السجود قبل السلام إلا في حالتين: الحالة الأولى: إذا سلم عن نقص أو ذُكّر بالزيادة بعد السلام ، اقتداء بالنبي ﷺ في ذلك؛ لحديث أبي هريرة (٣) وعمران بن حصين (٤) وعبد الله بن مسعود (٥) ﵃. الحالة الثانية: إذا شك ولكنه بنى على غالب ظنه ؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ (٦) واختار هذا الإمام ابن باز ﵀ (٧). والمسألة خلافية عند أهل العلم لكن هذا هو الأفضل (٨).

стр. 390

ثالثًا: التفصيل في أسباب السجود وأحكامها: ظهر من الأحاديث الواردة في سجود السهو أن أسباب السجود ثلاثة: الزيادة، والنقص، والشك بنوعيه (١)،وأحكام هذه الأسباب على النحو الآتي: السبب الأول: الزيادة، وهي نوعان: النوع الأول: زيادة الأفعال، وهي على ثلاثة أحوال: الحال الأولى: زيادة من جنس الصلاة، كزيادة قيام أو قعود، أو ركوع، أو ركعة، فهذه زيادة فعلية إن تعمدها المصلي بطلت صلاته، وإن كان سهوًا سجد له وصحت صلاته؛ وإن زاد ركعة سهوًا ولم يعلم حتى فرغ منها سجد للسهو، أما إن علم في أثناء الركعة الزائدة فإنه يجلس في الحال بغير تكبير، ثم يتشهد إن لم يكن تشهد ثم يسجد للسهو ويسلم. ويجب على من علم بزيادة الإمام أو نقصه تنبيهه؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ يرفعه وفيه: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني)) (٢).وتنبيه الرجال بالتسبيح، والنساء بالتصفيق؛ لحديث سهل بن
следующие страницы →