← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96550

صلاة المؤمن

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (1 378 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المبحث الثاني والعشرون: سجود السّهو سجود السهو لما يُبْطِلُ عمدُهُ الصلاة واجب؛ لأمر النبي ﷺ به سواء كان فعلاً أو تركًا من جنس الصلاة (١). وقد كان سهو النبي ﷺ من تمام نعمة الله على أمته، وإكمال دينهم؛ ليقتدوا به ﷺ فيما يشرعه لهم عند السهو؛ فإنه ﷺ كان ينسى فيترتب على سهوه أحكام شرعية تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة (٢)، فقد ثبت عنه ﷺ أنه شرع لأمته في سجود السهو أحكامًا منها: أولاً: حُفِظَ عن النبي ﷺ في السهو أشياء منها: ١ - سلم النبي ﷺ من اثنتين ، ثم أتمّ ما بقي وسجد بعد السلام؛ لحديث أبي هريرة ﵁ في قصة ذي اليدين، قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي (٣) ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سَرَعانُ الناس فقالوا: أَقُصِرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: ((لم أنس ولم تقصر)) قال: بلى، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه فكبر ثم سلم)) (٤). ٢ - سلم ﷺ من ثلاث ، فأتم الركعة الباقية ثم سجد سجود السهو بعد

стр. 387

السلام؛ لحديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: الخِربَاقُ، وكان في يديه طولٌ فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجرُّ رداءه حتى انتهى إلى الناس فقال: ((أصدق هذا؟)) قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سجد سجدتين ثم سلم. وفي رواية: ((فصلى الركعة التي كان ترك ثم سلم، ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم)) (١). ٣ - قام ﷺ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر ولم يجلس للتشهد، حتى قضى صلاته، ثم سجد سجود السهو قبل السلام؛ لحديث عبد الله بن بحينة ﵁ ((أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأُوليين لم يجلس فقام الناس معه حتى إذا قضى صلاته، وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم)) (٢). ٤ - صلَّى الظهر خمسًا فَنُبّهَ ، فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: ((وما ذاك))؟ قالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعدما سلم (٣). ٥ - أما الشك فلم يعرض له ﷺ -، وقد أمر فيه بأمرين على حسب نوعيه: أ - أمر ﷺ من رجع إلى التحري وهو أكثر الوهم أو الظن الغالب القوي بالبناء على غالب الظن، ثم السجود للسهو بعد السلام؛ لحديث

стр. 388

عبد الله بن مسعود ﵁ قال: صلى النبي ﷺ ، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: ((وما ذاك)) قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: ((إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب فليتم عليه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين)). وفي رواية لمسلم: ((فليتحرَّ أقربَ ذلك إلى الصواب)) (١). ب - أمر ﷺ من شك ورجع إلى اليقين - وهو الأقل - بالبناء على اليقين ، وطرح الشك ثم السجود للسهو قبل السلام (٢)؛ لحديث أبي سعيد ﵁ يرفعه: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدْرِ كمْ صلَّى ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرحِ الشكَّ، وليبنِ على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان)) (٣). قال الإمام أحمد ﵀: ((يحفظ عن النبي ﷺ خمسة أشياء: سلم من اثنتين فسجد، وسلم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة والنقصان، وقام من اثنتين ولم يتشهد)) (٤). وقال الخطابي ﵀: ((والمعتمد عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة)) (٥)، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((يعني حديثي ابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن بحينة)) (٦).

стр. 389

ثانيًا: سجود السهو قبل السلام في مواضع وبعده في مواضع: ثبت أن النبي ﷺ سجد للسهو قبل السلام في مواضع، وبعده في مواضع (١).فما سجد فيه النبي ﷺ قبل السلام أو أمر به، يُسجد فيه قبله، كسجود السهو لمن ترك التشهد الأول، وسجود السهو لمن شك وبنى على اليقين، وما سجد فيه النبي ﷺ بعد السلام أو أمر به، يُسجد فيه بعده: كسجود السهو لمن سلم قبل تمام الصلاة، أو ذُكّر بالزيادة في صلاته بعد السلام، أو شك وبنى على غالب ظنه، كما دلّت عليه الأحاديث في أوّل المبحث، والأمر في ذلك واسع، فيجوز السجود قبل السلام وبعده (٢) لكن الأفضل أن يكون السجود قبل السلام إلا في حالتين: الحالة الأولى: إذا سلم عن نقص أو ذُكّر بالزيادة بعد السلام ، اقتداء بالنبي ﷺ في ذلك؛ لحديث أبي هريرة (٣) وعمران بن حصين (٤) وعبد الله بن مسعود (٥) ﵃. الحالة الثانية: إذا شك ولكنه بنى على غالب ظنه ؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ (٦) واختار هذا الإمام ابن باز ﵀ (٧). والمسألة خلافية عند أهل العلم لكن هذا هو الأفضل (٨).

стр. 390

ثالثًا: التفصيل في أسباب السجود وأحكامها: ظهر من الأحاديث الواردة في سجود السهو أن أسباب السجود ثلاثة: الزيادة، والنقص، والشك بنوعيه (١)،وأحكام هذه الأسباب على النحو الآتي: السبب الأول: الزيادة، وهي نوعان: النوع الأول: زيادة الأفعال، وهي على ثلاثة أحوال: الحال الأولى: زيادة من جنس الصلاة، كزيادة قيام أو قعود، أو ركوع، أو ركعة، فهذه زيادة فعلية إن تعمدها المصلي بطلت صلاته، وإن كان سهوًا سجد له وصحت صلاته؛ وإن زاد ركعة سهوًا ولم يعلم حتى فرغ منها سجد للسهو، أما إن علم في أثناء الركعة الزائدة فإنه يجلس في الحال بغير تكبير، ثم يتشهد إن لم يكن تشهد ثم يسجد للسهو ويسلم. ويجب على من علم بزيادة الإمام أو نقصه تنبيهه؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ يرفعه وفيه: ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني)) (٢).وتنبيه الرجال بالتسبيح، والنساء بالتصفيق؛ لحديث سهل بن

стр. 391

سعد الساعدي ﵁ يرفعه وفيه: ((إذا نابكم أمر فليسبح الرجال، وليصفق النساء)). وفي لفظ: ((من نابه (١) شيء في صلاته فليسبِحْ، فإنه إذا سبح التُفِتَ إليه، وإنما التصفيق للنساء)) (٢). ويلزم الإمام الرجوع إلى تنبيههم إذا لم يجزم بصواب نفسه؛ لأنه رجوع إلى الصواب. الحال الثانية: زيادة من غير جنس الصلاة، كالمشي، والحك، والتّروُّح، والحركة، فهذه الحركات لا سجود لها، وهي ثلاثة أقسام: القسم الأول: حركة مبطلة للصلاة، وهي الكثيرة عرفًا، المتوالية لغير ضرورة. القسم الثاني: حركة مكروهة، وهي اليسيرة لغير حاجة. القسم الثالث: حركة جائزة، وهي اليسيرة لحاجة؛ لحديث أبي قتادة ﵁ ((أن النبي ﷺ صلى وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ لأبي العاص إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها)) (٣)، وثبت عن النبي ﷺ أنه فتح الباب لعائشة ﵂ وهو في الصلاة (٤). ولا فرق بين العمد والسهو في الحركات؛ لأنها من غير جنس الصلاة، ولا يشرع لها سجود سهو. الحال الثالثة: الأكل والشرب، إن كان عمدًا أبطل الصلاة، وإن كان سهوًا لم يبطلها؛ لعموم حديث: ((عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان)) (٥).

стр. 392

النوع الثاني: زيادة الأقوال: وهي على ثلاث حالات: الحال الأولى: زيادة من جنس الصلاة، كأن يأتي بقول مشروع في الصلاة في غير محله: كالقراءة في الركوع والسجود، والجلوس، وكالتشهد في القيام، فإن كان عمدًا فهو مكروه، ولا يجب السجود له، وإن كان سهوًا استحب السجود له؛ لعموم حديث عبد الله بن مسعود ﵁ يرفعه وفيه: ((إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين)) (١)، إلا إذا جاء بهذا الذكر مكان الذكر الواجب، ولم يقل الواجب: كالتسبيح في الركوع والسجود، فإنه يجب عليه أن يسجد لتركه الواجب إلا إذا جمع بينهما فلا يجب (٢)؛ بل يستحب لعموم الأدلة. الحال الثانية: أن يسلم قبل إتمام الصلاة، فإن كان عمدًا بطلت؛ لأنه تكلم فيها، وإن كان سهوًا، وطال الفصل أو نقض الوضوء بطلت صلاته وأعادها، أما إن ذكر قبل أن يطول الفصل أتم صلاته ثم سجد للسهو؛ لحديث أبي هريرة ﵁ (٣). الحال الثالثة: الكلام من غير جنس الصلاة، فإن كان عمدًا غير جاهل أبطل الصلاة إجماعًا؛ لحديث زيد بن أرقم ﵁ (٤) وإن كان سهوًا أو جهلاً فالصحيح أنه لا يبطلها، ولا سجود عليه؛ لأنه من غير جنس الصلاة. السبب الثاني: النقص، وهو ثلاثة أنواع: النوع الأول: ترك ركنٍ: كركوع أو سجود، فإن كان عمدًا بطلت الصلاة،

стр. 393

وإن كان سهوًا وكان تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته ولا يغني عنه سجود السهو شيئًا، أما إن كان ركنًا غير تكبيرة الإحرام فله ثلاثة أحوال: الحال الأولى: إن ذكره قبل أن يشرع في قراءة ركعة أخرى وجب عليه أن يرجع فيأتي بالركن الذي تركه وبما بعده (١). وقيل: إن ذكره قبل أن يصل إلى محله وجب عليه الرجوع فيأتي بالركن الذي تركه وبما بعده (٢). الحال الثانية: إن ذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى لغت الركعة التي ترك الركن فيها وقامت الركعة التي تليها مقامها (٣). وقيل: إن ذكره بعد أن وصل إلى محله من الركعة التي تليه فلا يرجع، وتقوم هذه الركعة مقام الركعة التي ترك فيها الركن (٤). الحال الثالثة: إن ذكره بعد السلام فكَتَرْكِهِ ركعة كاملة، فيأتي بركعة، ويسجد للسهو إلا أن يكون المتروك تشهدًا أخيرًا أو جلوسًا له أو سلامًا فيأتي به وعليه سجود السهو في هذه الصور كلها، إلا إن طال الفصل أو أحدث فيعيد الصلاة كاملة (٥). وقيل: إن ذكره بعد السلام أتى بالركن المتروك وما بعده، إلا إن طال

стр. 394

الفصل، أو أحدث فيعيد الصلاة كاملة (١). النوع الثاني: تركُ واجب من واجبات الصلاة، كالتكبير لغير الإحرام، أو تسبيح الركوع والسجود، وغير ذلك من الواجبات، فإن كان عمدًا بطلت الصلاة، وإن تركه سهوًا فعلى أحوال: الحال الأولى: إن ذكره قبل الوصول إلى الركن الذي يليه وجب عليه الرجوع ويأتي به. الحال الثانية: إن ذكره بعد أن وصل إلى الركن الذي يليه فلا يرجع وعليه سجود السهو. كالتشهد الأول فإنه إذا تركه لا يخلو من أربعة أمور: الأمر الأول: أن يذكره قبل أن تفارق فخذاه ساقيه، وبعضهم قال: قبل أن تفارق ركبتاه الأرض، والمعنى متقارب، ففي هذه الحال يستقر وليس عليه سجود؛ لأنه لم يزد شيئًا في صلاته. الأمر الثاني: إذا نهض ولكن في أثناء النهوض ذكر قبل أن يستتم قائمًا فإنه يرجع، ويأتي بالتشهد وعليه سجود السهو. الأمر الثالث: إذا نهض واستتم قائمًا فقد وصل إلى الركن الذي يليه، فيكره له الرجوع فإن رجع لم تبطل صلاته وعليه سجود السهو. الأمر الرابع: إذا ذكر بعد الشروع في القراءة فلا يرجع فإن رجع عمدًا عالمًا حرم عليه ذلك وبطلت صلاته؛ لأنه تعمد المفسد وهو زيادته فعلاً من جنسها. النوع الثالث: ترك مسنون، فإذا ترك مسنونًا لم تبطل الصلاة بتركه عمدًا ولا سهوًا، ولا سجود عليه. السبب الثالث: الشك، فإذا كان بعد السلام فلا يلتفت إليه، إلا إذا تيقن النقص أو الزيادة ، وإذا كان الشك وهمًا بحيث طرأ على الذهن ولم يستقر فلا يلتفت إليه، وإذا كثرت الشكوك لا يلتفت إليها، وإن لم يكن

стр. 395

الشك كذلك، فالشك إما أن يكون في زيادة ركن أو واجب في غير المحل الذي هو فيه فلا يلتفت له، وأما الشك في الزيادة وقت فعلها فيسجد له، وأما الشك في نقص الأركان فكتركها فيأتي بالركن على التفصيل الذي سبق في إكمال الأركان، إلا إذا غلب على ظنه أنه فعله فلا يرجع، ولكن عليه سجود السهو، والشك في ترك الواجب بعد أن فارق محله لا يوجب سجود السهو (١)، وإذا حصل له شك بنى على اليقين وهو الأقل، إلا إذا كان عنده غلبة ظن فإنه يتحرى ويبني على غالب ظنه، فيأخذ به (٢). ولا سجود على مأموم دخل مع الإمام من أول الصلاة، إلا تبعًا لإمامه؛ فإن قام المأموم المسبوق لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه، فسجد إمامه للسهو، بعد السلام فحكمه حكم القائم عن التشهد الأول: إن سجد إمامه قبل انتصابه قائمًا لزمه الرجوع، وإن انتصب قائمًا ولم يشرع في القراءة لم يرجع وإن رجع جاز، وإن شرع في القراءة لم يكن له الرجوع، ويسجد للسهو بعد قضاء ما عليه (٣) بعد السلام (٤).

стр. 396

المبحث الثالث والعشرون: صلاة التطوع أولاً: مفهوم التطوع: التطوع: النافلة وكل متنفّل خير: متطوع (١). قال الله تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ (٢). والتطوع: ما تبرع به المسلم من ذات نفسه مما لا يلزمه فرضه (٣). ثانياً: فضل التطوع: صلاة التطوع لها فضائل كثيرة عظيمة، منها ما يلي: ١ - تُكمّلُ الفرائضَ وتجبر نقصها ؛ لحديث تميم الداري ﵁ مرفوعاً: ((أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن كان أتمَّها كُتبت له تامة، وإن لم يكن أتمَّها قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوُّع فتكملون بها فريضته، ثم الزكاة كذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك)) (٤). ٢ - التطوع تُرفع به الدرجات وتُحطُّ الخطايا ؛ لحديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، عن النبي ﷺ أنه قال له: ((عليك بكثرة السجود؛ فإنك لا تسجد لله سجدةً إلا رفعك الله بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة)) (٥). ٣ - كثرة النوافل من أعظم أسباب دخول الجنة بمرافقة النبي ﷺ -؛ لحديث ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: ((سل))، فقلت: أسألك مرافقتك في

стр. 397

الجنة، قال ((أوَ غيرَ ذلك؟)) قلت: هو ذاك، قال: ((فأعنّي على نفسك بكثرة السجود)) (١). ٤ - صلاة التطوع أفضل أعمال نوافل البدن بعد الجهاد، والعلم: تعلُّمه، وتعليمه (٢)؛لحديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يُحافظ على الوضوء إلا مؤمن)) (٣). ٥ - صلاة التطوع في البيوت تجلب البركة ؛ لحديث جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ : ((إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته؛ فإن الله جاعلٌ في بيته من صلاته خيراً)) (٤)؛ ولحديث زيد بن ثابت ﵁ يرفعه، وفيه: ((فصلُّوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاةُ المرءِ في بيته إلا المكتوبة)) (٥). ولفظ مسلم: ((فعليكم بالصلاة في

стр. 398

بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)) (١)؛ ولحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً)) (٢). قال الإمام النووي ﵀: ((وإنما حثَّ على النافلة في البيت؛ لكونه أخفى وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات؛ وليتبرَّك البيتُ بذلك، وتنزل فيه الرحمة، والملائكة، وينفر منه الشيطان)) (٣). ٦ - التطوّعُ يجلبُ محبة الله لعبده ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى قال: من عادَى لي وليَّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)) (٤). ظاهره أن محبة الله للعبد تقع بملازمة العبد للفرائض؛ ودوامه والتزامه التقرب بالنوافل بعد الفرائض من صلاة، وصيام، وزكاةٍ، وحج، وغير ذلك (٥). ٧ - كمال التطوع يزيد في شكر العبد لله -؛ لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، فقالت: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخَّر؟ فقال: ((أفلا

стр. 399

أكون عبداً شكوراً)) (١). وعن المغيرة ﵁ قال: قام النبي ﷺ حتى تورَّمت قدماه فقيل له: غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) (٢). ثالثاً: جواز صلاة التطوع جالساً: تصح صلاة التطوع جالساً مع القدرة على القيام، قال الإمام النووي ﵀: ((وهو إجماع العلماء)) (٣). كما يصح أداء بعض التطوع من قيام وبعضه من قعود (٤)، وأما صلاة الفريضة فالقيام فيها ركن، من تركه مع القدرة عليه فصلاته باطلة (٥). وقد ثبتت الأحاديث بذلك، ففي حديث عائشة ﵂ في صلاة النبي ﷺ بالليل، قالت: (( ... كان يصلي من الليل تسع ركعات، فيهن الوتر، وكان يصلي ليلاً طويلاً قائماً، وليلاً طويلاً قاعداً، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعداً ركع وسجد وهو قاعد ... )) (٦). وعنها ﵂ قالت: ((ما رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالساً حتى إذا كَبِر قرأ جالساً حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهن ثم ركع)) (٧). وعن حفصة ﵂ قالت: ((ما رأيت رسول الله ﷺ صلى في

стр. 400

سبحته قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سبحته قاعداً، وكان يقرأ بالسورة فيرتّلها حتى تكون أطول من أطول منها)) (١). وصلاة المسلم قائماً أفضل عند القدرة؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ يرفعه: ((صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة)) (٢)؛ولحديث عمران بن حصين ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ عن صلاة الرجل قاعداً فقال: ((إن صلَّى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم ... )) (٣). ويستحب لمن صلَّى قاعداً أن يكون مُتربّعاً في حال مكان القيام؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((رأيت النبي ﷺ يصلي متربّعاً)) (٤). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((كانت صلاته [ ﷺ ] بالليل ثلاثة أنواع: أحدها: وهو أكثرها: صلاته قائماً . الثاني: أنه كان يصلي قاعداً ويركع قاعداً . الثالث: أنه كان يقرأ قاعداً، فإذا بقي يسير من قراءته قام فركع قائماً . والأنواع الثلاثة صحَّت عنه [ ﷺ ] (٥). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀

стр. 401

يقول: ((كانت صلاة النبي ﵊ بالليل على أنواع أربعة كما هو مجموع روايات عائشة ﵂: ١ - يصلي قائماً ويركع قائماً. ٢ - يصلي وهو قاعد ثم إذا لم يبقَ من القراءة إلا نحو من ثلاثين آية أو أربعين قام فقرأ بها ثم ركع. ٣ - يصلي وهو قاعد ثم إذا ختم قراءته قام فركع. ٤ - يصلي وهو جالس، ويركع وهو جالس)) (١). رابعاً: جواز التطوع على المركوب في السفر الطويل والقصير: يصح التطوع على المركوب في السفر: من راحلة، وطائرة، وسيارة، وسفينة وغيرها من وسائل النقل، أما الفريضة فلا بد من النزول لها إلا عند العجز؛ لحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجَّهت به، يومئ [برأسه] إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته)). وفي لفظ: ((غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)) (٢)، ولحديث عامر بن ربيعة ﵁ قال: ((رأيت النبي ﷺ يصلي على راحلته حيث توجَّهت به)). وفي لفظ: ((ولم يكن رسول الله ﷺ يصنع ذلك في المكتوبة)). وفي لفظ: ((أنه رأى النبي ﷺ يصلي السبحة بالليل في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به)) (٣)؛ولحديث جابر ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت به، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة)) (٤).وفي

стр. 402

لفظ: ((كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة)).وفي هذا أحاديث أخرى كحديث أنس ﵁ (١). ويستحب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام؛ لحديث أنس ﵁ ((أن رسول الله ﷺ كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر، ثم صلى حيث وجَّهَهُ ركابه)) (٢)،فإذا لم يفعل ذلك فالصلاة صحيحة عملاً بالأحاديث الصحيحة كما رجحه الإمام عبد العزيز ابن باز ﵀ (٣). وذكر الإمام النووي ﵀ ((أن التنفل على الراحلة في السفر الذي تُقصر فيه الصلاة جائز بإجماع المسلمين ... )) (٤). وأما السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة فالصواب جواز ذلك، وهو مذهب الجمهور (٥)؛لقول الله تعالى: ﴿وَلله الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٦)، وقد رجح الإمام ابن جرير-﵀-أن هذه الآية تدخل فيها صلاة التطوع في السفر على الراحلة حيثما توجهت بك راحلتك (٧). وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ عن الإمام الطبري ﵀ أنه احتج للجمهور: أن الله جعل التيمم رخصة للمريض والمسافر، وقد أجمعوا على أن من كان خارج المصر على ميل أو أقل ونيته العود إلى منزله لا إلى سفرٍ آخر، ولم يجد ماءً، أنه يجوز له التيمم، فكما جاز له التيمم في هذا القدر جاز له التنفل على الدابة لاشتراكهما في الرخصة (٨).

стр. 403

خامساً: أخلص مواضع صلاة التطوع: صلاة التطوع تصلى في المسجد، وفي البيت، وفي كل مكان طاهر: كالصحراء وغيرها، ولكن صلاتها في البيت أفضل إلا ما شرعت له الجماعة كصلاة التراويح ففعلها في المسجد أفضل. أما صلاة التطوع التي لم تشرع لها الجماعة فقد ثبتت الأحاديث التي تبين أن فعلها في البيت أفضل، منها حديث زيد بن ثابت ﵁ وفيه: ((فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) (١).وحديث جابر (٢)، وابن عمر (٣) ﵃ كلها تدل على أن أفضل الصلاة في البيت إلا المكتوبة. سادساً: أحب التطوع إلى الله ما دُووِمَ عليه: أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قلّ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: كانت عندي امرأة من بني أسد، فدخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال: ((من هذه؟)) قلت: فلانة، لا تنام الليل، تذكر من صلاتها، فقال: ((مه، عليكم ما تطيقون من الأعمال؛ فإن الله لا يملّ حتى تملُّوا)). [وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه] (٤)؛ ولحديث أنس ﵁ قال: دخل النبي ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين فقال: ((ما هذا الحبل؟)) قالوا: لزينب تصلي فإذا كسلت أو فَتَرتْ أمسكت به،

стр. 404

فقال: ((لا، حُلّوه، ليُصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقْعُدْ)) (١). وقال مسروق: سألت عائشة ﵂: أي العمل كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: الدائم، قلت: متى كان يقوم؟ قالت: كان يقوم إذا سمع الصارخ (٢)؛ ولحديث عائشة ﵂ ترفعه، وفيه: ((خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا)). وأحبُّ الصلاة إلى النبي ﷺ ما دُووِمَ عليه وإن قلَّت، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها (٣)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الدين يسر، ولن يشادّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدّدوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرَّوحة، وشيء من الدّلجة)). وفي رواية: ((لن يُدخل أحداً عملُه الجنة)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((لا، ولا أنا إلا أن يتغمَّدنيَ الله بفضلٍ ورحمة، فسدّدوا وقاربوا، ولا يتمنَّى أحدكم الموت، إما محسناً فلعله أن يزداد، وإما مسيئاً فلعله أن يستعتِب)). وفي رواية: ((سدّدوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيئاً من الدّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا)) (٤)؛ ولحديث عائشة ﵂ وفيه: (( ... وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ)). وفي رواية: ((سدّدوا وقاربوا، وأبشروا؛ فإنه لا يُدخِلُ أحداً الجنةَ عملُه)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة

стр. 405

ورحمة)) (١)؛ ولحديث عائشة ﵂ أنها سُئِلت كيف كان عمل النبي ﷺ ؟ قالت: ((كان عمله ديمة، وأيكم يستطيع ما كان النبي ﷺ يستطيع)) (٢). وفي هذه الأحاديث الحثُّ على المداومة على العمل وإن قلّ، والاقتصاد في العبادة، واجتناب التعمق والتشدد، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ (٣). وقوله ﷺ : ((فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا)) هذا الملل لا يشابه ملل المخلوقين، وليس فيه نقص ولا عيب، بل كما يليق بالله ، وسمعت الإمام عبد العزيز ابن باز-﵀ يقول: ((هذا مثل بقية الصفات، ومن مقتضاه أنه لا يقطع الثواب حتى تقطعوا العمل)) (٤). سابعاً: جواز صلاة التطوع جماعة أحياناً: لا بأس أن يصلي المسلم صلاة التطوع جماعة أحياناً؛ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((صليت مع رسول الله ﷺ ليلة فأطال حتى هممت بأمر سوءٍ، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه)) (٥)؛ ولحديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: ((صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مسترسلاً، إذا مرَّ بآية تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوذٍ تعوَّذ ... )) (٦). وعن عوف بن مالك ﵁ قال: ((قمت مع رسول الله ﷺ ليلة فقرأ سورة البقرة، لا يمرُّ بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمرُّ بآية عذاب

стр. 406

إلا وقف وتعوَّذ، ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه: ((سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة)) ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة)) (١). وحديث ابن عباس ﵄ في وصف صلاة رسول الله ﷺ وفيه: ((أن النبي ﷺ قام من الليل قال فقمت إلى جنبه ... )) (٢). وحديث أنس بن مالك ﵁ أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته فأكل منه، ثم قال: ((قوموا فأصلي لكم))، قال أنس بن مالك: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِسَ فنضحته بماء فقام عليه رسول الله ﷺ ، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين ثم انصرف)) (٣). وفي حديث أنس الآخر أن النبي ﷺ دخل عليهم هو وأمه، وأم حرام خالة أنس، فقال النبي ﷺ : ((قوموا فلأصلي بكم)) في غير وقت صلاة، فصلَّى بهم، وجعل أنس عن يمينه، وأقام المرأة خلفهم (٤). وعن عِتبان بن مالك ﵁ أنه كان يصلي بقومه فحال بينه وبينهم وادٍ إذا جاءت الأمطار شقَّ عليه اجتيازُه، وقد أنكر بصره، فسأل النبي ﷺ أن يأتي إليه ويصلي في بيته في مكان يتخذه مصلى، فجاء النبي ﷺ وأبو بكر معه، فلم يجلس حتى قال: ((أين تحبُّ أن أصلّيَ من بيتك؟)) فأشار إليه إلى المكان الذي يحب، قال: فقام رسول الله ﷺ فكبَّرَ وصفَفْنا وراءه، فصلى ركعتين ثم سلَّم، وسلَّمنا حين سلَّم ... وفي آخر الحديث: (( ... فإن الله قد

стр. 407

حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) (١). وفي هذه الأحاديث جواز النافلة جماعة في غير التراويح في رمضان، ولكن لا يتخذ ذلك سنة دائمة وإنما في بعض الأحيان؛ لأن النبي ﷺ كان أكثر تطوعه منفرداً (٢). ثامناً: أقسام صلاة التطوع: صلاة التطوع أقسام، منها السنن الرواتب الدائمة، والوتر، وصلاة الضحى، ومنها ما تُسن له الجماعة، ومنها التطوع المطلق، والتطوع المقيَّد، ومنها ما هو مقيَّد بسبب، ومنها غير ذلك، وكلها يطلق عليها صلاة التطوع (٣). وأقسام التطوع على النحو الآتي: القسم الأول: السنن الدائمة المستمرة وهي أنواع: النوع الأول: السنن الرواتب (٤) مع الفرائض، وهي على النحو الآتي: ١ - الرواتب المؤكدة مع الفرائض: اثنتا عشرة ركعة؛ لحديث أم حبيبة أم المؤمنين ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُنيَ له بيتٌ في الجنة)). وفي لفظ: ((ما من عبدٍ مسلمٍ يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة، أو بُني له بيتٌ في الجنة)) (٥). وجاء تفسيرها في سنن الترمذي من حديث أم حبيبة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من صلى

стр. 408

في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بُني له بيتٌ في الجنة: أربعاً قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر)) (١). ومن حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((من ثابر (٢) على اثنتي عشرة ركعة من السنة بنى الله له بيتاً في الجنة: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الفجر)) (٣). وحديث عائشة الآخر: ((كان لا يدع أربعاً قبل الظهر وركعتين قبل الغداة)) (٤). وثبت من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح))، وفي رواية: ((وركعتين بعد الجمعة في بيته)) (٥). فالرواتب اثنتي عشرة ركعة، كما قالت أم حبيبة وعائشة ﵄، أو عشر ركعات كما قال ابن عمر ﵄، وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يذكر أن من أخذ بحديث ابن عمر قال: الرواتب عشر، ومن أخذ بحديث عائشة قال: اثنتي عشرة، ويؤيد حديث عائشة ما رواه الترمذي في تفسيرها، ويدل عليه حديث أم حبيبة في فضل هذه الرواتب، ويحتمل أن رسول الله ﷺ كان تارة يصلي اثنتي عشرة ركعة كما في حديث

стр. 409

أم حبيبة وعائشة، وتارة يصلي عشراً كما في حديث ابن عمر، فإذا نَشِط المسلم صلى اثنتي عشرة، وإذا كان هناك شاغل صلى عشراً، وكلها رواتب، والكمال والتمام أن يصلي كما في حديث عائشة وأم حبيبة ﵄ (١). ٢ - السنن تفصيلاً: المؤكدة وغير المؤكدة مع الفرائض: اثنتان وعشرون ركعة، وهي على النحو الآتي: أ- أربع ركعات قبل الظهر ، وأربع بعدها؛ لحديث أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من حافظ على أربعِ ركعات قبل الظهر، وأربعٍ بعدها حرَّمه الله على النار)) (٢). ب- أربع ركعات قبل العصر ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً)) (٣). وجاء عن علي ﵁ أن النبي ﷺ ((كان يصلي قبل العصر ركعتين)) (٤). ج- ركعتان قبل المغرب وركعتان بعدها ؛ لحديث أنس ﵁ وفيه: ((وكنا نصلي

стр. 410

على عهد رسول الله ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب)) (١). وقال ﵁: ((كنا في المدينة فإذا أذَّن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري فركعوا ركعتين، ركعتين حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما)) (٢)؛ولحديث عبد الله بن مغفل ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((صلوا قبل صلاة المغرب))،قال في الثالثة: ((لمن شاء)) (٣). وفي رواية: أن النبي ﷺ ((صلى قبل المغرب ركعتين)) (٤). وعن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة))، قال في الثالثة: ((لمن شاء)) (٥). وهذه الأحاديث تدلّ على أن الركعتين قبل المغرب سنة قولية، وفعلية، وتقريرية. وأما الركعتان بعد المغرب فهي سنة مؤكدة كما تقدم من حديث عائشة، وأم حبيبة، وعبد الله بن عمر ﵃. والسنة أن يقرأ في الركعتين بعد المغرب بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾، و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: ((ما أُحصي ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل صلاة الفجر، بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾،و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ (٦). د- ركعتان قبل صلاة العشاء، وركعتان بعدها ؛ لحديث عبد الله بن

стр. 411

مغفل ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة))، ثم قال في الثالثة: ((لمن شاء)) (١). وأما الركعتان بعد العشاء، فهي سنة راتبة مؤكدة كما تقدم من حديث عبد الله بن عمر، وعائشة، وأم حبيبة ﵃. هـ- ركعتان قبل الفجر، وسنة الفجر آكد السنن الرواتب؛ لأمور تسعة: الأمر الأول: شدة تعاهد النبي ﷺ لها يدلُّ على عظمها ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: ((لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشدَّ منه تعاهداً على ركعتي الفجر)) (٢). الأمر الثاني: بيَّن النبي ﷺ فضلها ، فعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)) (٣). الأمر الثالث: السنة تخفيفهما ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: ((هل قرأ بأمّ الكتاب؟)) (٤). الأمر الرابع: وقتها بين الأذان والإقامة ؛ لحديث حفصة أم المؤمنين ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبدا الصبح ركع ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة (٥)؛ولحديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء

стр. 412

والإقامة من صلاة الصبح (١). الأمر الخامس: لا يُصلّى بعدها إلا فريضة الفجر ؛ لحديث حفصة أم المؤمنين ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين (٢). الأمر السادس: يقرأ فيهما: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾،و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون﴾، و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ (٣)،أو يقرأ في الركعة الأولى: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية التي في البقرة (٤). وفي الآخرة منهما: ﴿آمَنَّا بِالله وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٥). وفي رواية عن ابن عباس ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾، والتي في آل عمران: ﴿تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (٦). الأمر السابع: الاضطجاع بعدهما ؛ لحديث عائشة ﵂ ((أن النبي ﷺ كان إذا صلى سنة الفجر اضطجع على شقه الأيمن)) (٧). وفي لفظِ مسلمٍ: (( ... فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى

стр. 413

يأتيه المؤذن للإقامة)) (١). الأمر الثامن: لا تُتْرَكُ في الحضر ولا في السفر ؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: ((ولم يكن يدعهما أبداً)) (٢)، وهذا يدل على أنه كان ﷺ يداوم على ركعتي سنة الفجر في الحضر والسفر (٣). الأمر التاسع: قضاء سنة الفجر ، من فاتته راتبة الفجر صلاها بعدها أو بعدما ترتفع الشمس؛ لحديث قيس بن عمرو ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ، فأقيمت الصلاة فصليت معه الصبح، ثم انصرف النبي ﷺ فوجدني أصلي، فقال: ((مهلاً يا قيس أصلاتان معاً؟))، قلت: يا رسول الله إني لم أكن ركعت ركعتي الفجر، قال: ((فلا إذن)) (٤)، ولحديث قيس الآخر ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : ((صلاة الصبح ركعتان))،فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله ﷺ (٥).ولفظ ابن ماجه: ((أصلاة الصبح مرتين؟)) الحديث (٦). أو يصليها بعد ارتفاع الشمس؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من لم يصلّ ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس)) (٧).

стр. 414

وقد ثبت أن النبي ﷺ قضى راتبة الفجر مع الفريضة لما نام عن الفجر في السفر، فصلى الراتبة قبل الفريضة، ثم صلى الفريضة، وذلك بعد ارتفاع الشمس (١)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نام عن ركعتي الفجر فقضاهما بعدما طلعت الشمس (٢). ز- السنة الراتبة بعد الجمعة أربع ركعات ، أما قبل صلاة الجمعة فيصلي المسلم صلاة مطلقة، وليس لها قبلها سنة راتبة مقدرة، بل يشتغل بالتطوع المطلق والذكر حتى يخرج الإمام (٣). أما راتبة الجمعة بعدها؛ فلحديث ابن عمر ﵄ أنه حفظ من رسول الله ﷺ السنن الرواتب وفيه: ((وركعتين بعد الجمعة في بيته)) (٤)؛ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلى أحدُكم الجمعة فليصلّ بعدها أربعاً)).وفي لفظ: ((إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعاً)).وفي لفظ ثالث: ((من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصلّ أربعاً))،قال سهيل أحد رواة الحديث: ((فإن عجل بك شيء فصلّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت)) (٥). وعن عبد الله بن عمر ﵄: أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ثم قال: ((كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك)) (٦). واختلف أهل العلم في الراتبة بعد صلاة الجمعة، فمنهم من قال: يصليها أربعاً؛ لحديث أبي هريرة ﵁ ومنهم من قال: يصليها ركعتين في

стр. 415

البيت؛ لحديث ابن عمر من فعل النبي ﷺ ، وقد ذكر الإمام ابن القيم أنه سمع شيخه ابن تيمية - رحمهما الله - يقول: ((إن صلّى في المسجد صلَّى أربعاً، وإن صلّى في بيته صلّى ركعتين))، ثم قال ابن القيم: ((وعلى هذا تدل الأحاديث، وقد ذكر أبو داود (١) عن ابن عمر أنه كان إذا صلّى في المسجد صلى أربعاً، وإن صلّى في بيته صلّى ركعتين)) (٢). قال الإمام الصنعاني ﵀: ((والأربع أفضل من الاثنتين لوقوع الأمر بذلك ... )) (٣). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يذكر أن أهل العلم اختلفوا في هذا: ((فقال قوم: إن صلاها في المسجد صلى أربعاً، وإن صلى في البيت صلى اثنتين جمعاً بين الروايات، وقال آخرون: أقلها اثنتان وأكثرها أربع، ولا فرق بين كونها تُصلَّى في البيت أو في المسجد، وهذا القول أظهر؛ لأن القول مقدم على الفعل، والأربع أفضل؛ لأنه يتعلق بها الأمر)) (٤). وأما الصلاة قبل الجمعة فنافلة مطلقة بدون تقدير؛ لحديث سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من الطهر، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) (٥)؛ ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قُدّر له، ثم أنصت حتى يفرغ

стр. 416

من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام)) (١). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((فندبه إلى الصلاة ما كتب له، ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام؛ ولهذا قال غير واحد من السلف: منهم عمر بن الخطاب ﵁ وتبعه عليه الإمام أحمد بن حنبل: خروج الإمام يمنع الصلاة، وخطبته تمنع الكلام، فجعلوا المانع من الصلاة خروج الإمام لانتصاف النهار)) (٢). وذكر ﵀ أن الصلاة لا تُكره قبل زوال يوم الجمعة حتى يخرج الإمام كما هو مذهب الشافعي واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وأما إذا تأخر المأموم حتى صعد الإمام المنبر فإنه يصلي ركعتين خفيفتين تحية المسجد؛ لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل، فقال: له النبي ﷺ : ((أصليت يا فلان؟)) قال: لا، قال: ((قم فصلّ ركعتين))، وفي لفظ: ((إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما)) (٤). ٣ - وقت الرواتب مع الفرائض: كل سنة قبل الصلاة فوقتها من دخول الوقت إلى إقامة الصلاة، وكل سنة بعدها فوقتها من الفراغ من الصلاة إلى خروج وقتها (٥). ٤ - قضاء الرواتب ، قد ثبت عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا لم يصلّ أربعاً قبل الظهر صلاهن بعدها (٦).

стр. 417

وهذا والله أعلم، لأهمية هذه الراتبة؛ لحديث عبد الله بن السائب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي أربعاً بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: ((إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء وأحبّ أن يصعد لي فيها عمل صالح)) (١)،وسألت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: هل هذه راتبة صلاة الظهر أم غيرها؟ فبين ﵀ أنها راتبة الظهر. وثبت أن قيس بن عمرو ﵁ قضى راتبة الفجر بعدها فأقره النبي ﷺ (٢). وثبت من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من لم يُصلّ ركعتي الفجر فليصلّهِما بعدما تطلع الشمس)) (٣)، وثبت من حديث أبي هريرة ﵁ أيضاً ((أن النبي ﷺ نام عن ركعتي الفجر فقضاهما بعدما طلعت الشمس)) (٤). وثبت أن النبي ﷺ قضى راتبة الفجر مع الفريضة لما نام عن صلاة الفجر في السفر (٥)، فدلَّ ذلك على استحباب قضاء سنة الظهر التي قبلها بعدها، ودلَّ على استحباب قضاء سنة الفجر بعد الصلاة، أو بعد ارتفاع الشمس، وأن الرواتب تُقضى مع الصلاة الفائتة. وقد سألت شيخنا الإمام ابن باز ﵀: هل تقضى الرواتب؟ فبين أن الرواتب لا تقضى إلا مع الفوائت من الفرائض، أما قضاء النبي ﷺ سنة الظهر بعد العصر فهذا خاص به (٦). قلت: إلا ما ثبتت به السنة من قضاء راتبة الظهر القبلية بعدها، وقضاء راتبة

стр. 418

الفجر بعد الصلاة، أو بعد طلوع الشمس وارتفاعها، وقضاء الوتر شفعاً بالنهار لمن نسيه أو نام عنه. وهذا الذي يفتي به ﵀ حتى مات. ٥ - الفصل بين الرواتب والفرائض بخروج أو كلام ؛ لحديث السائب بن يزيد أن معاوية ﵁ قال له: إذا صليت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتى تتكلم أو تخرج؛ فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك: ((أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج)) (١). وهذا ليس خاصاً بصلاة الجمعة؛ لأن الراوي استدل على تخصيصه بذكر صلاة الجمعة بحديث يعمها وغيرها، قيل: والحكمة في ذلك لئلا يشتبه الفرض بالنافلة، وقد ورد أن ذلك هلكة (٢)، وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فقام رجل يصلي، فرآه عمر فقال له: اجلس فإنما أهلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل، فقال رسول الله ﷺ : ((أحسن ابن الخطاب)) (٣)، وسمعت الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يقول عن الحكمة في النهي: ((لأن وصلها بها يوهم بأنها تابعة لها، وهذا في الجمعة وغيرها، فإذا فصل بينها بكلام، أو خروج، أو تكلم باستغفار، أو بشيء من ذكرٍ انفصلت)) (٤). قال الصنعاني ﵀: ((وقد ذكر العلماء: أنه يستحب التحول للنافلة من موضع الفريضة، والأفضل أن يتحول إلى بيته؛ فإن فعل النوافل في البيوت أفضل، وإلا فإلى موضع في المسجد أو غيره، وفيه تكثيرٌ لمواضع السجود)) (٥). وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((أيعجز أحدكم أن يتقدم

стр. 419

أو يتأخر، أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة)) يعني في السبحة (١). وقد ثبت عن ابن عمر ﵄ الانتقال في الفرض وفي النفل كذلك: كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين، ثم تقدم فصلى أربعاً، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصلّ في المسجد فقيل له فقال: ((كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك)) (٢). قلت: وهذا يستشهد به على تكثير مواضع السجود كما قرره شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀. ٦ - ترك الرواتب وغيرها إذا أقيمت المكتوبة ؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (٣)، ولحديث عبد الله بن مالك بن بُحينة ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول الله ﷺ ، لاث به الناس (٤) فقال له رسول الله ﷺ : ((آلصبح أربعاً، آلصبح أربعاً؟)) (٥)؛ ولحديث عبد الله بن سرجس ﵁ قال: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ في صلاة الغداة فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع رسول الله ﷺ ، فلما سلم رسول الله ﷺ قال: ((يا فلان بأي الصلاتين اعتددت؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟)) (٦).وهذه الأحاديث تدل

стр. 420

على أن المسلم إذا سمع الإقامة لا يحل له أن يدخل في صلاة تطوع سواء كانت راتبة: كسنة الفجر، والظهر، والعصر، أو غيرها، وسواء كانت في المسجد أو خارجه، وسواء خاف فوات الركعة الأولى أو لم يخف، والحجة عند التنازع السنة، فمن أدلى بها فقد أفلح (١)، والصحيح أن الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام؛ فإنه إذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام مع الإمام، وفاته بعض مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها، وفيه حكمة أخرى: وهي النهي عن الاختلاف على الأئمة. واستُدلَّ بعموم قوله ﷺ : ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) لمن قال يقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة (٢). وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقطعها إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي؛ بل يتمها خفيفة عملاً بعموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٣). وحملوا الأحاديث على من بدأ الصلاة بعد الإقامة، وقيل: إن خشي فوات الفريضة في الجماعة قطعها، وإن لم يخشَ فوات الجماعة أتمها (٤). والصواب الذي دل عليه عموم الأحاديث أنه يقطعها، وهذا صريح في حديث عبد الله بن مالك بن بحينة الذي سبق ذكره قبل أسطر (٥)، وأصرح منه لفظه عند مسلم، قال: أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول الله ﷺ رجلاً والمؤذن يقيم فقال: ((أتصلي الصبح أربعاً)).

стр. 421

وهذا الذي سمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀ يرجحه، ويقول: ((أما الآية الكريمة فهي عامة، والحديث خاص، والخاص يقضي على العام ولا يخالفه، كما يُعلم ذلك من أصول الفقه ومصطلح الحديث، لكن لو أقيمت الصلاة وقد ركع الركوع الثاني، أو في السجود أوفي التحيات فإنه لا حرج في إتمامها؛ لأن الصلاة قد انتهت ولم يبق منها إلا أقل من ركعة)) (١). وقال مرة في موضع آخر: ((لأن أقل الصلاة ركعة ولم يبق إلا أقل منها، فإتمامها لا يخالف الحديث المذكور)) (٢). ٧ - السنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر والوتر ؛ لحديث عاصم بن عمر بن الخطاب، قال صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناساً قياماً، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحاً أتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لقَدْ كانَ لكُم في رسولِ الله أُسوةٌ حسَنةٌ﴾ (٣). أما سنة الفجر، والوتر فلا تترك لا في الحضر ولا في السفر؛ لحديث عائشة ﵂ في سنة الفجر، أن النبي ﷺ ((لم يكن يدعهما أبداً)) (٤)؛ ولحديث أبي قتادة ﵁ في نوم النبي ﷺ وأصحابه في السفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وفيه: ((ثم أذن بلال بالصلاة فصلى

стр. 422

رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم)) (١). وأما سنة الوتر؛ فلحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: ((كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته)). وفي لفظ: ((كان يوتر على البعير)) (٢). قال الإمام ابن القيم ﵀: ((وكان تعاهده ﷺ ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل، ولم يكن يدعها هي والوتر سفراً ولا حضراً ... ولم ينقل عنه في السفر أنه ﷺ صلّى سنة راتبة غيرهما)) (٣). وأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقاً، مثل: صلاة الضحى، والتهجد بالليل، وجميع النوافل المطلقة، والصلوات ذوات الأسباب: كسنة الوضوء، وسنة الطواف، وصلاة الكسوف، وتحية المسجد وغير ذلك (٤). قال الإمام النووي-﵀: ((وقد اتفق العلماء على استحباب النوافل المطلقة في السفر ... )) (٥).

стр. 423

النوع الثاني: الوتر: ١ - الوتر سنة مؤكدة (١)؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الوتر حقٌ على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل)) (٢)؛ولحديث علي ﵁ قال: ((الوتر ليس بحَتْم كصلاتكم المكتوبة، ولكن سنةٌ سنها رسول الله ﷺ )) (٣). ومما يدل على أن الوتر ليس بحتم بل سنة مؤكدة ما ثبت من حديث طلحة بن عبيد الله، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله عليّ من الصلاة؟ فقال: ((الصلوات الخمس إلا أن تطوَّع شيئاً)) فقال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الصيام؟ فقال: ((شهر رمضان إلا أن تطوع شيئاً)). فقال: أخبرني بما فرض الله عليّ من الزكاة [وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال:

стр. 424

هل عليّ غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن تطوع))] فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : ((أفلح إن صدق، أو أُدخل الجنة إن صدق)) (١)؛ ولحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن وفيه: (( ... فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمسَ صلوات في اليوم والليلة ... )) (٢). وهذان الحديثان يدلان على أن الوتر ليس بواجب، وهو مذهب جمهور العلماء (٣)، بل هو سنة مؤكدة جداً، ولهذا لم يترك رسول الله ﷺ سنة الفجر والوتر في الحضر ولا في السفر (٤). ٢ - فضل الوتر، له فضل عظيم ؛ لحديث خارجة بن حذافة العدوي، قال: خرج علينا النبي ﷺ فقال: ((إن الله تعالى قد أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حُمرِ النَّعم، وهي الوِتر، وجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر)) (٥).

стр. 425

ومما يدل على فضلها وتأكد سنيتها حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: أوتر رسول الله ﷺ ثم قال: ((يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر)) (١). وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز يقول في تقريره على هذا الحديث: ((هذا يدل على أنه ينبغي أن يكون أهل العلم لهم عناية أكثر من غيرهم وإن كان مشروعاً للجميع حتى يقتدي بهم من عرف أحوالهم وأعمالهم، والوتر أقله ركعة بين العشاء والفجر، وهو سبحانه وتر يحب الوتر، ويحب ما يوافق صفاته، فهو صبور يحب الصابرين، بخلاف العزة والعظمة، فالعباد يأخذون من صفاته ما يناسب العبد من كرم وجود وإحسان)) (٢). ٣ - وقت صلاة الوتر: جميع أوقات الليل بعد صلاة العشاء على النحو الآتي: أ- وقت الوتر الشامل: ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بصرة الغفاري عن النبي ﷺ قال: ((إن الله زادكم صلاة وهي الوتر، فصلُّوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر)) (٣). فظهر من هذا الحديث أن وقت الوتر ما بين صلاة العشاء والفجر، وسواء صلى المسلم العشاء في وقتها أو صلاها مجموعة إلى المغرب جمع تقديم؛ فإن وقت الوتر يدخل من حين أن يصلي العشاء (٤).
следующие страницы →